القانون الاجتماعي

بقلم ذ خالــــد الحـــــري
أستاذ التعليم العالي مساعد بكلية الحقوق المحمدية
تحت عدد: 302
إن التطورات المتسارعة في مجال التكنولوجيا

أدت إلى تحسن وسائل الإنتاج، لكن في المقابل نتجت عنها ارتفاع مهول في المخاطر المهنية المرتبطة بسلامة وصحة الأجراء، مما حتم على المشرع التدخل لسن مجموعة من التدابير الكفيلة بحفظ صحة الأجراء وسلامتهم انسجاما مع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب في هذا المجال بغية الحد من هذه المخاطر وأسبابها، لما لها من آثار سلبية على مردودية المقاولة والأجراء العاملين بها من جهة وتزايد حجم التعويضات المؤداة من طرف شركات التأمين لضحايا حوادث الشغل والأمراض المهنية من جهة أخرى.

فإلى أي حد وفق المشرع المغربي من خلال المقتضيات القانونية المرتبطة بهذا المجال من الحد من المخاطر المهنية، وهل العقوبات المنصوص عليها كفيلة بردع المخالفين لتدابير حفظ الصحة والسلامة المهنية.

للإجابة على هذه التساؤلات، سنتناول الموضوع من زاويتين ، نعالج من جهة أولى التدابير الوقائية لحفظ صحة الأجراء وسلامتهم المهنية ومن جهة ثانية الجزاءات المترتبة عن مخالفة المقتضيات القانونية المرتبطة بحفظ الصحة والسلامة المهنية.

أولا- التدابير الوقائية لحفظ صحة الأجراء وسلامتهم :

جاء القانون رقم 65.99 بمثابة مدونة الشغل بالعديد من المقتضيات القانونية التي تعزز الضمانات الحمائية لصحة وسلامة الأجراء، ومما يعزز هذه الحماية إضفاء صفة النظام العام على نصوصها، حتى يلتزم باحترامها طرفي عقد الشغل.

والملاحظ أن هذه المقتضيات شملت البيئة العامة للمقاولة سواء تعلق الأمر بأماكن العمل أو الآلات والمنتجات المستعملة مع إحداث مصالح طبية للشغل لتعزيز شروط الأمان للوقاية من أضرار الحوادث المهنية.

1- الحماية على مستوى أماكن العمل :

أولى المشرع عناية خاصة لمكان الشغل الذي يقضي فيه الأجراء أغلب أوقاتهم بحرصه على توفير شروط الوقاية الصحية وخاصة فيما يتعلق بنظافة أماكن الشغل التي يجب السهر على نظافتها على الأقل مرة في اليوم بما في ذلك أرضية المؤسسات التي يستمر فيها الشغل ليلا ونهارا قبل بداية الشغل أو بعد نهايته تفاديا للغبار، كما يجب تنظيف الجدران والسقوف بطريقة منتظمة ومستمرة.([1])

فضلا عن تجهيز أماكن العمل بقنوات تصريف مياه الفضلات أو مياه الغسل والمرافق الصحية من مستودعات الملابس والمغتسلات والرشاشات وآبار المراحيض.

كما يجب على المشغل تهوية وتدفئة وإضاءة أماكن الشغل والوقاية من المخاطر الناجمة عن ضجيج الآلات المستعملة في الشغل.

ناهيك عن ضرورة تجهيز أماكن العمل بآلات إطفاء الحرائق وتزويد الأوراش بالماء الشروب بكيفية عادية مع تخصيص أماكن لتناول الوجبات الغذائية وأماكن نظيفة لإيواء الأجراء بما يضمن لهم ظروفا صحية ملائمة.

وتماشيا مع سياسة الدولة في مجال حماية ذوي الاحتياجات الخاصة أوجب المشرع على المشغل تسهيل ظروف عمل هذه الفئة بتوفير الولوجيات وكافة التجهيزات المناسبة لهم.

والجدير بالإشارة إلى أن المشرع مدد الحماية إلى فئة الأجراء الذين يشتغلون تحت باطن الأرض وفي الآبار بإلزام المشغل بضرورة توفير وسائل الأمان بما فيها الأقنعة.

2- على مستوى الوقاية من حوادث الشغل :

من أجل الحد من الأضرار الناجمة عن حوادث الشغل سلك المشرع منهجا وقائيا، من خلال منع استعمال الآلات التي تشكل خطرا على سلامة الأجراء وصحتهم دون أن تكون وسائلها الوقائية مثبتة في مكانها المناسب، كما منع المشرع أيضا على المشغل السماح لأجرائه باستعمال مستحضرات أو مواد خطيرة.

كما أوجبت مقتضيات مدونة الشغل الأجراء بالامتثال للتعليمات الخصوصية المتعلقة بقواعد السلامة وحفظ الصحة خلال تأديتهم لبعض الأشغال الخطرة، وفي حالة المخالفة اعتبر المشرع ذلك خطأ جسيما يبرر الفصل التأديبي للأجير بصريح المادة 39 من المدونة.

ولإضفاء مزيدا من الحماية قرر المشرع ضرورة وضع تحذير مكتوب على أغلفة المواد والمستحضرات المحتوية على مواد خطرة، لإعلام الأجراء مسبقا بخطورة المواد المستعملة.

 

ولإلمام الأجراء وإدراكهم بالمخاطر المحفوفة بعملهم ألزم المشرع صاحب العمل بضرورة إلصاق الإعلانات بكيفية واضحة ومقروءة بأماكن العمل لتحذير الأجراء وتنبيههم بضرورة اتخاذ الاحتياطات اللازمة للحيلولة دون وقوع حوادث الشغل.

كما منع المشرع أيضا صاحب العمل من تكليف الأجير بأن يحمل يدويا حمولات من شأنها أن تعرض صحته للخطر.

3- طــــــــــــــــــــــــــــــــب الشــــــــــــــغــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل :

من أهم مستجدات مدونة الشغل إحداث المصالح الطبية للشغل، فقد أوجب المشرع على المقاولات التي تشغل ما لا يقل عن خمسين أجيرا بإحداث مصالح طبية مستقلة للشغل، أما تلك التي تشغل أقل من خمسين أجيرا ألزمها القانون بإحداث مصالح طبية مشتركة، تتحمل مصاريف تجهيزها ومراقبتها وأداء أجور الأطباء المتخصصين من طرف صاحب المقاولة.

وبالرغم من وجود هذه الترسانة القانونية والتي جاءت لتكريس مقتضيات المادة 31 من دستور 2011 وتفعيل مبدأ الصحة لجميع المواطنين بما فيهم الأجراء في مجال عملهم، فإن الواقع العملي لايزال يواجه مجموعة من الإكراهات سواء على مستوى قلة الموارد البشرية الطبية المتخصصة في مجال طب الشغل والممرضين المجازين في هذا التخصص، حيث أن المغرب لا يتوفر سوى على حوالي 900 طبيب شغل، في حين أن حاجيات المقاولات المغربية تتجاوز 4000 طبيب شغل.

وتجدر الإشارة إلى أن المغرب بالرغم من المجهودات المبذولة في مجال السلامة والصحة المهنية، فإنه لم يصادق بعد على اتفاقيتين دوليتين([2]) في مجال الصحة وطب الشغل، وعدم إدراج مقتضياتها في التشريع الوطني .

كما تؤاخذ على المقتضيات القانونية المرتبطة بالسلامة والصحة محدودية تطبيقها على المقاولات التي تشغل أقل من 50 أجيرا، فمن يحمي الأجراء الذي يشتغلون بهذه المقاولات مع العلم أن أزيد من 95% من المقاولات المغربية هي مقاولات صغيرة أو متوسطة تشغل أقل من هذا العدد من الأجراء.([3])

بالإضافة إلى ذلك، تطرح إشكالية ضمان استقلالية الطبيب الأجير في مواجهة صاحب المقاولة، إذ كيف له أن يلتزم الحياد في تقاريره الطبية وهو بدوره أجيرا تربطه بالمقاولة علاقة التبعية.

ثانيا- الجزاءات المترتبة عن خرق شروط السلامة والصحة المهنية :

لم يكتف المشرع بمعاقبة المشغل الذي أخل بالتزاماته المرتبطة بمجال حفظ الصحة والسلامة بل مدد هذه العقوبات كذلك إلى الأجراء الذين لا يمتثلون لمثل هذه القواعد.

1- خرق قواعد حفظ الصحة والسلامة المهنية من طرف المشغل:

من أجل ضمان تفعيل المقتضيات المنظمة للصحة والسلامة المهنية أقر المشرع مجموعة من الجزاءات المدنية والزجرية في مواجهة صاحب المقاولة منها:

أ- معاقبة المشغل بغرامة من 2000 درهم إلى 5000 درهم في حالة عدم تجهيز أماكن الشغل بوسائل الوقاية، وعدم توفير وسائل الأمان.

ب- معاقبة المشغل بغرامة من 10.000 درهم إلى 20.000 درهم في حالة عدم توفير المشغل بأماكن الشغل لوسائل التدفئة والإنارة، وعند استعماله لمنتجات تحتوي على مواد أو مستحضرات خطرة.

كما يعاقب المشغل بنفس الغرامة السالفة الذكر في حالة عدم إطلاع أجرائه على الأحكام القانونية المتعلقة بالاحتراس من خطر الآلات أو عدم إلصاقه لتلك التدابير في مكان مناسب داخل المقاولة، يعلم من خلالها كيفية استعمال الآلات والتنبيه إلى مخاطرها مع الإشارة إلى الاحتياطات التي يلزم اتخاذها في هذا الشأن.

ويجب على المشغل أن يحرس على عرض أجرائه على الفحص الطبي عند قيامهم بأشغال تستوجب هذا الفحص تحت طائلة غرامة ما بين 10.000 درهم و 20.000 درهم ، دون أن يحدد المشرع لطبيعة الأشغال التي تستوجب هذه الفحوصات.

ج- وقد شدد المشرع الغرامات السالفة الذكر بمضاعفتها في حالة العود من طرف المشغل وارتكابه لأفعال مماثلة داخل السنتين المواليتين لصدور حكم نهائي.

د- ولم يقتصر المشرع المغربي في جزاءاته على الغرامات المدنية، بل تجاوز ذلك إلى عقوبات زجرية تتمثل في الحبس لمدة لاتقل عن 10 أيام ولا تتجاوز 6 أشهر في حالة خرق المقتضيات القانونية المتعلقة بشروط السلامة وحفظ الصحة.

كما يمكن أن تصدر المحكمة حكم الإدانة مقرونا بقرار الإغلاق المؤقت للمقاولة، بل ويمكن الحكم بالإغلاق النهائي للمقاولة في حالة العود، مع إلزام المشغل بأداء أجور المستخدمين طيلة مدة الإغلاق المؤقت.

وإذا أصبح الإغلاق نهائيا وأدى ذلك إلى فصل الأجراء من عملهم وجب على المشغل أن يؤدي لهم التعويضات المستحقة، بما في ذلك التعويضات عن الضرر.

هـ - كما يعاقب المشغل بغرامة من 2.000 درهم إلى 5.000 درهم في حالة عدم التزامه بالمقتضيات التالية:

- تشغيل أطباء لا تتوفر فيهم شروط التخصص في طب الشغل أو عدم حصول أطباء الشغل الأجانب على ترخيص من طرف وزارات التشغيل والشؤون الاجتماعية.

- ضرورة إبرام عقد شغل كتابي مع طبيب الشغل تراعى فيه القواعد التي تقوم عليها أخلاقيات المهنة.

2- خرق قواعد حفظ الصحة والسلامة المهنية من طرف الأجير:

يعد عدم امتثال الأجراء للتعليمات المرتبطة بقواعد السلامة وحفظ الصحة وهم يؤدون الأشغال الخطرة بمثابة خطأ جسيم يستوجب الفصل من الشغل دون إخطار أو أداء تعويضات من طرف المشغل. ([4])

خــاتمــــة

من خلال دراسة المقتضيات القانونية المتعلقة بحفظ الصحة والسلامة المهنية يمكن الإدلاء بالملاحظات التالية :

- ضرورة ملائمة التشريع الوطني مع الاتفاقيات الدولية المتعلقة بمجال حفظ الصحة والسلامة المهنية.

- ضرورة وضع سياسة وطنية مندمجة وبرامج وطنية خاصة للصحة والسلامة المهنية تهم جميع قطاعات الإنتاج.

- ضرورة توسيع مجال تطبيق مقتضيات الصحة والسلامة المهنية ليشمل جميع القطاعات بما فيها القطاعات العمومية.

- إقرار إجبارية التأمين عن الأمراض المهنية وخاصة في القطاعات والأنشطة التي تعرض الأجراء للأخطار المهنية.

- تحديد شروط وكيفية اعتماد هيآت خاصة لمراقبة التجهيزات المستعملة في العمل.

- ضرورة التخفيض من سقف عدد الأجراء الواجب توفره لدى المقاولة لإحداث مصلحة طبية للشغل، بالرغم من الأعباء المالية التي قد يتطلبها الإجراء من المقاولة.

- ضرورة إعادة النظر في طبيعة الجزاءات وذلك بالرفع من قيمة الغرامات وإقرار عقوبات حبسية صارمة.



[1] - القرار الوزيري رقم 93.08.

[2] - الاتفاقية الدولية رقم 155 لسنة 1981 بشأن السلامة والصحة المهنية.

  والاتفاقية الدولية رقم 161 لسنة 1985 حول خدمات الصحة المهنية.

[3] - عدد المقاولات بالمغرب حوالي 190 ألف شركة و 400 ألف مقاولة فردية منخرطة بالصندوق الوطني لضمان الاجتماعي.

[4] - الفقرة 14 من المادة 39 من  مدونة الشغل.

بقلم ذ خالــــد الحـــــري
أستاذ التعليم العالي مساعد بكلية الحقوق المحمدية
 


أعلى الصفحة