القانون المدني- المسطرة المدنية

بقلم ذ أحمد السكسيوي
باحث في سلك الدكتوراه، جامعة محمد الخامس، الرباط
تحت عدد: 349
يعتبر القضاء جهازا أساسيا في أمور الاقضية

 والنزاعات، ولما كان القضاء ضروري، فقد اعتنت به الشريعة الإسلامية وفقهاء الإسلام أيما عناية، و إن مدخل هاته العناية حرص الفقهاء على ولوج القضاء، وتحديدهم الأساسي للشروط والصفات.

 واليوم القضاء ببلاد المغرب أصبح مطلوبا مرغوبا فيه، وقد كان في زمان مضى يكلف به الإنسان، ولنا في كثير من قصص الفقهاء العبرة والدلالة العميقتين، فقد كانوا يحرصون على عدم قبول هذا التكليف الذي يكون من أولي الأمر، وهذا جوهر المقارنة، ووضع قضاء اليوم في ميزان الفقه الإسلامي. فقد كان فقهاء الإسلام صائبون في حرصهم الكبير على عدم تولي أمور القضاء، وفي هذا الأمر  عناية بولاية القضاء، فهو ليس سلطة يراد بها المظهر والعمل والأجر المادي، وإنما هو استخلاف البشر لله، والحرص على العدل بين البشر، والحكم بالعدل يقتضي العلم بالأمور، وهذا العلم يتطلب النضج والتجربة السنية، فقد كان علماء وفقهاء الإسلام ينكبون سنين طويلة في موضع من مواضع العلم لا ينفكون عن الأسفار وطلب العلم من أقطار الدنيا وبهذا يكون القضاء مساوقا لتجربة الشخص في طلب العلم.

واليوم القضاء في بلاد المغرب؛ غير مقرون بالسن والتجربة الطويلة، بل القضاة يختارون من بين من أجيزوا في علم القانون أو الشريعة أو تعمقوا في مجال القانون ما بعد الإجازة، دون مراعاة للسن والخبرة.

 وإذا ما اطلعنا على القضاء الإنجليزي والأمريكي على وجه المقارنة، نجده قد اعتنى بهذا المدخل الإصلاحي الذي اعتنى به الفقه الإسلامي قبلهم، فقضاتهم في نظامهم لا يختارون إلا من بين رجال القانون الذين خبروا المجال وتعلموا أصوله، فغالبا لا يقضي إلا من له خبرة في أمور المنازعات والأقضية(1)، وإذا بدأنا بتفحص عموم النظام الإنجليزي والأمريكي نجده قد تأثر بالفقه الإسلامي والمجال لا يتسع للإسهاب في مدى تأثير الفقه الإسلامي على النظام القانوني الانجلو سكسوني، وفي السوابق القضائية المعتمدة في النظام الأنجلوسكسوني مثال واضح الذي يشبه ما جرى به القول في المالكية من أقوال مرتبة إلى متفق عليه وما جرى به العمل والمشهور إلى غير ذلك من الأقوال.

والبحث في الفقه الإسلامي كالميزان للقضاء اليوم في بلاد المغرب -خصوصا فقهاء القضاء، والذين حاولوا أن يرسلوا للحكام ولأولي الأمر أن إصلاح القضاء أمر ضروري- يقود إلى ثلاثة مستويات من الإصلاح:

 إصلاح شخصي: شروط تولي القضاء، من علم وعقل وإجتهاد .. وغيرها من شروط ولاية القضاء؛

إصلاح مسطري: تسهيل الولوج للقضاء، وقربه من الرعية، فغالبا ما يقضي القاضي بالمسجد؛

إصلاح مؤسساتي: بإحترام القضاء وضمان هيبته ووقاره، ولنا في رسالة ابن تاشفين إلى قاضي الجماعة بقرطبة أبي عبد الله بن حمدين حجة ودلالة، وقد جاء فيها: "...وقد عهدنا إلى جماعة المرابطين أن يسلموا لك في كل حق تمضيه، ولا يعترضون عليك في قضاء تقضيه، ونحن أولا وكلهم آخرا مذ صرت قاضيا، سامعون منك، غير معترضين في حق عليك، والعمال والرعية كافة سواء على الحق..." (2).

فأما أول الأمور مما ذكر أعلاه، فيعتبر أهم مستويات الإصلاح، ومدخل لباقي الإصلاحات، فإذا صلُح شخص القاضي صلحت كل الأمور، أما إذا فسُد شخصه فسُدت المؤسسة. وأهم الأمور التي ركز عليها الفقهاء في رسائلهم الإصلاحية هي؛ اجتهاد القضاة، ومنع المقلد من ولوج القضاء.

وكانوا يعلمون أن زمانهم قل فيه الاجتهاد، وصار التقليد أساس الأحكام، فقد ذكر المازري هذا الرأي(3)، أن القاضي يجب أن يكون نظَّارا، وقد أبدى أسفه على مآل إليه زمانهم من كثرة التقليد، بحيث قال: "... هذه المسائل تكلم عليها العلماء الماضون لما كان العلم في اعصارهم كثيرا منتشرا، وشغل أهله بالإستنباط والمناظرة على المذاهب، وأما عصرنا هذا فإنه لا يوجد في الإقليم الواسع العظيم مفت نظَّار، قد حصّل آلة الإجتهاد، وإستبحر في أصول الفقه..."، وقد عرف ابن رشد الجد الاجتهاد القضائي بأنه هو: "... بذل الوسع في طلب صواب الحكم ..."(4)

والإجتهاد القضائي في هذا الزمان"... في جوهره تأويل للقاعدة القانونية المكتوبة، وهو من هذه الناحية يدخل في باب ابتكار القاضي للقاعدة القانونية (...) (ف)القانون الحي تصنعه المحاكم، وهذا يبرز أن ضرورة العمل القضائي تفرض ألا يحجر على المحاكم في تطوير اجتهادها .."(5)، إلا أن هذا المنطلق لم يعد معمولا به اليوم في قضاة بلاد المغرب، بل إن القضاء يطبق النص ولا جدال في أن تطبيق النص ليس عملا نمطيا، بل يحتاج من فهم النصوص ومحاولة تفسيرها إذا كانت غامضة، لذلك فالقاضي يجب أن يكون خبيرا بالمجال، والقاضي لا يجب أن يكون ناضجا فقط، بل يجب أن يكون نظارا، مطلعا على اللغة، ووضع القضاء اليوم في ميزان كل ما ذكرناه من نقول وإستدلالات يجعل القضاء الآن يعاني من غياب الوسائل وصناعة القضاء، وهذا يحتاج الخبرة في أمور كثيرة، مثل المحاماة أو مهن أخرى يحتك بها فيكتسب الخبرة ليولى بعد ذلك القضاء، ويكون أولا متعاملا مع النص بفهم ونباهة، وثانيا محاولا الاجتهاد إذا أمكنه ذلك، ثالثا إذا كان للنص القانوني لغة يكتب بها، فللحكم لغته أيضا التي يجب أن يكتب بها، ولا جدال في أن القاضي يجب أن يكون قادرا على كتابة الأحكام كتابة مقنعة، يُستعمل فيها المنطق ووسائل الإستدلال، وقد عرفه الأستاذ سعيد أحمد بيومي، في تعريف الحكم القضائي بأنه:" فصل في نزاع قضائي بين طرفين أو أكثر يصدر عن محكمة، أيا كان تشكيلها أو درجتها بالشكل المقرر قانونا " (6).

والحكم عند إبن منظور في اللغة: هو القضاء، وجمعه أحكام، وقد حكم عليه بالأمر، يحكم حكما وحكومة وحكم بينهم كذلك، والحكم مصدر قولك حكم بينهم يحكم، أي قضى (7).

وفي الفقه العربي يمكن استنتاج معنيين للحكم:

المعنى الأول: والحكم القضائي بحسب هذا المعنى، هو إعلان لفكر القاضي في استعماله لسلطته القضائية، وذلك أيا كانت المحكمة التي أصدرت الحكم وأيا كان مضمونه (8).

المعنى الثاني: يعرفه بأنه قرار صادر عن محكمة في خصومة قضائية بهدف الفصل فيها بالشكل المقرر قانونا (9).

وإشكالية الاجتهاد القضائي ترتبط في الفقه الأمريكي بقضية أخرى مرتبطة بسؤال هل القاضي حرفي أم رجل دولة، وهي إشكالية طرحها فقهاء فلسفة القانون الأمريكيون، خصوصا جيمس إ.بوند في هذا الكتاب الجدير بالقراءة حول فلسفة إصدار الأحكام. يمكن طرح النص الأتي من هذا الكتاب:

"...إن صفتا "الحرفيين" و"رجال الدولة"، هما صفتان أكثر دقة لمختلف أنماط القضاة الذين خدموا في المحكمة. فالحرفي القضائي يبحث في المقام الأول عن نص الدستور كدليل يسترشد به عند الحكم في القضايا، ثم في المقام الثاني عن فهم واضعي الدستور لذلك النص ... لكن في كثير من الحالات يجب أن يبحث خارج النص عن فهم واضعوا النص. وعلى الرغم من ذلك، فإن الحرفي يخصص اهتماما كبيرا للنص ذاته، ومع احتمال أنه سيقوم بفحص النص لغويا أكثر من إحتمال أن يفعل رجل الدولة ذلك..."(10)، يجد هذا التحديد الشكلي لدور القاضي عموما، تبريرات في الفقه الأمريكي، بحيث يدافع الأستاذ "جيمس إ. بوند" عن أن ضمان سيادة القانون والحكم الدستوري يتأتى بالقاضي الممارس لمهامه كحرفي المرتبط بالتقنية والشكلية، وهذا ما يظهر بشكل جلي في عديد من القوانين، بحيث أصبحت التقنية مقلصة لدور القضاء الإداري في الإنشاء.

وهذا الامر يخالف توجه الفقه الإسلامي في هذا الباب والذي كان حريصا على تولية العلماء والفقهاء المجتهدون، وإن التمعن في كلمة العلماء والفقهاء لا كثير من الدلالات التي تقود إلى أن القضاء في الأسلام أعظم في مرتبة، لأنه لا يقبل في كثير من الحالات إلى العلماء رغم ما كان لهذا الامر من نسبية في كتب الفقه الإسلامي، وهذا القول إذا اعتبرناه ميزانا ووضعنا فيه قضاء المغرب اليوم لما وزن شيئا.

واليوم يشهد القضاء على وجه العموم، والقضاء الإداري خصوصا، تراجعا حقيقيا للاجتهاد الصريح، وذلك بسبب ما تم طرحه، سابقا، فأصبح التشريع في العديد من الحالات يعاكس الاجتهاد القضائي، فالقضاء الإداري كثيرا ما يحاول تأصيل اجتهاد ما، لكن يأتي المشرع فيخالف ما تواتر عليه الاجتهاد القضائي، وهذا التراجع بسبب ظهور التقنية والشكلانية في القانون، وتأثر القاضي الأمور التقنية، المحددة نصا.

وعموما إن موضوع تأثير القضاء في القانون، من المواضيع التي اهتمت بها فلسفة القانون،  فقد طرح الأستاذ البريطاني"دينيس لويد" سؤالا مفاده:".. هل القضاة يصنعون القانون ؟ .."، ويجيب قائلا: "إن القضاء يتجنب توريط نفسه في إتخاذ القرارات، ذلك أنه في الحالات التي يتوفر فيها الشك يتحتم عليه الإختيار، فإنه يجب أن يبني اختياره على أساس التماثل المنطقي وليس على أساس شرعية خارجية "Extra-legel" كالغاية الإجتماعية أو الأخلاقية أو العدل أو الملاءمة ..." (11)

إن هذا الطرح له مرجعيته ومسبباته التي لا يمكن التسليم بها في كل الحالات التي تنبثق بمناسبة بت القاضي الإداري. فالاجتهاد القضائي وخصوصا اجتهاد القضاء الإداري مهم جدا لتقويم القانون، فالقانون في كثير من الحالات يحترم الشكلية ويسقط في النمطية وينتج عن هذا كله انحرافات واضحة، ومن لازم الخروج عن هذا النص ومخالفته، أو على الأقل ضبط هاته الانحرافات.

ومما يذكر أيضا في كتب فقهاء القضاء الإسلامي، التذكير بعسر القضاء على الرجال ولو كان عالما بفقه الفتيا، وحجة هذا التذكير ما جاء به الرهوني رحمه الله، نقلا عن قول ابن مرزوق جاء فيه: "...ولما ولي الشيخ الفقيه الصالح المحصل أبو عبد الله بن شعيب قضاء القيروان، ومحل تحصيله في الفقه وأصوله شهير، فلما جلس اليه الخصوم وفصل بينهم، دخل المنزل مقبوضا فقالت له زوجته ما شأنك فقال لها عسر علي حكم القضاء فقالت له رأيت الفتيا عليك سهلة، فاجعل الخصمين كمستفيين سألاك، قال (ابو عبد الله بن شعيب) فاعتبرت ذلك فسهل علي..."(12)

لكن هذه الاستدلالات والنقول يجب أن يتم أخدها بنسبية، فلا يمكن نفي أهمية الفقه، فمدخل القضاء هو الفقه، وطريقة البحث بين الفقيه والقاضي واحدة، بحكم الاتحاد بينهما في المسائل والوقائع وتنزيل الأحكام، لكن القضاء مختلف في منهجه الواقعي العملي عن المفتي الفقيه.

ويقول الحطاب في شرحه لخليل ما يلي:"...تجد الرجل يحفظ كثيرا من العلم ويفهم ويعلم غيره، فإذا سئل عن واقعة ببعض العوام من مسائل الصلاة او من مسائل الأيمان لا يحسن الجواب بل لا يفهم مراد السائل عنها الا بعد عسر..." (13)

وأيضا إذا وُزن قضاء المغرب اليوم بهذا الميزان السابق، فإنه لن يزن إلا الفراغ، فقد أصبح التطلع الشكلي التكسبي إلى القضاء أمرا يهمل الحرص على صفات القاضي الحقيقية، إن اللامعنى قد لف أمور القضاء لفا، وتم تقويض معانيه التي أسستها الشريعة الإسلامية وفقهاء الإسلام.

إن ما طرح في هذا المقال لا يسعى إلى تهديم القضاء بالمغرب ومكتسباته، وإنما تقويم ما أعوج منه في ضوء الفقه الإسلامي، الذي إذا تم قراءة ما كتب فيه لوجد دارسه الكثير من دلالات الإصلاح والتشديد في أمور الولوج إلى القضاء، ورسائل الإصلاح التي تم كتابتها من قبل فقهاء القضاء الذين خبروا المجال كابن عبدون في رسالة الحسبة والقضاء، وابن رشد الجد في المقدمات الممهدات، أخرون دليل على تكلمهم عن علم، أما اليوم فإن إصلاح القضاء مرهون بالابتعاد عن السياسة وأمورها أو الهروب من فخ وهم الإيديولوجيا السياسية، حتى يكون الإصلاح ظاهرا جليا، غير محجور عليه.

هوامش المقال:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لتوسع يراجع: مايكل دجاي فريدمان، موجز النظام القضائي الأميركي، الصادرة عن وزارة الخارجية الأمركية، منشور في الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية:

http://iipdigital.usembassy.gov/st/arabic/texttrans/2008/09/20080917144821bsibhew0.474209.html#axzz4PEsMw1es

(2) أورد هذه الرسالة: سعيد بنحمادة ومحمد البركة، مشاريع إصلاح القضاء بالغرب الإسلامي ما بين القرنين 6 هـ - 8 هـ، 12 م - 14 م، مقاربة تاريخية لآثار العدل في إقامة العمران، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2014.

(3) أشار إليه إبن فرحون، تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، دار عالم الكتب للنشر والتوزيع، سنة النشر: 1423 – 2003.

(4) إبن رشد، المقدمات والممهدات، تحقيق محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1988، ص. 264.

(5) وقد ذكر هذا الأستاذ عبد المجيد خميجة، الأمن القانون وضرورة الأمن القضائي، مقال منشور بمجلة الحقوق المغربية، العدد السابع، السنة الرابعة، 2009، ص. 50-51.

(6) سعيد أحمد بيومي، لغة الحكم القضائي، دراسة تركيبية دلالية، مكتبة الأداب، القاهرة، الطبعة الأولى، 2007، ص: 18.

(7) إين منظور، لسان العرب، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثالثة، ص: 500.

(8) فتحي والي، الوسيط في القضاء المدني، المطبعة غير مذكورة، 1998، ص: 615.

(9) محمود محمد هاشم، إجراءات التقاضي والتنفيذ، الرياض، الطبعة الأولى، 1989، ص: 190.

(10) جيمس إ. بوند، أساس إصدار الأحكام، ترجمة: هبة نايف مرسى، الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية، الطبعة الأولى 1998، ص. 21.

(11) دينيس لويد، فكرة القانون، سلسلة عالم المعرفة، العدد 47، 1981، ص. 311

(12) الرهوني، حاشية الرهوني على شرح الزرقاني على خليل، دار الفكر، عن الطبعة المصرية الأولى، 1308 ه، ج 7، ص. 287.

(13) اورد هذا الرأي الاخير للحطاب: عبد الرحمان بلعكيد، شرح لامية الزقاق في صناعة القضاء، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط1، 2015، ص. 42 

بقلم ذ أحمد السكسيوي
باحث في سلك الدكتوراه، جامعة محمد الخامس، الرباط
 


أعلى الصفحة