القضاء الاجتماعي

بقلم ذ يونس الجزولي
باحث في التربية والدراسات الإسلامية وعلم الاجتماع
تحت عدد: 685
يمكن أن أقول في بداية هذا المقال ودون مواربة، أن ثنائية الهوية والتنمية في اللغات تعد من بين أعقد الإشكالات في دائرة نقاش تدبير الشأن اللغوي ببلادنا لوجود علاقة تفاعلية بين نسق الهوية

والسياسة التنموية، بين من يعتبر لغات الهوية أداة رئيسة لولوج اقتصاد المعرفة، وبين معارض لهذا الطرح بحجة أن اكتساب اللغات الأجنبية المهيمنة على عالم العلوم والتكنولوجيا حاليا هو الباب لولوج سوق الشغل ومفتاح اللحاق بركب التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ولعل المقاربة الأولى لهذا الموضوع ينبغي أن تكون قانونية أي تستند أولا إلى الوقوف عند تحليل أسمى قانون في البلاد في فصوله التي اهتمت بهذا الجانب. وبعد قراءتنا الفاحصة لدستور 2011، وجدنا أنه تناول القضية اللغوية في بعدها الهوياتي والتنموي في التصدير(الديباجة) وفي الفصل الخامس منه على النحو التالي:
في التصدير:
تم التنصيص على الهوية المتعددة الثقافات من خلال تحديد العناصر المكونة لهوية المملكة المغربية عقديا وإثنيا وعرقيا وحضاريا.

"المملكة المغربية دولة إسلامية، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية–الإسلامية والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية، كما أن الهوية المغربية تتميز بتبوإ الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها وذلك في ظل تشبت الشعب المغربي بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية جمعاء". 1

وكما يتضح، فالدستور الجديد جعل عناصر التعدد الهوياتي تجمع بين الأبعاد الجغرافية والإثنية والتاريخية، وباستحضار لكل الأطراف التي ساهمت في صياغة وجوده. بل الأكثر من ذلك فقد نص التصدير على الهويات والروافد السبعة بما فيهم الأقليات كالمغاربة اليهود والأندلسيين، حين اعترف بالرافدين العبري والأندلسي في الهوية الوطنية.

في الفصل الخامس:
"تظل العربية اللغة الرسمية للدولة. وتعمل الدولة على حمايتها وتطويرها، وتنمية استعمالها".
تعد الأمازيغية أيضا لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة، بدون استثناء يحدد قانون تنظيمي مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وكيفيات إدماجها في مجال التعليم، وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية، وذلك لكي تتمكن من القيام مستقبلا بوظيفتها، بصفتها لغة رسمية.

تعمل الدولة على صيانة الحسانية، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الهوية الثقافية المغربية الموحدة، وعلى حماية اللهجات والتعبيرات الثقافية المستعملة في المغرب، وتسهر على انسجام السياسة اللغوية والثقافية الوطنية، وعلى تعلم وإتقان اللغات الأجنبية الأكثر تداولا في العالم؛ باعتبارها وسائل للتواصل، والانخراط والتفاعل مع مجتمع المعرفة، والانفتاح على مختلف الثقافات، وعلى حضارة العصر.

يُحدث مجلس وطني للغات والثقافة المغربية، مهمته، على وجه الخصوص، حماية وتنمية اللغات العربية والأمازيغية، ومختلف التعبيرات الثقافية المغربية، تراثا أصيلا وإبداعا معاصرا، ويضم كل المؤسسات المعنية بهذه المجالات، ويحدد قانون تنظيمي صلاحياته وتركيبته وكيفيات سيره."2

وبالرجوع إلى الفصل الخامس من الدستور نسجل ما يلي:
التنصيص على حماية اللغة العربية:
يشير النص الدستوري إلى أن اللغة العربية اللغة الرسمية و من واجب الدولة حمايتها وتطويرها وتنمية استعمالها، مما يشكل إشارة إلى دور السلطة الإدارية والتربوية في النهوض بمكانة اللغة العربية باعتبارها المكون الأبرز في الهوية الوطنية.

ترسيم الامازيغية:
هذا الفصل من الدستور الجديد حسم في الجدل الذي أثير حول ترسيم اللغة الأمازيغية، فقد استطاعت الفعاليات الأمازيغية في البلاد من كسب رهان ترسيم اللغة الأصلية لأول شعب استقر بالمغرب تاريخيا، بيد أن التحدي الأكبر يكمن في مدى قدرة هذه اللغة في اقتحام المجال العام والميدان التربوي والبيداغوجي على الخصوص.

فخلافا لكل الدساتير السابقة، تم الاعتراف لأول مرة بالأمازيغية كلغة رسمية للبلاد الى جانب اللغة العربية: " تعد الأمازيغية أيضا لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة، بدون استثناء".3

ويوفر هذا الفصل حماية قانونية للغة للأمازيغية من خلال التنصيص على إصدار قانون تنظيمي سيحدد "مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وكيفيات إدماجها في مجال التعليم، وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية، وذلك لكي تتمكن من القيام مستقبلا بوظيفتها، بصفتها لغة رسمية".4
كما يوفر هذا الفصل حماية للغات على المستوى المؤسساتي من خلال التنصيص على إحداث مجلس وطني للغات والثقافة المغربية سيعمل على حماية وتنمية اللغات العربية والأمازيغية، ومختلف التعبيرات الثقافية المغربية. وقد طال انتظار صدور القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للغات والثقافة المغربية الذي ستوكل إليه مهمة وضع استراتيجية وطنية لإعادة ترتيب المشهد اللغوي وتنظيم الفوضى اللغوية ببلادنا.

التنصيص على اللهجات:
لم يغفل الدستور الجديد مسألة اللهجات فهي مكونات ثقافية تعمل الدولة على حمايتها وجعل أهم وظائف الدولة "صيانة الحسانية باعتبارها جزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية المغربية الموحدة، و على حماية اللهجات والتعبيرات الثقافية المغربية". 5
اللغات الأجنبية:
دعا الدستور الجديد إلى الانفتاح على اللغات الأجنبية الأكثر تداولا في العالم، وهي حسب منطوق الدستور ومضمونه، أداة "للعلم" و"المعرفة" و"الانفتاح" وهنا يتضح بجلاء البعد التنموي للغات الأجنبية، مع عدم تحديد تراتبية هذه اللغات حسب الأهمية والوظيفة. بل جعل الغاية من اكتسابها التواصل مع الآخر والانخراط في مجتمع المعرفة والانفتاح على الثقافات والحضارات المختلفة.

هكذا حاول الدستور المغربي اللجوء إلى منطق التوافقات في تدبيره للقضية اللغوية مكرسا البعد الهوياتي من خلال التنصيص على لغتين رسميتين للبلاد، وعلى روافد ثقافية متعددة شكلت تاريخ الإنسان المغربي، مع الانفتاح على اللغات الأجنبية الأكثر تداولا في العالم باعتبارها أدوات أساسية لولوج عام التقانة واقتصاد المعرفة.

المراجع:
الدستور المغربي 2011
1-الدستور المغربي 2011
2- الفصل 5 من دستور 2011.
3-الفصل الخامس من دستور 2011.
4- نفس المرجع السابق.
5- نفس المرجع السابق.

بقلم ذ يونس الجزولي
باحث في التربية والدراسات الإسلامية وعلم الاجتماع
 


أعلى الصفحة