القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ حسن جابر
نائب رئيس المحكمة الابتدائية الزجرية بالدار البيضاء
تحت عدد: 82
لا قيمة للإبداع بدون حرية، و لا قيمة للتقدم بدون تحقيق المزيد من الحرية، و تزداد أهمية الحرية قيمة و مكانة حينما تقترب من الصحافة و ترتبط بها باعتبارها إحدى وسائل التعبير عن الرأي، تكشف عن النقص النفسي في المجتمع و همزة الوصل بين الحكام و المحكومين، ووسيلة من وسائل الرقابة غير المباشرة على من يتولى تسيير و إدارة الشأن العام.

و يفترض في عمل رجال القضاء، أن يتحروا التكتم و السرية وواجب التحفظ حفاظا على هيبة القضاء ووقاره، وضمانا لحسن سير العدالة.

إذ في حقيقة الأمر تبرز قيمة الحرية لدى الإعلامي من جهة، و قيمة العدل لدى القضاء من جهة أخرى و هما أغلى ما يمكن أن يعتز بهما المجتمع، و لا يمكن تصور وجود تعارض أو تصادم بينهما،   و هذا ما يفرض أكبر  قدر  من  التآزر      و التفاهم و التكامل بينهما.

و حرية الصحافة ليست بالمطلقة، و تتمثل حدودها بما سطره القانون، إذ الأمر لا يتعلق بقيود في صورتها السلبية، و إنما بالحدود القانونية لحرية الإعلام لما يحميه القانون ذاته من حقوق أخرى و مبادئ أسمى، لا تقل دستورية من الحق في الإعلام في التعبير.

و سوف نتناول في هذه الورقة، القيود القانونية التي ترد على حرية الإعلامي أثناء التغطية في المادة الزجرية.

و سوف نتناول هذا الموضوع في مبحثين:

المبحث الأول: التغطية الصحفية أثناء مرحلة المحاكمة.

المبحث الثاني: التغطية الصحفية في مرحلة البحث و التحقيق.


المبحث الأول: التغطية الصحفية أثناء مرحلة المحاكمة.

- يحق للإعلامي أن ينشر جميع الوقائع التي تروج أثناء البحث و المناقشة أمام جلسة الحكم، كما يثبت له الحق في تصوير و تسجيل و التقاط جميع ما يروج خلاله، و لقد حدد المشرع لممارسة هذين الحقين مجموعة من الحدود:

1) حق الإعلامي في التغطية الصحفية أثناء الجلسة:

يدخل حق الإعلامي للتغطية الصحفية ما يروج في الجلسة في حق التعبير من جهة و حق المواطن في الإعلام من جهة ثانية امتدادا لمبدأ علانية المحاكمات الجنائية.

و يفيد هذا المبدأ في دلالته حق الإعلامي بشكل عام في تغطية جميع الوقائع التي توفرها قاعة جلسة الحكم و ما يثار من نقاشات بخصوص أدلة الإثبات  و مختلف الدفوع القانونية و الرد عنه من طرف أطراف الدعوى العمومية و عوارض الجلسة المسطرية إلى حين النطق بالحكم و التعليق عليه.

و يعرف حق الإعلامي في النشر لمجموعة من الحدود تقع تحت طائلة التجريم و العقاب في  مخالفته كالآتي:

الاستثناء الأول: يمنع نشر تحقيق أو تعليق أو استطلاع للرأي بشخص تجرى في حقه مسطرة قضائية بصفته متهما أو ضحية دون موافقة منه، سواء كان معينا باسمه أو بصورته أو يمكن التعرف عليه من إشارات أو رموز استعملت في النشر.

و لقد حدد المشرع عقوبة مخالفة هذا المقتضى في غرامة تتراوح ما بين خمسة آلاف درهم و خمسين ألف درهم.(م 303/3 من ق م ج).

الاستثناء الثاني: يمنع نشر وثائق الاتهام و غيرها من الوثائق المتعلقة بالمسطرة الجنائية أو الجنحية قبل مناقشتها في جلسة عمومية.

إذ يحق للصحفي نشر جميع وثائق ملف جنائي لمجرد الانتهاء من مناقشتها ولو قبل النطق بالحكم في القضية.

و تتراوح العقوبة في حالة النشر بغرامة تتراوح ما بين خمسة آلاف درهم و خمسين ألف درهم (ف 54/1 من ق ص).

الاستثناء الثالث: يمنع نشر صورة شمسية و منقوشات و رسوم و صور الأشخاص تكون الغاية منه التشهير و التشخيص الكلي أو الجزئي لظروف جناية أو جنحة في بعض الأحوال الخاصة، كقتل الأصول والفروع أو التسميم أو المس بالأخلاق و الآداب العامة و تكون العقوبة  عند الإخلال بهذا المنع هو الغرامة من خمسة آلاف درهم و خمسين ألف درهم ( ف 54/ 2 من ق ص).

 

و تنتفي الصفة الجرمية على النشر إن أذن بها القاضي المكلف بالتحقيق شريطة أن يتم ذلك بناء على طلب كتابي.

الاستثناء الرابع: النشر بغير أمانة و عن سوء نية لكل ما جرى في الجلسات العلنية للمحاكم.

و تكون العقوبة عن المخالفة في هذه الحالة تتراوح ما بين 1.200,00 إلى 30.000,00 درهم.

 

2) حق التصوير و التسجيل و التقاط ما يروج بالجلسة:

يفيد هذا الحق مكنة تشريعية بموجبه يمكن للإعلامي تصوير و تسجيل و التقاط جميع الأبحاث و المناقشات التي تعرفها أطوار المحاكمة الجنائية.

و لتدبير هذا الحق و إدارته مكن المشرع لرئيس الجلسة أن يأذن بذلك بعد أخذ رأي النيابة العامة بناء على طلب.

و نطاق ممارسة هذا الحق في التصوير و التسجيل و الالتقاط لا يمتد إلى تصوير المتهم المعتقل أو المصفد أو المقيد ما لم يقبل ذلك.[1]

و يتعطل حق الإعلامي في النشر من جهة و التصوير من جهة أخرى كل ما مرة كانت الجلسات سرية.

و تكون جلسة الحكم سرية خلافا لقاعدة العلنية كلما أمر القاضي رئيس الجلسة بخلاف ذلك.و خاصة إذا كان في علنية الجلسة خطر على الأمن أو على الأخلاق أو أصدر مقررا بجعل الجلسة سرية.( م 302 من ق م ج ).

و قد تكون السرية بمقتضى القانون في أحوال معينة و منها قضايا الأحداث و سوف نتناولها في شق مستقل.

3) سرية المحاكمات في قضايا الأحداث.

قرر المشرع مبدأ سرية المسطرة من بدايته إلى نهايته في قضايا الأحداث لاعتبارات اجتماعية و سيكولوجية.

و يجد الصحفي نفسه مقيدا كلما تعلق الأمر بقضايا الأحداث و يتجلى ذلك فيما يلي:

يمنع نشر أي بيانات عن جلسات الهيئات للأحداث في الكتب و الصحافة و الإذاعة و أية وسيلة أخرى.

يمنع تصوير أو رسم يتعلق بهوية و شخصية الحدث الجانح.

و يعاقب بمخالفة هذا المقتضى بغرامة تتراوح ما بين 10.00,00 و 50.000,00 درهم ما لم تكن العقوبة أشد في حالة و جود نص آخر.

و في حالة العود تكون العقوبة سالبة للحرية من شهرين إلى سنتين شريطة أن تقع الجريمة داخل أجل سنة من صدور حكم مكتسب لقوة الشيء المقضي به.

و خرق الصحفي لسرية المحاكمة في قضايا الأحداث تمكن قاضي الأحداث من اتخاذ التدابير التالية:[2]

منع و توقيف وسيلة النشر، صحافة، جريدة، أو نشرة ، لمدة لا تتجاوز  30 يوما.

الأمر بمصادرة أو إتلاف المطبوع كليا أو جزئيا أو منع عرضه أو بيعه أو توزيعه أو إذاعته أو بثه أو تداوله.

و استثناء من هذه القاعدة المانعة للصحفي ما يلي:

 

1-              مكنة نشر الحكم من غير تبيان اسم الحدث ولو بالأحرف الأولى لاسمه أو رسوم أو صورة أو أية إشارة أخرى من شأنها التعريف به.

 

2-              مكنة نشر بعض المعلومات المتعلقة بالحدث الذي انقطعت صلته بأسرته قصد تسهيل العثور عليه، و هذه المكنة مقررة للمسؤول عن مركز حماية الطفولة بعد إذن قاضي الأحداث.

يتضح مما سبق الإطار القانوني لحدود صلاحيات الإعلامي في التغطية الصحفية أثناء المحاكمة. فما هو الوضع بشأن إجراءات البحث و التحقيق ؟

 

المبحث الثاني: التغطية الصحفية في مرحلة البث و التحقيق.

 

إذا كان من حق الإعلامي أن ينشر الخبر بخصوص وقائع مادية تأخذ صبغة الوصف الجرمي من ارتكابه مرورا بالبحث و التحقيق، فيشترط أن يكون هذا النشر عاما و مجردا من غير إشارة أخرى من شأن التعريف بالواقعة موضوعا و أشخاصا، إذ يتقيد عمل الإعلامي بقاعدة سرية البحث و التحقيق المنصوص عليه في المادة 15 من قانون المسطرة الجنائية.

و تفيد قاعدة سرية، البحث و التحقيق ضمن ما تفيد من منع الإعلامي من نشر أو كشف أو إفشاء أو إبلاغ كل واقعة أو وثيقة من شأنها أن تعرف بالواقعة موضوع البحث التمهيدي أو التحقيق، لأن من شأن هذه الأفعال أن تتعارض و الغايات التي توخاها المشرع من إقرار مبدأ سرية البث و التحقيق.

و لم يرد المشرع المغربي أي استثناء على قاعدة سرية البحث و التحقيق خلاف القانون الفرنسي حيث يحق للنيابات العامة – وكلاء الجمهورية- من إصدار بلاغات بشأن بعض الوقائع التي تكتسب أفعالا جرمية و تمس الرأي العام و ذلك درءا لكل مغالطة أو إشاعة.

و تتسم هذه البلاغات بالخصوصية التالية:

- العمومية و التجرد

- لا يتم ذكر أسماء المشبوه فيهم و لا الموضوعين تحت الحراسة النظرية مع إمكانية ذكر عددهم.

و لقد أبانت الممارسة العملية عندنا في المغرب قيام بعض النيابات العامة بإصدار بلاغات تهم متابعات جنائية تزف إلى الرأي العام و سمتها العموم و التجرد.

و دأب العمل القضائي على أن مثل هذه البلاغات السابقة أو المصاحبة لإجراءات البحث و التحقيق ليس من شأنها أن تمس الإجراءات المسطرية و لا بطلان المحاضر المنجزة على أساسها و لا الأحكام الصادرة في شأنها.

و مما لا شك فيه أن من شأن هذه الممارسة أن تفتح باب المساءلة التأديبية لكنها تكيف في أغلب الأحيان و ترقى إلى مطاف أعمال السيادة التي يهدف منها تحقيق السلم المجتمعي.

و تكمن مؤيدات مبدأ السرية في مرحلة البحث و التحقيق فيما يلي:

1-              عدم التأثير على البحث و جمع الأدلة و الحجج في محاولة للتوفيق بين حق المشتبه فيه من جهة و حق المجتمع في إنزال العقوبة على كل من سولت له نفسه أن يخالف مقتضيات القانون الجنائي.

2-               تعزيز قرينة البراءة حيث الأصل الإباحة، و تستمر هذه القرينة إلى أن توجد وقائع أدلة و قرائن من شأنها أن تهدمها، و يحال بعدها المتهم بها أمام قاضي الحكم بوصفه الفاصل بين الطرف السلبي والإيجابي في الدعوى العمومية.

و ما تأكيد السرية في مرحلة التحقيق إلا تأكيدا لقرينة البراءة عملا بالقاعدة الشرعية إن خطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة.

فما علاقة الإعلامي بمبدأ السرية ؟

الأصل أن الصحافي لا يدخل ضمن الأشخاص الملزمين باحترام مبدأ السرية بوصفهم فاعلين أصليين مثل عناصر الضابطة القضائية و قضاة النيابة العامة و قضاة التحقيق، و المحامون و الأطباء و الخبراء و التراجمة، ما لم يكن شاهدا أو مصرحا في محضر البحث أو التحقيق و هي هذه الحالة يسأل بصفته تلك لا بصفته صحافيا.

و لا يمكن مساءلة الصحفي عن خرق السر المهني لأنه غير مشمول ضمن من تم ذكرهم حصرا في الفصل 446 و 447 من القانون الجنائي. وان كان القضاء الفرنسي يسيرفي اتجاه اعتبار الصحفي مشاركا في جريمة خرق السر المهني لا هو مضمن في قرار محكمة النقض الفرنسية بتاريخ 13/5/1991 والمحكمة الابتدائية الكبرى بباريس في حكمها الصادر بتاريخ 05/07/1996 . وفي اعتقادنا فإن أخطر فعل يمكن أن يتابع الإعلامي أثناء البحث والتحقيق هو ما تضمنه مقتضيات المادتين 61 و105 من قانون المسطرة الجنائية .

1-              في مرحلة البحث التمهيدي:

إذا أقبل الصحفي على إبلاغ أو إفشاء لوثيقة وقع الحصول عليها في تفتيش إلى شخص ليست له صلاحية  للإطلاع عليها دون موافقة المشتبه فيه أو ذوي حقوقه، ولو لفائدة البحث تكون العقوبة سالبة للحرية من شهر إلى ستة أشهر و غرامة من 1.200,00 إلى 2.000,00 درهم.

2-              في مرحلة التحقيق:

يعاقب على نفس الفعل  كما هو الشأن بالنسبة لمرحلة البحث إذا تعلق الأمر بالإبلاغ أو الإفشاء و النشر إلا صيغة من صيغ الإفشاء كانت العقوبة من شهرين إلى سنتين و غرامة من 5.000,00 إلى 50.000,00 درهم.

لقد حاولنا من خلال ما سبق أن نلامس الحدود القانونية للتغطية الصحفية في المادة الزجرية من مرحلة البحث التمهيدي مرورا بالتحقيق إلى النطق بالحكم.

و نتساءل في الأخير ألا يعتبر تشخيص الجريمة في مسرح الجريمة وحضور وسائل الإعلام والعموم بممارسة ضبطية تقع خارج كل ضابط قانوني و خارق لمبدأ سرية البحث ؟.



1-      [1]لا يكفي إذن رئيس الجلسة بالتصوير المتهم المعتقل أو المصفد أو المقيد من غير إذن  هذا الأخير لذا يستحسن أن يشعر المتهم بحقه في رفض تصويره من غير إذنه و كذا إشعار الصحفي بعدم أحقيته في تصوير شخص المتهم المعتقل دون موافقته تحت طائلة التجريم و العقاب.

[2]تجدر الملاحظة  أن الصلاحيات التي خولها المشرع لقاضي الأحداث و أنكرها على غيره من قضاة المادة الزجرية تكريسا للطابع الجنائي التشريعي لهذا الصنف من الجانحين.

 

بقلم ذ حسن جابر
نائب رئيس المحكمة الابتدائية الزجرية بالدار البيضاء
 


أعلى الصفحة