القانون الدولي

بقلم ذ جمال الدين ايت الطاهر
باحث في القانون الدولي العام و الحكامة العالمية
تحت عدد: 306
خاض الباحثون في حقل العلاقات الدولية

  و علم الاجتماع السياسي الدولي في مفهوم الربيع العربي(3) ، كل من زاوية اختصاصه و كل من منظاره التحليلي فمنهم من يكتفى بتسمية الأحداث التاريخية التي وقعت في العالم العربي مع بداية العشرية الثانية من القرن الحادي و العشرين، بأنها مجرد انتفاضات  «Uprisings» ضد كل أشكال القمع و الظلم و انتفاء العدل و المساواة الاجتماعية (4). و ينفي عنها بالتالي مصطلح الثورة لأن هذه الأخيرة لها دلالات و رمزية تحيل على برنامج و إيديولوجيا (5).

 و منهم من يؤكد بالمقابل على أنها فعلا ثورات و أن الشعوب العربية ليس قدرها الديكتاتورية و أنها، كباقي الشعوب، تواقة للحرية و الكرامة و العدالة (6).

لكن، رغم ضعف نسبة النجاح لهذه الثورات العربية (7) ، التي أعطتنا الحالة التونسية فقط كنموذج لانتقال ديمقراطي حقيقي، و رغم تطور الأحداث في اتجاه مأساوي زاغ إلى مستوى طائفي بغيض في كل من سوريا و اليمن و إلى دكتاتورية عسكرية في مصر و ثورة مضادة مرتهنة للجار الشرقي بالنسبة لليبيا، فإن التغيرات الفكرية للإنسان العربي قد تكون استجابت بهذه الثورات لعولمة متعددة المظاهر: اقتصادية، ثقافية، سياسية، و بالأخص لعولمة إعلامية جعلت الكرة الأرضية تقارن مجازا بقرية صغيرة يعرف سكانها بعضهم البعض عن طريق وسائل الإعلام خاصة الحديثة منها كشبكة الانترنيت و مواقع التواصل الاجتماعي.

هذه التحولات السوسيو- سياسية بالعالم العربي لا يمكن فهم واقعها ثم استشراف مآلاتها دون دراسة متأنية للاعبين الأساسيين في الحوكمة العالمية الحالية، هذه الأخيرة بصفتها تعاونا دوليا يتسع لفاعلين آخرين غير الدول و المنظمات الدولية و هادفا إلى ردم الهوة أو التفاوت الموجودين بين سوق عالمي مندمج أكثر فأكثر و نظام متعدد من الدول ذات السيادة.

في هذه المقال(8) نحاول معالجة إشكالية دور القوة الصلبة و الناعمة، للفاعلين أو اللاعبين في الحوكمة العالمية، في التأثير على ثورات الربيع العربي و جدلية القوة بين فاعلي الداخل و الخارج و ماهية طبيعة تأثيرهم في رسم مآلات هذه الثورات.

نقارب إذن هذا الموضوع من خلال زاويتين، أولاهما تعالج دور الدول و المنظمات الدولية الحكومية كالأمم المتحدة، الاتحاد الأوربي و الاتحاد الإفريقي و محددات مواقفها من هذه الثورات (I)، أما ثانيهما فتتصدى لتأثير الفاعلين الجدد في الحوكمة العالمية كالمنظمات غير الحكومية، الشركات متعددة الجنسيات، وسائل الإعلام، مراكز التفكير و وكالات التنقيط العالمية في مآل هذه الأحداث التاريخية (II).

I- دور الفاعلين الكلاسيكيين: الدول و المنظمات الدولية الحكومية:

منذ اندلاع الثورات في الدول الأربع كان موقف الدول و المنظمات الدولية متسما بالمساندة (أ) و في أحايين أخرى موسوما بالحياد أو المعارضة (ب).

 

 

أ - الدول و المنظمات الدولية المساندة:

على اعتبار أن الدول هي الفاعل الرئيسي و الأصيل في العلاقات الدولية من منظور القانون الدولي العام، نلاحظ أن مواقف هذه الدول تتأرجح بين لغة المصالح و متطلبات المبادئ بينما تتبع المنظمات الدولية و الإقليمية توجهات أعضائها.

1- الدول بين لغة المبادئ و ضغط المصالح.

في تعاملها مع موجات الاحتجاج و التظاهر التي طبعت بدايات ثورات الربيع العربي، شكلت دول العالم الغربي سربا يغرد ممجدا لهذه الثورات. فالولايات المتحدة الأميركية كانت سباقة ببيان لوزارة الخارجية(9) ، تعلن فيه أن لا اتصالات بينها و بين زين العابدين بن علي في الأيام التي كانت تعتمل فيها نار الاحتجاجات، مما شكل ضربة موجعة و ربما قاضية لكل آمال الرئيس التونسي الأسبق في الاستمرار في الحكم بسحق المتظاهرين. على عكس فرنسا التي تشبثت بشكل لافت، جلب عليها نوعا من السخرية (10) ، بدعم النظام التونسي إلى أخر لحظة رغم معارضة وسائل الإعلام و المنظمات الحقوقية(11). و لقد كانت فرنسا ترى في الاستقرار "الاقتصادي" لتونس تحت ديكتاتورية بنعلي، مدعاة للسكوت على انتهاكات هذا الأخير لحقوق الإنسان بل كانت تعتبره درعا متقدما ضد "الخطر الإسلامي(12)".

و نظرا للطابع المفاجئ لتطور الأحداث، حاول الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي التماهي مع الثورات العربية اللاحقة بوضع ألان جوبي، الوزير الأول سابقا، على رأس الدبلوماسية الفرنسية. هذا الأخير صرح من تونس، مباشرة بعد تعيينه، عن مساندة فرنسا "للشعب التونسي الأهل للديمقراطية" و قام بزيارة مصر مباشرة بعد تنحية الرئيس الأسبق حسني مبارك. كما استقبل الرئيس الفرنسي بباريس وفدا من الثوار الليبيين غداة اندلاع ثورة 17 فبراير 2011 و قام و رئيس الوزراء البريطاني بزيارة طرابلس مباشرة بعد نجاح الثورة للتدليل على مساندة فرنسا و بريطانيا للثورة الليبية (13).

 لقد ساندت الدول الغربية في البداية الثورات العربية مساندة كاملة (ربما إلى حين). موقف يمكن تفسيره من خلال ثلاث زوايا: أخلاقية، اقتصادية و استخباراتية.

- من الناحية الأخلاقية: كون النظام الديمقراطي الليبرالي المتبع في الغرب يحض على احترام الديمقراطية التعددية و حقوق الإنسان الأساسية، فإن الربيع العربي يعد نجاحا للدول الغربية في اتجاه تعميم هذا النظام على بلدان المعمور كما توقع الأميركي فرانسيس فوكوياما في كتابه المشهور »نهاية التاريخ و الإنسان الأخير»(14).

- من الناحية الاقتصادية: تعني المساندة الغربية للثورات الحصول على حظوة لدى السلطات المنتخبة الجديدة و انطلاقا من مبدأ رد الجميل للداعمين ضمان حصول الشركات الغربية على امتيازات في المشاريع الاقتصادية و مشاريع إعادة البناء.

- من الناحية الاستخباراتية: المساندة للثورات تعني تجاوز النكوص الاستخباراتي الغربي الذي لم يستطع التنبؤ بهذه الأحداث الكبرى التي بعثرت أوراقه و أظهرت الخاصية الأساسية للثورات و هي عدم إمكانية توقع حدوثها. و هنا يجب التأكيد على دور المخابرات في رسم سياسات الدول الغربية الكبرى إلى درجة أنه يمكن اعتبار الوظيفة الدبلوماسية مجرد واجهة بروتوكولية بينما المواقف تتخذ اعتمادا على العمل المخابراتي.

 لكن رغم مساندة الغرب للثورة المصرية و مواكبة حليفه الأميركي لكل لحظة من لحظاتها- أذاع الرئيس الأميركي خمسة تصريحات "Statement" و الناطق الرسمي باسم الخارجية الأميركية سبعة إيجازات يومية "Briefing" على مدى 17 يوما من المظاهرات (15) - نجد أنه مع توالي الأشهر و بروز الخوف من تبلور و استقرار حكومة وطنية لا تحفظ بالكامل المصالح الحيوية الغربية، لاحظنا تغيرا في موقف الولايات المتحدة، ظهر جليا في الخط التحريري لقناة »الحرة «المعبرة عن وجهة النظر الأميركية و التي بدأت تصف المظاهرات في مصر بمظاهرات الإخوان المسلمين منذ 30 يونيو 2013. 

على الصعيد الإقليمي، أبدت تركيا المساندة الفاعلة للثوراث في الدول الأربع و هو موقف يمكن تفسيره بالديمقراطية التركية الناجحة اقتصاديا و الباحثة عن ريادة سياسية إقليمية و أسواق مفتوحة جديدة.

2- المنظمات الدولية بين المواثيق الصريحة و براغماتية الدول الأعضاء.

بالنسبة للمنظمات الدولية و على رأسها منظمة الأمم المتحدة، نجد أن مساندتها المبدئية للربيع العربي تنسجم مع مبادئ مواثيقها التأسيسية (16) ، لكنها تبقى رهينة لمواقف دولها الأعضاء.

و لبيان ذلك نسوق تصريحا لأمين عام منظمة الأمم المتحدة بان كي مون حول الثورة التونسية ، جاء فيه: «لقد أبدى التونسيون شجاعة و تصميما كبيرين من أجل بناء نظام ديمقراطي. كما تحملوا بشكل كبير تداعيات الأزمة الليبية، حيث تجاوز المئات من الآلاف من الأشخاص الحدود التونسية في طريقهم إلى وجهات أخرى. إني احيي الحكومة و الشعب التونسي لكرم ضيافتهم» (17).

أما الاتحاد الأوربي، فكان أكثر وضوحا في دعمه لثورات الربيع العربي في البلدان الأربعة حيث أصدرت المفوضية الأوربية عدة توصيات موجهة لمجلس الاتحاد و للبرلمان الأوربيين من أجل اتخاذ قرارات أوربية مواكبة للربيع العربي، نذكر منها الوثيقة المشتركة بتاريخ 8 مارس 2011 المعنونة «شراكة من أجل الديمقراطية و الرخاء المشترك مع دول جنوب المتوسط»(18) و الوثيقة الثانية بتاريخ 25 ماي 2011 بعنوان «إستراتيجية جديدة تجاه جوار متغير»(19) و اللتان اقترحت فيهما المفوضية زيادة الدعم الأوربي للمجتمع المدني بدول جنوب البحر الأبيض المتوسط و أكدت فيهما على أن دمقرطة الأنظمة السياسية في هذه الدول هو السبيل للاستقرار و الرخاء الذي ينشدهما الاتحاد الأوربي في جواره المتوسطي. 

من جهته، أصدر البرلمان الأوربي قرارا غير ملزم تحت عدد 2014/2532 RSP بتاريخ 6 فبراير 2014 حول وضعية حقوق الإنسان بمصر يقول فيه: «  […]1. إن البرلمان الأوربي  يعبر مجددا عن تضامنه الكبير مع الشعب المصري و عن دعمه لآماله المشروعة في مجال الديمقراطية من أجل انتقال ديمقراطي سلمي بواسطة إصلاحات سياسية، اقتصادية و اجتماعية[…]» (20).

 أما الاتحاد الإفريقي فقد درج على معارضة كل سيطرة على السلطة عن طريق الانقلاب. لذا قام بتعليق عضوية مصر في الاتحاد بتاريخ 5 يوليوز 2013 أي بعد يومين من الانقلاب، لكنه انتظر حتى إجراء الانتخابات الرئاسية في 17 يونيو 2014، ليعيد اعترافه بالنظام المصري (21) الحالي مبررا ذلك بسيطرة السلطات المصرية على البلاد و مشاركة المواطنين في الانتخابات.

ب - الدول و المنظمات الدولية المناوئة للثورات العربية:

بطبيعة أجنداتها و تحولاتها الجذرية، تتشكل ضد الثورات معارضة قوية تفضل المحافظة على المصالح و تخاف التغيير. و بالنسبة للربيع العربي، توزعت الدول (و المنظمات الدولية بالتبعية) المعارضة له إلى نوعين: الدول المعارضة بالطبيعة نظرا لإتباعها لشكل الحكم الديكتاتوري الغير تعددي الذي يرى في الثورات مشروعا مهددا و الثانية تلك المعارضة بالمصلحة لرغبتها في الحفاظ على الوضع القائم "Statut quo" الذي يضمن مصالحها الاقتصادية و العسكرية و الاستراتيجية.

ب.1: الدول المعارضة بالطبيعة:

بخصوص هذا الصنف نسرد إقليميا، إيران، دول الخليج، الجزائر أما على صعيد باقي العالم فنذكر الصين و روسيا كقوتين عظميين.

- دول المعارضة الإقليمية:

كان موقف إيران مثيرا للشفقة حيث ساندت علنا الثورة في تونس و مصر بشكل لافت حيث شبهتها بثورة إيران على نظام الشاه سنة 1979، و لما وصلت زهور الربيع إلى سوريا نكصت إيران بهذا الإزهار لتصفه بالإرهاب و بالانقلاب على مشروع المقاومة ضد إسرائيل. و بدت هذه المناوئة واضحة من خلال دعم النظام السوري بالسلاح و المال و المتطوعين. و في العمق فان إيران تعتبر نفسها في موقف دفاع عن الشيعة (22) في سوريا و عن حزب الله اللبناني، ذراعها العسكرية بالمنطقة. إن هذا الموقف مطبوع بقصر النظر لأن من شروط إقامة الدولة الديمقراطية احترام حقوق الأقليات سواء منها الدينية أو العرقية أو اللغوية أو غيرها.

أما دول الخليج، فلم تخف مساندتها المستميتة للأنظمة التي عصفت بها الثورات (باستثناء الثورة السورية التي ساندتها الدول الخليجية لدواع جيوسياسية متمثلة في مواجهة النفوذ الإيراني في بلاد الشام). و تبدو المملكة العربية السعودية بقبولها استضافة زين العابدين بنعلي، بعد تنحيته من رئاسة تونس، متماهية مع موقفها المناوئ للثوراث العربية. كما أن إعلانها على لسان الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز مساندة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك خلال السبعة عشر يوما من المظاهرات التي أطاحت بهذا الأخير، دليل على الموقف المحافظ للبلدان الخليجية. لكن مع وصول الملك سلمان بن عبد العزيز إلى الحكم في الرياض في يناير 2015، يلاحظ تحول في السياسة السعودية التي أصبحت أكثر براغماتية و تستمع إلى نبض الشارع السعودي و العربي فيما يخص اليمن و ربما تجاه دعوات الانفتاح السياسي بصفة عامة.

 في اليمن، كان دعم الدول الخليجية للرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح واضحا بفضل المبادرة الخليجية التي أمنت تنحيته من دون خسائر. لكن انقلاب الحوثيين على الرئيس المنتخب عبد ربه منصور هادي، في شتنبر 2014، عجل بتغيير الموقف السعودي و الخليجي نظرا للتداعيات الإستراتيجية لهذا التحرك الذي تسانده إيران.

في مصر كان دعم دول الخليج جليا منذ أولى خطوات الانقلاب على الحكومة الديمقراطية في يوليو 2013. دعم اقتصادي تمثل في عشرات الملايير من الدولارات فضلا عن الدعم السياسي و الإعلامي للنظام المصري الحالي.

إن مرد هذا الموقف الخليجي هو أولا الخوف من المد الديمقراطي، و هو أمر غير مبني على المنطق لأن هذا المد لا رجعة فيه رغم الجزر المؤقت الذي يمكن أن ينتابه، ثم ثانيا الخوف من عدم قابلية المجتمعات العربية للتوافق على النظام الديمقراطي مما يؤدي إلى نتائج غير متوقعة و ربما كارثية كالفوضى و الإرهاب و التناحر الطائفي و الديني و هذا أمر يمكن تفهمه.

بالنسبة للجزائر فقد قدمت نموذجا للموقف الرافض لأي تحول ديمقراطي منذ بداية هذه الثورات. و يمكن تفسير ذلك بتمكن النظام الجزائري- المعتمد على الجيش مع وجوه سياسية من أقطاب حركة التحرير ضد الاستعمار- من استغلال يأس المجتمع من أي انتقال ديمقراطي بعد التجربة الدموية لعشرية التسعينات بالجزائر.

- دول المعارضة بباقي العالم:

برزت روسيا و الصين كدولتين معارضتين لكل انتقال ديمقراطي في دول الربيع العربي. فروسيا عارضت بشراسة الثورات العربية، أولا في ليبيا بانتقاد "استغلال" قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 (2011) حول ليبيا من طرف الدول الغربية لإسقاط نظام القذافي حسب روسيا. كما دعمت نظام بشار الأسد في سوريا، عسكريا بالسلاح و سياسيا، في الأمم المتحدة، عن طريق استعمال الفيتو ثلاث مرات ضد قرارات لمجلس الأمن كانت تدينه. و منذ نهاية سبتمبر 2015 دخلت الحرب في سوريا إلى جانب الرئيس بشار الأسد مباشرة و بدون مساحيق للتجميل. و هو أمر نعتبره محاولة يائسة من روسيا لإنقاذ وضعها الجيواستراتيجي كقوة عظمى أو في أحسن الأحوال الهروب إلى الأمام بسبب بعدها عن الديمقراطية و نظرا للمصاعب الاقتصادية التي تواجهها منذ تدخلها في أوكرانيا بداية 2014: تراجع الناتج الداخلي الخام ب 178 مليار دولار، تسجيل الاستثمارات لأرقام سلبية (%2- ) أي هروب رؤوس الأموال ، تناقص الاحتياطي من العملة الصعبة بالربع: من 510 مليار دولار سنة 2013 إلى 385 سنة 2014 (23). و تعزى معارضة روسيا للربيع العربي إلى عاملين:

أولا، محاربتها للإسلام السياسي في جمهورياتها بالقوقاز (الشيشان، أبخازيا، داغستان) يفرض عليها عدم القبول بديمقراطيات بالعالم العربي تحكمها أحزاب الإسلام السياسي بل و محاربتها بكل ما أوتيت من قوة صلبة بصفتها إحدى الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية و المحددة للسياسة العالمية.

ثانيا، خوفها من انتشار بقعة الزيت الديمقراطية إلى عقر دارها و من خطر استغلال الدول الغربية للعبة الديمقراطية من أجل السيطرة على مقدراتها العسكرية و الطاقية و الاقتصادية. و نظن أنه على المدى المتوسط لا يستطيع النظام الروسي تفادي صعود القطار الديمقراطي الذي ما فتئ يقترب من حدوده الغربية و آخر راكبيه هو جاره الأوكراني.

أما الصين، الدولة الشمولية سياسيا و المنفتحة اقتصاديا، فترى في التحالف مع روسيا في موقفها تجاه ثورات الربيع العربي، حماية لنفسها من المد الديمقراطي و حفاظا على النظام الدولي القائم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية و بعث لعبة المحاور في مواجهة الولايات المتحدة و الدول الأوربية و اليابان.

ب. 2: الدول المعارضة بالمصلحة:

بصفتها أكبر قوة اقتصادية و عسكرية عالمية، تعتبر الولايات المتحدة أمن إسرائيل نقطة حمراء، و أي تهديد لهذه الدولة "المدللة" هو أمر غير مقبول حتى لو كان على حساب نشر المبادئ الديمقراطية التي بشر بها الرئيس أوباما في خطابه بجامعة القاهرة سنة 2009.

و بما أن مصر ديمقراطية يمكن أن تشكل تهديدا حقيقيا للحدود الجنوبية لإسرائيل، أن سوريا ديمقراطية خطر داهم على الحدود الشمالية الشرقية لها و أن ليبيا ديمقراطية تهديد ممكن و ليس محدق نظرا لبعدها ألاف الأميال من شواطئ فلسطين، فإن السماح بتجربة هذا المسار الديمقراطي يعد مخاطرة غير محسوبة جيو سياسيا بالنسبة لأميركا.

إن أي تهديد يمكن أن يجعل قوة عظمى كالولايات المتحدة أو حليفتها في موقف هش "Vulnerable" هو أمر مرفوض يجب التصدي لأنه على المدى المتوسط أو البعيد يمكن من تغيير موازين القوى الدولية بإبراز قوى إقليمية غير متحكم في توجهاتها. و هذا ما يفسر هذه المعارضة الشرسة للربيع العربي.

لكن في اعتقادنا، هذا التصور التبسيطي يجانب الصواب لأن الديمقراطيات لا تدخل الحرب إلا نادرا و إذا دخلتها فسرعان ما تلجأ للحل السياسي لأنها تكون تحت ضغط الرأي العام باستمرار من خلال الانتخابات الدورية أو استطلاعات الرأي. و الدول العربية الديمقراطية لن تشد عن هذا المبدأ المسلم به.

ب.3. المنظمات الدولية الحكومية:

لقد قلنا أن مواقف المنظمات الدولية هي ترجمة لسياسات الدول الأعضاء فيها. إن فشل مجلس حقوق الإنسان المنبثق عن الأمم المتحدة، في انتقاد ما يجري في مصر هو أجلى برهان على ارتباط المنظمات الدولية بمصالح الدول الأعضاء فيها. هذا المجلس عقد اجتماعا بتاريخ 24 ديسمبر 2014، لعرض تقرير الفريق المكلف بالاستعراض الدوري الشامل حول مصر و أثناءه ظهرت المواقف الحقيقية للدول الأعضاء فيه. فمن مجموع 121 تعليقا أثناء جلسة التحاور، 18 فقط منها انتقدت الحكومة المصرية لسجلها الحقوقي و هي: سلوفينيا، اسبانيا، السويد، تركيا، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة، أورغواي، النمسا، سويسرا، الدنمرك، فنلندا، ألمانيا، ايرلندا، ايطاليا، الجبل الأسود، هولندا، النرويج، البرتغال و هي للتذكير كلها دول ديمقراطية،  بينما أثنت عليها 103 دولة (24).

II- دور الفاعلين الجدد في الحوكمة العالمية:

لبيان تأثير اللاعبين الجدد في الحوكمة العالمية على ثورات الربيع العربي و مآلاته وجب تحديد طبيعتهم (أ) ثم كيف يؤثرون في الساحة الدولية و ماهية وسائلهم ؟ (ب).

أ- طبيعة الفاعلين الجدد:

نقصد بالفاعلين الجدد المنظمات غير الحكومية، الشركات متعددة الجنسيات، وسائل الإعلام، مراكز التفكير و وكالات التنقيط العالمية.

1- المنظمات غير الحكومية:

 تعتمد المنظمات غير الحكومية في عملها على الساحة الدولية على آلية «التوبيخ بالإشارة» Naming and Shaming»». و تنبع فعالية هذه الآلية في اقترانها بوسائل الإعلام و علاقتها مع الفاعلين الآخرين في إطار شبكات تُـشكِّـل رأيا عاما عالميا ضاغطا.

 إن أبرز مثال على هذه الفعالية هو التقارير السنوية الذي تصدرها منظمات مثل Amnesty International؛ Human Rights Watch أو Freedom House، حول وضع حقوق الإنسان في العالم. فعملية نشر هذه التقارير في وسائل الإعلام المكتوبة و المرئية عبر العالم و مسارعة الدول المعنية بالأمر إلى الرد و التوضيح لتجنب خدش صورتها أمام الدول الأخرى و المستثمرين الخواص، يبين الدور المتعاظم لمنظمات المجتمع المدني و طريقة عملها.

و بخصوص ثورات الربيع العربي، نشرت منظمة Human Rights Watch في سنة 2015 تقريرا حول سنة 2014. هذا التقرير يتطرق للبلدان الأربعة موضوع بحثنا.

 أولا، بالنسبة لمصر نقرأ فيه ما يلي : «[...] لقد كان رد فعل المجموعة الدولية تجاه هذا القمع غير المسبوق غير متناسب بشكل مخجل. في مجلس حقوق الإنسان، صوتت 27 دولة لصالح قرار يدعو الحكومة المصرية لإجراء تحقيق في مذبحة ساحة رابعة، لكنها لم تحصل على الأغلبية داخل المجلس. هناك إرادة ضعيفة لدى الولايات المتحدة، بريطانيا و بعض الدول الأوربية المؤثرة للنظر في الانتهاكات التي يقوم بها الحكم العسكري. و أخيرا، بينما تفرض واشنطن عقوبات على المسؤولين في فنزويلا بسبب استعمال قوات الأمن للقوة المفرطة ضد المتظاهرين و قتل أكثر من عشرة منهم، فإنها لم تفرض أي عقوبات على مصر رغم مقتل حوالي ألف شخص بمجزرة ساحة رابعة بالقاهرة[...] » (25).

ثانيا، بالنسبة لسوريا نقرأ أنه : «[...]منذ أن سلمت الحكومة السورية ترسانتها الكيميائية، أصبح سلاحها المفضل هو البراميل المتفجرة. و هي حاويات للنفط فارغة يتم تعبئتها بمتفجرات قوية ممزوجة بقطع معدنية». و توصلت المنظمة إلى أن «هذه البراميل لا يمكن أن تصيب بأي دقة نظرا لأنها تلقى من ارتفاعات كبيرة من أجل تفادي المضادات الأرضية [...]» (26).

ثالثا، أشارت المنظمة، بخصوص ليبيا، إلى الضربات الجوية التي قامت بها كل من مصر و الإمارات العربية المتحدة في 18 غشت 2014 على مدينة طرابلس. كما أعادت ذكر اتهام الحكومة الليبية في طبرق لكل من دولة قطر و السودان بإمداد الميلشيات الليبية بالأسلحة (27).

و كما هو متوقع من تأثير آلية التوبيخ بالإشارة، قامت مصر بتاريخ 16 غشت 2015، باستنكار هذا التقرير حيث وصفه الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية بالمسيس وغير الموضوعي و يفتقر لأدنى معايير المصداقية والحيادية، و أنه صدر عن "جهة غير ذات صفة، ومشهودٌ لها دولياً بالانتقائية وعدم المصداقية" (28).

2- الشركات متعددة الجنسيات:

بفعل العولمة، أصبحت الدولة، كفاعل تاريخي، مضطرة للانحناء لمتطلبات السوق المعولم. سوق تتمركز فيه الشركات متعددة الجنسيات كفاعل محوري يتخذ من الدول أندادا رغم عدم إقرار القانون الدولي لأي شخصية قانونية دولية لهذه المؤسسات التجارية.

إن علاقات الشراكة بين الدول و هذه الشركات تعتمد على وجود أهداف مشتركة بينهما. فالدول تسعى لجلب الاستثمارات و خلق مناصب الشغل و تنشيط صادراتها بينما الشركات تروم تحقيق أرباح و زيادة القوة البنيوية (29) لدولها الأصلية.

و من الناحية السياسية فالشركات متعددة الجنسيات لا يهمها وجود ديمقراطية ببلد الاستثمار أكثر مما يهمها وجود هوامش من الربح و خصوصا توفر عنصر الاستقرار و لو بشكل مصطنع.

3- وسائل الإعلام:

في الوقت الحاضر، أصبحت وسائل الإعلام خاصة شبكة الانترنيت تلعب دورا مهما في العلاقات الدولية إلى درجة صرنا نتحدث عن اندماج إعلامي للكرة الأرضية بأسرها و عن خلق فضاء عام عالمي يتخذ من هذه الشبكة و من المواقع الاجتماعية أرضية للنقاش و الحوار العابر للحدود السياسية بين الدول (30).

هذا الفضاء العام المعولم يخلق بدوره رأيا عاما عالميا لمجتمع مدني دولي يتحدى الفجوة الرقمية (31) بين دول الشمال و الجنوب. هذا الواقع يفسر أحداث الربيع العربي حيث أن توفر وسائل الاتصال و الإعلام الحديثة و على الخصوص مواقع التواصل الاجتماعي فضلا عن القنوات الفضائية يسر لموجات الاحتجاج على الأنظمة العربية ظروف مواتية غير مسبوقة. 

و نشير هنا لدور قناة الجزيرة الفضائية القطرية في هذه الثورات بحيث كانت متابعتها لأحداث الثورة التونسية منذ 17 دجنبر 2010 حافزا للمتظاهرين لمتابعة احتجاجاتهم حتى بلوغ الثورة أقوى لحظاتها في 14 ينائر 2011.

4- مراكز التفكير و وكالات التنقيط العالمية:

تُعرف مراكز البحث بأنها منظمات مُكونة من خبراء و باحثين و استشاريين يهتمون بالأفكار الجديدة الخلّاقة بهدف التأثير في قضايا الشأن العام الوطني و الدولي. و منذ عقود و العالم يشهد تأثيرا متزايدا لمراكز البحث في رسم سياسات الدول، بحيث أصبحت استنتاجات بحوث هذه المراكز عنوانا للسياسات المتبعة من طرف قادة الدول بل منهم من يتخذ من المفكرين مستشارين كما حدث مع الرئيس بيل كلينتون الذي قام بتعيين جوزيف نيي (32) صاحب نظرية القوة الناعمة مستشارا له.

أما بخصوص وكالات التنقيط، فيمكن القول أن تطور الأسواق المالية الدولية ابتداء من سنوات الثمانينات من القرن الماضي و مصداقية التنقيط الذي أصدرته آنذاك (33)، ساهم في تعدد و تنوع خدماتها حاليا، كتقييم الديون السيادية للدول و اكتتابات الشركات و البنوك و شركات التأمين و مؤسسات القيم المنقولة بالبورصات و هو ما يطلق عليه اسم التصنيف الائتماني. و يسمح الدور الجديد للوكالات ك (Fitch، Standard & Poor’s، Moody’s) بتوجيه الاستثمارات إلى الدول الحاصلة على تنقيط جيد لجاذبية اقتصاداتها.

فمثلا بالنسبة لمصر كدولة من دول الربيع العربي، نلاحظ أن تنقيط هذه الوكالات جاء ايجابيا بعد انقلاب سنة 2013. و يبين الجدول تحته اتجاه هذا التنقيط منذ سنة 2011 و كيف تعمل هذه الوكالات بخلفيات غير حيادية، بحيث تحسن تنقيط الاقتصاد المصري إبتداءا من سنة 2014 و هو أمر غير واقعي نظرا للمشاكل الكثيرة التي يعاني منها الاقتصاد المصري حيث تناقص الاحتياطي من العملة الصعبة بشكل كبير (34) و تراجعت مداخيل القطاع السياحي (35) و ازداد العجز التجاري من 30.7 مليار دولار سنة 2013 إلى 33.7 مليار سنة 2014 (36).

 

السنة

             

وكالة التنقيط 

 

    

 

2011

2012

2013

2014

2015

Fitch

فيتش

BB+

BB-

 

تراجع بدرجتين

B-

 

تراجع بثلاث درجات

B

 

تقدم بدرجة واحدة

 

B

 


استقرار

Standard & Poor’s

ستاندار أند پورز

B

B-

 

تراجع بدرجة

واحدة

CCC+

 

تراجع بدرجة

واحدة

B-

 

تقدم بدرجة واحدة

B-

 


استقرار

Moody’s

موديز

 

Ba2

 

 

B3

 

تراجع بأربع درجات

Caa1

 

تراجع بدرجة

واحدة

Caa1

 


استقرار

B3

 

تقدم بدرجة واحدة

 

https://www.fitchratings.com/                                                    المصادر:                          

https://www.standardandpoors.com/

https://www.moodys.com/

 

ب- القوة الناعمة السلاح الأساسي للفاعلين الجدد:

يعرف جوزيف نيي القوة الناعمة بأنها «القدرة على الجاذبية و الإقناع بينما القوة الخشنة مبنية على الإجبار و الإكراه الناتج عن القوة العسكرية للدولة أو عن التفوق في المقومات الاقتصادية، أما القوة الناعمة فمصدرها الجاذبية الثقافية و السياسية». و يضيف بأنه «  أصبح من الصعب في الوقت الحالي استعمال العصا رغم أن القوة العسكرية تبقى ضرورية كسلاح للردع و الإجبار و أن الحرب أصبحت جد مكلفة فضلا عن المعارضة المتنامية للرأي العام المحلي و الدولي ضد الحروب و ضد استعمال القوة لحل النزاعات» (37).

و تتميز القوة الناعمة بأنها غير ملموسة أو محسوسة على خلاف القوة الخشنة الممثلة في القوة العسكرية و القوة الاقتصادية، المالية أو التجارية. و تعتبر الجاذبية و الإقناع المكونان الأساسيان لهذا النوع من النفوذ و السيطرة لأن هدفها الرئيسي هو جعل الخصم أو الحليف يفكر و يتصور الأمور بنفس المنظور الذي يراها أو يريد أن يجعله يراها صاحب القوة الناعمة من دون أن ينتبه لذلك.

إن القوة الناعمة لا تؤثر بشكل حاسم decisive إلا في الدول و المجتمعات الديمقراطية، لأن الطبقة السياسية في هذه الدول، في سعيها إلى كسب الرأي العام، لا يمكن إلا أن تتفاعل مع القضايا التي تطرحها المنظمات المشكلة للمجتمع المدني الوطني و الدولي، و أن تستجيب لمطالبها و إلا فهي تخاطر بحظوظها في الانتخابات. و الأمثلة كثيرة لتأثير المنظمات الدولية غير الحكومية في سياسات الحكومات الديمقراطية.

ففي الولايات المتحدة، كان إنشاء معتقل غوانتنامو سنة 2002 بقرار من الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الإبن، محط تقارير و مطالبات عديدة بإلغائه من طرف المجتمع المدني الأميركي و الدولي إلى درجة أنه في الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية لسنة 2008 كان من التزامات باراك أوباما المرشح إغلاق هذا المعتقل (38).  و منذ انتخابه قام أوباما بترحيل معظم السجناء بالمعتقل إلى دولهم أو دول تقبل استضافتهم لينتقل عدد السجناء من 680 سنة 2003 إلى 116 في يوليو 2015. و رغم فشله في إغلاق هذا السجن، المتواجد بجزيرة كوبا، في ولايته الأولى 2008-2012 فإن أوباما سيفي بتعهداته بإغلاق هذا السجن قبل رحيله عن البيت الأبيض في يناير 2017 حسب تقرير لوزارة الدفاع الأميركية (39).

و في المقابل نجد أن الدول غير الديمقراطية لا تؤثر فيها القوة الناعمة لباقي العالم بشكل فاعل لا سيما إذا كانت ذات قوة صلبة كبيرة كروسيا (40). فدول العالم مثلا، لم تستطع التأثير على هذه الدولة فيما يخص الأزمة الأوكرانية و لا في وقف تدخلها الحالي في سوريا.

و تعرف روسيا بأنها قوة عظمى غير ديمقراطية حيث رجع فلاديمير بوتين، بعد أن أمضى ولايتين رئاسيتين من سنة 2000 إلى سنة 2008، كرئيس للبلاد سنة 2012 بعد "كسوف" دام أربع سنوات في رئاسة الوزراء، و هو خرق تحايلي للدستور الروسي الذي يمنع عهدة ثالثة بالتتابع للرئيس.

أما المنظمات غير الحكومية فتبقى تقاريرها و مطالباتها غير ذات صدى لدى الدول غير الديمقراطية لأنها ليست خاضعة لأي ضغط داخلي دوري من خلال الاقتراع التشريعي أو الرئاسي أو في استطلاعات الرأي من جهة و من جهة أخرى للضغط الخارجي المتمثل في مواقف الدول الديمقراطية الأخرى.

 

خاتمة

نخلص، في مقاربتنا للربيع الديمقراطي العربي بين جدلية الداخل و باقي العالم، إلى أربعة أفكار أساسية هي:

أولا، أن الحوكمة العالمية الحالية تتميز بصعود لاعبين جدد غير الفاعلين الكلاسيكيين أي الدول و المنظمات الدولية الحكومية كالمنظمات الغير حكومية، الشركات متعددة الجنسيات، الانترنيت و شبكات التواصل الاجتماعي، مراكز البحث و وكالات التنقيط العالمية. و نلاحظ أن الفضاء الإعلامي المعولم يسرع وثيرة التأثير المتعاظم لهؤلاء اللاعبين الجدد.

ثانيا، أن القوة الناعمة التي تستخدمها المنظمات غير الحكومية للدفاع عن المبادئ الديمقراطية و حقوق الإنسان و التنمية المستدامة، لا تؤثر بشكل حاسم إلا في الدول و المجتمعات الديمقراطية سواء تعلق الأمر بدول ديمقراطية لها قوة صلبة كبيرة كالولايات المتحدة أو تلك التي لا تتوفر عليها كاليابان أو الدول الأوربية.

 أما الدول غير الديمقراطية فلا تؤثر فيها القوة الناعمة للمجتمع المدني الدولي. و خير مثال على ذلك هو أن العالم لم يستطع التأثير على روسيا في الأزمة الأوكرانية بداية سنة 2014، و كذا بسوريا في نهاية سنة 2015 حيث تستعمل هذه الدولة قوتها الخشنة بشكل مباشر دون اكتراث لأي نوع من القوة بالعالم.

ثالثا، أن كل هذا يوصلنا إلى النتيجة التي مفادها أن الدول التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية (الولايات المتحدة الأميركية- روسيا – أوربا الغربية و الصين) و أدت فاتورة الحرب بملايين الضحايا – و هي ليست وحدها- لا يمكن أن تترك انتصارها يتبخر بالسماح للشعوب العربية الأربعة و غيرها، أن ترسم خرائط جيو سياسية جديدة للمنطقة. ذلك أن الذين رسموا و خططوا لإنشاء منظمة الأمم المتحدة و مجلس الأمن فيها، بآليته غير الديمقراطية: حق النقض أو  VETO، لا يمكن أن يقبلوا بديمقراطية في الشرق الأوسط فيها احتمال، و لو ضئيل، لتهديد المصالح المرعية للقوى العظمى كحرية التجارة و المرور بالمضايق، أمن إسرائيل، التزود بالطاقة و المواد الأولية و "حماية الأقليات".

رابعا، إنه من الصعب إن لم نقل من غير الممكن العودة إلى الوراء في مسار الربيع العربي. و أن مقولة « يمكنك أن تدوس على ما شئت من الزهور لكنك لن تستطيع أن توقف الربيع» تبقى ذات دلالة في مثل هذا المسلسل السياسي، و بتعبير آخر فإن الثورات المضادة لا و لن تشكل حلولا دائمة بل هي مجرد موجات جزر لن تنفع مع المد الموالي الذي لا بد سيتبع. و أن هذه الثورات المضادة ليست إلا محاولة من باقي العالم للجم الربيع العربي بعد تفاجئ الدول العظمى و عدم نجاح مخابراتها في توقع ثوراته.

 

الهوامش:

([1])  نستعير مصطلح "باقي العالم" من قاموس العلوم الاقتصادية.

)2 ( باحث في القانون الدولي العام والحوكمة العالمية. بريد الكتروني:  jamaliddine1968@gmail.com

)3( نطلق كلمة "ربيع" مقارنة بربيع پراغ سنة 1968، المجهض بدبابات الاتحاد السوڤياتي السابق؛ ربيع البرتغال سنة 1974؛ ربيع دول أوربا الشرقية بداية التسعينات من القرن الماضي؛ ربيع جورجيا سنة 2003؛ ربيع أوكرانيا سنة 2008؛ أو ربيع إيران سنة 2009 المفشل بقوات "الباسيج".

( 4)  أنظر ملخص كتاب جيمس ڱيلڤين " الانتفاضات العربية: ما يجب أن يعرفه كل إنسان" من إنجاز خليل جهشان. متوافر على:

http://studies.aljazeera.net/bookrevision/2012/07/201273173330468803.htm                ( 5)  الطاهر بن جلون، حوار مع صحيفة الحياة بتاريخ 15 نونبر 2012. أنظر : http://alhayat.com/Details/452839                                                                                    

( 6) رفيق عبد السلام، كلمة بمؤتمر مركز الجزيرة للدراسات بتاريخ 28 فبراير 2012.  http//www.studies.aljazeera.net                                                                                      

( 7)  نميل إلى تسمية هذه الأحداث بالثورات نظرا لأن الوضع بالبلدان المذكورة كان ينذر بالانفجار منذ سنوات.

( 8)  هذا المقال كان مشروع مساهمة في ندوة لمركز عصام فارس بلبنان بشراكة مع المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات تحت عنوان «خمس سنوات على الثورات العربية: عسر التحول الديمقراطي و مآلاته» المزمع تنظيمها بين 21 و23 يناير 2016.

(9)  من 25 ينائر إلى 11 فبراير 2011.

(10)  و نتذكر هنا جواب وزيرة الخارجية الفرنسية وقتئذ آليو ماري أمام الجمعية الوطنية الفرنسية: « إن فرنسا يجب أن تساعد قوات الشرطة التونسية، التي تنقصها المهنية، من أجل الحفاظ على الأمن العام».

(11)  و لعل خطاب الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك في زيارته لتونس في سنة 2003 حين قال: « إن أول حق للشعوب هو الحق في الغذاء » هو خير مثال على هذه الازدواجية في التعامل بين المصالح و المبادئ.

(12) لهواري عدي، «فرنسا و الثورات العربية...قراءة في ملامح ديبلوماسية جديدة» مقال بتاريخ 26/10/2011، متوافر على موقع :     http://studies.aljazeera.net/issues/2011/10/201110269464250607.htm                           

(13)  نفس المرجع.

)14 («The End of History and the Last Man». Publisher, Free Press , 1996.

(15)  من 25 يناير إلى 11 فبراير، تطرق باراك أوباما خمس مرات لتطورات الثورة في مصر في 28 يناير، 1، 2،  10 ، 11 فبراير 2011. أنظر:

https://www.whitehouse.gov/briefing-room أو https://www.whitehouse.gov/the-press-office/2011/02/10/statement-president-barack-obama-egypt

أو http://www.state.gov/r/pa/prs/dpb/2011/01/ أو http://www.state.gov/r/pa/prs/dpb/2011/02/.

 (16) ينص ميثاق منظمة الأمم المتحدة في ديباجته «نحن شعوب الأمم المتحدة وقد آلينا على أنفسنا [...] أن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية».

 (17) http://www.un.org/apps/newsFr/storyF.asp?NewsID=26348#.VY11tkZHDK8

(18) COM (2011) 200 final.

(19) COM (2011) 303 final.

(20) http://www.europarl.europa.eu/sides/getDoc.do?type=TA&language=FR&reference=P7-TA-2014-0100 

(21) http://www.agenceecofin.com/droit-constitutionnel/1806-20883-l-union-africaine-reintegre-l-egypte-et-la-guinee-bissau-apres-le-retour-a-l-ordre-constitutionnel

(22)  يمثل الشيعة ما بين 10% إلى 13% من المليار و نصف مليار مسلم في العالم. و إيران بصفتها أكبر دولة من حيث عدد الشيعة، تعتبر نفسها المدافعة عن هذه الطائفة.

 (23)http://www.focus-economics.com/countries/russia

 

(24) تقرير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة رقم: A/HRC/28/16.

(25)  ترجمتنا للفقرة 5 من الصفحة 5 من التقرير المتوافر على :        https://www.hrw.org/sites/default/files/reports/wr2015_web.pdf                                     

(26)  الصفحة 3 من نفس التقرير.

(27)  الصفحة 362 من نفس التقرير.

 (28) http://sahafaty.net/news4613164.htm

(29)  يستقي مفهوم القوة البنيوية، حسب سوزان سترانج، وجوده من التناقضات الموجودة على الساحة الدولية منذ سنوات السبعينات، حيث لم تعد المنافسة و الصراع الدولي يكتسيان الطابع العسكري بل أصبح الطابع الاقتصادي و المالي هو الطاغي.

 -Susan Strange «States and Markets», Pinter Publishers, London, 1988.

(30)   في يوليوز 2014، بلغ عدد المستعملين النشيطين للموقع الاجتماعي فيسبوك 1.32 مليار كل شهر أي ما يساوي خمس سكان العالم

أنظر: http://www.blogdumoderateur.com/chiffres-facebook/

(31) بلغ معدل الربط بالأنترنيت برسم الربع الثاني لسنة 2014 : أميركا الشمالية %87,7، أوربا 70,5%، أميركا اللاتينية و الوسطى 52,3%، الشرق الأوسط 48,3%، أسيا 34,7 % ثم أفريقيا %26,5. www.internetworldststs.com/stats.htm     

(32)  أنظر الصفحة الموالية.

(33) مع الإشارة إلى إخفاق هذه الوكالات في توقع الأزمة المالية العالمية لسنة 2008.

(34)  قبل ثورة 2011 كان الاحتياطي المصري من العملة الصعبة يساوي 36 مليار دولار ليصل في سبتمبر 2015 إلى 16.33 مليار حسب البنك المركزي المصري.

(35)  في العام 2010 زار مصر 15 مليون سائح أما في العام 2014 فلم يتجاوزوا 9,9 ملايين.

(36) http://www.focus-economics.com/countries/egypt

(37)  يحيى اليحياوي » المتسلط الناعم « موقع الجزيرة: http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2012/11/16                                       

(38)  في 2009 غداة تنصيبه كرئيس قال أوباما في حوار مع شبكة CBSnewsلقد قلت مرارا أني سأقوم بإغلاق غوانتنامو و سأعمل على ذلك. لقد قلت مرارا بأن أميركا لا تستعمل التعذيب و سأحرص على ضمان ذلك مستقبلا. إن هذا جزء مما يجب على أميركا أن تفعله من جهود كي تستعيد قامتها الأخلاقية في العالم».

http://www.cbsnews.com/news/obama-on-economic-crisis-transition/

(39) http://www.huffingtonpost.com/entry/pentagon-plan-close-guantanamo_563f8442e4b0b24aee4aa757

(40) تعتبر روسيا، وريثة الاتحاد السوڤياتي السابق، دولة نووية منذ سنة 1949.

 

[1]

بقلم ذ جمال الدين ايت الطاهر
باحث في القانون الدولي العام و الحكامة العالمية
 


أعلى الصفحة