الشخصية المعنوية للشركة باعتبارها ضامنة للحقوق وملزمة للواجبات - Alkanounia.com

 
القانون العام

بقلم ذ منى القرباص
(باحثة في سلك الدكتوراه (القانون الخاص
تحت عدد: 650
إن الشخصية المعنوية هي بصفة عامة كل الهيئات والمؤسسات والجماعات التي يريد المشرع أن يثبت عليها الإلتزامات والآثار، بحيث يكون لها ذمة مالية مستقلة، تماما مثل الأشخاص الطبيعيين

وعلى هذا الأساس، فإن أشهر تعريف يمكن أن نعرف به الشخصية المعنوية هو كالآتي: "هي مجموعة الأشخاص والأموال التي تهدف إلى تحقيق غرض معين، ويعترف القانون لها بالشخصية القانونية بالقدر اللازم لتحقيق ذلك "الغرض
ولعل القارئ هنا يتساءل عن موقع مصطلح الشخص الإعتباري؟ نقول بكل بساطة أن إطلاق مصطلح الأشخاص الإعتباريين كناية عن أنها أشخاص تكتسب الشخصية القانونية حكما أي بنص القانون الذي اعتبرها كذلك، وفي ذات الوقت يعني ضمنيا أنها ليست أشخاصا طبيعية، وإنما يمنحها المشرع تلك الصفة القانونية والتي أسماها بالإعتبارية ليبين لنا أنها تتمكن من أن ممارسة حقوق وتلتزم بواجبات في سبيل تحقيق أغراض اجتماعية معتبرة سواء للمجتمع كله أو لطائفة من طوائفه. وذلك كما عرفها الدكتور "محمد جمال الذنيبات" بقوله، هي: "كالمجموعة من الأشخاص أو الأموال التي تثبت "لها الشخصية الحكمية بمقتضى القانون

وعليه، فإن توافر جميع الأركان في عقد الشركة، ينشأ لنا عقد شخص جديد، ألا وهو الشخص المعنوي الذي ينفصل عن شخصية الشركاء، ولا فرق بين الشركة سواء كانت مدنية أو تجارية، فإن الشخص المعنوي ينشأ فيها دون مراعاة نوعها
: نشأة الشخصية المعنوية للشركة
إن القاعدة العامة المسلم بها في هذا الباب أن الشركة تولد كشخص معنوي بمجرد تكوينها على وجه صحيح، ويتم تكوين شركات الأشخاص على وجه قانوني بمجرد موافقة المتعاقدين وفقا للبنود المضمنة في عقد التأسيس
أما فيما يخص شركات الأموال فيكون إنشاؤها القانوني مرتبا لشخصيتها المعنوية إبان استكمال إجراءات التأسيس التي نص عليها القانون، ولا يتم تأسيس الشركة ذات المسؤولية المحدودة "إلا إذا وزعت جميع الحصص النقدية في عقد " تأسيس هذه الشركة بين الشركاء، ودفعت قيمتها كاملة
وعلى ضوء ذلك، ليس بالضرورة أن تكتسب الشركة الشخصية المعنوية بعد اتخاذ إجراءات الشهر التي يقررها القانون، لأن هذه الإجراءات بكل بساطة الغرض منها حصرا هو إخطار الغير بوجود الشركة كشخص معنوي حتى يمكن الإحتجاج عليها بعد ذلك بحيثية هذا الوجود
ومن المهم جدا في هذا المقام أن نذكر أن شركة المحاصة هي الشركة الوحيدة المحرومة من الشخصية المعنوية، وذلك بسبب أن هذه الشركة تتسم بالتستر القانوني وتقتصر آثارها على الشركاء فيها ولا تتعدى غيرهم، كما لا وجود لها بالنسبة للغير
:نهاية الشخصية المعنوية للشركة
في الغالب تظل الشركة محتفظة بشخصيتها المعنوية طوال فترة وجودها، إلى أن يتم حلها وانقضاؤها. ومع ذلك فمن المقرر أن انقضاء الشركة لا يترتب عليه زوال شخصيتها المعنوية، وإنما تبقى لها هذه الشخصية خلال فترة التصفية، وهنا يظهر المنطق جليا في هذه القاعدة، لأن إجراءات التصفية تستلزم القيام بالعديد من التصرفات باسم الشركة، ولا يمكن تصور ذلك إلا إذا تمتعت هذه الأخيرة بالشخصية المعنوية. وزيادة على ذلك، فإن الإبقاء على الشخصية المعنوية للشركة خلال فترة التصفية يحول دون صيرورة أموالها ملكا للشركاء على الشيوع بعد انقضائها نهائيا، ومنه يتم تفادي الصراعات التي تنتج عن دائني الشركاء الشخصيين لدائني الشركة في التنفيذ على هذه الأموال المشاعة فيما بينهم، فـ "بقاء شخصية الشركة هو وحده الذي يتفق واحترام الحقوق المكتسبة لدائني الشركة الذين تعاملوا مع شخص "معنوي له ذمته المستقلة عن ذمم الشركاء

:ماهية الشخصية المعنوية
:إن خلافا فقهيا وفكريا أثير بشدة حول تكييف ماهية وطبيعة الشخصية المعنوية، إذ ظهرت الآراء والمذاهب الآتية
: أ/ المذهب النافي لوجود الشخصية المعنوية
يقرر أصحاب هذا المذهب أنه لا فائدة إطلاقا من الإعتداد بهذه الفكرة، إذ يمكن الإعتماد في الحفاظ على المصالح الجماعية على الأفكار والمفاهيم التقليدية المألوفة مثل: التضامن الإجتماعي، الملكية المشتركة... وغيرهما
:ب/ مذهب الإفتراض والخيال
ويعتبر المتبنون لهذا المبدأ أن الإنسان (الشخص الطبيعي) هو الشخص القانوني الوحيد القادر على اكتساب الحقوق وتحمل الإلتزامات، أما الشخص المعنوي ما هو إلا افتراض ومجاز من باب تمكين مجموعة الأشخاص أو الأموال من أداء مهامها الجماعية وتحقيق الأغراض الموجودة من أجلها
:ج/ مذهب الحقيقة والواقع
حيث يعرب أصحابه عن ضرورة الإعتراف بالشخصية القانونية (المعنوية) على أنها القدرة المجردة لاكتساب الحقوق (وتحمل الإلتزامات بغض النظر عمن تسند إليه هذه القدرة: إنسان (فرد)، أو مجموعة (أفراد وأموال
:أنواع الشخصية المعنوية
:أ/ الشخصية المعنوية العامة
وهي الدولة أو الأشخاص المعنوية التي تتبع الدولة، ويمكن تعريفها بأنها: "مجموعة الأشخاص والأموال التي تنشأ من قبل الدولة بموجب نظام، ويكون لها هدف مشروع. أو يقال: هي كل مشروع تنشؤه الدولة من أموالها وموفيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وتكون نشأتها وانتهاؤها بموجب نظام. مثالها: المؤسسات العامة، الهيئات العامة، "مجالس الإدارة المحلية
وهذا النوع من الشخصية المعنوية له تفريعات أخرى بسيطة وهي: الشخصية المعنوية الإقليمية، والشخصية المعنوية المرفقية، والشخصية المعنوية المهنية، لا داعي لتفصيلها في هذا المقام لعدم دخولها المباشر في موضوع مقالنا

:ب/ الشخصية المعنوية الخاصة
وهي التي تدل على الأشخاص القانونية التي لا تتبع الدولة بل تتبع الأفراد والجماعات الخاصة، وتهدف بصورة أساس إلى تحقيق مصالح فردية خاصة، تتميز من حيث طريقة وأداة إنشائها وخضوعها لرقابة الدولة. ويكون إنشاؤها بموجب قرار من الجهة المختصة. ويمكن تعريفها بأنها: "هي تلك التي يكونها الأفراد سواء لتحقيق غرض خاص بهم أو بغرض يعود بالنفع العام وهي على نوعين، مجموعات الأشخاص ومجموعات الأفراد. مثالها: الشركات "التجارية، الجمعيات المدنية الخاصة

ما الفرق بين الشخصيتين المعنوية العامة والمعنوية الخاصة؟
:الجواب: يمكن التفريق بينهما من زوايا مختلفة
:فمن حيث الهدف الهدف من إيجاد الشخص المعنوي الخاص هو هدف خاص يتمثل في الربح المادي، أما الشخص المعنوي العام فإنه إيجاده يهدف إلى تحقيق مصلحة عامة
:من حيث الإنتماء إن الإنتماء إلى الشخص المعنوي الخاص يكون اختياريا، عكس الإنتماء إلى الشخص المعنوي العام، فإنه يكون إجباريا، كالإنتماء إلى الدولة بالمواطنة
:من حيث الإنشاء كما بينا أعلاه في التعريف، فإن الشخصية المعنوية الخاصة تنشأ بموجب قرار إداري من الجهة المختصة والذين ينشؤونها هم أفراد عاديون، أما الشخصية المعنوية العامة فإنها تنشأ بموجب قانون يصدر من قبل المشرع
:من حيث الوسائل إن الشخصية المعنوية العامة تستخدم وسائل القانون العام من السلطة العامة، بينما تستخدم الشخصية المعنوية الخاصة قواعد القانون الخاص في كل أنشطتها. وللشخصية المعنوية امتيازات ليست للشخصية المعنوية الخاصة؛ وذلك بسبب اختلاف الهدف بين كل منهما، حيث أن الأولى تكون لخدمة وتحقيق الصالح العام والمنفعة العامة، أما الثانية فإن هدفها محصور فقط لتحقيق هدف خاص يحدده منشؤها، وهو الربح المادي بطبيعة الحال

كل ما سبق يقودنا إلى طرح التساؤل التالي لإغناء مقالنا: ما حدود صلاحية الشركة لاكتساب الشخصية المعنوية؟
إن الجواب على هذا التساؤل لا يستدعي الكثير، فإذا كانت صفة الأشخاص الطبيعيين تمنحهم صلاحيات اكتساب الحقوق وتحمل الإلتزامات، فإن اعتبار الشركة شخصا معنويا أو اعتباريا يحدد صلاحيتها لاكتساب الحقوق وتحمل الإلتزامات تماما كالشخص الطبيعي العادي
ومنه، فإذا اكتسبت الشركة الشخصية المعنوية تكون لها حقوق وعليها واجبات
:أ/ حقوق الشركة : في الإستقلال بالذمة المالية تتمتع الشركة بذمة مالية مستقلة عن ذمم الشركاء فيها، كما تتكون من مجموع ما للشركة وما عليها من حقوق والتزمات، أو بتعبير آخر، تتكون ذمة الشركة من جانب إيجابي يمثل مجموع الحصص التي يقدمها الشركاء، وكافة الأموال والمنقولات التي تكتسبها عند مباشرتها لنشاطها. أما الجانب السلبي يتمثل في الديون الناشئة عن معملاتها
:منع المقاصة بين ديون الشركة وديون الشركاء إذ لا يجوز بأي حال من الأحوال لمدين الشركة أن يمتنع عن الوفاء بدينه لها بحجة أنه أصبح دائنا لأحد الشركاء، كما لا يجوز لمدين أحد الشركاء أن يمتنع عن الوفاء بدينه له بحجة أنه أصبح دائنا للشركة. وهذا نظرا لاستقلال ذمة الشركة عن ذمم الشركاء

:تعدد واستقلال الإفلاس الأصل إن أفلست الشركة لا يؤدي هذا إلى إفلاس الشركاء، كما أنه بالمقابل، إفلاس أحد الشركاء لا يؤدي إلى إفلاس الشركة، وذلك استنادا الى خاصية استقلال الذمم المالية وتمايزها. ولكن إذا كنا بصدد شركة التضامن أو شركة التوصية، فإن حدث وأن أفلست أدى هذا إلى إفلاس الشركاء المتضامنين في الشركة وفقا لمسؤولياتهم التضامنية المطلقة عن ديون الشركة

:ب/ واجبات الشركة إن الشركة تسأل عن مسؤوليتها المدنية من خلال جميع أفعالها الضارة التي تصدر عن ممثليها أو موظفيها، كما تسأل عن الحيوانات أو الأشياء التي في حراستها، أي أن مسؤوليتها التقصيرية تقوم على جميع الأعمال الضارة، زيادة على قيام مسؤوليتها التعاقدية إزاء زبائنها

وإذا كانت الشركة تقوم بممارسة النشاط التجاري، فإنها تكتسب تبعا لذلك صفة التاجر، وتلتزم على إثرها بالتزامات التجار كإمساك الدفاتر التجارية، والقيد في السجل التجاري والذي يخولها التمتع بالشخصية المعنوية
وفيما يخص مسؤولياتها الجنائية، فقد استقر كل من الفقه والقضاء على عدم مساءلة الشركة على أساس أن العقوبة شخصية لا توقع إلا على الشخص الذي ارتكب الفعل الإجرامي، لأنه من غير الممكن توقيع الإكراه البدني مثلا بالحبس والسجن على الشخص المعنوي الذي لا يتمتع بوجود مادي محسوس. لهذا، قرر المشرع في هذا الباب أنه من يسأل في هكذا حالة هو مرتكب الجريمة من ممثلي الشركة، غير أنه يجوز مساءلة الشركة عن الجرائم التي تتمثل عقوبتها في توقيع الغرامات المالية، لأن الغرامة لا تحمل معنى العقوبة المادية الصرفة، بل هي بمثابة تعويض وإصلاح للضرر

ولعل القارء الممحص وهو يقرأ المقال، يقرر سؤالا وجيها والمتمثل في: إذا كانت الشركة تعتبر شخصا معنويا مثلها مثل الشخص الطبيعي، فما جنسيتها؟
إن الشركة تتمتع بجنسية معينة لا شك في ذلك، حتى يمكن القول بانتسابها لدولة ما، إذ لا توجد شركة عديمة الجنسية، كما لا يجوز أن تكتسب الشركة عدة جنسيات لأنها تنشأ وثيقة الصلة بدولة معينة فتتبع جنسيتها
وقد كان فقهاء القانون الدولي الخاص قديما يذهبون إلى أن فكرة الجنسية تقتصر فقط على الأشخاص الطبيعية دون الأشخاص المعنوية، ذلك لأن الجنسية هي رابطة قانونية وسياسية بين الدول والأفراد المكونين لها، إذ بها يتحدد عنصر الشعب في الدولة، كما أن الجنسية تقوم على روابط عاطفية وروحية، وبالتالي فهذه الروابط تنعدم بالنسبة للأشخاص المعنوية أو الإعتبارية، لكن الفقه المعاصر يرى ضرورة تمتع الشخص المعنوي بالجنسية، لأن الجنسية كنظام قانوني تقوم على الإنتماء للدولة، وهو عنصر يوجد في كل من الشخص الطبيعي والشخص المعنوي على حد سواء، فضلا عن أن الجنسية نظام يرتب عليه القانون نتائج لازمة بالنسبة لكل من الشخصين الطبيعي والمعنوي
: وتعد أهمية تحديد جنسية الشركة في عدة جوانب، والتي تحقق
معرفة مدى الحقوق التي يتمتع بها الشخص المعنوي: والتي تشملها الدولة رعاياها دون غيرهم لا سيما في مجال الإتجار، كحق الإعفاء من الضرائب، وحق الحصول على إعانات مالية... إلخ
معرفة الدولة التي تتمتع بحق حماية هذا الشخص المعنوي نظرا لانتمائه إليها
تحديد النظام القانوني الذي تخضع له عند تأسيسها وعند إدارتها وتطبيق النظام الضريبي عليها وحلها وتصفيتها. وإذا فقدت الشركة جنسيتها دون أن تكتسب جنسية جديدة وجب حلها وتصفيتها

وفي نفس السياق، فقد اختلفت التشريعات والآراء حول المعيار المعتمد في تحديد جنسية الشركة، إذ هناك جانب من الفقه رأى ضرورة الإستناد على معيار مكان تأسيس الشركة، بينما جانب ثان رأى ضرورة الإستناد على معيار مكان الإستغلال الرئيس، بينما ذهب جانب فقهي ثالث إلى الإستناد على معيار الرقابة والمصالح المسيطرة على الشركة أو من مصدر الأموال فيها. لكن الرأي المتبع في الغالب بين كل هذه الآراء هو تحديد جنسية الشركة وفقا لمعيار الموطن، أي الدولة التي تتخذ فيها الشركة مركز إدارتها الرئيس، وذلك بصرف النظر عن جنسية الشركاء أو جنسية القائمين على الإدارة أو مصدر الأموال التي تقوم عليها

على ضوء كل ما تطرقنا إليه في مقالنا الموجز، والقصد منه هو التبسيط والإيضاح للقارئ غير المتخصص قبل القارئ المتخصص، وجدنا أن القضاء أرسى دعائم الشركة الفعلية، وذلك من خلال الإعتراف بوجود الشخصية المعنوية وجودا فعليا واقعيا لا وجودا شرعيا قانونيا وحسب، كما اعتبر البطلان بمثابة إنكار لهذا الوجود بالنسبة للمستقبل فقط، وذلك استنادا على نظرية ظاهر الأشياء؛ لأن الغير قد اطمأن إلى وجود شركة وتعامل معها بوصفها شخصا معنويا، فمن غير المقبول ولا المعقول بعد ذلك مباغتته بمحو حياة هذا الشخص وإنكار وجوده

كما نختم كذلك بالقول أن للشركة بعض الحقوق التي يتمتع بها الشخص الطبيعي نظرا لتمتعها بالشخصية المعنوية التي تجعل منها مضاهية له، وهذه الأخيرة توجد في جميع أنواع الشركات ما عدا شركة المحاصة كما بينا من قبل، وهذا ما لمسناه في مقالنا، حيث أنها تعد شركة مستترة ويقتصر أثرها على الأطرف دون الغير، إذ لا وجود له في الأصل بالنسبة للغير

:المراجع المعتمدة
محمد الصغير بعلي، المدخل للعلوم القانونية – نظرية القانون والحق
محمد فريد العريني، القانون التجاري: الأعمال التجارية - التجار - الشركات التجارية
خالد خليل الظاهر، القانون الاداري
خولي أكثم أمين، الوسيط في القانون التجاري
أحمد علي عبد الله، الشخصية الاعتبارية في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة
عائشة بشوش، المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية
بقلم ذ منى القرباص
(باحثة في سلك الدكتوراه (القانون الخاص
 


أعلى الصفحة