القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ محمد اليونسي
باحث في الشؤون الإدارية و المالية
تحت عدد: 723
تتمتع الدولة بما لها من سيادة وسلطان على إقليمها بحق فرض الواجبات وترتيب التزامات على الأفراد بصورة إلزامية وفقا لما تقتضيه المصلحة العامة ، ومن أهم الواجبات الإجرائية التي ترتبها الدولة على

الأفراد نجد الواجبات المالية ، وذلك عن طريق اقتطاع جزء من أموال الأفراد بصورة جبرية ومن دون مقابل لمصلحة الخزينة العامة، هذه الواجبات المالية على النحو الذي بيناه تتمثل في التشريعات الوضعية بصورة أساسية بالضريبة والتي تمثل مساهمة الأفراد في تمويل جزء من النفقات العامة وتمكين الدولة من تحقيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية والسياسة.

فإذا كانت المجالس التشريعية في جل دول العالم تنفرد بسلطة سن القوانين بشتى أنواعها فإن الحكومة أو السلطة التنفيذية يبقى لها أهمية كبيرة في المجال الضريبي نظرا للصعوبات التقنية والفنية التي تحيط بتحصيل هذه الضرائب وجبايتها من الأفراد، فالسلطة الضريبية لا يمكن حصرها في المجالس التشريعية، هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى وعلى اعتبار أن أسمى تشريع في البلاد و هو الدستور، قد أتى بعدة مستجدات بخصوص تدعيم الجهوية المتقدمة و اللامركزية، فإن أول ما أتى به بخصوص هذا هو التنصيص على باب كامل يتعلق بالجماعات الترابية و هو الباب التاسع، و الذي كان نقلة نوعية من أجل الاتجاه نحو الديمقراطية المحلية.

فقد نص الفصل 139 من الدستور على مبدأ التدبير الحر و الذي بمقتضاه يشرك السكان في تدبير شؤونهم بأنفسهم، والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة و المستدامة، والذي يعني الاستقلالية المالية و الإدارية لكل مستوى من مستويات التنظيم الترابي للمملكة.
وعليه فإذا كانت السلطة الجبائية تعني مزيدا من الاستقلالية المالية فإن وجود نظام جبائي محلي يكرس البعد الحقيقي للاستقلال المالي للجماعات الترابية رهين بمدى سلطة هذه الأخيرة على فرض الضريبة و تحصيلها و قدرة التصرف فيها.

فإلى أي حد تتمتع الجماعات الترابية بالسلطة الجبائية التي من شأنها تحقيق الاستقلالية الإدارية والمالية ؟
لمناقشة موضوعنا هذا وجب علينا الاعتماد على التقسيم المنهجي التالي :
المبحث الأول : الإطار القانوني للسلطة الجبائية المحلية و بعدها التنموي
المبحث الثاني : تشخيص وضعية السلطة الجبائية المحلية بين التجربة المغربية و بعض التجارب المقارنة

المبحث الأول : الإطار القانوني للسلطة الجبائية و بعدها التنموي
سنحاول في هذا المبحث التحدث عن التأطير القانوني للسلطة الجبائية في المغرب وكذا مصدرها ، ومفهومها على المستوى الترابي وذلك من خلال الحديث عن المقتضيات الدستورية و القانونية المتعلقة بذلك ( المطلب الأول ) ، ،ثم بعد ذلك سننتقل للحديث عن البعد التنموي لهذه السلطة الجبائية و علاقتها بالاستقلال الإداري و المالي للجماعات الترابية وذلك من خلال (التطرق إلى أهمية السلطة الجبائية في التنمية ككل ( المطلب الثاني .

المطلب الأول : التأطير القانوني للسلطة الجبائية بالمغرب
قبل الحديث عن التأطير القانوني للسلطة الجبائية ، وجب علينا أن نضع تعريفا لرفع اللبس عن مفهوم السلطة الجبائية أولا ، فالسلطة الجبائية أو الضريبية هي مجموع الأجهزة و الهيئات التي يعهد إليها قانونا بوضع التشريعات و القوانين الجبائية و فرضها و إلغائها .

وبالتالي عند حديثنا عن السلطة الجبائية يمكننا القول على أن هذه الأخيرة تعني سلطة خلق الضريبة و فرضها و تحديد سعرها و وعائها ثم إلغائها ، الشيء الذي يدعونا إلى البحث أكثر عن السند القانوني للسلطة الجبائية عامة و المحلية منها خاصة ، نظرا لتطور دور الدولة و اتجاهها إلى تبني المقاربة اللامركزية .

فعند قراءتنا المتأنية لدستور المملكة 2011 نجده ينص على أنه : " على الجميع أن يتحمل ، كل على قدر استطاعته ، التكاليف العمومية ، التي للقانون وحده إحداثها و توزيعها ، وفق الإجراءات المنصوص عليها في هذا الدستور1 ."
الشيء الذي يعني أن للبرلمان وحده سلطة خلق الضريبة و إلغائها و كذا تحديد الملزمين بها - وعائها - وهو ما يدفعنا إلى افتراض أن السلطة الجبائية الحقيقية بيد البرلمان وحده .
كما يؤكد الدستور أيضا على أنه " يختص القانون ، بالإضافة إلى المواد المسندة إليه صراحة بفصول أخرى من الدستور ، بالتشريع في الميادين التالية :
- .......
- النظام الضريبي ، ووعاء الضرائب ، ومقدارها و طرق تحصيلها ....2"

كما ينص الدستور كذلك على أنه " يصدر قانون المالية ، الذي يودع بالأسبقية لدي مجلس النواب ، بالتصويت عليه من قبل البرلمان ، وذلك طبق الشروط المنصوص عليها في قانون تنظيمي ، ويحدد هذا القانون التنظيمي طبيعة المعلومات و الوثائق و المعطيات الضرورية لتعزيز المناقشة البرلمانية حول مشروع قانون المالية ...."

إذن من خلال هذا الفصل يتضح أن البرلمان يمارس سلطة جد مهمة على المستوى الضريبي تتمثل في المصادقة و المراقبة على قانون المالية ، خصوصا و أن القانون المالي يحتوي القانون الضريبي ما دامت كل المقتضيات الضريبية باستثناء قانون الإطار للإصلاح الضريبي أبريل 1984 .

إن الاتجاه السائد سواء في المغرب أو خارجه يسهر على دسترة المقتضيات الضريبية و مراقبتها عن طريق القضاء و خضوعها للمراقبة البرلمانية و الدستورية ، مما يساعد في حماية الحريات الأساسية و الحد من سلطات الإدارة الضريبية ، و خير مثال على ذلك موقف المجلس الدستوري القاضي بإلغاء الرسوم التي كانت الحكومة تعتزم تطبيقها على استعمال "الصحون المقعرة" كما أن المبادئ الأساسية المستقاة من الدستور تجعل البرلمان صاحب الاختصاص الحصري في مجال التشريع الضريبي باعتباره ممثل الأمة والساهر على احترام الحقوق الأساسية عن طريق تجسيده لشرعية الضريبة .

و إلى جانب القواعد الدستورية التي تحدد اختصاص البرلمان في المجال الجبائي نجد، نصوص قانونية اهتمت بنفس الحقل، ونذكر هنا بالخصوص قانون، المالية رقم 130-13 الصادر في 2 نونبر 2015.
و قد سبقت الإشارة إلى أن القانون المالي يحتوي القانون الضريبي وهذا ما يمكن استخلاصه من المادة 6 من قانون 130-13، إذ أن قانون المالية لا يمكن أن يتضمن إلا أحكاما تتعلق بالموارد والتكاليف أو تهدف إلى تحسين الشروط المتعلقة بتحصيل المداخيل و بمراقبة استعمال الأموال العمومية3.
ولما كانت الموارد والتكاليف تدخل ضمن الميزانية نجد أن المشرع المغربي أعطى اختصاص إعداد الميزانية للسلطة التنفيذية ، بينما خص البرلمان بسلطة المناقشة والمصادقة عليها لما يترتب عن ذلك من جبايات تهم المواطنين بالخصوص، كما تتضمن الميزانية أحكام أخرى غالبا ما تتعلق بتحصيل المال العمومي ومراقبته أو الزيادة في الضريبة و الإعفاء منها أو إلغائها بصفة نهائية أو مؤقتة.
وبالرجوع إلى نفس القانون المذكور نجده يحدد موارد الدولة، في الضرائب والرسوم بالإضافة إلى بعض الموارد الأخرى4.
وبهذا فالسلطة التشريعية عندما تصادق على مشروع قانون المالية سواء تعلق الأمر بالموارد والنفقات فذلك راجع إلى احتواء قانون المالية أو الميزانية على مقتضيات ضريبية تهم جميع الفاعلين داخل المجتمع من مواطنين و شركات ...

أما بخصوص السلطة الجبائية المحلية فقد تم التنصيص على بعض المقتضيات التي تهمها و خصوصا في القانون 47.06 و القوانين التنظيمية للجماعات الترابية و لاسيما القانون التنظيمي 113.14 .
حيث ينص القانون 47.06 على أنه " يرخص للجماعات المحلية باستيفاء الرسوم المنصوص عليها في هذا القانون " مما يجعل الجماعة تشبه الإدارة الضريبية في وظيفة التحصيل بينما لا تستطيع خلق الوعاء وتحديد الأسعار 5."
كما ينص كذلك على أنه " إذا لم ينص القانون على أسعار أو تعريفات ثابتة للرسوم الواردة فيه ، يتم تحديد هذه الأسعار و التعريفات بقرار يصدره الآمر بالصرف للجماعة المحلية المعنية بعد مصادقة مجلس الجماعة المحلية ..."
مما يدفعنا إلى القول على أن تحديد الأسعار و التعريفات من اختصاص القانون 6.
أما على مستوى القوانين التنظيمية للجماعات الترابية نجد القانون التنظيمي 113.14 ينص على أنه : " يفصل مجلس الجماعة بمداولاته في القضايا التي تدخل في اختصاصات الجماعة و يمارس الصلاحيات الموكولة إليه بموجب أحكام هذا القانون التنظيمي .
يتداول مجلس الجماعة في القضايا التالية :
- المالية و الجبايات و الأملاك الجماعية :
* الميزانية ....
* تحديد سعر الرسوم و الأتاوى و مختلف الحقوق التي تقبض لفائدة الجماعة في حدود النسب المحددة ، عند الاقتضاء ، بموجب القوانين و الأنظمة الجاري بها العمل ...6"

المطلب الثاني : أهمية السلطة الجبائية المحلية في التنمية و علاقتها بالاستقلال المالي
تعتمد الجماعات الترابية لتنفيذ سياساتها التنموية بشكل كبير على الجبايات المحلية ، فأي سياسة ترابية تمول عن طريق الجباية ، و من هنا يمكن اعتبار الجباية ظاهرة سياسية تبرز لنا علاقة السلطة بالأشخاص الذين يؤدون الضريبة .

حيث يجب أن يكون هناك اقتطاع مقابل تقديم خدمات و هي ما تسمى بالرسوم المحلية ، فهذه الأخيرة هي التي تخلق الإحساس لدى المواطن بالمشاركة السياسية .
وعليه يمكننا القول أن مسألة الموارد الجبائية تقبع في قلب الاستقلال المالي و التدبير الحر لشؤون الجماعة بكيفية ديمقراطية .
أما بالرجوع إلى بنية النفقات المحلية نلاحظ أن هناك ضعف على مستوى الاستقلال الجبائي للجماعات الترابية حيث نجد أن سلطة تحديد الأسعار على مستوى الرسوم مقيدة و مؤطرة ، فالمشرع حدد السعر الأدنى و الأعلى للرسوم الكبرى ( الرسم المهني - رسم الخدمات - رسم السكن ) ،إضافة إلى عدم قدرة الجماعة على إحصاء و تحيين الوعاء الجبائي الخاص بها .
وعلى مستوى الاستقلال الإداري نجد أن تدبير المنازعات الجبائية بمثابة سيف ذو حدين قد يزيد أو يضبط القرارات الجبائية .

و الأدهى من ذلك هو عدم القدرة على ضبط المجال و التحكم في التراب لدى أغلب الجماعات الترابية من خلال عدم قدرتها على ممارسة الشرطة الإدارية أو الضبط الإداري .
من هنا يمكننا أن نستنتج أن السلطة الجبائية المحلية لها علاقة وطيدة بالاستقلال المالي و الإداري للجماعات الترابية الشيء الذي يرهن أهداف التنمية المستدامة و المندمجة إل غاية تحقق هذا الاستقلال و الذي يعتمد بدوره على تواجد موارد ذاتية بنسبة كبيرة في مقابل ضعف الموارد المحولة من طرف الدولة8 .
إذن يمكننا القول على أن للسلطة الجبائية المحلية أهمية كبيرة في تحقيق الاستقلال المالي و الإداري للجماعات الترابية و الذي بدوره مرتبط بطبيعة الموارد التي تتوفر عليها الجماعة المعنية الشيء الذي يؤثر بشكل سلبي أو إيجابي - حسب نوعية الموارد - على بلوغ أهداف التنمية .

المبحث الأول : تشخيص وضعية السلطة الجبائية المحلية بين التجربة المغربية و بعض التجارب المقارنة
سنحاول أن نتطرق من خلال هذا المبحث إلى وضعية السلطة الجبائية المحلية بالمغرب ، وبيان حدودها مع الأخذ بعين الاعتبار النقائص التي تعتري وضعية الجباية المحلية ككل ، وذلك عبر الحديث عن القرار الجبائي المحلي بالمغرب ( المطلب الأول ) ، لننتقل بعد ذلك إلى دراسة السلطة الجبائية المحلية في مجموعة من الدول الأوروبية ، وسنحاول تخصيص الحيز الأكبر من هذه الدراسة لفرنسا بحكم قربها من التجربة المغربة في هذا المجال ، وذلك بتخصيص ( المطلب الثاني ) للسلطة الجبائية في القانون المقارن .

المطلب الأول : تقييم محدودية السلطة الجبائية المحلية بالمغرب
بعد مسار من الإصلاحات في مجال الجبايات المحلية منذ اعتماد الميثاق الجماعي لسنة 1976 ، والتي كان الهدف منها تزويد الجماعات بإطار قانوني فعال يبسط النظام الجبائي و يساهم في تمكين الجماعات المحلية آنذاك من الاستقلالية الجبائية المحلية .

خرج إلى حيز الوجود القانون رقم 47.06 الذي بدأ العمل به منذ فاتح يناير 2008 و الذي تمكن من إلغاء 24 رسما و واجبا و إتاوة ، بالإضافة إلى ملائمة الضرائب المحلية مع نظيرتها الوطنية فيما يخص جميع الامتيازات ، بحيث تضمن هذا النظام الضريبي المحلي 11 رسما و 13 إتاوة لفائدة الجماعات الحضرية و القروية و 3 رسوم لفائدة العمالات و الأقاليم و 3 رسوم لفائدة الجهات .

لكن و رغم ذلك لم تؤثر مختلف هذه التدابير الجبائية المتخذة على المستوى المحلي بشكل كبير على تطور الموارد ، بحيث بقي النظام الجبائي المحلي معقدا ، حيث اعترضت حكامته نقائص عديدة من شأنها أن تحد من استغلال الإمكانيات الجبائية المحلية في ظل غياب دوريات للتطبيق .

إن ما يمكن تسجيله على مستوى الإطار القانوني للجبايات المحلية هو انعدام التجانس بين السياسة الجبائية للجماعات الترابية و تلك الخاصة بالدولة ، حيث نجد أن مختلف التدابير الجبائية المتخذة على المستوى المحلي غير قادرة على إحداث تغييرات مهمة من شأنها تنمية المداخيل .

فقد عرفت الجبايات المحلية نموا أقل من مداخيل الضرائب المقررة لفائدة الدولة ، حيث فاق معدل نموها أي الدولة خلال الفترة ما بين 2001 و 2014(%13.4 سنة 2005 ) و (% 23.7 سنة 2008 ) ، فيما ذهب معدل نمو الجماعات المحلية ( الترابية حسب دستور 2011) ( %4 سنة 2005 و % 9.5 سنة 2008) وهذا بطبيعة الحال راجع لهيمنة الرسوم ذات الطابع العقاري (% 58 سنة 2014 ) على منظومة الجبايات المحلية و التي يرتبط مردودها بمجهودات الدولة في تعبئة الجبايات الممكنة . و من جهة أخرى ، تتميز الجبايات المحلية بتعدد الرسوم التي تتسم بتعقيد آلياتها بما في ذلك صعوبات ضبط الوعاء الضريبي الشيء الذي يعيق تعبئة الجبايات الممكنة .

بالإضافة إلى هذا نجد عاملا آخر متمثلا في تعدد المتدخلين على مستوى الجبايات و هو ما يؤثر سلبا على السلطة الجبائية المحلية ، ونخص بالذكر هنا : الجماعات ، المديرية العامة للضرائب ، و الخزينة العامة للمملكة كأطراف مباشرة ، وتنضاف إليهم وزارة الداخلية من خلال سلطة الوصاية ( المراقبة ) التي تمارسها على الجماعات من خلال المادة 118 من القانون التنظيمي للجماعات 113.1410 .
إذن في غياب سلطة جبائية محلية حقيقية تمكنها من إحداث رسوم تتماشى و خصوصياتها المحلية تبقى استقلالية الجماعات في تحديد مواردها المالية ضعيفة جدا .

و الأهم من ذلك ، نجد أنه حتى على مستوى القرار الجبائي11 الذي يتخذه الآمر بالصرف و الذي يخول للجماعات الترابية هامشا من الحرية في تحديد سعر الرسوم التي لم يحددها القانون ، نجدها محدودة و مقيدة بتأشيرة السلطة المحلية ، والتي يمكن أن توافق أو ترفض على الرفع أو التخفيض من قيمة الرسوم المحلية ، و هو ما يحيل إلى القول على أن هذا القرار نفسه لا يرقى إلى مفهوم السلطة الجبائية .

من خلال كل هذا نلاحظ أن السلطة الجبائية المحلية تكاد تكون منعدمة ، فسلطة التقرير في الجباية محدودة جدا و لا تتماشى مع خصوصية كل جماعة ، مما يؤثر على الاستقلال المالي و الإداري للجماعات الترابية .
الشيء الذي يظهر بوضوح أن سلطة الجماعة الجبائية مقيدة بالنصوص القانونية و التي للبرلمان وحده سلطة إحداثها ،مما يعني معه أن السلطة الجبائية الأصلية بيد البرلمان .
وهو الشيء الذي يؤثر سلبا على مسار اللامركزية و أهداف التنمية المستدامة و المندمجة ، على اعتبار أن تخويل السلطة الجبائية للجماعات الترابية سيكون عاملا مساعدا في بلوغ الاستقلالية الإدارية و المالية و بالتالي الأهداف المتوخاة من اللامركزية .

فإذا كانت وضعية السلطة الجبائية المحلية في المغرب على هذه الشاكلة ، فكيف يمكن أن تكون في دول أخرى ؟؟

المطلب الثاني : السلطة الجبائية المحلية - دراسة مقارنة -
بعد تطرقنا لتشخيص وضعية السلطة الجبائية المحلية بالمغرب و بيان محدوديتها و قصورها ، الشيء الذي ينعكس سلبا على الاستقلالية المالية و الإدارية للجماعات الترابية ، وبالتالي انعكاسه على القدرة في التحكم في الموارد و هو ما يعود سلبا على التنمية المستدامة و المندمجة ،سنعمل في هذا المطلب على محاولة مقاربة بعض التجارب فيما يخص القرار المالي على مستوى الجهة باعتبارها قاطرة للتنمية ، و تبيان مدى الاستقلال المالي و الجبائي لبعض الدول ... لكن خلال هذا سنحاول التركيز على فرنسا باعتبارها بنك التجارب الخاص بالمغرب .

فقد جاء القانون التنظيمي للجهات 111.14 ليعزز ما جاء به مضمون الدستور فيما يخص الاستقلال الإداري و المالي للجماعات الترابية ، حيث نص على أنه :" يقوم رئيس مجلس الجهة بتنفيذ مداولات المجلس و مقرراته ، ويتخذ جميع التدابير اللازمة لذلك حيث يعمل على تنفيذ الميزانية ، و يتخذ القرارات المتعلقة بإحداث أجرة عن الخدمات المقدمة و تحديد سعرها ، كما يتخذ القرارات لأجل تحديد سعر الرسوم و الأتاوى و مختلف الحقوق طبقا للنصوص التشريعية و التنظيمية الجاري بها العمل ، ويقوم في حدود ما يقرره مجلس الجهة بإبرام و تنفيذ العقود المتعلقة بالقروض ، ويعمل على إبرام أو مراجعة الأكرية و عقود الإيجار و الأشياء ، ويدبر أملاك الجهة و يحافظ عليها ، ويباشر أعمال الكراء و البيع و الاقتناء و المبادلة ....12 "
وذلك ما كانت جل الدول الأوروبية سباقة إليه ، حيث يمارس المجلس الجهوي الفرنسي سلطة تقريرية فيما يتعلق بالتصويت على الميزانية و الاشتراك في التجهيزات ، بالإضافة إلى تقديم المساعدات و إبرام اتفاقيات مع جهات أخرى ، كما يعتبر رئيس المجلس الجهوي الفرنسي - منذ قانون 2 مارس 198213.
سلطة تنفيذية للجهة ، و آمرا بالصرف ، و يتمتع عمداء ( الجماعات الحضرية و القروية ) و رؤساء المجالس العامة ( المحافظات ) بنفس الاختصاصات المالية المتعلقة بهذا الجهاز المنتخب بالنظام الفرنسي . وسنعود لاحقا لنتحدث عن السلطة الجبائية المحلية بفرنسا باستفاضة .

ففي النظام الألماني ، نجد أن الدولة الفيدرالية لا تتمتع إلا باختصاصات محدودة ، بينما تمارس الأقاليم (اللاندر ) سلطات جد واسعة ، بل و تتوفر على سيادة أصلية ، بمعنى أنها غير ممنوحة من طرف الدولة الفيدرالية ، و بهذه الصفة يكون "اللاندر" ، ذو طابع دولي و ليس مجرد بنية إدارية تابعة 14.
وتنبثق الأجهزة التنفيذية للجماعات الفيدرالية من المجالس الجهوية ، عن طريق الانتخاب ، حيث يوجد على رأس كل ولاية وزير - رئيس - ينتخب من طرف برلمان " اللاندر "، و هو الذي يتكلف بتعيين وزراء الولاية ، ويحدد السياسة العامة المتبعة داخل "اللاندر" ، إذ تعتبر الهيئة التنفيذية لمقررات الولاية الألمانية ، بمثابة نواة ثابتة من الاختصاصات ، من بينها تقديم الميزانية ، كما يتولى الوزير - رئيس اللاندر - القيام باختصاصاته بشكل تضامني مع الحكومة المحلية من خلال العمل على تسجيل و تنفيذ مداخيل "اللاندر" و الأمر بالصرف ، وكذا إدارة ممتلكات "اللاندر" .

أما في المجموعات المستقلة بإسبانيا ، فنجدها تتمتع باستقلال مالي يتجلى في تطوير و تنفيذ اختصاصاتها في إطار اقتراح مبادئ التنسيق مع الإدارة الوطنية و التضامن بين الإسبان ، فتسيير شؤون المالية للجماعات المستقلة الإسبانية ، يكون من طرف هيئة منتخبة انتخابا عاما مباشرا بنمط الاقتراع النسبي ، وتتوفر على جهاز تنفيذي ينبثق من الجمعيات التشريعية المنتخبة .

وتجدر الإشارة ، أن المجموعات المستقلة في إسبانيا ، تتوفر هي الأخرى على حق تقديم اقتراحات القوانين ، كما أنها تشارك في رسم السياسة المالية و الجبائية للدولة من خلال مشاركتها في المجلس الوطني للسياسة المالية ، إلا أنها لا تتوفر على سلطة لخلق ضرائب إضافية ، كما لا تتوفر على حرية كاملة في مجال القروض ، على خلاف الضرائب الذاتية التي تتمتع بحرية كبيرة في إحداثها ، شريطة أن يكون منصوص عليها في النظام الأساسي للمجموعة المستقلة 15.

أما في إيطاليا ، فيعمل المجلس الجهوي المنتخب بالاقتراع العام المباشر بانتخاب رئيس الهيئة التنفيذية ، الذي يعتبر ممثل الجهة و رئيسها ( رئيس الجو نطا ) بالاقتراع السري ، ويمارس ( الجو نطا) معظم الاختصاصات الإستراتيجية من قبيل إعداد الميزانية الجهوية و تنفيذها ، كما يعمل على تفعيل القرارات المنبثقة عن مداولات المجلس الجهوي ، بل إن مسؤولياته تصل إل حد اقتراح مشاريع القوانين التي تهم الجهة المعنية 16.
إلا أن المجالس الجهوية الإيطالية لا تمارس صلاحياتها التشريعية بصورة مطلقة ، بحيث يرد عليها قيود تحد من ممارستها التشريعية ، فهي لا تتمتع بسلطة جبائية حقيقية ، لأن تأسيس الضرائب و تحديد أسعارها يتطلب مصادقة البرلمان ، غير أنه في ظل التعديلات و الإصلاحات الدستورية ، تم تعزيز الاستقلال المحلي ، و هو ما جاء به التعديل الدستوري الصادر بتاريخ 18 أكتوبر 2001 ، الذي نص في مادته 117 على السلطات التنفيذية الجهوية ، و على الاختصاص التشريعي المالي ، كما نص في المادة 119 على الاستقلال المالي المحلي .

أما بخصوص فرنسا و التي تنهج سياسة اللامركزية الموسعة دون الوصول إلى مرحلة الفيدرالية ، ففي مراجعة دستورها لسنة 2003 بشأن التنظيم اللامركزي ، نص الفصل 72-2 على الاستقلالية الإدارية و المالية للجماعات المحلية و التي تحمل في طياتها السلطة الجبائية ، ثم تبع هذا التعديل القانون التنظيمي 29 يوليوز 2004 المتعلق بالاستقلالية المالية للجماعات المحلية ، و نص على " الموارد الذاتية للجماعات المحلية " ، لكن ورغم ذلك لم تتحقق هذه الاستقلالية بشكل واضح بل كانت "وهما" Illusionحسب "ميشيل بوفيه " -الشيء الذي نلاحظه عند دراستنا لمدى الاستقلال المالي للجماعات الترابية بالمغرب- مما كان لابد معه التفكير في إصلاح جديد للمالية المحلية .

وبالفعل تم إصلاح القانون المالي لسنة 2010 وتم توضيح الاستقلالية المالية من طرف المجلس الدستوري ، فقد تم حذف الرسم المهني بمقتضى هذا الإصلاح ، والذي شكل تطور نحو خطوة جديدة .
وعموما فقد تشكل هذا النظام المالي الجديد على أساس تقاسم السلطة الجبائية بين الدولة و الجماعات المحلية ، ناهيك عن تقاسمها بين الجماعات المحلية نفسها ، و في هذا الإطار اعتبر الاستقلال المالي ، استقلالا على مستوى السلطة الجبائية بشكل محدود .

وقد أكد المجلس الدستوري هذا التطور عندما فرق بين الاستقلال المالي و الاستقلال الجبائي ، الشيء الذي أكد المبدأ ، مع الأخذ بعين الاعتبار " أنه لم يصدر لا عن الفصل 72-2 من الدستور و لا عن قواعد دستورية أخرى ، على أن الجماعات الترابية تتمتع بالاستقلال الجبائي " .
لكن على الرغم من ذلك يمكن للبرلمان إسناد سلطة تحديد الوعاء الضريبي للجماعات المحلية ، وذلك لأن مستوى الاستقلال المالي للجماعات المحلية يتم احتسابه عن طريق توفر الموارد الذاتية التي يجب أن تكون مكونة من عائدات جميع الضرائب بكل أنواعها .

في الحقيقة ، و عبر ما تضمنته خبايا النصوص ، استطاع المجلس الدستوري عبر هذا القرار أن يأخذ بالتصرف ولو بشكل ضمني في سياق الجبايات المحلية و أوضح على الأقل من الناحية القضائية مفهوم الاستقلال المالي الذي أتى به إصلاح 2010 .

فالنقاش السياسي في فرنسا بين المؤيدين و المعارضين لمسألة الاستقلال الجبائي المحلي بشكل واسع لم ينتهي ، بحيث ظل نقاشا أساسيا يهم ملائمة النظام المالي العام الذي صمم في سياق اقتصادي ، اجتماعي ، و سياسي والذي يختلف كثيرا عن اليوم ، من ناحية التمثيل في البرلمان و البناء الدستوري و الإيديولوجي و الذي لم يختفي منذ قرون من الزمن .

ومن جهة أخرى ، لا تزال السلطة الجبائية مؤطرة بمبدأ الشرعية ، و ترتبط بمدى تكيفها مع التقلبات الاقتصادية ، و البيئة المؤطرة لها . وبالتالي نجد سؤال الحكامة الجبائية المحلية يطرح نفسه من جديد ، وذلك في سياق مواجهة الجماعات المحلية لمستقبل محدد من طرف السؤال الحاسم حول استدامة المالية العامة .

في الواقع ، إن التدهور والعجز الحاصل الآن على مستوى الديون العمومية في فرنسا ، أدى في السنوات الأخيرة إلى إعادة النظر في عمل الدولة باعتبارها ذات صلة و لا غنى عنها 17.

إذن من خلال كل ما سبق يتضح أن مفهوم السلطة الجبائية لا ينطبق على تجربة اللامركزية بالمغرب ، وأن هذه السلطة محتكرة دائما من طرف البرلمان الذي له شرعية المصادقة على القوانين و بالتالي الشرعية الضريبية ، نظرا لما تمسه هذه الأخيرة من حقوق و حريات أساسية متعلقة بالأفراد و الجماعات. بل نجد أن هذه السلطة حتى في التجارب المقارنة مجرد سراب لا يمكن الوصول إليه ، إلا إذا استثنينا التجربة الألمانية التي يمكن القول أنها تتوفر سلطة جبائية محلية نظرا لتمتعها بجماعات مستقلة متمثلة في الأقاليم " اللاندر " ، و التي تتوفر على اختصاصات تمكنها من خلق الضريبة و مراجعتها و إلغاءها ...

أما فيما يخص التجربة الفرنسية فرغم الإصلاحات العديدة للعمل على إسناد هذه السلطة للجماعات الترابية ،إلا أنها باءت جميعها بالفشل ، بحيث قيل عنها أنها مجرد " وهم " ، و لا ترقى لتسميتها بالسلطة الجبائية ، كما هو الشأن في المغرب .

وبالتالي يمكننا القول على أن السلطة الجبائية الحقيقية هي سلطة ممنوحة حصريا للبرلمان في الدول ذات الشكل البسيط ، في حين يمكن أن تكون ممنوحة للجماعات المستقلة في الدول ذات الشكل المركب .


1. الفصل 39 من الظهير الشريف عدد 1.11.91 الصادر بتاريخ 29 يوليوز 2011 بتنفيذ الدستور ، الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 30 يوليوز 2011 .
2. الفصل 71 من الظهير الشريف عدد 1.11.91 الصادر بتاريخ 29 يوليوز 2011 بتنفيذ الدستور .
3. المادة 6 من الظهير الشريف 1.15.62 الصادر في 2 يونيو 2015 بتنفيذ القانون التنظيمي 130.13 المتعلق بقانون المالية ، الصادر بالجريدة الرسمية عدد 6370 بتاريخ 18 يونيو 2015 ، ص5810 .
4. المادة 11 من الظهير الشريف 1.15.62 الصادر في 2 يونيو 2015 بتنفيذ القانون التنظيمي 130.13 المتعلق بقانون المالية
5. المادة 1 من الظهير الشريف رقم 1.07.195 الصادر في 30 نونبر 2007 بتنفيذ القانون 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات المحلية ، الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5583 ، ص 3734 .
6. المادة 168 من الظهير الشريف رقم 1.07.195 الصادر في 30 نونبر 2007 بتنفيذ القانون 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات المحلية ، الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5583 ، ص 3734 .
7. المادة 92 من الظهير الشريف رقم 1.15.85 الصادر في 7 يوليوز 2015 بتنفيذ القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات ، الصادر بالجريدة الرسمية عدد 6380 بتاريخ 23 يوليوز 2015 ، ص 6660 .
8. Rachid EL MOUSSAOUI , " Les finances territoriales " 2éme édition : 2017-2018 ,page : 7-8 .
9. مديرية دراسات و توقعات المالية ، مجلة المالية عدد 29 يناير 2016 صفحة 5-6 .
10.تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول الجبايات المحلية 2015 ، ص 43 .
11. و ذلك بمقتضى المادة 168 من الظهير الشريف رقم 1.07.195 الصادر في 30 نونبر 2007 بتنفيذ القانون 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات المحلية .
12. المادة 101 من الظهير الشريف رقم 1.15.83 الصادر في 7 يوليوز 2015 بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات ، الصادر بالجريدة الرسمية عدد 6380 بتاريخ 23 يوليوز 2015 . ، ص 6585 .
13. أصبحت الجهة بالنظام الإداري الفرنسي ، جماعة ترابية تتمتع بالاستقلال المالي و الإداري ، وذلك منذ تنظيمها بقانون 2 مارس 1982 ، حيث أراد المشرع تزويد جهة كورسيكا بنظام يأخذ بعين الاعتبار خصائصها الناتجة عن جغرافيتها و تاريخها ، وبالتالي صدر القانون السالف الذكر .
14. باتي سمية ، " الجهوية الموسعة بالمغرب و خيار الحكم الذاتي " رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام ، جامعة الحسن الأول ، كلية الحقوق سطات ، السنة الجامعية 2009-2010 ، ص 246
15. حنان الخلفي ، " القرار المالي الجهوي - دراسة مقارنة - " مقال منشور في مجلة المنارة للدراسات القانونية و الإدارية عدد خاص / 2017 ص 90 .
16. باتي سمية ، مرجع سابق ص 241
17. Michel BOUVIER - Nouveaux Cahiers du Conseil constitutionnel n° 33 (Dossier : le Conseil constitutionnel et l’impôt) - octobre 2011 ; Article publier sur le web site : http://www.conseil-constitutionnel.fr/conseil-constitutionnel/francais/nouveaux-cahiers-du-conseil/cahier-n-33/le-conseil-constitutionnel-et-l-autonomie-fiscale-des-collectivites-territoriales-du-quiproquo-a-la-clarification.100373.html

بقلم ذ محمد اليونسي
باحث في الشؤون الإدارية و المالية
 


أعلى الصفحة