التنظيم القضائي

بقلم ذ وائل العياط
خريج ماستر العقار والتعمير - السويسي - باحث في القانون العقاري
تحت عدد: 787
كما هو معلوم أن الحكم القضائي هو ذاك السند الذي يصدر عن السلطة القضائية في إطار دعوى قضائية تكون قد استوفت كل مراحلها بداية بتقديم مقال من طرف

الطالب للحق ضد الطرف المطالب به، كما انه يعتبر الوسيلة الناجعة التي تنقل القاعدة القانونية من حالة السكون إلى حالة الحركة ويضفي عليها الطابع الواقعي، بحيث أنها لا تظل فقط محصورة في نصوص قانونية نظرية دون أن تسري أحكامها على المعنيين بها.
لكن هذا يدعونا إلى لفت الانتباه لأهم الاشكالات التي تدخل في نطاق سريان الأحكام القضائية ومن أهمها نجد إشكالية التنفيذ، فالحكم القضائي لا يجد قيمته إلا من خلال تنفيذه على كل المعنيين به حتى لا يظل مجهود القاضي حبيسا في منطوق الحكم ويفقد المواطن الثقة في العمل القضائي ويصبح هذا الأخير مبخسا دون قيمة، وتبقى الأحكام الصادرة ضد الإدارة مجالا خصبا لإشكالية التنفيذ هذه، وذلك راجع لعدة اعتبارات منها ما هو متعلق بطبيعة الطرف المنفذ عليه (الإدارة) لما له من امتيازات ووسائل تجعله يتملص من مسؤوليته عن التنفيذ، ومنها ما هو راجع لأسباب أخرى قانونية ومادية، وأخرى استعجالية تجعل الحكم القضائي متوقفا على رضوخ الطرف المعني به لمنطوقه.
وارتباطا بذلك فإن هذا لم يمنع القضاء الإداري من إيجاد بعض الحلول لهذا الإشكال والعمل بكل الوسائل المتاحة حتى لا يبقى العمل القضائي محصورا فقط في إصدار الأحكام دون تتبعها وتنفيذها، وتظل حاملة لقوتها القانونية حماية للحقوق وجبرا للأضرار وذلك باعتبار أن القضاء الإداري هو المختص بتنفيذ الاحكام الصادرة عنه في إطار الاختصاصات الممنوحة له وذلك تطبيقا للفصل 18 من قانون 80.03 المحدث لمحاكم الاستئناف الإدارية الذي ينص على ما يلي: "تنفذ القرارات الصادرة عن محاكم الاستئناف الإدارية من طرف المحاكم الإدارية المصدرة للحكم".
ومن بين أهم الوسائل التي يعتمدها القضاء الإداري لتجاوز إشكالية التنفيذ في مواجهة الإدارة الممتنعة وإجبارها على التنفيذ نجد وسيلة الغرامة التهديدية باعتبارها كإجراء يجبر الإدارة على تنفيذ الحكم الصادر ضدها والذي غالبا ما يكون حكما يقضي بالتعويض نتيجة ضرر ألحقته بالغير.
وبعد هذه التوطئة نطرح التساؤل التالي
كيف تعاملت التشريعات المقارنة مع وسيلة الغرامة التهديدية؟
وما هو توجه القضاء الإداري المغربي من أحكام الغرامة التهديدية لإجبار الإدارة على التنفيذ في ظل غياب مسطرة خاصة تقضي بذلك؟
سنحاول الإجابة عن التساؤلات المطروحة أعلاه اعتمادا على تقسيم الموضوع إلى محورين اساسيين:

المحور الأول: أسلوب الغرامة التهديدية في منظور القوانين المقارنة والقانون المغربي
المحور الثاني: سلطة القضاء الإداري في اعتماد الغرامة التهديدية كوسيلة إجبار على التنفيذ


المحور الأول: أسلوب الغرامة التهديدية في منظور التشريعات المقارنة والقانون المغربي
الأصل في الالتزام أن يتم تنفيذه عينا من قبل المدين، فإذا امتنع هذا الأخير عن التنفيذ جاز للدائن أن يحصل على حكم بإلزام المدين بهذا التنفيذ وبدفع غرامة تهديدية إن امتنع عن ذلك1.
وسنحاول أن نأصل لفرض الغرامة التهديدية على الطرف الممتنع عن التنفيذ إذا كان هذا الأخير شخص معنوي عام من خلال الأنظمة المقارنة كالنظام الفرنسي والجزائري والنظام القانوني المغربي.
أولا: المنظور الفرنسي
تعتبر الغرامة التهديدية من صنع القضاء الفرنسي، وقد عرفتها محكمة النقض الفرنسية بقولها: "الغرامة الوقتية هي وسيلة إكراه مختلفة كل الاختلاف عن التعويض، وهي ليست في الاخير إلا وسيلة لردع الامتناع عن تنفيذ حكم، وليس من أهدافها تعويض الأضرار أو التماطل، وهي عادة تستخلص حسب مدى خطورة غلط المدين الممتنع وحسب امكانيته أيضا2.
لقد منح قانون 16 يوليوز 1980م ومرسوم 12 ماي 1981م لمجلس الدولة فقط سلطة فرض الغرامة التهديدية ضد الأشخاص المعنوية العامة (الدولة، الجماعات المحلية، المؤسسات العمومية) التي تمتنع عن تنفيذ الأحكام القضائية، وهذه الغرامة عبارة عن مبلغ من المال يقدره القاضي ويجب دفعه عن كل يوم يقع فيه تأخير تنفيذ الحكم القضائي،3 هذا القانون الذي وصفه البعض بأنه جائر وظالم4.
وبخصوص تحديد شروط وقواعد الحكم بالغرامة التهديدية، تنص المادة الثانية من نفس القانون على أنه في حالة عدم تنفيذ حكم صادر من جهة الإدارة، فإن مجلس الدولة، ولو من تلقاء نفسه، أن يقضي بغرامة تهديدية ضد الأشخاص المعنوية للقانون العام لضمان تنفيذ هذا الحكم.
وهكذا فإنه هناك شرطان حسب ما جاء به الاستاذ محمد قصري5 وجب التقيد بهما للحكم بالغرامة التهديدية:
1 ـ لا يحكم بالغرامة التهديدية إلا في حالة تسجيل امتناع الإدارة عن تنفيذ الحكم القابل لتنفيذ.
2 ـ لا يمكن أن يقضي بالغرامة التهديدية إلا من طرف مجلس الدولة فقط، ولم يخول القانون سلطة توقيعها لجهة قضائية غيره.
وهكذا يخضع فرض هذه الغرامة التهديدية لإجراءات مسطرية يجب مراعاتها، حسب منطوق نفس المادة من قانون 1980م التي نصت على:
"أنه في حالة امتناع الإدارة عن تنفيذ حكم إداري يتعين على مجلس الدولة تلقائيا أو بناء على طلب المحكوم له أو بناء على طلب لجنة التقرير والدراسات أن يحكم بغرامة على هذه الإدارة وذلك بعد مرور سنة على صدور الحكم، ويمارس هذا الاختصاص رئيس غرفة المنازعات، ويمكن أن يمتد فرض الغرامة التهديدية إلى الموظف الذي يتسبب في عدم تنفيذ الحكم الاداري وذلك في إطار المسؤولية التأديبية والمالية للموظف، حيث أوجب قانون 1980م تقديمه إلى محكمة التأديب والمحاسبة المالية لكي توقع عليه غرامة يتراوح قدرها بين 500 فرنك وبين الراتب السنوي الصافي الذي يكون هذا الموظف قد تقاضاه منذ تاريخ تبليغ الحكم لإدارته.6
ثانيا: المنظور الجزائري
عند اطلاعنا على قانون الإجراءات المدنیة الملغى بموجب قانون الإجراءات المدنیة والإداریة، وبالأخص نص المادتین 340 و471 منه، یتضح لنا أن المشرع الجزائري اخذ بالغرامة التهدیدیة كوسیلة لإجبار المدین على تنفیذ الحكم أو القرار الصادر ضده، وعلى اعتبار هذا القانون كان یطبق على المنازعات العادیة و كذا غیر العادیة، كان یجوز للقضاء النطق بالغرامة التهدیدیة على الإدارة إذا أخلت هذه الأخیرة بالتزامها في تنفیذ الحكم أو القرار الصادر ضده.

إلا أن الملاحظ في فترة سریان قانون الإجراءات المدنیة أن القضاء الإداري الجزائري قد تباینت مواقفه حیال جواز أو عدم جواز النطق بالغرامة التهدیدیة7 على الإدارة لحملها على تنفیذ الأحكام والقرارات القضائیة الإداریة الصادرة ضدها، ففي عدد من قراراته صرح بجواز النطق بالغرامة التهدیدیة، أما في قرارات أخرى فقد صرح بعدم جواز ذلك8.
وبالرجوع إلى قانون الإجراءات المدنیة والإداریة الحالي، یتضح لنا أن المشرع الجزائري قد سمح للقاضي الإداري الجزائري أن یوجه أوامر للإدارة مصحوبة بغرامة تهدیدیة، ولكن حتى یتمكن الدائن من طلب الغرامة التهدیدیة نصت المادة 987 من قانون الإجراءات المدنیة والإداریة على شروط طلبها، ومن خلال هذه المادة فلا یجوز تقدیم طلب الغرامة التهدیدیة إلى المحكمة الإداریة إلا بعد رفض التنفیذ من طرف المحكوم علیه، وذلك لمدة من الزمن قدرها ثلاثة أشهر تبدأ من تاریخ التبلیغ الرسمي للحكم.
وبالتالي متى توفرت الشروط سابقة الذكر كانت القاعدة العامة انه یجب على الإدارة تنفیذ الحكم أو القرار القضائي الإداري الصادر ضدها، یمكن للدائن تقدیم طلب الغرامة التهدیدیة للقاضي الذي یجوز له أن یحكم للدائن بالغرامة التهدیدیة مع تحدید تاریخ سریان مفعولها. وبعد انتهاء هذه المدة دون تنفیذ من الإدارة لإلتزامها وبناء على تثبیت رفض التنفیذ في محضر امتناع یحرر من طرف المحضر القضائي تقوم الجهة القضائیة التي أمرت بالغرامة التهديدية بتصفيتها9.
ثالثا: في المنظور المغربي
يمكن اعتبار الغرامة التهديدية حسب بعض الباحثين وذهب في نفس السياق باحثين آخرين10 بأنها وسيلة إجبارية وتهديد، منحها المشرع للدائن عن طريق القضاء ليتغلب بها على عناد المدين المحكوم عليه، وحمله على تنفيذ التزام يقضي منه تدخلا شخصيا سلبا أو إيجابا.
وهكذا تعتبر الغرامة التهديدية وسيلة قانونية منحها المشرع المغربي بمقتضى المادة 448 من ق.م.م للدائن لتمكينه من الحصول على التنفيذ العيني، متى كان الأمر الذي يتعلق بالقيام بعمل أو بالامتناع عنه لصيق بشخص المنفذ عليه، وقد جاء في المادة المذكورة ما يلي:
"إذا رفض المنفذ عليه أداء التزام بعمل أو خالف التزاما بالامتناع عن عمل، أثبت عون التنفيذ ذلك في محضره، وأخبر الرئيس الذي يحكم بغرامة تهديدية ما لم يكن سبق الحكم بها.
يمكن للمستفيد من الحكم أن يطلب علاوة على ذلك التعويض من المحكمة التي أصدرته."

ومن خلال المادة المذكورة نستشف على ان الغرامة التهديدية في النظام القانوني المغربي وتحديدا في قانون المسطرة المدنية باعتباره القانون إجرائي في المادة المدنية، يمكن الحكم بها متى ثبت الامتناع عن تنفيذ الالتزام من طرف المدين، ويتم إثبات ذلك من طرف عون التنفيذ ـ كاتب الضبط ـ والذي تناط به مهمة تتبع عملية تنفيذ الالتزامات من طرف المحكمة، ويقوم هذا الأخير بتحرير محضر يثبت فيه الامتناع ليقدم بعد ذلك طلب لرئيس المحكمة باعتباره المختص بفرض الغرامة التهديدية في حكم صادر عنه، هذا إن لم يكن هناك حكم سابق يقضي بذلك على نفس الطرف الممتنع عن التنفيذ.
ومن أهم الملاحظات التي يمن أن نبديها في هذا الإطار هو أن الغرامة التهديدية كوسيلة إجبارية للتنفيذ لا يمكن اعتبارها تعويضا لأن هذا الأخير له خصائصه التي ينفرد بها، وعلاقة بذلك تكون الغرامة التهديدية ما هي إلا وسيلة تحمل الطرف الملتزم على تنفيذ التزامه دون تراخي أو تأخير.
وكما هو معلوم أن الحكم بغرامة تهديدية يجد سنده في قانون المسطرة المدنية في إطار القواعد العامة بشأن التنفيذ الجبري للأحكام كلما كان هناك طرف يمتنع عن تنفيذ التزامه، لكن هنا يطرح إشكال في حالة كان هذا الطرف الممتنع هو عبارة عن شخص معنوي عام (الدولة، الجماعات الترابية، المؤسسات العمومية ...) بحيث يعود الاختصاص للبت في الدعاوى التي يكون أحد أطرافها شخص معنوي عام للمحاكم الإدارية والذي يعود تنظيم أحكامها لقانون 41.90، هذا الأخير جاء خاليا من أي مقتضى ينص على إمكانية فرض غرامة تهديدية في حالة كانت الإدارة في موقف الامتناع عن تنفيذ التزامها ـ تنفيذ الحكم القضائي الصادر ضدها ـ وبذلك نتساؤل كيف تعامل القضاء الاداري في مواجهة الادارة الممتنعة عن التنفيذ من خلال إجبارها على ذلك بواسطة فرض غرامة تهديدية في مواجهتها في ظل خلو قانون 41.90 يقضي بذلك ؟
وهو ما سنحاول الإحاطة به قدر الإمكان في المحور الموالي بقراءتنا لبعض مقتضيات قانون 41.90 وقانون المسطرة المدنية بشكل مترابط لتجاوز الإشكال المطروح.
المحور الثاني: سلطة القضاء الإداري في اعتماد الغرامة التهديدية كوسيلة إجبار على التنفيذ
بداية يمكن القول على أن الغرامة التهديدية تعتبر من الوسائل الناجعة لإجبار المدين على تنفيذ التزامه وذلك في حالة أظهر نيته في عدم التنفيذ أو أي تأخير حيال ذلك مما يسبب أضرار للدائن، وهو ما عبرت عنه المادة 448 من ق.م.م بصريح العبارة، ويمكن للمحكمة أن تحكم بها متى ثبت لديها الامتناع من الطرف الملتزم.
وعلاقة بذلك يقول البعض على أن المحكمة لا يجدر بها الحكم بالغرامة التهديدية دون طلب من الدائن المتضرر، وأن هذه الأخيرة متى حكمت بذلك من تلقاء نفسها فهي تكون قد خالفت أحكام المادة 03 من ق.م.م التي تقيد المحكمة بالبت في حدود ما تقدم به الأطراف من طلبات دون تجاوز لذلك، وأنه حينما تقوم هذه الأخيرة بفرض الغرامة التهديدية حتى ولو لم يكن هناك طلب يتضمن ذلك من طرف المتضرر، فإنها تكون قد بتت فيما لم يطلبه الأطراف وخرقت مقتضيات المادة المذكورة أعلاه.
يمكن فعلا الاتفاق مع الرأي المطروح في شق منه وهو المتعلق بعدم تجاوز المحكمة طلبات الأطراف وأنه يجدر بها التقيد بمقتضيات المادة 03 من ق.م.م، لكن والظاهر من نفس المادة وبالضبط في المقتضى الذي ينص على ما يلي "...وتبت دائما طبقا للقوانين المطبقة على النازلة ولو لم يطلب الأطراف ذلك بصفة صريحة." وهو ما يعني أن للمحكمة السلطة التقديرية في سلوك فرض الغرامة التهديدية كآلية لإجبار المدين على التنفيذ متى ظهرت لها فائدة في ذلك، ومن هنا يمكن القول على أن المادة 448 تنسجم ومقتضيات المادة 03 من ق.م.م بشكل لا يثير أي إشكال بهذا الخصوص، وأن أحكام هذه الأخيرة تترابط أحكامها بشكل متكامل دون تجزيئ، مما يضفي على الحكم بالغرامة التهديدية من طرف المحكمة الآثار القانونية المترتبة عن هذه الوسيلة حتى ولو لم تكن موضوع طلب الأطراف.
ورجوعا للإشكال أو التساؤل الذي قمنا بطرحه عند نهاية المحور الأول والمتعلق بكيفية تعامل القضاء الإداري مع أسلوب الغرامة التهديدية المفروضة على الادارة الممتنعة في ظل غياب أي مقتضى قانوني يقضي بذلك ؟
سنعرج على معالجة مكامن هذا الإشكال من خلال الإحاطة بتوجه القضاء الاداري في إطار الحكم بالغرامة التهديدية (أولا) (على أن نبين بعدها الحكم بتصفية هذه الأخيرة حتى تنتج آثارها القانونية (ثانيا.
أولا: موقف القضاء الإداري من فرض الغرامة التهديدية
ما يطمح إليه كل متقاض من رفع دعواه لدى القضاء الإداري ليس هو إغناء الاجتهاد القضائي في المادة الإدارية فحسب، بل استصدار حكم لصالحه يحمي حقوقه المعتدى عليها من طرف الإدارة مع ترجمة منطوقه على أرض الواقع بتنفيذه.
فحسب الاستاذ محمد قصري إن عدم التنفيذ يضرب في الصميم حرمة وهيبة وقدسية القضاء وتزرع الشك حول فعالية وجدوى قضاء إداري يقتصر دوره على معاينة عدم مشروعية المقررات الإدارية المطعون فيها أو الحكم بالتعويض، إن ذلك يتعارض مع الآمال المعقودة على هذه المحاكم في بناء صرح دولة الحق والقانون، فبدون تنفيذ تصير الأحكام عديمة الجدوى والفعالية ويفقد الناس ثقتهم في القضاء ويدب اليأس في نفوسهم وينعدم الأمن والاستقرار وذلك كما يقول صاحب الجلالة الحسن الثاني تغمده الله بواسع رحمته " يجر المرء إلى تفكير آخر هو انحلال الدولـة".

وتعتبر الغرامة التهديدية من بين أهم الوسائل التي اعتمدها القضاء الإداري لتجاوز إشكالية تنفيذ الأحكام الصادرة عنه ضد الإدارة، وهنا قد يقول قائل أن هذا المعطى غير سليم من الناحية القانونية نظرا للفراغ التشريعي الذي يعرفه هذا التوجه، وذلك ما يمكن التأسيس له من خلال خلو قانون 41.90 من أي نص قانوني يمنح للقضاء الاداري سلوك إجراء فرض الغرامة التهديدية متى كانت الادارة في موقف الممتنعة عن التنفيذ.
لكن القضاء الإداري حاول الاتجاه في منحى يقضي بالأخذ بنظام الغرامة التهديدية تحصينا لأحكامه الصادرة عنه ضد الإدارة حتى تظل هذه الأخيرة ملزمة أمام المقررات القضائية الصادرة ضدها دون امتناع أو تراخي أو تأخير، وقد اعتمد في ذلك القضاء الإداري في أكثر من مناسبة على مقتضيات قانون 41.90 المتعلق بإحداث المحاكم الادارية وكذلك قانون المسطرة المدنية، وذلك من خلال القراءة المرتبطة للفصل 07 من القانون الأول في علاقته بالفصل 448 من القانون الثاني، وهي قراءة سليمة لا يمكن التشكيك فيها خصوصا إذا ما اطلعنا على الفصلين معا فنجد الفصل 07 من قانون 41.90 ينص على ما يلي: "تطبق أمام المحاكم الإدارية القواعد المقررة في قانون المسطرة المدنية ما لم ينص قانون على خلاف ذلك."
أما المادة الثانية وهي 448 من قانون المسطرة المدنية والتي تتيح للمحكمة فرض الغرامة التهديدية على المدين في حالة امتناعه عن التنفيذ، فقد تم التطرق لها فيما سبق ولا داعي لتكرارها ويمكن الرجوع لها أعلاه. ونتيجة لذلك يعتبر الحكم القضائي الصادر ضد الإدارة هو التزام يقع على عاتقها ويجدر عليها تنفيذه وفي حالة الامتناع يمكن لمحكمة الموضوع أن تحكم بغرامة تهديدية12 والقاضي الإداري وهو يقوم بتوقيع الغرامة التهديدية ضد الإدارة لابد من توفر مجموعة من الشروط وهي كالتالي:
ـ أن يكون هناك التزام رفض المنفذ عليه تنفيذه (حكم قضائي مثلا).
ـ أن يقتضي التنفيذ تدخل المنفذ عليه شخصيا وإلا كان التنفيذ غير ممكن.
ـ أن يثبت عدم التنفيذ من خلال محضر يحرره مأمور الإجراءات13.
وتعتبر الجهة المختصة لفرض الغرامة التهديدية هو رئيس المحكمة الادارية وذلك وفقا للمادة 19 من قانون 41.90 الذي يعتبر هو المختص بالنظر في الطلبات الوقتية والتحفظية، وبالتالي يجوز للمعني بالأمر أن يطلب تحديد الغرامة التهديدية أمام رئيس المحكمة الإدارية، ويمكن أيضا أن ينعقد الاختصاص لمحكمة الموضوع، كما هو الشأن في حالة الدفع بعدم الاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية بتراب المملكة ليعود الاختصاص بعد ذلك للمحكمة الإدارية بالرباط وهناك توجه قضائي في ذلك والمتمثل في الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 06/03/97 في قضية "ورثة لعشيري ضد الدولة المغربية" والذي أيدته الغرفة الإدارية في قرارها الصادر بتاريخ 25/9/1997 بالملف عدد 1301.
ومن الأعمال القضائية في مجال فرض الغرامة التهديدية نجد الحكم المحكمة الادارية بالرباط، والذي جاء فيه ما يلي: "حيث إن الفصل 448 من قانون المسطرة المدنية الذي ينص على الغرامة التهديدية كوسيلة لإجبار المحكوم عليه على التنفيذ قد ورد ضمن البا ب الثالث من القانون المذكور، وحيث إن المحاكم الادارية تطبق القواعد المقررة في قانون المسطرة المدنية، ما لم ينص قانون على خلاف ذلك، طبقا للمادة 07 من قانون 41.90، وحيث لا يوجد أي نص يستثني الادارة من فرض غرامة تهديدية عليها في حالة امتناعها عن تنفيذ حكم قضائي صدر في مواجهتها، يتعلق بالالتزام بالقيام بعمل أو الامتناع عن عمل، مما يجعل الدفع المثار من طرف السيد الوكيل القضائي بهذا الشأن في غير محله ويتعين استبعاده"14
ومن التطبيقات القضائية العملية الأخرى في مجال فرض الغرامة التهديدية لحمل الإدارة المنتفعة على التنفيذ نجد الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بمكناس بتاريخ 3/04/199815، والذي جاء في تعليله أن قانون المسطرة المدنية المطبق أمام المحاكم الادارية يشير إلى التنفيذ الجبري للأحكام، وإلى الغرامة التهديدية كوسيلة من وسائل إجبار المحكوم عليه على التنفيذ، و لم يستثني المشرع أي طرف محكوم عليه من هذه الوسيلة، فإن لا شيء يمنع من إقرار الغرامة التهديدية في مواجهة الإدارة أو المسؤول الإداري نتيجة امتناعها غير المبرر عن التنفيذ.
وللإشارة فقط فإن القضاء الاداري يرفض في بعض أعماله القضائية فرض الغرامة التهديدية في حالة كانت الادارة تمتنع عن تنفيذ حكم ضدها يقضي بالتعويض، بعلة أن مقتضيات الفصل 448 السالف الذكر تخص فقط حالة الالتزام بأداء عمل أو مخالفة التزام بالامتناع عن عمل، وليس أداء مبلغ مالي،16 لكن ما يمكن ملاحظته وحسب تطور العمل القضائي الاداري انه يتجه في منحى عدم التردد في فرض الغرامة التهديدية على الادارة كلما توفرت ظروف ذلك وظهرت فائدة في اعتمادها وذلك من خلال قراءتنا للعديد من أعمال القضاء الاداري بهذا الخصوص.
لكن الحكم بالغرامة التهديدية ليس كافيا حتى تنتج هذه الاخيرة آثارها القانونية واستخلاص مبلغها المضمن بالحكم الذي يقضي بها في حق الادارة لذلك من الواجب رفع دعوى أخرى يهدف من خلالها الحكم بتصفية هذه الغرامة وهو ما سنتطرق إليه في الفقرة الموالية.
ثانيا: الحكم بتصفية الغرامة التهديدية قصد استخلاص مبلغها
إن الطرف الذي استصدر حكما مقرونا بالغرامة التهديدية وأيد استئنافيا، وباشر إجراءات التنفيذ وامتنع المحكوم عليه عن تنفيذه، فإن المحكوم له بإمكانه أن يتقدم بمقال افتتاحي إلى المحكمة الابتدائية، دون حاجته للالتجاء إلى قاضي المستعجلات، وذلك لتحكم له المحكمة بتصفية الغرامة التهديدية المحكوم بها، مع ضرورة إرفاق طلبه بنسخة تنفيذية للحكم ومحضر تنفيذي. 17
ولقد تواتر العمل القضائي، واجتهاد المجلس الأعلى (محكمة النقض) ولا سيما الغرفة المدنية، على أن الغرامة التهديدية تصفى في شكل تعويض مدني بناء على الضرر وحجمه وأهميته ومداه بالنسبة للطالب، وهو يرتكز في ذلك على نفس المقتضيات القانونية المنصوص عليها بقانون المسطرة المدنية في الفصل 448 منه18، بحيث نجد أن الغرفة التجارية بمحكمة النقض تقول على أن تصفية الغرامة التهديدية تأخذ صبغة تعويض يتحدد مقداره بصورة جزافية من طرف قاضي الموضوع بمراعاة حجم الضرر ومدى أهميته، وهو تقدير، تضيف الغرفة المذكورة، غير خاضع لرقابة محكمة النقض19 ، وبذلك تكون تصفية الغرامة التهديدية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالضرر الذي يلحق من حكم بها لفائدته، وهكذا يكون طلب تصفيتها مقرونا بتحقق ضرر كان بعد الحكم بها، وهو ما يمكن أن نستشفه من بعض الاعمال القضائية في هذا الاطار، ومن بينها ما قضت به الغرفة المدنية بالمجلس الاعلى 20 (محكمة النقض) بأن تصفية الغرامة التهديدية بناء على حكم نهائي صدر بتحديدها، لا يتأتى القضاء به دون الافصاح عن الاساس الواقعي الذي بموجبه تمت تصفيتها ودون اعتبار لوجود الضرر وثبوته ومقدار أهميته بالنسبة لطلب التصفية21.
غير أن المحكمة الادارية بفاس ذهبت في منحى آخر 22 ، حيث اعتبرت أن الغرامة التهديدية تعتبر وسيلة لإكراه المدين على تنفيذ السند القضائي وليس هدفها التعويض عن الاضرار، ولذلك اعتبرت انه من الواجب فصلها عن التعويض، وقد استنتجت ذلك من تنصيصات الفصل 448 من قانون المسطرة المدنية الذي ينص على تحديد الغرامة والمطالبة بالتعويض، لذلك فهي تنفرد بوضع قانوني مميز، ولا ينبغي أن تؤول إلى تعويض، وقد كانت الغرامة التهديدية التي طالب المنفذ له بتصفيتها في إطار عملية حسابية خارج قواعد التعويض عن الضرر محدد في مبلغ 500 درهم يوميا، وقد حددتها المحكمة من جديد في مبلغ 50 درهما يوميا معللة ذلك بأنه لا يوجد أي مانع قانوني يحول دون تدخل قضاء الموضوع لتحديد مبلغها من جديد متى كان الامتناع ناشئا في تاريخ لاحق لتاريخ السند المجدد لها.
وهذه التوجه نجده معقولا وذلك راجع للهدف التي ترمي إليه وسيلة الغرامة التهديدية، فالمشرع جاء بوسيلة الغرامة التهديدية لغاية الإجبار على تنفيذ الالتزام في حالة وجود أي امتناع عن ذلك كما أنه أدرج أحكامها في الشق المتعلق بالقواعد العامة المتعلقة بالتنفيذ الجبري للأحكام، وبهذا فهي لا تأخذ وصف التعويض بقدر ما تحمل صبغة الإجبار وأن تصفيتها ما هي إلا نتاج لعدم تنفيذ المحكوم عليه الحكم الصادر ضده والذي يمكن أن يكون موضوع هذا الأخير تعويضا كما هو الشأن في الأحكام الصادرة ضد الإدارة والقاضية بالتعويض في مجال الاعتداء المادي على الملكية العقارية وبذلك يمكن أن يتبعه فرض غرامة تهديدية كلما ثبت امتناع عن التنفيذ، وهو نفس التوجه أكدت عليه محكمة النقض الفرنسية كما أشرنا لذلك سابقا في الشق المتعلق بالغرامة التهديدية في منظور التشريع الفرنسي أعلاه.

كما أننا لا يمكن أن نتطرق لموضوع الغرامة التهديدية ونغفل توجه القضاء الاداري فيما يخص الحالة التي ينفذ فيها المحكوم عليه الحكم الصادر ضده بعد فرض غرامة تهديدية في حقه، بمعنى أن يكون التنفيذ لاحقا لفرض الغرامة التهديدية، وهكذا هل يمكن أن ينتهي هنا آثار الغرامة التهديدية أم يستمر وعلى أساسه يمكن المطالبة بالحكم بتصفيتها حتى ولو كان هناك تنفيذ ؟
وعلاقة بذلك نجد على أن القضاء الإداري لم يستقر على رأي واحد في هذا الإطار، فمنه من اعتبر أن دور الغرامة التهديدية ينتهي بمجرد التنفيذ كما هو الشأن في قرار للغرفة الإدارية 23 والذي جاء في تعليله أن "الغرامة التهديدية لا تصبح واجبة الأداء إلا بعد تصفيتها من طرف المحكمة على ضوء ثبوت امتناع غير مبرر عن التنفيذ..."
هذا وقد قابله رأي آخر لنفس الجهة القضائية (القضاء الاداري) وقد كان آخرها الأمر الصادر عن رئيس المحكمة الادارية بمكناس 24 ، والذي اعتبر أن التنفيذ لا ينفي تقاعس الادارة عن تنفيذ الحكم الصادر ضدها في الأجل المعقول ودون اتباع أي إجراءات يستوجبها هذا التنفيذ أو الشروع فيها، وأن الادارة الممتنعة تركت أجل التنفيذ مفتوحا خاضعا لإرادتها مما تكون معه واقعة الامتناع عن التنفيذ ثابتة في حق الادارة، ويعتبر هذا التوجه حسب رأي بعض الباحثين تحولا مهما في التوجهات السابقة للقضاء الاداري، وتحولا جذريا عما ذهبت إليه محكمة النقض في قرارات سابقة كانت تعتبر فيها تنفيذ الحكم يغل يد الأطراف في طلب الغرامة التهديدية وحتى تصفيتها. وبالفعل هو توجه محمود يحسب للقضاء الإداري إضافة للعديد من الإشكالات التي كانت تواجهه وقد عمل بكل قواعده ووسائله القضائية والقانونية لتجاوزها وإحقاق الحقوق لأصحابها وحماية الافراد من تسلط الإدارة وتعنتها، وذلك راجع لطبيعتها القانونية والواقعية، والامتيازات المهمة التي يمتعها بها القانون والطبيعة العمومية التي تصبغ نشاطاتها، مما دفع بالقضاء الاداري مواجهة الادارة بكل الوسائل المتاحة قانونا لتجاوز إشكالية تنفيذ الأحكام القضائية ومن بين أهم هاته الوسائل الغرامة التهديدية.

وأخيرا يمكن القول على أن أسلوب الغرامة التهديدية كان ولازال أسلوبا ناجعا لتفعيل الأحكام القضائية، وتنزيلها على أرض الواقع وإجبار الملزم بها على تنفيذها دون تعنت أو تراخي أو امتناع، وذلك ما حاولنا أن نوضحه في هذه الأسطر القليلة التي لم تسعفنا أن نتطرق لكل الجوانب المرتبط بالموضوع محاولة منا وضع أيدينا على مكامن بعض الإشكالات والنقاط المهمة التي يتمحور حولها موضوع الغرامة التهديدية خاصة في شقها المتعلق بالتنفيذ في المجال الإداري.
وهو ما يظهر لنا أهمية الغرامة التهديدية خاصة في ظل إشكالية عدم تنفيذ المقررات القضائية الصادرة ضد الإدارة بشكل كبير، والتي غالبا ما تكون هذه الأخيرة في وضعية الامتناع عن التنفيذ أو التراخي عن ذلك، ويكون امتناعها هذا تحت عدة مبررات حسب ما تدفع به الإدارة كذريعة لتملصها من تنفيذ الاحكام القضائية الصادرة ضدها، ويكون ذلك إما بدعوى انعدام السيولة المالية خصوصا في الاحكام القاضية بالتعويض، أو دفعها بمقتضيات الفصل 25 من ق.م.م، أو غموض الحكم الصادر ضدها أو وجود حالة استعجالية... إلى غير ذلك من الاسباب التي تتشبث بها الإدارة لتتجنب الامتثال للحكم القضائي الصادر في حقها.

مما يدفع بالقضاء الاداري باعتباره المختص في الدعاوى التي يكون طرفها شخص معنوي عام في نطاق مقتضيات المادة 08 من قانون 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية، في بحث مستمر عن الحلول القانونية والقضائية الناجعة في ظل السلطات الممنوحة له لتجاوز هذا الإشكال، حتى تظل الإدارة خاضعة للسلطة القضائية والمتمثلة في الاحكام الصادرة عنها، وكذلك الحفاظ على حقوق المتقاضين من أي إهدار أو مساس يجعل هؤلاء في موقف الفاقدين للثقة في الجهاز القضائي بشكل خاص وفي مؤسسات الدولة بشكل عام.

بقلم ذ وائل العياط
خريج ماستر العقار والتعمير - السويسي - باحث في القانون العقاري