القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ يونس النهاري
حاصل على دبلوم الماستر في القانون الجمركي بطنجة
تحت عدد: 332
تأخذ العديد من التشريعات العقابية بالمصادرة

 لكنها تتباين في طبيعتها القانونية، فهناك من التشريعات ما تنص عليها كعقوبة، وهناك ما ينص عليها كتدبير وقائي، وهناك ما يجمع بينهما، بمعنى ينص عليها كعقوبة وتدبير وقائي في نفس الوقت، و بالرجوع إلى المادة 42 من القانون الجنائي يقصد بالمصادرة "هي تمليك الدولة جزءا من أملاك المحكوم عليه أو بعض أملاك المحكوم عليه أو بعض أملاك له معينة". وبذلك نجد المشرع المغربي ذهب في الاتجاه القائل باعتبار المصادرة عقوبة وتدبير وقائي على حد سواء[1].

بناء عليه، فالمصادرة عقوبة مالية شأنها شأن الغرامة، غير أن الغرامة تعتبر عقوبة أصلية، أما المصادرة فهي عقوبة إضافية، ونتساءل في هذا الإطار عن موقف المشرع الجمركي من المصادرة ؟.

بالرجوع إلى المقتضيات المضمنة في مدونة الجمارك المتعلقة بالمصادرة [2] يلاحظ أن طبيعتها القانونية – المصادرة- يتجاذبها مبدأين، فأحيانا تعتبر من التدابير الاحتياطية وأحيانا أخرى تقتضي صفة تعويض مدني، حسب ما يستخلص من مضمون الفصل 210 من مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة والخيط الفاصل بين المبدأين هي صفة "الحظر"[3]، وهكذا عندما تكون البضاعة محظورة، كالمخدرات، فإن المصادرة تصنف في إطار التدابير الاحتياطية المتعلقة بالمخالفات الجمركية ! بيد أنها عندما تنصب على الأشياء، غير المحظورة فإنها تأخذ صبغة تعويض مدني.

نشير هنا إلى أن المصادرة تشبه الغرامة في أن كلا منهما عقوبة مالية، إلا أنها تظل مختلفة عنها من عدة نواحي:

·  أن المصادرة عقوبة عينية؛ إذ تنفذ عينا وذلك بنقل ملكية الأشياء المصادرة إلى الدولة، بعكس الغرامة يتم سدادها نقدا؛

·  المصادرة غير قابلة للتقدير، لأنها تنصب على شيء معين، بعكس الغرامة التي يمكن تقديرها لجسامة الجريمة وخطورة المحكوم عليه، ومركزه المالي[4].

ما ينبغي التأكيد عليه هو أن المشرع الجمركي وسع من نطاق المصادرة[5] لتشمل الناقل، حيث يحكم وجوبا بمصادرة وسائل النقل التي استخدمت أو كانت معدة لاستخدامها لارتكاب المخالفة أو الجنحة، إذا كان يملكها من شاركوا في الغش أو في محاولة الغش، كما أنه لا يمكن قبول استرداد هذه الأشياء المصادرة من طرف صاحبها أو الدائنين ولو كانوا أصحاب امتياز، ويبقى لهؤلاء الحق في الرجوع على مرتكبي الجنحة. اللهم إلا إذا أثبت مالك وسيلة النقل –الحسن النية – بأن المكلف بالسياقة الذي قام بهذا العمل بدون إذن قد تصرف خارج إطار الوظائف الموكولة إليه، بمعنى الدفع بخطأ الناقل لاستبعاد المصادرة والاستفادة من رفع اليد عن وسيلة النقل المحجوزة غير المهيأة لارتكاب الغش بدون كفالة ولا وديعة.

من جهة أخرى أنه بإمكان المحكمة وبطلب من الإدارة بدلا من المصادرة الحكم بأداء مبلغ يعادل قيمة البضائع ووسائل النقل المشمولة بالمصادرة، ويطلق على هذا الجزاء بغرامة المصادرة الوهمية أو الغرامة البديلة للمصادرة، وهي عقوبة وجوبية يتعين على المحكمة النطق بها متى توفرت شروطها : 

-      تقديم طلب بذلك من طرف الإدارة؛

-  إذا لم يكن بالإمكان مصادرة البضائع أو الوسائل المستخدمة للنقل أو حتى في الحالة التي يمكن مصادرتها[6].

 يتضح مما سبق، أن المصادرة لم يحسم بعد بشأن طبيعتها القانونية بحيث كيفها المشرع على حسب حالات وظروف وقوع الجريمة ومدى خطورتها على الاقتصاد الوطني، شأن ذلك شأن المشرع الفرنسي الذي هو الآخر لم يفصل في الطبيعة القانونية لمطالب إدارة الجمارك، الأمر الذي دفع أحد الفقهاء الفرنسيين بالقول[7]: "إذا لم يكن بمقدورنا تعريف الدعوى الجبائية تعريفا دقيقا على أنها دعوى عمومية فإنها مع ذلك ليست دعوى مدنية عادية بل هي دعوى عمومية ذات طبيعة خاصة".



[1]- إلا أن المصادرة لا يصح الحكم بها بمفردها، وإنما يحكم بها بجواز عقوبة أصلية.

[2]- 208 – 210 – 211 و211 المكرر – 212 – 2013 – 259 المكرر – 280 – 284 – 295 من مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة.

[3]- ينص الفصل 210 من مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة على ما يلي : "إن مصادرة البضائع المحظورة بأي وجه من الوجوه تكتسي على الأخص صبغة تدابير احتياطية، وتغلب على مصادرة الأشياء غير المحظورة صبغة تعويض مدني".

[4]- علي الجغنوني: : "المنازعات الجمركية الزجرية"، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – وجدة- ، السنة الجامعية: 2006 – 2007،الصفحة: 45.

[5]- ذهبت محكمة النقض الفرنسية في أحد قراراتها بتاريخ 8 يوليوز 1948 بقول "يجب أن يحكم بالمصادرة عند ثبوت الغش حتى ولو كان مرتكبو التهريب خارج الدعوى أو مجهولين".

-  كمال معين: "خصوصية المنازعات الزجرية في القانون الجمركي المغربي"، رسالة لنيل دبلوم الماستر المتخصص ماستر العلوم والمهن الجنائية، جامعة محمد الخامس –السويسي-، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية- الرباط-، السنة الجامعية 2011-2012، الصفحة: 32.

[6]- أحمد برواحة : "إدارة الجمارك بين حماية المستهلك وحماية الاقتصاد الوطني"، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس – السويسي- ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – الرباط- ، يوليوز 2010، الصفحة: 118.*

[7]-عبد المجيد حرمي: "القواعد الإجرائية في المنازعات الجمركية"، رسالة لنيل دبلوم الماستر في قانون الأعمال والمقاولات، جامعة محمد الخامس-السويسي-، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية -الرباط-، السنة الجامعية 2012-2013 ، الصفحة: 79.

بقلم ذ يونس النهاري
حاصل على دبلوم الماستر في القانون الجمركي بطنجة
 


أعلى الصفحة