القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ رضوان بنسليمان
باحث في العلوم الجنائية والدراسات الأمنية بكلية الحقوق بطنجة
تحت عدد: 689
محور محاضرة افتتاحية للفوج الثاني لـ"ماستر العلوم الجنائية والدراسات الأمنية
شهد رحاب كلية الحقوق بطنجة - الملحقة الأولى - بقاعات الندوات بتاريخ 12 أكتوبر 2018 على الساعة الثالثة بعد الزوال درسا افتتاحيا للفوج الثاني لـ"ماستر العلوم الجنائية والدراسات الأمنية" من تأطير فضيلة

الأستاذ: هشام ملاطي، مدير الشؤون الجنائية والعفو بوزارة العدل حول موضوع: "السياسة الجنائية المغربية؛ الثابت والمتغير" . ويأتي اختيار موضوع هذه المحاضرة الافتتاحية المتعلق بالسياسة الجنائية، ضمن سياق انخراط مكونات الفريق البيداغوجي للماستر... في دينامية الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية كأحد الأوراش الرئيسة، لرسم معالم جديدة تتماشى مع الاتفاقيات الدولية، التي صادق عليها المغرب في نطاق أحكام الدستور وقوانين المملكة لبناء دولة القانون والمؤسسات.

وقد استهل الكلمة فضيلة الدكتور جعفر العلوي: أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية فاس؛ حيث تول رئاسة الجلسة الافتتاحية ومن خلالها عبر عن شكره للحضور وسعادته بالتواجد في هذه المحاضرة الافتتاحية المتميزة رفقة ثلة من الأساتذة الجامعين، والمحامين القضاة وأطر المهن القضائية المختلفة والطالبة الباحثين؛ إذ اعتبر هذا اللقاء بمثابة مناسبة للانفتاح على أهمية الجامعة في التكوين والبحث العلميين وتثمين بناء الطلبة الباحثين باعتبارهم القوة المحركة في التغيير وتحقيق التنوير القانوني والحقوقي في المجال الجنائي. وبعده مباشرة استلم الكلمة السيد مرزوق ايت الحاج: رئيس شعبة القانون الخاص، الذي أعرب عن سعادته بالتواجد ضمن هذه المحاضرة الافتتاحية المنظمة من قبل ماستر العلوم الجنائية والدراسات الأمنية. كما أكد دعمه لجميع اللقاءات الهادفة والفعالة. حيث اعتبر هذا الدرس مبرزا الأهمية والإضافة النوعية التي سيضيفها هذا الفوج الثاني للماستر بكلية الحقوق طنجة وهي مناسبة للانفتاح الجامعة على محيطها. كما تقدم فضيلة الدكتور هشام بوحوص: أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق، ومنسق ماستر العلوم الجنائية و الدراسات الأمنية بطنجة بكلمات ترحيبية مرحبا بالحضور، ومركزا في كلمة مقتضبة على بيان أدوار وأهداف الماستر المتمثلة في الجمع بين مقاربتين متكاملتين:

أولا: المعرفة النظرية العلمية الأكاديمية من خلال الاستعانة بنخبة من الأساتذة الجامعين المتخصصين في هذا المجال.
ثانيا: التجربة العملية من خلال انفتاحه هذا الماستر على مختلف مكونات أجهزة العدالة الجنائية والأمنية بالمغرب، وكذلك الانفتاح على كل الفاعلين الحقوقيين والاقتصاديين والمجتمع المدني، وكل المهتمين بالمجال الحقوقي والأمني بالمغرب. وكذالك التعاون والتنسيق مع فرق ومجموعات ومختبرات البحث، ومع الكليات والجامعات المغربية والأجنبية، وكل المؤسسات العمومية والخصوصية لتحقيق أهداف الماستر.

وقد رسم خطوط برنامج التكوين المستمر لإعداد الطلبة الباحثين والأطر العليا المتخصصة في المادة الجنائية، مع تأمين الجودة في تكوينهم على النحو الذي يمكنهم من الالتحاق بسوق الشغل القضاء، المحاماة، الأمن الوطني، والدرك الملكي، إدارة الجمارك، موظفوا إدارة السجون ومراكز الإصلاح والتهذيب، الاستشارة والخبرة القانونية… بالإضافة إلى أن هذا الماستر يفتح آفاقا كبيرة أمام الطلبة الباحثين لمواصلة مسار البحث والتكوين الأكاديمي في المادة الجنائية والأمنية بسلك الدكتوراه. مع الانفتاح على كل الفعاليات القانونية والقضائية من قضاة ومحامين ورجال الأمن وطلبة ومجتمع مدني، وممثلون عن وزارة العدل.

بعد ذلك أعطى الكلمة الدكتور عبد السلام بنحدو ، عميد كلية العلوم الحقوق بطنجة سابقا باعتباره أحد أعلام القانون الجنائي وطنيا؛ ذلك أنه فتح نافذة علميةً نَيِّرةً بكلية الحقوق في ما هو علمي ومعرفي؛ فالغاية من مداخلته هي دفع الطلبة الباحثين في مجال العلوم الجنائية والدراسات الأمنية إلى إنتاج سؤالهم الخاص، وذلك عن طريق الاحتكاك بتجارب قانونية رائدة على مستوى الجامعة المغربية، والبحث الأكاديمي؛ حيث تتصف أبحاثه بجِدَّةٍ ورصانةٍ علمية مشهود بكفاءتها، ليكون حافزا ودافعا قويا لهذه الأجيال على التشبث بقيم الأمل، واستلهام النماذج المقارنة لمواصلة الانخراط في الأبحاث الجامعية الجادة.

إن موضوع المحاضرة يثير إشكالات معقدة تقف في وجه السياسة الجنائية؛ حيث تمحورت مداخلة الأستاذ: هشام ملاطي حول واقع "السياسة الجنائية المغربية، الثابت والمتغير" إذ اعتبر موضوع السياسة الجنائية موضوعا يتداخل فيه النظري بالتطبيقي لدرجة الاختلاط، وذلك عائد إلى ارتباطه الوثيق بحقول السياسة التي هي مجال للاختلاف والانتقادات والملاحظات والتساؤلات الكبرى بشأن الوطن، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بمصير السياسة والمجال الجنائي... . كما تطرق إلى التحولات التي تعرفها وزارة العدل، وخاصة في الشؤون الجنائية والعفو التي تعرف في الأونة الأخيرة تغيرات جوهرية ومفصلية نابعة من الإصلاحات، التي يعرفها مشهد العدالة ببلدنا، من خلال توطيد معالم استقلالية السلطة القضائية، واستقلال النيابة العامة؛ أي نقل السلطات المخولة لوزير العدل والمرتبطة بمجال الدعوى العمومية إلى السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة.

وفي الطرح نفسه، أشار إلى الاختصاصات التي كانت تمارسها الشؤون الجنائية والعفو ذات طابع تشريعي، تنظيمي أو قضائي من خلال إشرافها على النيابة العامة، وعلى تدبير الدعوى العمومية في مختلف المحاكم المملكة. حيث أكد بأن سياق الندوة واختيار الموضوع نابع من عدة اعتبارات أساسية أهمها: - المرحلة الانتقالية، ثم الجهات والأدوات الناظمة للسياسة الجنائية المغربية؛ التي طرأت عليها مجموعة من التغيرات في مجال وضع السياسة الجنائية وتنفيذها أوتقييمها.

كما عرجت المداخلة العلمية إلى توضيح السياسة الجنائية وارتباطها الجذري بالمواد التي تدرس في الماستر وتتدخل في كافة العلوم الجنائية؛ لأن موضوع السياسة الجنائية متشعب بالقدر الذي يجعلها قادرا على احتواء الجانب التشريعي، والتدابير التنظيمية في الوقت نفسه؛ إذ تتدخل في صلبه مجموعة من الفاعلين: "الحكومة، البرلمان، السلطة القضائية، المجتمع المدني، المنتظم الدولي...". وفي خضم المداخلة حاجج الأستاذ "هشام الملاطي" بمجموعة من الإحصائيات والأرقام التي تعلل بروز بعض التغيرات على المستوى السياسة الجنائية المغربية مع تفسير كيفية تدبير الضوابط الناظمة لأسسها النظرية، والسياسية، والإجرائية.

وأخيرا، طرح المتدخل مجموعة من الملاحظات المهمة للخروج من مآزق السياسة الجنائية،وعلى رأسها تعزيز الآليات الأساس للتطوير الأجهزة الكلاسيكية، التي تعرف ضعف التنسيق بين السياسة الجنائية وباقي السياسات العمومية للدولة. مما أدى انبثاق كتلة من الإكراهات دون حلول ممكنة وكافية، لمواصلة مشروع إصلاح الحكامة الجيدة والسياسة الجنائية الدولية.

قد تميزت هاته المحاضرة الافتتاحية بترك انطباع جيد للحضور والمشاركين، بسبب تنوعها المعرفي والمؤسساتي، وعمق مداخلة الأستاذ المحاضر، والتي طوقت موضوع الندوة بشكل شمولي رام جميع الإشكالات الكبرى التي تعتري السياسة الجنائية، الأمر الذي يتيح إمكانات توجيه هاته السياسة نحو الحلول التي من شأنها أن تجعل المنظومة القانونية المغربية منفتحة على مستجدات العصر، وبخاصة على المستوى الحقوقي الكوني مع مراعاة ثوابت الوطن.

بقلم ذ رضوان بنسليمان
باحث في العلوم الجنائية والدراسات الأمنية بكلية الحقوق بطنجة
 


أعلى الصفحة