القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ الأمراني علوي محمد
باحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس
تحت عدد: 369
يعتبر الملك في النسق السياسي المغربي بالإضافة

 الى كونه أميرا للمؤمنين بمقتضى الفصل 41 من الدستور، رئيس الدولة وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة وضامن دوام الدولة واستمرارها والحكم الأسمى بين مؤسساتها يسهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الإختيار الديمقراطي وحقوق المواطنين والمواطنات والجماعات وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة..." (الفصل 42).

 إن استنطاق واستجلاء مختلف جوانب هذا الفصل يظهر مجموعة من التساؤلات، أبرزها مسألة أو مبدأ التحكيم، موضوع هذه المقالة. فما المقصود بالتحكيم الملكي؟ وما هي الحالات التي يتم اللجوء فيها الى إعمال هذا المبدأ؟ وهل اللجوء الى التحكيم الملكي في غمرة الصراعات الحزبية والسياسية يكتسي نوعا من الجدية والمعقولية الدستورية ؟        

أولا: في مفهوم التحكيم الملكي.

جاء في الخطاب الملكي لـ 17 يونيو 2011، ما يلي: من معالم فصل السلط وتوضيح صلاحياتها، تقسيم الفصل التاسع عشر في الدستور الحالي إلى فصلين اثنين، فصل مستقل يتعلق بالصلاحيات الدينية الحصرية للملك، أمير المؤمنين رئيس المجلس العلمي الأعلى. وفصل أخر يحدد مكانة الملك كرئيس الدولة وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة والضامن لدوام الدولة واستمرارها، ولاستقلال المملكة وسيادتها، ووحدتها الترابية، والموجه الأمين والحكم الأسمى، المؤتمن على الخيار الديمقراطي، وعلى حسن سير المؤسسات الدستورية والذي يعلو فوق كل انتماء. ويمارس الملك مهامه السيادية والضامنية والتحكيمية الواردة في هذا الفصل، استنادا الى مقتضيات فصول أخرى

ان التحكيم صلاحية دستورية ملكية طبقا لمقتضيات الفصل «42» من الدستور، يمارس فيها الملك التمثيل الأسمى للأمة، ويضمن فيها المصلحة العليا للأمة، ويحسم بطريقة سيادية في السير الغير العادي للمؤسسات الدستورية، ويصون الاختيار الديمقراطي وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات، ويضمن استمرارية الدولة.[1]

 وبذلك فوظيفة التحكيم مسيجة بالشروط الواردة في منطوق الفصل 42 ولا يمكن أن يقع التحكيم بعيدا عن الحالات الواردة في هذا الفصل، فالمشرع الدستوري قد حدد على سبيل الحصر الحالات التي يمكن اللجوء فيها لطلب التحكيم الملكي، والمتعلقة أساسا بتجاوز مقتضيات دستورية أو تعثر سير مؤسسات دستورية ووجود تهديد للاختيار الديمقراطي أو للحقوق والحريات الفردية أو الجماعية أو الإخلال بتعهدات دولية. وذلك حتى لا يعدو التحكيم مطية مجانية، ربما يمكن أن تستغل لممارسة الضغط الحزبي أو البرلماني أو حتى في إطار تصريف الصراع الحزبي والسياسي خارج نطاقه الدستوري الاعتيادي. مع الإشارة في هذا الصدد إلى أن الملك غير ملزم دستوريا بالجواب الإيجابي أو السلبي على طلبات التحكيم في كل الأحوال.[2]

 كما أن الملك يمكنه أن يمارس وظيفته التحكيمية الدستورية بشكل تلقائي وفي نطاق المقتضيات الدستورية والاختصاصات  المنوطة به  دستوريا ، بما يخدم ويحقق غرض اعتباره حكما أسمى. كما يمكنه أن يمارس هذا التحكيم بناء على طلب صريح أو ضمني من الفرقاء في الحالات المحددة دستوريا.[3] والتحكيم بالمعنى المومأ اليه يلعب من جهة دورا مهما في تكريس المكانة السامية التي تحتلها المؤسسة الملكية في سلم هرمية المراقبة، ومن جهة ثانية يسعى الى توافق الآراء والتراضي بين الطالبين للتحكيم بهدف تسوية نزاعاتهم والمحافظة على النظام السياسي في توجهاته و بنياته.[4]

 

 

ثانيا: التحكيم الملكي وحالة تعثر تشكيل الحكومة

مرت أكثر من ستين يوما على إجراء الانتخابات التشريعية للسابع من أكتوبر، دون أن تلوح في الأفق معالم نجاح أو توصل عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة المعين لتشكيل الحكومة، في تشكيل أغلبية حكومية، ويرجع السبب الجوهري لتعثر تشكيل وبناء أغلبية حكومية الى الخلاف بين رئيس الحكومة المعين، وحزب التجمع الوطني للأحرار في شخص أمينه العام الجديد عزيز أخنوش.

وأمام تعثر مسلسل تشكيل أغلبية وائتلاف حكومي، وتوقف مجموعة من المؤسسات الدستورية عن العمل المفتوح، وانعكاساتها السلبية، طرحت مسألة اللجوء إلى التحكيم الملكي للخروج من مأزق البلوكاج الحكومي. وبين الآراء المدعمة والمساندة لطرح اللجوء إلى التحكيم الملكي، والآراء الرافضة إلى اللجوء إليه، يبرز وينتصب سؤال دستورية اللجوء الى التحكيم الملكي في حالة تعثر تشكيل أغلبية حكومية؟

يذهب هنا الأستاذ حسن طارق إلى القول، أن فكرة التحكيم الملكي كمخرج للأزمة، فكرة غير سديدة، لأن الفصل 42 من الدستور يتطرق إلى المهام السيادية والضمانية والتحكيمية التي يمارسها الملك كرئيس للدولة والتي ترتبط أساسا وفقا للنص الدستوري بعمل المؤسسات الدستورية للدولة، وان التحكيم الملكي في موضوع بناء الأغلبية من شأنه المساس عمليا بتوازنات السلط كما حددها الدستور، فانبثاق أغلبية برلمانية بضمانة ملكية من شأنه التشويش على منطق المسؤولية السياسية للحكومة أمام البرلمان وتقنين المنهجية الديمقراطية، علاوة على أن هذه الفكرة ترتبط بالرهان السياسي على تأويل رئاسي للدستور وباستبطان بعض النخب للروح دستور 1996.[5] وهذا

في نفس السياق يذهب الأستاذ أحمد البوز الى اعتبار أن الاستعانة وعلى وجه التحديد بالفصل 42، الذي يجعل من الملك الحكم الأسمى بين مؤسسات الدولة، كما يؤكد على دوره في السهر على حسن سير المؤسسات الدستورية، لا يستقيم ، من جهة أولى، لأن التحكيم الملكي لا يفترض وجوده إلا في حالة وجود نزاعات بين المؤسسات الدستورية، أي بين البرلمان والحكومة، والحال أننا بصدد خلاف حزبي، وإلا لكان الملك قد استجاب من قبل لطلب حزب الاستقلال بعد نزاعه مع العدالة والتنمية في أول حكومة منبثقة عن دستور 2011، ومن جهة ثانية، لأن كل استعمال لهذا الفصل قد يعيد إلى الأذهان الممارسة السابقة للفصل التاسع عشر الشهير، ويؤشر على عدم القطع مع عهد الازدواجية الدستورية التي ميزت الممارسة الدستورية والسياسية السابقة، وبالتالي عدم الانتقال بكيفية واضحة من ملكية فوق الدستور إلى ملكية مؤطرة بالدستور ومحكومة بنصوصه ومقتضياته.[6]

إن التحكيم الملكي الذي أضحى مسيجا بمقتضى الدستور، لا يمكن التعسف في استدعاءه وطلبه في كل النزعات السياسية والحزبية، والتي لا يمكن الا أن تبعث الروح في دستور 1996 وبعض الممارسات التي شابت الحياة السياسية وأثرت في مسارها واستقلالها في علاقتها مع المؤسسة الملكية.

فالتحكيم الملكي لا يمكن أن ينصب على حالة تعثر تشكيل حكومة عبد الإله بنكيران، لأن الخلاف أساسا مرده الى خلافات ذات طبيعة سياسية بين رئيس الحكومة المعين بتشكيل الحكومة وحزب التجمع الوطني للأحرار في شخص زعيمه عزيز أخنوش، وبالتالي خلاف بين تنظيمات سياسية وليست مؤسسات الدستورية.      

ختاما يسعف القول أن مذكرة أحزاب المعارضة، وقبلها مذكرة حزب الاستقلال اثر خروجه من الحكومة  تعد خارج التغطية الدستورية، كما أن دعوات اللجوء الى التحكيم الملكي والذي تواتر ما بعد دستور 2011، تكرس عودة هيمنة الملكية التنفيذية، ففي الوقت الذي يتم فيه الحديث عن الملكية البرلمانية وتقليص اختصاصات الملك، والعمل على فصل واضح بين السلط في إطار نوع من التوازن والتعاون، يتم اللجوء إلى تصريف العجز السياسي في اللجوء إلى التحكيم الملكي.

 



[1]  عبد الرحيم منار أسليمي،  المغرب... انتظار التحكيم الملكي ليس في محله، انظر الرابط http://www.hespress.com/politique/81420.html ، وقت الزيارة 10-04-2015.

[2]  حسن أهويو، " التحكيم في سياق الانسحاب من الحكومة"، انظر الرابط  http://www.hespress.com/writers/79589.html وقت الزيارة 13-04- 2015.

[3]  نفس المرجع.

[4]  نجيب جيري،  وظيفة المؤسسة الملكية في النسق السياسي و الدستور المغربي: من شرعنة الممارسة السياسية الى الاحتماء بالفصل 19، منشورات مجلة الحقوق المغربية، سلسلة الأعداد الخاصة، العد 2، أبريل 2011، ص 116.

[5]  حسن طارق، البلوكاج والتحكيم الملكي، جريدة أخبار اليوم، عدد 2153، بتاريخ 05/12/2016

[6]  أحمد البوز، مأزق الفصل 47، جريدة هسبريس الالكتورنية، بتاريخ السبت 03 دجنبر 2016 ينظر الرابط التالي http://www.hespress.com/writers/330913.html

بقلم ذ الأمراني علوي محمد
باحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس
 


أعلى الصفحة