قانون الأعمال

بقلم ذ عبد الرحمان حمزاوي
باحث في قانون الأعمال
تحت عدد: 11
لما كان التحكيم وسيلة لفض المنازعات بين الأفراد فإنه كنظام يجب أن يضمن حدا أقصى من التوازن بين حقوق الأطراف على غرار القضاء الرسمي، فالتجاء هؤلاء لهذا النظام لا يعني بتاتا تنازلهم عن الدعوى وإنما يتنازلون فقط عن عرض نزاعهم عن القضاء الرسمي لفائدة قضاء إرادي أي يحددون إجراءاته ومساطره بمحض إرادتهم هذه الأخيرة التي يعبر عنها من خلال شرط التحكيم أو اتفاق التحكيم، ومن الطبيعي أن لا يضر هذا التوازن بالغير الذي لم يكن طرفا في الحكم التحكيمي فكيف يتم حماية حقوق هذا الأخير بعد صدور الحكم التحكيمي؟

أولا: مفهوم الغير في الحكم التحكيمي.

ينص الفصل 327-35 من قانون 08.05 على ما يلي: \"لا يواجه الأغيار بالأحكام التحكمية ولو كانت مذيلة بالصيغة التنفيذية ...\".

ظاهريا يتجلى من مطلع الفصل أن الحكم التحكيمي ينصرف فقط على من كان طرف فيه ولا ينصرف على الغير، فمن هو هذا الغير الذي لا ينصرف عليه الحكم التحكيمي؟

يعتبر الحكم التحكيمي جزءا من العقد الأصلي الذي يضم اتفاق التحكيم، ذلك أن الحكم التحكيمي هو الذي يوجه العقد عند منازعة أطرافه، وبالتالي فإن أطراف العقد هم بشكل آلي أطراف الحكم التحكيمي ومن يعتبر غيرا في العقد الأصلي يعتبر كذلك في الحكم التحكيمي وبالرجوع إلى مطلع الفصل 327-35 السالف الذكر نجده ينسجم إلى حد ما مع ما ينص عليه الفصل 228 من قانون الالتزامات والعقود، واستنادا إلى ذلك فالخلف العام والخلف الخاص وكذا الدائنين لا يعتبرون في زمرة الغير بالنسبة للحكم التحكيمي انسجاما مع روح الفصل 329 ما دام هذا الحكم التحكيمي سينتج آثاره بين هؤلاء، غير أنه قد يفهم م مطلع الفصل 327-35 أن للحكم التحكيمي آثارا براغماتيا والحال أنه ليس كذلك لأن مشرع قانون 05.08 عطف المطلع بـــ \" ويمكنهم أن يتعرضوا....\" مما يبرز أن هناك غيرا فعلا قد ينتفع وقد يتضرر من الحكم التحكيمي، لكن إذا كانت الحالة التي ينتفع فيها الغير من الحكم التحكيمي لا تثير إشكالا فإن حالة الإضرار به تطرح أكثر من تساؤل خصوصا متى كانت العلاقة التي تربط أطراف الحكم التحكيمي بالغير تستدعي تدخل هذا الأخير، كحالة الكفيل ومصدر خطاب الضمان.

1. الكفيل:

ينص الفصل 1117 من ق ل ع على ما يلي: \"الكفالة عقد بمقتضاه يلتزم شخص للدائن بأداء التزام المدين إذا لم يؤده هذا الأخير نفسه\".

باستقرائنا لمضمون الفصل يتبين أن الكفيل شخص من الغير يتدخل لضمان مخاطر عدم قيام المدين بالوفاء بالتزامه، ومن ثم فالتزام الكفيل بالوفاء ليس أساسه العقد الأصلي الذي يعد الحكم التحكيمي جزءا منه بل إن هذا الالتزام يستمد أساسه من قواعد الكفالة، فالحكم التحكيمي الذي سيلزم المدين بالأداء سيلقي بتبعاته على الكفيل لكن لا تستطيع الهيئة التحكيمية إلزام الكفيل بالأداء وإنما على من يعنيه الأمر (الدائن) استشارة القضاء الرسمي، مما يتبين معه أن حجية الأمر المقضي به التي يحوزها الحكم التحكيمي لا تلزم الكفيل في شيء وإن كان محل التزامه يجد أساسه في عقد الكفالة.

2. مصدر خطاب الضمان:

خطاب الضمان هو تعهد بنكي يلتزم بمقتضاه البنك بتنفيذ التزام زبونه عند إخلال هذا الأخير وذلك عند أول مطالبة من المستفيد ودون شروط وفي مدة محددة سلفا.

وخطاب الضمان وإن كان يتشابه مع الكفالة في بعض الجوانب فإنه يختلف عنها في أخرى لعل أهمها عدم إمكانية رجوع البنك المصدر لخطاب الضمان عن تعهده، وكذا استقلال علاقة البنك مصدر خطاب الضمان بالمستفيد عن تلك التي تجمع البنك بالمدين.

كما أن البنك مصدر خطاب الضمان قد يشترط استفادة المستفيد من الحكم التحكيمي أي أن يصدر الحكم التحكيمي لصالحه حتى لا يكون هناك تحايل على البنك في الوفاء، ومعلوم أن البنك يقوم بتجميد قيمة خطاب الضمان لديه وهو ما يفسر وفاؤه بها لدى أول مطالبة.

ثانيا: تعرض الغير على الحكم التحكيمي.

ينص الفصل 327-35 من قانون 08.05 على ما يلي: \" لا يواجه الأغيار بالأحكام التحكيمية ولو كانت مذيلة بالصيغة التنفيذية ويمكنهم أن يتعرضوا عليها تعرض الغير الخارج عن الخصومة...\"

باستقرائنا للفصل أعلاه يتضح أن المشرع وضع تعرض الغير الخارج عن الخصومة كطريق طعن يسلكه الغير دون سواه فما هي شروط إعمال هذا الطعن ثم ما هي المحكمة المختصة للبت في هذا الطعن وما هي المسطرة المتبعة أمام هذه المحكمة.

1. شروط إعمال تعرض الغير الخارج عن الخصومة:

أ‌. صدور الحكم التحكيمي:

لا يمكن للغير ممارسة تعرض الغير الخارج عن الخصومة إلا بعد صدور الحكم التحكيمي، إذ لا يمكن ممارسة هذا الطعن أثناء المناقشة أو المداولة ، إذ لابد من الانتظار حتى صدور الحكم التحكيمي، لأن قبل صدور هذا الأخير لايمكننا الحديث عن حكم تحكيمي إذ كيف يتصور ممارسة طعن ضد حكم لم يوجد بعد.

ب‌. أن يمس الحكم التحكيمي بمصالح الغير الطاعن:

بالإضافة إلى صدور الحكم التحكيمي يجب أن يكون قد مس فعلا بمصالح الغير الطاعن وهذا الشرط يجد محله في الفصل الأول من ق.م.م حيث لا يصلح التقاضي إلا ممن له الصفة والأهلية والمصلحة والمساس بحقوق الغير الطاعن هي المصلحة من وراء ممارسة هذا الطعن.

ت‌. أن لا يكون طرفا في النزاع:

ومعناه أن لا يكون قد وجه له استدعاء صحيح في ما يخص الحكم التحكيمي المطعون فيه لأن هذا النوع من الطعون لا يقبل إلا ممن لم يكن طرفا في النزاع.

2. المحكمة المختصة للبت في تعرض الغير الخارج عن الخصومة.

بالرجوع إلى الفصل 327-35 نجد أن المحكمة المختصة للبت في تعرض الغير الخارج عن الخصومة على الحكم التحكيمي هي المحكمة التي كانت ستنظر في النزاع لو لم يبرم اتفاق التحكيم.

3. المسطرة المتبع أمام المحكمة:

يقدم تعرض الغير الخارج عن الخصومة على الحكم التحكيمي في شكل مقال افتتاحي يتضمن كافة الشروط الشكلية المتطلبة وفقا للفصل 32 ق.م.م وتوجه الدعوى ضد كل أطراف الحكم التحكيمي المطعون فيه كما تؤدى على هذا المقال الواجبات المنصوص عليها في الفصل 305 ق.م.م.

ثالثا: آثار تعرض الغير على الحكم التحكيمي.

يرتب تعرض الغير الخارج عن الخصومة على الحكم التحكيمي أثرين هامين هما:

1. إمكانية وقف تنفيذ الحكم التحكيمي:

وهذه الإمكانية مبنية على قناعة قاضي الموضوع الذي يبت في الطعن والذي له السلطة التقديرية في الأمر بوقف تنفيذ الحكم التحكيمي إلى الفصل في تعرض الغير أو عدم الأمر بذلك.

2. الاستجابة لمطالب الغير الطاعن في حدود ما أضر به الحكم التحكيمي:

بعد أن يقدم مقال تعرض الغير الخارج عن الخصومة وفق الشكل المتطلب قانونا وبعد مناقشة الدعوى والتداول فيها، يصدر الحكم مستجيبا لطلبات الغير الطاعن وذلك حسب قناعات المحكمة وانسجاما مع الفصل الثالث من ق.م.م والذي يأمر فيه المشرع المحكمة بالبت في حدود طلبات الأطراف.

بقلم ذ عبد الرحمان حمزاوي
باحث في قانون الأعمال
 


أعلى الصفحة