القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ علاءالدين الحاجي
طالب باحث بسلك ماستر القضاء الإداري - كلية الحقوق سلا
تحت عدد: 357
يلعب القاضي الإداري دورا أساسيا في دولة القانون

إذ يعمل على احترام القانون من قبل الإدارة ، و بالتالي يدفعها إلى احترام الشرعية [1]، ومن جهة أخرى يدفع القاضي إلى الابتكار و الابداع ، وذلك باعتبار أن القانون الإداري قانون حديث النشأة ، يلعب القاضي الإداري دورا رائد في تطويره و خلق قواعده .

و مبدأ الشرعية يقضي بأن تحترم الدولة في جمل تصرفاتها أحكام القانون بمفهومه العام و الواسع ، و أن لا تخرج عن حدوده و إلا اعتبرت أعمالها غير مشروعة .

و لو كنا في المغرب لا نعرف قضاء إداريا مستقلا عن القضاء العادي ، إذ نطبق وحدة القضاء و لكن نطبق ازدواجية القانون . بمعنى تطبيق القانون الإداري في المجال الإداري و القانون الخاص في غير ذلك ، مما يعطي للقضاء الإداري أهمية لا يمكن أن ننكرها في المغرب . [2]

فالقضاء الإداري المغربي مر بعدة مراحل قبل أن يتشكل على الصورة التي هو عليها الآن ، بحيث كان الأمر قبل الحماية الفرنسية يستند إلى مبادئ الشريعة الإسلامية . إلى جانب ديوان المظالم و نظام الحسبة . فالأول كان  يقوم برفع مظالم الأفراد تجاه رجال السلطة ، فيما الثاني يقوم بزجر من يغش في الأعمال التجارية و غير التجارية . كما لا ننسى الإشارة إلى وزير الشكايات و غيرها من المحاكم التي ظهرت حينها تختص في المنازعات ذات الصبغة الإدارية بدون حملها للتسمية الأخيرة .

أما في مرحلة الحماية ، فبدأت تظهر إلى حيز الوجود مصطلحات لها طبيعة خاصة في القضاء الإداري كالخطأ الشخصي و الخطأ المرفقي و المسؤولية الإدارية و الموظف العمومي ، هذا الأخير استمد من ظهير الموظفين الفرنسيين للسنة 1928م .

في حين أنه بعد مرحلة الاستقلال تم إحداث المجلس الأعلى سنة 1957م ، و في 1993م تم إحداث المحاكم الإدارية ، ليكتمل صرح القضاء الإداري المغربي نوعيا في 2006م بإحداث محاكم الاستئناف الإدارية ، على أن يبقى الأمل قائما في إحداث أعلى هيأ قضائية إدارية بالمملكة حسب تعبير الفصل 114 من دستور 2011م . [3]

و بالرجوع إلى القانون رقم 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية نجد أنه عدد اختصاص القاضي القضاء الإداري في مرحلته الابتدائية في المواد 8 و 9 و 11 [4] ، و التجأ المشرع المغربي في نفس القانون و بالضبط في المادة 20 على أن كل قرار إداري [5] صدر مخالفا لإحدى الأوجه المعتمدة في دعوى الإلغاء يحق للمتضرر الطعن فيه أمام الجهة القضائية الإدارية المختصة .

في حين أن الفصل 118 من الدستور المغربي لسنة 2011م ينص هو الآخر على أن كل قرار اتخذ في المجال الإداري ، سواء كان تنظيميا أو فرديا يمكن الطعن فيه أمام الهيأة القضائية الإدارية المختصة .

و ما يجب الملاحظة به أن في هذا الخصوص أن المشرع المغربي جعل المبدأ العام قانونا هو كل قرار إداري صدر من سلطة إدارية طبقا للمعيار الشكلي ، أو في المجال الإداري دون تحديد السلطة هل هي إدارية أم لا وفقا للمعيار الموضوعي يكون محطة الطعن بالإلغاء أمام القاضي الإداري إذا استم بأحد العيوب المعتمدة في دعوى الإلغاء .

و القضاء الإداري في مجمل اختصاصاته أن قواعده مستمدة من القانون الإداري ، و الذي يعتبر ذا قواعد متميزة عن قواعد القانون الخاص  . و بالتالي لا يمكن تطبيق الأحكام المقررة في هذا القانون الأخير على النازلات المرتبطة بنشاط الإدارة عند تسييرها للمرافق العمومية باعتبارها سلطة عمومية .[6]

هذا و نجد الممارسة العملية للقضاء الإداري منذ إنشاء المجلس الأعلى في غرفته الإدارية (محكمة النقض حاليا)  ، مرورا بالمحاكم الإدارية و محاكم الاستئناف الإدارية ، إضافة إلى التقنين الدستوري لبعض مبادئه . يتضح أنه حافظ على الطابع الاستثنائي و الخاص بدعوى الإلغاء ، من خلال استبعاد بعض القرارات الإدارية من نطاق الرقابة القضائية ، كأعمال السيادة و الحكومة التي تعتبر خروجا حقيقيا على مبدأ المشروعية و استثناء من أحكامه .[7]

و هنا يثار التساؤل حول القيود الواردة على اختصاص القاضي الإداري ؟ و الأسباب التي كانت وراء أزمة الاختصاص الذي ينعقد إلى القاضي الإداري و انعكاساتها على حماية الحقوق و الحريات ؟

للإجابة على هاته الإشكالات الأساسية سنقف ( كمحور أول ) على الإبهامات التي تثار حول شروط الدعوى القضائية المثارة أمام القاضي الإداري و الاستثناءات الواردة على ذلك . على أن نخصص (المحور الثاني) لانعكاس ذلك على ممارسة الأفراد لحقهم في اللجوء إلى القضاء الإداري .

 

ü    المحور الأول : الإبهامات المثارة حول شروط التقاضي الإداري و الاستثناءات الواردة على ذلك .

فالقضاء هو إحدى السلط التي ترتكز عليها الدولة الديمقراطية ، فهو الذي يحفظ وجودها و كيانها من الانهيار . ووجوده في كل مجتمع ضروري ضرورة القانون نفسه ، فهو الأداة التي تحقق صفة الالتزام للقانون ، فلا وجود للقانون بدون قضاء .

ثم إن الدولة لا يمكنها أن تتقدم إلا بوجود القضاء ، و تنهار بانعدامه ، فهو كان لازدهار العمران البشرية فوق الأرض لكون الجور يشكل منبع التطاحن و الحروب و الخراب بين البشر . [8]

فحسن سير العدالة يقتضي تعدد القضاة و تعدد المحاكم ، مع الاستناد إلى اختصاص نوع معين من المشاكل ، و لذلك نشأ القضاء الإداري كجهة مستقلة و متخصصة للفصل في المنازعات الإدارية .

كما أن وجود جهاز متخصص في مراقبة أعمال الإدارة هو أمر حتمي ، على اعتبار أنه الوسيلة التي تساعد الإدارة على السير بالشكل الأكمل و تقوم بالدور الذي يناط بها .

لأن المحاكم لها دورين أساسيين ، الأول يتمثل في دور وقائي يستشعر من خلاله رجل الإدارة أن الواجب هو عدم الخروج على نطاق الشرعية القانونية . أما الثاني فهو علاجي أو تصحيحي تمارسه الإدارة القضائية على أعمال الإدارة من أجل التأكد من مدى مطابقة أعمالها للشرعية .

و كون الاختصاص يرجع بالأساس إلى معيارين لانعقاده هو المعيار الموضوعي و المعيار الشكلي ، فإن المعيار الشكلي استبعد من دائرة القرارات الإدارية القابلة للطعن على وجه الخصوص ، والقرارات التي يتخذها الملك في نطاق القضايا الإدارية ، و القرارات الصادرة عن ولي العهد بناء على تعليمات ملكية . أما المعيار الوظيفي فنجد طائفة من أعمال الحكومة التي استبعدت من رقابة القاضي الإداري .

فطائفة من أعمال السلطة التنفيذية تخرج من رقابة القضاء الإداري فلا يستطيع إلغائها أو التعويض عنها ، كما أن محتوى قائمة أعمال السيادة ليس واحدا في كل الدول و المجتمعات ، و إن كانت هذه الأعمال تشمل الأعمال المتعلقة بعلاقة السلطة التشريعية بالحكومة و كذلك تلك الأعمال المتعلقة بعلاقة الدولة بالدول الأجنبية ، و بعض إجراءات الأمن الداخلي و الخارجي .[9]

و بناء على المعيارين السابقين نجد أن هناك العديد من القضايا التي استبعدت من اختصاص القاضي الإداري لدوافع متعددة و نذكر منها :

§       الأعمال المادية المتخذة لتنفيذ قرار إداري .

§       القرارات و الأعمال التحضيرية أو الممهدة لاتخاذ قرار لم يتم بعد اتخاذه ، مثل القرارات الاستشارية أو الاقتراحات أو الرسائل الإخبارية .

§       القرارات الصادرة عن مجلس الوصاية إذا كان مشكلا بصفة قانونية ، و إن كانت الاجتهادات القضائية داخل المحاكم المغربية تختلف بهذا الشأن ، حيث هناك من يقبل عريضة الطعن تجاه قراراته و هناك من لا يقبل ذلك .

§       القرارات التأديبية لبعض مجال الهيآت المهنية " كهيأة الصيادلة " و فق المادة 47 من الظهير الشريف بمثابة قانون المتعلق بإحداث هيأة الصيادلة .

إلى جانب ذلك نجد مجالات أخرى تم تضييق الرقابة  في مجال السلطة التقديرية للإدارة ، و حصر دور القاضي الإداري في مراقبة الشرعية و التصريح بإلغاء القرار المتسم بتجاوز السلطة دون حق تعديله أو تبديله بغيره ، فهو يلغي ولا يدير ، و أيضا التصريح بعدم قبول الدعوى لوجود دعوى موازية . [10]

و الحاصل مما سبق ذكره يمثل عقبة في لجوء الفرد المضرور إلى القاضي الإداري ، لأن تلك الإجراءات السابقة على إصدار القرار الإداري  كمثال قد تأثر في المركز القانوني للفرد . بل و حثى مسألة الإجراءات و المساطر و الاختصاص ، فهي تمثل حجر الزاوية في ممارسة حق التقاضي في النظام القانوني المغربي .

كما أن ضعف الوعي القانوني لدى الأفراد و الرهبة و الخوف و الترقب من سلطة الإدارة و ضعف الموارد المادية لدى الأفراد هي الدافع وراء عدم اللجوء إلى القضاء الإداري ، خوفا من ضياع الحقوق و تلافيا لعدم مواجهة الإدارة لما يرون في ذلك من عواقب وخيمة على حياتهم العملية .

أيضا نجد إلى جانب ذلك ضعف رقابة القاضي الإداري سواء في عدم القدرة على توجيه أوامر محددة إلى الإدارة لتنفيذها أو عدم القدرة على إصدار عقوبات رادعة ضدها . و أخيرا عدم القدرة على أن يحل محلها في إرجاع الحقوق لأصحابها إذا ما امتنعت الإدارة عن فعل ذلك .

و بطبيعة الحال فالقاضي الإداري يتخذ إجراءات متعددة للحد من قصور اختصاصه ، كالغرامة التهديدية ، و التي يتخذها لحمل الإدارة على التنفيذ و غيرها من الإجراءات العملية في ذلك .

أما الحديث عن الاستثناءات الواردة على شروط التقاضي و التي سنركز الدراسة خلالها على شروط تحد نوعا ما من حق الأفراد في اللجوء إلى القضاء الإداري .

و نذكر على سبيل المثال المادة الثالثة من القانون 41.90 و التي تنص على أنه ترفع القضايا إلى المحكمة الإدارية بمقال مكتوب يوقعه محام مسجل في جدول هيئة من هيآت المحامين بالمغرب .

فمن دون تعميق النظر في الأسباب التي تحكمت في صياغة هذه المادة ، فإنه يتعين قرائتها على ضوء امتياز الأثر الفوري الذي تكون بموجبه القرارات الإدارية نافذة و محققة لغاية الإدارة دونما الحاجة إلى استصدار قرار قضائي ، من أجل تنفيذها .

لذلك يحق التساؤل حول المرتكز المنطقي أو القانوني الذي تكون على أساسه الاستفادة من مقتضى الإعفاء من الزامية تنصيب محام يقتصر على القضايا المعروضة على المحاكم الابتدائية و محاكم الاستئناف ، فيما يسقط مفعول هذا المقتضى بالنسبة للمنازعات التي تختص بها المحاكم الإدارية . رغم أن هذه الأخيرة هي – مبدئيا – المجال الذي يفترض أن يتم فيه تكريس نوع من الامتياز القضائي للأفراد مقابل امتيازات الإدارة في مجال القرارات الإدارية .[11]

إلى جانب هذا المقتضى نجد الفقرة الثانية من الفصل 32 من قانون المسطرة المدنية الذي ينص على أن أحكام القاضي الإداري التي لا تتضمن طلبات محددة وواضحة تعتبر مخالفة للمقتضيات القانونية يكون مآلها عدم القبول .

أما إثبات أسباب الطعن يؤول الدعوى إلى عدم القبول ، و أن عدم تحديد المنازعة تحديدا كافيا مع بيان الوسائل المعتمدة للمنازعة ، يجعل الدعوى غامضة و مبهمة مما يترتب عنه عدم قبولها . [12]

أيضا شرط القيام بإجراء سابق قبل رفع الدعاوى يشكل قيدا على الاختصاص القضائي ، و الحديث هنا عن التظلم الإداري كإجراء جوهري و سابق على رفع دعوى الإلغاء في بعض الحالات .[13]

خلاصة القول أن لا أحد يشكك في دور الرقابة القضائية التي يمارسها القاضي الإداري في مجال حماية الحقوق و الحريات ، إلا أن ذلك يبقى  رهين بالضمانات الموازية الممنوحة للقاضي من أجل بسط رقابته على الإدارة . و بذلك سينعكس على ممارسة الأفراد لحقهم في اللجوء إلى القضاء الإداري ، و هو الأمر الذي سنتناوله في المحور الثاني .

 

ü    دور القضاء الإداري في حماية حقوق و حريات الأفراد في ظل أزمة الاختصاص المنعقد له .

يخضع نشاط الإدارة لقواعد عامة محددة وفق شروط معينة ، و احترام هذه القواعد و المبادئ يجعل القضاء الإداري يقوم بدور أساسي في مراقبة أعمال الإدارة ، و بالتالي جعل الرقابة القضائية تأخذ مكانة الصدارة بين طرق الرقابة على أعمال الإدارة .[14]

و انطلاقا من القرارات الإدارية و الأهمية الكبىرى التي تحظى بها ، باعتبارها أخطر و سيلة في يد الإدارة و لأنها تتمتع بقوة الشيء المقرر ( Autorité de la chose décidée ) . فإنها تلعب دور مهم في الارتقاء بعمل الإدارة من جهة ، و بالحفاظ على حقوق و حريات الأفراد من جهة أخرى .

أما الامتياز كسلطة عامة في القانون الإداري فيسمح للسلطة الإدارية المختصة بتعديل الأوضاع القانونية بصفة انفرادية عن طريق القرار الإداري . [15]

و هنا يفرض القاضي الإداري رقابته من أجل الحفاظ على حقوق و حريات الأفراد ، و إن كان اختصاصه مقيدا نوعا ما بمساطر و إجراءات وفق قواعد قانونية . أو أن ذلك القيد يكون وفق استثناءات و حالات الضرورة و أعمال استبعدت و أخرى أخرجت من نطاق اختصاص القضاء الإداري كما أشرنا إلى ذلك في المحور الأول .

فسمو الإدارة في مواجهة الأفراد عن طريق استعمال الامتيازات التي تتمتع بها لتحقيق الصالح العام ، قد تتعرض لحريات و حقوق الأفراد ، بل و قد يصل الأمر إلى المس بهاته الحقوق و إلحاق أضرار بأشخاصهم و أموالهم و ممتلكاتهم ، كنزع الملكية أو الاحتلال المؤقت أو فرض ضرائب و رسوم أو إصدار قرارات تؤثر في حقوق مكتسبة لذى هؤلاء الأفراد .

فالقائمين على تسيير الإدارة هم في نهاية المطاف بشر ، و بالتالي فلابد و أن تكون بعض مكامن القصور و الضعف في التسيير أو التوجيه أو حتى في سلطة اتخاذ القرار . و القاضي الإداري يعمل على تصحيح هاته الاختلالات إما عن طريق التعويض أو عن طريق الإلغاء .

و غياب هذه الرقابة يجعل الإدارة قد تسقط في التحكم و التعسف في استعمال السلطة ، و غيرها من الصور المخالفة للقانون .

و قد يكون مرد ذلك إلى ضعف التكوين القانوني لذى الأطر الإدارية من جهة ، أو الخطأ في تطبيق القانون و تكييفه على مستوى الواقع ، الأمر الذي يؤذي إلى التعسف في استعمال السلطة .

و هنا يصبح الفرد إزاء هذه السلطات و الامتيازات في مركز الخضوع ، مما يقتضي حمايتهم . و بمعنى آخر يتحتم معه تقرير ضمانات كافية لحمايتهم و تأمينهم في مواجهة الإدارة .

فالإدارة أصبحت تحتل مساحة اجتماعية مهمة ، فهي تمثل مركزا من مراكز السيطرة في المجتمع . و يجب أن ينظر إليها على أنها محيط أوسع مما نتصور و هو المحيط السياسي . فهي تعمل فيه على الهيمنة و الاستقرار في نفس الوقت ، و ذلك على اعتبار أن الإدارة في خدمة الجميع ، و أنها تهتم أساسا بالمصلحة العامة للمجتمع .

كما أنها تعمل أيضا على السيطرة و على الاستقرار ، لأنها تهدف بعملها إلى التخفيف من حدة التوترات الخطيرة . و ذلك من أجل تحقيق التماسك الاجتماعي و تستعمل في ذلك القاعدة القانونية و القوة المادية . [16]

و هو الأمر الذي يعزز دور الإدارة و ثقل مهمتها عن طريق اتساع المهمام الإدارية ، كما أن تعقد الجهاز الإداري و تشابك المصالح كان لزاما أن يعمل المشرع على إعطائها حرية التصرف و اتخاذ القرار .

لأن حرية التصرف كما يرها البعض[17]  لم يكن قد صرح بها النص القانوني ، فهي لا تحتاج إلى ذلك لأن حرية التصرف الإداري تكاد تكون هي الأصل .

و استنادا إلى ما سبق كان لزاما أن يبسط القاضي الإداري رقابته على مجموع سلطات الإدارة في مباشرة أعمالها ، و لكن ذلك متوقف على بعض الاستثناءات التي لا سلطة للقاضي الإداري عليها كليا أو جزئيا .

فإذا كانت الأعمال التشريعية و أعمال السيادة في مجملها تخرج من رقابة القاضي الإداري . فإن الإدارة أيضا و إن كانت تخضع لرقابة القاضي الإداري إلا أنه تستثنى في حالات و يضيق هذا الاستثناء في حالات أخرى .

و سنقتصر هنا على الاستثناء في هذه الدراسة ، لنأخذ على سبيل المثال السلطة التقديرية التي تتمتع بها الإدارة في ممارسة نشاطها الإداري ، و التي يبسط القاضي الإداري رقابته على بعض أوجهها و لا يشمل أوجه أخرى .

فالسلطة التقديرية هي تتعدد بتعدد مجالات الاشتغال بها من طرف الإدارة ، و لكن في مجملها هي ترك المشرع للإدارة قدر من الحرية في التصرف لتقدر استعماله تبعا للظرو دون أن تخضع لمراقبة . أما السلطة المحددة فهي عندما يحدد المشرع الشروط الكاملة لاتخاذ قرار إداري ، فإذا توفرت هذه الشروط فالإدارة تكون ملزمة باتخاذ هذا القرار .[18]

في حين توجد تعريفات أخرى تنطلق من الرقابة القضائية عكس ما سبق الإشارة إليه من إرادة المشرع ، بحيث ترتبط بالقيود  التي يضعها القضاء الإداري على نشاط الإدارة و هو يعدد رقابته لهذا النشاط . أي في إطار ما هو معترف به للقضاء من دور في انشاء قواعد قانونية جديدة و مستقلة عن إرادة المشرع الصريحة و المفترضة .[19]

و موضوع السلطة التقديرية للإدارة و الحد منها عن طريق الرقابة القضائية ، أو وضع محددات وفق نص القانون ، يهدف أساسا إلى حماية حقوق و حريات الأفراد . ليكتسي بذلك أهمية خاصة نظرا لما يطرحه الموضوع من إشكالات ، فمن جهة يسعى منطق الدائرة المستقلة إلى أن القرارات التي تتفرد الإدارة بتقدير ملائمتها تكون في منآى عن أي رقابة . و من جهة ثانية هناك رقابة القاضي الإداري الذي تظهر كأهم حماية للأفراد و تحمي حقوقهم من تعسف الإدارة . [20]

فمجال السلطة التقديرية عرف تطور مهم ، لكن الأساس من إدراجه هنا هو إبراز الدور الخطير الذي تلعبه السلطة التقديرية في الحفاظ على الحقوق و الحريات أو الإجهاز عليها . ليبقى دور القضاء الإداري رهين بحماية الحقوق وبسط الرقابة على هاته السلطة في أكتر الحدود الممكنة . لأن رجل الإدارة إن شاء تدخل تخدل بسلطته التقديرية  و إن شاء امتنع عن التدخل ، بل و في حالة الإلتزام بالتدخل أن يحدد نوع هذا التدخل .

 

خاتمة :

خلاصة القول و بدون الإجمال بما عرضناه ، على أن الالتزام بالقواعد القانونية بغض النظر عن مصدرها إلى جانب الالتزام بالمبادئ العامة القانون من طرف الإدارة هو السبيل الوحيد للارتقاء بعلاقة يطبعها الحوار و الثقة بين الإدارة و المواطن .

كما أن الارتقاء بالاختصاص القضائي في شقه الإداري ، و رفع القيود التي لا لزوم لوجودها سيجعل من القضاء الإداري قضاء قويا ، و سيعمل على ترسيخ مبادئ العدل و الإنصاف و إقرار الحق و إعطائه لذويه .

و بالتالي سينعكس الأمر على الدولة ، لتصبح دولة قوية قانونيا و قضائيا و مؤسساتيا و اقتصاديا .



[1] تنص المادة 44 من القانون رقم 41،90 المحدث للمحاكم الإدارية على أنه : إذا كان الحكم في قضية معروضة على محكمة عادية غير زجرية يتوقف على تقدير شرعية قرار إداري ، .... النزاع في شرعية القرار جديا ...... و تحيل شرعية القرار الإداري .... "

وبالتالي فالمشرع المغربي حسم في نص هذه المادة في مسألة استعمال مفاهيمي للشرعية أو المشروعية يحيل على مراقبة عمل الإدارة و التحقق من عدم مخالفته للقانون .

[2]  عبد القادر باينة " القضاء الإداري – الأسس العامة و التطور التاريخي " الطبعة الأولى 1988 ، ص 2

[3]  دستور المملكة الجديد الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليو 2011م

[4]   الاطلاع على هذه المواد الرجوع إلى الظهير الشريف رقم 1.91.225 الصادر في 22 من ربيع الأول 1414 (10 سبتمبر 1993م ) بتنفيذ القانون رقم 41.90 المحدث بموجبه محاكم إدارية .

[5]  تنص المادة 20 على أنه : كل قرار إداري صدر من جهة غير مختصة أو لعيب في شكله أو لانحراف السلطة او لانعدام التعليل أو لمخالفة القانون ، يشكل تجاوزا في استعمال السلطة ، يحق للمتضرر الطعن فيه أمام الجهة القضائية الإدارية المختصة .

[6]  عبد القادر باينة " القضاء الإداري – الأسس العامة و التطور التاريخي " مرجع سابق  ، ص 4

[7]  ثوريا لعيوني " القضاء الإداري و رقابته على أعمال الإدارة " دار النشر و الجسور وجدة ، الطبعة الأولى ، 2005 ص 8

[8]  رفع الدعوى الإدارية – و أنواعها و تقييمها على مستوى الممارسة العملية " ص 2

لا يحظرني غلاف الكتاب لكي أعرف إسم المؤلف ، لكن بعض مؤلفاته على الشكل التالي  :

الصفقات العمومية ، مكتبة دار السلام 1986

المرافق العمومية الكبرى ، مكتبة دار السلام 1992

 المرافق العمومية – الجزء الأول النظرية العامة ، نشر و توززيع مكتبة دار السلام الرباط 1993

القضاء الإداري المغربي على ضوء القانون المحدث للمحاكم الإدارية ، منشورات عكاظ الرباط ، 1994

المرافق العمومية الكبرى " دراسة نزرية و تطبيقية " منشورات عكاظ الرباط 1977

[9]     ثوريا لعيوني " القضاء الإداري و رقابته على أعمال الإدارة " دار النشر و الجسور وجدة ، الطبعة الأولى ، 2005 ص 8

[10]  محمد الأعرج " فاعلية قواعد الإجراء و الشكل في القرارات الإدارية " أطروحة لنيل دكتوراه الدولة الحقوق – القانون العام ، السنة الجامعية 2002-2001 ، ص 8 و 9

[11]  محمد الأعرج " فاعلية قواعد الإجراء و الشكل في القرارات الإدارية " مرجع سابق ، ص 6

[12] محمد الأعرج " فاعلية قواعد الإجراء و الشكل في القرارات الإدارية " مرجع سابق ، ص 6

[13]  وجب الإشارة إلى أنه استثناء يعتبر التظلم شرط جوهري ، إلا أنه في الغالب ووفق الفصل 360 من قانون المسطرة المدنية لسنة 1974م و المادة 23 من قانون إحداث المحاكم الإدارية ، يعطي الحق لرافع الدعوى بأن يقدم تظلمه أمام الجهة المعنية أو أن يرفع دعواه مباشرة أمام القاضي الإداري و داخل الآجال المحددة في ذلك ، مع مراعاة النصوص الخاصة عند الإقتضاء .

[14]  عبد القادر باينة " القضاء الإداري – الأسس العامة و التطور التاريخي " مرجع سابق ، ص 11

[15]  يحي حلوي " الوجيز في القرار الإداري " الطبعة الأولى 2015 ، ص 1

[16]  محمد الأعرج " فاعلية قواعد الإجراء و الشكل في القرارات الإدارية " ، مرجع سابق ، ص 13

[17]  محمد الأعرج " فاعلية قواعد الإجراء و الشكل في القرارات الإدارية " ، مرجع سابق ، ص 4

[18]     عبد القادر باينة " القضاء الإداري – الأسس العامة و التطور التاريخي " مرجع سابق ، ص 23

[19]  بوعزاوي بوجمعة " الاتجاه الحديث في رقابة القاضي الإداري على ممارسة السلطة التقديرية للإدارة " منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية ، سلسلة مواضيع الساعة ، عدد 47 ، 2004 ، ص 141

[20]  بوعزاوي بوجمعة " الاتجاه الحديث في رقابة القاضي الإداري على ممارسة السلطة التقديرية للإدارة " مرجع سابق  ص 143 

بقلم ذ علاءالدين الحاجي
طالب باحث بسلك ماستر القضاء الإداري - كلية الحقوق سلا
 


أعلى الصفحة