القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ علال رزقو
أستاذ التعليم الثانوي الإعدادي
تحت عدد: 452
المحور الأول: الإطار النظري لظاهرة العنف
النقطة الأولى: تعريف العنف

كيف نفهم العنف المدرسي؟ و كيف نلتمس خيوط معالجته؟ أو على الأقل التقليل من حدته، و هو الذي بدأ يتعشعش في مدارسنا اليوم، و يسمها بالضعف و النفور و يؤثر على التحصيل و التعلم فيها؟

لكن قبل استعراض الحلول و الاجراءات، لابأس أن ندرس المفهوم الأم (العنف)، ففي الفهم الصحيح للمصطلح، نتلمس الحلول و المقاربات الناجعة.

 العنف حسب لسان العرب: الخرق بالأمر و قلة الرفق به، و هو ضد الرفق، عنف به و عليه، يعنف عنفا و عنافة، و أعنفه و عنفه تعنيفا، و هو عنيف إذا لم يكن رفيقا في أمره، و اعتنف الأمر أخذه بعنف، و في الحديث: إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، و هو بالضم الشدة و المشقة، و كل ما في الرفق من الخير، ففي العنف من الشر مثله[1].

العنف إذن سلوك يتضمن الغلظة، كما يتضمن الصلابة و التقريع و اللوم و الضر، و عدم الإلمام، إنها كلمة شاملة لشتى السلوكات غير المقبولة.

يفهم مما سبق أن العنف وسيلة لإلغاء الآخر، و تهميشه و إلغاء دوره استنادا إلى ضروب العدوان و الطغيان و التهميش.

بادئ ذي بدء يجب أن نقر بأن العنف ظاهرة مجتمعية تنتشر في جميع بقاع العالم، إلا أن حدتها تزيد و تنقص من بلد لآخر، تبعا للوضع الاقتصادي و السياسي، و السوسيوثقافي لهذا البلد أو ذاك.

و عموما فالعنف ظاهرة إنسانية بامتياز، لأن الإنسان يتمثل فعل العنف و يخطط له، و يتحايل على الإنسان ذاته،  كما يتحايل على الطبيعة، وهنا تستوقفنا قليلا الدراسات المختصة في الحياة الحيوانية، و التي تكاد تجمع على أن ما يقوم به الحيوان من افتراس و صيد لا يمكن اعتباره عنفا، لأن سلوكه هذا مملى عليه بيولوجيا، فالحيوان لا يتمثل القتل و لا يدرك معنى الجثة، و بلغة أخرى (لا يخطط) و لا ينظم قبليا حركة الهجوم، و هو ما عبر عنه مصطفى حجازي بقوله: " كل سلوك عدواني عند الحيوان، أو كل ميل عدواني يقابله و يضبطه ميل كابح يمارس عمله من خلال سلوك طقسي"[2].

بل إن الباحث يذهب أكثر من ذلك ليخبرنا بأن الحقد الذي يعتبر مظهرا من مظاهر العنف سمة إنسانية و ليست حيوانية، " إن الحقد هو هم ما يميز عدوانية الإنسان عن عدوانية الحيوان، و ليس هناك حقد عند الحيوانات... فالحقد هو عدوانية تسامت حتى تجاوزت البيولوجي كليا، كي تصل مرتبة نفسية خالصة"[3].

النقطة الثانية: بعض النظريات المفسرة للعنف

لقد تناولت العنف مجموعة من النظريات، لابأس من استعراض أهمها، لتعميق الفهم و الاستكناه.

1-              نظرية التحليل النفسي:

ترى هذا النظرية التي يتزعمها " سيغموند فرويد" أن الأنا الاعلى يكون ضعيفا، و هنا تنفلت الشهوات و الميولات الغريزية من سجنها فتسعى إلى تحقيق الإشباع عن طريق سلوك العنف.

ألم يتساءل فرويد في مستقبل وهم، في فصله الثالث: " هل تتصورون جميع تلك النواهي قد رفعت؟ في هذه الحال سيكون في وسعكم أن تستولوا على كل امرأة تروق لكم... أو أن تقتلوا منافسكم أو كل من يقف في طريقكم، أو أن تختلسوا من الآخر ما شئتمم من أملاكه... و في الواقع لو حطمت القيود التي تفرضها الحضارة، فلن يمكن لغير إنسان واحد أن يتمتع بسعادة لا محدودة، هو الطاغية الديكتاتور الذي يكون قد احتكر جميع وسائل الردع و القسر..."[4].

نفهم من هنا الطابع العنفي الذي يحرك الإنسان إذا اختفى الأنا الأعلى، و أن الإنسان في حالة الطبيعة، مجرد ذرة حيوية، طاقة ليبيدية تتطلب الجمعنة إكراهها و إرغامها و قسرها.

2-              النظرية الإحباطية:

جوهر هذه النظرية يقوم على أساس وجود ارتباط بين الإحباط كمثير و العدوان كاستجابة، و ان كل توثر عدواني، ينتج عن قمع مكبوت، و يتزايد العنف مع تزايد الحاجة المكبوتة، و يذهب رائد هذه المدرسة "دولارد" أن الانسان ليس عدوانيا بطبعه، و إنما يصبح كذلك نتيجة الاحباط.

و ترى هذه النظرية أن أي صد مباشر للعدوانية يؤدي إلى عدوانية لاحقة، بينما التخفيف منها يقلل و لو مؤقتا من حدتها.

3-              نظرية التنشئة الاجتماعية أو الثقافية:

تنظر هذه النظرية إلى أن العنف يُتعلم، أي أن الاشخاص يكتسبون العنف بنفس الطريقة التي يكتسبون بها أنماط السلوكات الأخرى، فالوالدين يحفزون أبناءهم على التصرف بعنف مع الآخرين في بعض المواقف، و يطالبونهم بألا يكونوا ضحايا العنف، و هنا نشير إلى أبحاث "مارغريت ميد" حول "الجنس و الطبائع في ثلاثة مجتمعات بدائية"، و خاصة لدى شعب المدوقمور حيث تقول: " إن نساء المدوقمور يرضعن وقوفا، إذ يمسك الطفل بيد في وضع يثقل يد الأم و يمنع الرضيع من تحريك يديه، و لا يحدث لهن كما لأخواتهن النساء الأرابيش أن يمارسن عملية الرضاعة بهدوء و حب و لذة، فلن يتسنى للطفل أن يطيل فترة وجبته و هو يداعب جسده أو ثديي أمه... فما أن يتوقف لحظة عن الرضاعة حيث يعاد فورا إلى سجنه، لذا يبدو الرضع على جانب من القتالية و العداء، فلا يفلتون الحلمة بل يرضعون بكل ما يملكون من سرعة و قوة، و غالبا ما تضيق أنفاسهم لسرعة ازدرادهم، فتفقد الأم صبرها و يعلو صياح الطفل، و بدل أن تكون الرضاعة عملا مغمورا بالحنان و اللطف،تصبح وضعا يتميز بالغضب و الصراع"[5].

لتخلص الباحثة الأنتروبولوجية إلى أن السلوك الذي سيلون سلوك هؤلاء الأطفال منذ صغرهم هو الغضب و الصراع و القوة.

4-              نظرية الصراع في تفسير العنف:

يذهب أنصار هذه النظرية (الماركسية) إلى أن العنف يحدث نتيجة صراع طبقي يمس جميع المستويات (الايديولوجية، السياسية، الاقتصادية، صراع السلطة...) هذا الصراع الذي يمثل الأرضية المناسبة لزيادة مظاهر العنف، فدائما يميل الطرف الأقوى لفرض هيمنته على الأضعف، لتستمر بذلك ظاهرة العنف، و هنا يستوقفنا مفهوم العنف المشروع.

لقد كان ماركس حسب تعبير الباحثة "حنة أرندت" مدركا لدور العنف في التاريخ... كان ماركس ينظر إلى الدولة على أنها أداة العنف التي تملك الطبقة الحاكمة قيادتها[6].

5-              النظرية الليبيرالية للعنف:

جوهر هذه النظرية ينبني على أن العنف و الإجرام يرتبط بالغريزة و الوراثة في غالب الأحيان.

تعرضت مقولات هذه النظرية للتفنيد و الانتقاد من طرف علماء الوراثة، فهم يلحون أن المعطيات البيولوجية يمكن أن تكون مساعدا على ارتكاب العنف و الإجرام عامة، لكنها لا ترجع العنف إلى محض الغريزي أو البيولوجي لدى الإنسان، فالانحراف الصبغي على مستوى الصبغيات أو الكروموزونات الذي يؤكد عليه علم الوراثة لدى المجرمين يبين أن هناك نسبا كبيرة من البشر لهم صبغيات غير طبيعية منحرفة مثل صيغة (xyy) و هم أبعد ما يكون عن الإجرام و العنف، و في الوقت الراهن فإن الأخصائيين يتفقون على الاعتقاد بأن الشذوذ الصبغي يسهل الجريمة و لا يحتمها.

نفهم من خلال ما تقدمه هذه النظريات:

-                    أن العنف خاصية إنسانية بامتياز، و أن ما يمارسه الحيوان لا يعتبر عنفا لإنه إملاء بيولوجي لاشباع حاجات غريزية (أكل، توالد، دفاع عن القطيع...)

-                    التشريط الثقافي و القيمي للمجتمعات، ينعكس على تصورهم للعنف، فما يعتبر عنفا في مجتمع قد لا يعتبر عنفا في مجتمع آخر، فالعقاب التأديبي للطفل يعتبر عنفا في مجتمع بينما تنتفي عليه صفة العنف في مجتمع آخر، نفس الشئ يقال  لختان البنات مثلا.

-                    العنف ما هو إلا محصلة لمجموعة من العوامل يرجع بعضها إلى عوامل بيولوجية و يرجع البعض الآخر إلى عوامل نفسية، أو اجتماعية، أو اقتصادية، فالسلوك العنيف يعتبر استجابة لموقف معين يرتبط بالفرد ككائن اجتماعي يعيش في أوساط اجتماعية عديدة.

-                    أن العنف سلوك غير مشروع و منبوذ،لكنه يتخذ طابع المشروعية في أحيان أخرى (الحفاظ على الأمن، تطبيق القوانين...) " العنف المشروع".

النقطة الثالثة: أنواع العنف و أشكاله

يتخذ العنف أشكالا متعددة، فنجد:

-                    حسب المشروعية:

·      عنف مشروع: تمارسه الدولة لإخماد الفتن، استثباب الأمن، تطبيق القانون...

·      عنف غير مشروع: يعاقب عليه القانون.

-                    حسب نوع الفعل:

·      عنف مادي: يتضمن أشكال متعددة من قبيل العنف الجسدي، العنف الجنسي، أعمال التخريب...

·      عنف معنوي: قد يكون نفسيا أو روحيا أو لفظيا...

-                    عنف حسب نوع الوسط الممارس فيه:

·       عنف أسري: بين الأزواج، بين الآباء و الأبناء...

·      عنف مدرسي: داخل المدرسة أو محيطها بين الأساتذة و التلاميذ، بين التلاميذ و الإداريين، بين التلاميذ فيما بينهم...

·      عنف بيئي: تخريب الطبيعة، تلويثها، الاستغلال المفرط لمواردها...

 

المحور الثاني: العنف المدرسي

النقطة الأولى: التعريف

يعرف العنف المدرسي بأنه مجموعة من السلوكات الغير مقبولة اجتماعيا و التي تؤثر في النظام العام للمدرسة، و تؤدي إلى نتائج سلبية فيما يتعلق بالتحصيل الدراسي.

و ينقسم العنف المدرسي إلى عنف مادي كالضرب و المشاجرة داخل المدرسة و الكتابة على الجدران و التخريب، و عنف معنوي كالسخرية و الاستهزاء و الشتم.

و يتوزع العنف إلى ثلاث حالات:

-                    عنف من الاستاذ اتجاه التلميذ؛

-                    عنف من التلميذ اتجاه الاستاذ؛

-                    عنف من التلميذ اتجاه التلميذ.

النقطة الثانية: أرقام في ظاهرة العنف المدرسي

و في قراءة للتقرير الذي انجزته وزارة التربية الوطنية (قسم الاتصال) حول مؤشرات العنف داخل المؤسسات التعليمية، و في محيطها، يظهر بجلاء تنامي الظاهرة بشكل ملفت، حيث أن 58% من حالات العنف تقع داخل أسوار المؤسسات التعليمية، و 48% من الحالات يقع خارج أسوارها، و أن الظاهرة تستفحل أكثر في المجال الحضري 77% مقارنة مع المجال القروي 23%.

و أن النسبة العالية من ظواهر العنف تتمركز في جهة الدار البيضاء 14%، تليها جهة دكالة عبدة 11%، ثم الشاوية 10%، ثم فاس 9%، لتنخفض النسبة في الجهات الصحرواية.

و أن النسبة الكبرى من العنف تحدثها الأطراف الغير متمدرسة 54%، فيما يحتل العنف الممارس من التلميذ و الاستاذ المرتبة الثالثة 21%.

كما أن نسبة العنف حسب مؤشرات النوع و الجنس تعطي الأولوية للعنف الذي أطرافه ذكور/ذكور بنسبة 57%، يليه العنف الذي أطرافه ذكور/إناث 41%، فيما تنخفض نسبة العنف الذي أطرافه الإناث فيما بينهن إلى 2%.

و يضيف التقرير أن النسبة الكبرى من حالات العنف هي جسدية 59%، منها 74% تقتصر على الضرب و الجرح، و أن الأسباب الغير تربوية تحتل المرتبة الأولى 94%، فيما الأسباب التربوية تشكل نسبة 6%.

و يضيف التقرير أن نسبة السرقة وصلت إلى 58% من حالات العنف ضد مرافق المؤسسة، و أن نسبة التخريب وصلت 48%.

و يزيد التقرير أن نسبة 47% من الحملات التحسيسية قامت بها المؤسسات التعليمية، فيما 40% من هذه الحملات نفذتها المديرية العامة للأمن الوطني، لتنخفض النسبة إلى 13% بالنسبة للحملات التي قامت بها جمعيات المجتمع المدني (9%) و جمعيات الآباء و الأمهات (4%).

نفهم من هذه الأرقام:

-                     أن المدرسة أصبحت نقطة سوداء جالبة للدخلاء و الغرباء، و لكل الممارسات المشوشة على العملية التربوية التعليمية.

-                    أن العنف المدرسي مرتبط أكثر بالبيئة الاجتماعية، و بمحددات أخرى كالبنية الديموغرافية و درجة كثافتها، و بالظروف الاجتماعية و الاقتصادية.

-                    أن حالات العنف المتبادل بين التلميذ و الأستاذ في اطراد، و هو مؤشر على الخلل الذي يعتري العلاقة التربوية المبنية على الاحترام و التقدير، و تحولها من علاقة تناغم و انسجام إلى علاقة احتكاك مستمر.

-                    أن المحيط و السلوكات السائدة فيه تمارس ضغطا على بيئة المدرسة و قيمها.

-                    أن الأطراف المنتمية لعالم المدرسة (تلميذ، أستاذ، إداري) تحولت إلى ذوات ناقلة و مشيعة للقيم و السلوكات المرفوضة داخل جدران المدرسة لأسباب تخص كل طرف.

هذا هو واقع الحال في مدرستنا، عنف في تزايد و مشاكل سلوكية أخرى متعددة، تؤثر على عملية التحصيل و التعلم، و تجعل المجتمع المدرسي في حيرة من أمره، و يعيش ضغوطات جمة، حتى أضحت المدرسة الآمنة، الهادئة، الخالية من مظاهر العنف و الشغب مبتغى و مطلب مجموعة من المدرسين و الإداريين، و مطمح الآباء و التلاميذ على السواء.

يجب أن نقر بأن ظاهرة العنف المدرسي ظاهرة عالمية، غير أن حدتها تختلف من منطقة إلى أخرى تبعا للوضع الاقتصادي و الاجتماعي للدولة، و تبعا لنظام التعليم و مناهجه و طرقه و آفاقه، و تبعا للتغيرات المحدثة في منظومة القيم، (هنا نشير إلى تنامي ظاهرة الفردانية كأنانية سلوكية يعتبر أحد أسباب العنف).

لماذا يظهر العنف في مدارسنا؟ سؤال طالما لامسه الباحثون الاجتماعيون، و علماء النفس و التربية، و سعوا إلى البحث عن أجوبة شافية له، فتعددت منطلقاتهم، و تعددت زوايا نظرهم للبحث عن الأسباب و العوامل المتحكمة في الظاهرة.

و إذا كان العنف يخبئ وراءه مجموعة من الاضطرابات السلوكية الأخرى، كالشعور بالضياع و الاكتئاب و اليأس و الاحباط، و الخوف من المستقبل، فإن الأسباب و العوامل المتحكمة فيه تظل هي الأخرى متعددة و متداخلة. فالعامل الواحد لا ينتج العنف، و إنما تداخله مع عوامل أخرى، فإذا وجد الترابط غالبا بين الفقر و العنف، فإن ذلك لا يعني أن الفقر وحده يسبب العنف، و أن وجود الغنى لا يمنع العنف.

النقطة الثالثة: بعض عوامل العنف المدرسي

تتداخل في ظاهرة العنف المدرسي مجموعة من العوامل، نذكر منها:

عوامل الأسرة و الإعلام:

الأسرة هي المصنع الأول لشخصية الطفل، إذ تنصهر فيها نفسيته، و تتكيف ذاتيه منذ أن يخرج إلى عالم الوجود حتى يخرج إلى عالم المدرسة، فإذا طبع على الصلح و الخير تصبح له هذه الطبعة أساسا لحياته و علاقاته المختلفة، و إذا تربى على خلل أساسي في طفولته نما هذا الخلل حتى يصبح نقصا ثابتا، فينقل إلى عادة ثم إلى عنف، فالعائلات المفككة و التي لا تتوافر فيها الشروط التربوية و الاجتماعية الصالحة، تزرع في أبنائها قيما غير سليمة، و اعتقاد العائلات أن واجبهم في التربية لا يتجاوز حدود تامين الكساء و الغذاء، و إغفالهم لحل مشكلات  أبنائهم السلوكية هو اعتقاد خاطئ، و ظنهم أن تربية أبنائهم يجب أن تسير وفق الطريقة التي تربوا عليها، و بالأساليب التقليدية هو جهل لحقيقة التطور و التجدد.

فالأسرة تزرع في الطفل بذور العنف من خلال وعيها أو عدم وعيها به، فأحيانا تربي الأسرة أبناءها على أن يكونوا عنيفين مع الآخرين، و ألا يقبلوا الهزيمة أمام أٌقرانهم و أصدقائهم، و هو ما نلمسه في القول الشائع ( لي ضربك ضربو)، و قد يكتسب الطفل السلوك العنيف من خلال تصرفات الآباء أمامه، خاصة إذا كانوا دائمي الخصام و العراك، أو ينهجون العقاب البدني سبيلا للتربية و التهذيب. إن كل ذلك يسعى إلى ترجمته في عالمه الخارجي (عالم المدرسة، الشارع...) خاصة إذا كان له الاستعداد الداخلي لذلك.

لا يختلف اثنان على قدرة وسائل الإعلام على تغيير سلوكيات الفرد و الجماعة، فوسائل الإعلام اليوم عوضت الغزو العسكري المباشر، و خلقت صورا نمطية لدى المشاهد.

لقد ذهبت مجموعة من الدراسات إلى وجود علاقة بين وسائل الاعلام و السلوك العنيف، لما تعرضه من صور مغرية لارتكاب الإجرام، و ما تقدمه من صور بطولية لمقاومة السلطة و الأجهزة الأمنية، حتى قيل إن العنف التلفزيوني يولد في الشباب الرغبة في أن يكسر كل شئ إلا جهاز التلفزيون، و هو ما ذهب إليه خليل قطب أبو قوره بقوله: " مشاهدة عروض التلفزيون العنيفة يمكن أن تؤدي أيضا إلى تقليد الأطفال للتصرفات العدوانية"[7].

و لابد أن نشير هنا إلى أن العلاقة ليست حتمية بين الحافز و الاستجابة، فالانترنت و الإعلام هي عوامل مساعدة لاكتساب السلوك العدواني، بمعنى أنه ليس كل من يشهادون برامج العنف سيتعرضون لدرجة واحدة من التأثر و اكتساب السلوك المشاهد.

إن تأثير السلوك المشاهد على الطفل أو الشاب يختلف من فرد لآخر، و بقدر استعداده الداخلي و ما يتمتع به من حصانة (دينية، ثقافية...) تحدد طرق استيعابه لمضمون المشاهدة و تفسيرها.

و هو ما ذهب إليه الباحث خالد بن سعود البشر بقوله: " و أن الفرد لا يمكن أن يتأثر بسبب المشاهدة فقط، و إنما هناك عوامل أخرى متعددة، فالمنحرف أصلا يجد في مشاهدة أفلام العنف و الاباحية مدرسة لتعلم السلوك العدواني و طرق تنفيذه، بينما الفرد السوي و إن شاهد تلك الأفلام فإنه لا يحاول تنفيذ هذا السلوك في الواقع الحياتي لعدم وجود الاستعداد الداخلي و العوامل الاجتماعية التي تدفع به إلى الجريمة و الانحراف"[8].

العوامل الشخصية:

تؤكد الدراسات على عدم وجود تفاوت كبير بين الأطفال العنيفين و الاطفال غير العنيفين في نواحي العاهات و الاعاقة الجسمية، أو اختلال في عمل الأجهزة الداخلية، إلا أن الملاحظات العامة للدارسين تؤكد أن الأطفال العنيفين أكثر حركة و اضطرابا.

و أن ما يميز الأطفال العنيفين من حيث الصفات الشخصية هو رغبتهم في تاكيد ذواتهم اجتماعيا، و انهم أقل خضوعا للنظام، سواء كان عاما أو دراسيا.

و عموما فالعنف سلوك تختلف درجة حدته من شخص لآخر تبعا للعوامل البيئية المكتسبة، و تبعا للمثيرات التي يتلقاها داخل محيطه الداخلي أو الخارجي، و هو ما عبر عنه العالم الأمريكي "واطسون" بقوله: " اعطني عشرة أطفال سليمي البنية و أنا مستعد أن أجعل منهم الطبيب و المحامي و اللص و الشرطي..."

و نجمل هذه العوامل فيمايلي: "

-                    الشعور المتزايد بالاحباط ؛

-                    ضعف الثقة بالذات؛

-                    الاعتزاز بالشخصية، و قد يكون على حساب الغير؛

-                     ضعف الاستجابة للقيم و المعايير الاجتماعية؛

-                     عدم القدرة على مواجهة المشكلات بصراحة؛

-                    عدم اشباع العنيف لحاجاته الفعلية.

و توصلت الدراسات أن الأطفال العنيفين لديهم مشكلات في التفاعل مع أقرانهم، كما ان مهاراتهم الاجتماعية ضعيفة، و غالبا ما يميلون للبعد عن الواقعية، و يكثرون من المواقف العنادية، وعدم القدرة على التعامل مع الضغوط، بالإضافة الى انخفاض مستوى الذكاء اللفظي و التحصيلي، مع الشعور بعدم الأمان و الاضطهاد، إلى جانب وجود خلل مستمر دائم في التوازن بين الدافع و المانع في حياته الشخصية فتتولد له أفكار مثل الانتقام، الغيرة، الغرور، التعصب لجنس أو مذهب...

عوامل مرتبطة بالمدرسة:

لم تعد المدرسة تلك النقطة المضيئة، بل نقطة سوداء داخل جغرافيا مدينتنا، لقد كانت سابقا تلج المجتمع و تنساب إلى شوارعه لانتاج القيم النبيلة و السامية، و نشر المعرفة و العلم، إلا أنها اليوم أقرب الى الخضوع لقبول كل أشكال التردي و الانحراف التي تنتقل إليها من محيطها.

و لا نبالغ إذا قلنا أنها هي الأخرى أصبحت مشتلا لتفريخ ظواهر غريبة و شاذة، لما تقدمه من برامج و ما تستعمله من طرائق يغذيان و يحفزان العنف و العدوان.

فإذا كانت غاية المدرسة هي تطوير القدرات العقلية و الذهنية، و تزويدها بالادوات و الاساليب، و اليات التفكير الخلاق القادر على انتاج المعرفة، فإن ذلك يستحيل في ظل انتهاجها لأنماط التلقين، و ما تربيه من أحادية التفكير و تمركز المعرفة، اللذين ينجم عنهما كرها للمادة التعليمية، و رفضا للمناهج و المقررات.

إن عجز المدرسة عن اطلاعها بالدور القيمي الأخلاقي المنوط بها يجعل القيم مكانها الكتاب المدرسي فقط – إن سلم هو الآخر من التمزيق- فمناهجنا الدراسية لا تهتم باكساب المتعلمين أخلاقيات التعامل السليم مع الآخرين، و لا كيف يضبطون سلوكاتهم و يتحكمون فيها.

إن حضور رجل التربية سواء كان مدرسا أو إداريا يعتبر حجر الزاوية في سلسلة التربية و التعليمم، فضعف التزامهم بأخلاقيات المهنة و تراجع دورهم في التوجيه الخلقي و السلوكي، و ضعف إلمامهم بالمهارات اللازمة للتعامل السليم مع مشكلات التلاميذ السلوكية، و قصورهم في جذب و تشويق المتعلمين، و افتقادهم للسلطات القانونية لردع العنف، و لامبالاتهم بتوعية التلاميذ لطبيعة العنف، و مخاطر استعمالهم للعقاب بكثرة في التقويم، عوامل ساهمت بشكل كبير في تفشي الظاهرة و استفحالها.

و هنا نشير إلى الدراسة التي أجراها "كونين و كليما" و التي مفادها أن الأطفال الذين يتولى تعليمهم معلمون يستخدمون العقاب يظهرون سلوكا عدوانيا و عدم اهتمام بالتعلم و الموضوعات المدرسية عند مقارنتهم بالأطفال الذين يقوم بتعليمهم معلمون متسامحون.[9]

إن عجز المدرسة عن القيام بدورها الأخلاقي القيمي، يجعلها مغذيا و ضحية لجميع أنماط السلوكات الشاذة، مما يؤثر على إشعاعها و على وظيفتها.

إن ظاهرة العنف المدرسي تتنامى بالموازاة مع تدني التحصيل الدراسي، مما يجعلها تعرقل الشروط الموضوعية لبناء التعلمات داخل الفصول الدراسية، فالعنف يؤثر على إنماء التعلمات و المهارات و المعارف، فيصبح المتعلم فاقدا للثقة في الذات و في الآخر، مما ينتج عنه انحباس قهري في الطاقة الإبداعية، و تقلص في الأنشطة التفكيرية الذهنية لديه، و بالتالي يصبح عرضة لأزمات وجدانية تلقي به في سلة التلعثم و الانزواء و الافراط الحركي و التبول...

في ظل هكذا وضع، يبقى السؤال، ما العمل؟ هل المقاربة الزجرية كفيلة بتجفيف مستنقع العنف من مدارسنا؟ و هل معالجة العنف المدرسي شأن مدرسي فقط؟ أم ان أطرافا أخرى يجب أن تتدخل؟ و هل العنف المدرسي استمرار و امتداد لعنف الشارع و الأسرة و المجتمع؟ و هل البدائل المقترحة حاليا كفيلة بالحد من الظاهرة؟هل المدرسة لوحدها هي المسؤولة عن الاصلاح السلوكي؟

يجب أن نقر أن مداخل معالجة الظاهرة يجب أن تركز على البعد التربوي أكثر من البعد القانوني، فالتربية السليمة هي الكفيلة بالحد من الظاهرة، أو على الأقل التخفيف من حدتها، و نحن لا نتفق مع أولئك الذين يحصرون الحل في المقاربة الزجرية التي تقوم بها مجالس الأقسام (مجالس الانضباط) و المتمثلة في ( الطرد)[10] و نحن كذلك لا ننظر إلى مشكل العنف على أساس أنه شان مدرسي بامتياز، بل يجب أن تتظافر جهود الجميع (أسرة، مجتمع، جمعيات، مدرسة، إعلام...) و تتناسق فيما بينها.

و لا بأس أن نستعرض بعض الحلول الإجرائية، و التي يمكن أن نجملها فيمايلي:

-                    اعتماد مقاربة تشاركية مندمجة لمقاربة الظاهرة، لمشاركة كل المتدخلين (جمعيات مشتغلة في الميدان، خبراء نفسانيين...)

-                    إشراك الآباء في تتبع سلوكات التلاميذ.

-                    تفعيل مراكز الانصات و الاستماع داخل المؤسسات، و تكوين القيمين عليها.

-                    تشجيع أدوار الاندية التربوية و توفير العتاد و العدة لحسن اشتغالها، و تحفيز العنيف للمساهمة في أنشطتها لتوجيه سلوكه نحو الإيجابية.

-                    وضع رقابة على برامج العنف و الإجرام و الانحراف في الإعلام.

-                    تشجيع البحث العلمي المهتم بالظاهرة لفهمها و اقتراح حلول ناجعة لحلها.

-                    إجراء دورات تكوينية للآباء و الأساتذة لتزويدهم بمهارات معالجة ظاهرة العنف المدرسي خصوصا، و الظواهر الأخرى عموما.

-                    التعامل مع العنيف بمنطق مغاير يروم تقريبه و التحاور معه لاشعاره بذاته.

-                    نشر الثقافة الحقوقية داخل المؤسسات التعليمية، و الإيمان بجدواها في نشر قيم التسامح و الاعتراف بالآخر داخل إطار الحق و الواجب.

 

 

خاتمة:

ندرك جيدا التداخل العميق بين التربية الفرية و التربية الاجتماعية، فكل تربية للفرد هي تربية للمجتمع، و كل إهمال للمجتمع إهمال للفرد، من هنا فالأسرة تلعب دورا رئيسا في ذلك، فهي مركز الاشعاع الذي يشع على المجتمع السعادة و الرفاهية.

إن تربية النشئ تبدأ بتربية المربي الذي يجب أن يتحلى بالجد و الصبر و المستوى الثقافي و التربوي اللائقين للنجاح بعمله، و كذلك إن تربية الوالدين أمر مفروض قبل تربية أبنائهم، و ذلك من أجل إصلاح الشبيبة و السهر على أن تكون أسس وطن الغد مبنية من الاسمنت لا من الرمل و الطين.



[1] ابن منظور، لسان العرب، الجزء العاشر، ص 304.

[2]  مصطفى حجازي, التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، المركز الثقافي العربي، الطبعة التاسعة، ص: 184.

[3]  نفسه, ص 185.

[4]  سيغموند فرويد, مستقبل وهم, الفصل الثالث, ترجمة جورج طرابيشي, دار الطليعة, بيروت, ص 22.

[5]  سليم دولة، ما الثقافة، الطبعة الثانية، دون ذكر المطبعة، الدار البيضاء، 1990، ص 49.

 

[6]  حنة أرندت, في العنف, ترجمة إبراهيم العريس, الطبعة الأولى, مطبعة دار الساقي, 1992, لبنان, ص 12-13.

[7]  خليل قطب أو قوره، سيكولوجية العدوان، مكتبة الشباب، فبراير 1996، ص 263.

[8]  خالد بن سعود البشر، أفلام العنف و الاباحية و علاقتها بالجريمة،الطبعة الأولى، الرياض, 2005, ص: 77.

[9]  محمد محروس الشناوي، نظرية الارشاد و العلاج النفسي، دار غريب للطباعة و النشر، القاهرة، 1995.

[10]  نشير إلى ما نصت عليه المذكرة عدد 17/867 لسنة 2014، بشأن العقوبات البديلة التي يجب أن تتخذ في حق التلاميذ ( تنظيف ساحة و مرافق المؤسسة، إنجاز اشغال البستنة، القيام بأشغال داخل المكتبة المرسية كالتنظيف و ترتيب الكتب و المراجع... المساعدة في الأشغال المرتبطة بتقديم خدمات المطاعم و الداخليات المدرسية، المساعدة في تحضير الأنشطة الرياضية) 

بقلم ذ علال رزقو
أستاذ التعليم الثانوي الإعدادي
 


أعلى الصفحة