القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ محمد البكوري
الدكتور في القانون باحث في الحكامة و المجتمع المدني
تحت عدد: 386
إن تكيف أية مؤسسة هو قدرتها على المواءمة

 المستدامة مع التطورات في البيئة التي تعمل في دواخلها، وذلك من خلال حرص المؤسسة على صياغة  معايير  ثابتة  من جهة،  ومرنة من جهة  ثانية،  قابلة للتعديل  بشكل دائم ومستمر، كلما كانت هناك عوامل وتطورات  محفزة على  التبدل  الآني والفعال. إذ كلمـا كانت المؤسسة قادرة على التكيف، كانت أكثر فاعلية، لأن الجمود يؤدي إلى تضاؤل أهميتها، وربمـا القضاء عليها، هذا مع الإشارة  إلى كون  فعالية المؤسسات  تختلف مستوياتها  باختلاف  المجتمعات وحسب  درجات تطورها  وأنماط الأنظمة  السائدة فيها، كما يمكن أن  تتباين  داخل المجتمع الواحد، والذي يمكن أن يتسم  بخاصيتي التنوع والتعدد في الاتجاهات والتيارات والأفكار والمذاهب والنحل...                      ثمة أنواع للتكيف هي:

- التكيف الزمني: إذ كلما طال وجود المؤسسة لفترة طويلة، كلما ازدادت درجة مأسستها.

- التكيف الجيلي: يقصد به القدرة على الاستمرار مع تعاقب الأجيال على قيادتها، فكلما ازدادت درجة تغلب المؤسسة على مشكلة الخلافة سلميا، وبشكل رضائي وإبدال مجموعة القادة بمجموعة أخرى، أي الحرص على التدوال في السلطة القيادية وجعلها تتم بطريقة سلسة ،  ازدادت درجة مأسستها، ومثل ذلك يدل على مرونة  المؤسسة في مواجهة متطلبات التطور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي.

- التكيف الوظيفي: يقصد به قدرة المؤسسة على إجراء تعديلات في أنشطتها للتكيف مع الظـروف المستجدة وإبعادها على أن تكون مجرد أداة لتحقيق أغراض معينة ومحددة على سبيل  الحصر.     

  هكذا، تمثل مختلف أنماط التكيف مداخل أساسية لبناء المواءمات الضرورية مع الواقع  المعاصر"العنيد"  الموسوم  بتمظهرات شتى من التعقيد والتشابك. واقع يعلن عناده يوما بعد يوم من منطلق تسارع  الأحداث المؤثرة  في حركية ودينامية المؤسسات الفاعلة فيه.                                                                  من ناحية أخرى، يبدو من الصعب التأكيد، على كون كل  المؤسسات الجمعوية لها من القدرة  على التكيف بنفس النزر. إذ يمكن أن نجد بعضها لايسعى إطلاقا  إلى التكيف مع الواقع، بالقدر  الذي يسعى فيه إلى فرض أمره على هذا الواقع في حد ذاته،  وهو ما يتجسد في بعض أنواع من التنظيمات الجمعوية،  والتي يأتي على رأسها  نوع "الجمعيات بحكم الواقعAssociations de fait  "،  وهي الجمعيات  التي لم تتمكن  من الحصول على الإعتراف القانوني بها،  بيد أنها في المقابل – وكأنه تحدي صريح للإجراءات  المسطرية- تلجأ إلى ممارسة أنشطتها في  مختلف فضاءات الحيز العام.  ومن ثم،  فهي تصبح موجودة  بقوة الواقع.                            

    أما بخصوص  تجليات القدرة على التكييف بالنسبة للمؤسسات الجمعوية، فيمكن  الوقوف على بعضها  من خلال الأمثلة التالية :

-تكييف القرارات المتخذة على صعيد هياكلها التدبيرية وجعلها مواكبة  للمستجدات الطارئة. 

–تكييف قضايا ومجالات اشتغالها وجعلها موائمة مع متطلبات  الفئات المستهدفة من أنشطتها. 

  - الحرص على تعديل القوانين الأساسية والداخلية وفق المتغيرات  التي يمكن أن تحصل في كل وقت وحين.

     - الرفع من وتيرة الجموع العامة التجديدية  وجعلها  مدرسة  متجددة تغرس روح التطوع في صفوف منخرطين جدد.                                                                                                    

 - اضفاء  المزيد من  النجاعة على تدخلات  المؤسسة الجمعوية.

  إن معطى تكيف التنظيمات الجمعوية يظل  من وجهة نظرنا  خاضعا لضوابط  منهجية  بالأساس،  تشكل خطوات استرشادية يمكن  التوسل بها  لخلق الظروف المواتية  لتكيف أفضل  يحقق الأهداف   المتوخاة  منه بكل سلاسة ومرونة،  ومنها :                                                                    

     -القدرة على  ادماج مختلف  المواءمات بين  سائر  مكونات الحكامة  في كل واحد وبوتقة جامعة،  مع  الإيمان  بجدوائية العمل  التشاركي في هذا الصدد.                                                 

   –مراعاة مايمكن تسميته  بمبدأ "الغائية القصوى"-نقصد بهذا المبدأ أن كل مؤسسة، حتى وإن رسمت في رؤاها الاستشرافية مجموعة من الأهداف ستسعى جاهدة إلى تحقيقها،  فإنها تظهر أو تضمر،  كرها  وطوعا،  هدفا ساميا  أو غاية  فضلى،  تظل هي  جوهر تأسيس هذه المؤسسة.  ومن ثم يتبلور لكل تنظيم،  ومنذ اللحظة  ماقبل التأسيسية،  "غائية قصوى"،  يتم استحضارها  من قبل الأطراف المؤسسين،  والذين غالبا ما يعمدون إلى  تضمينها  إبان مرحلة التأسيس في الأهداف المسطرة  في القانون الأساسي،  ولكن بشكل مشتت وخفي.

إنه بتطبيق  معيار التكيف على المؤسسات المدنية في الوطن العربي يلاحظ أحمد شكر الصبيحي ("مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي". سلسلة مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2000،  ص: 3). ملاحظتين:

1- كون عدد كبير من المؤسسات  المدنية في الوطن العربي تتسم بطابع المرحلية، إذ تختفي بعد فترة قصيرة على تأسيسها، هذا بالإضافة إلى ارتباط المؤسسة بشخص واحد بيده كل المسؤوليات مما يضع قيود شديدة على إمكانية استمـرار المؤسسة بعد اختفائه.

2- إخفاق العديد من مؤسسات المجتمع المدني ليس فقط في تكييف أساليبها، وإنما أيضا في القيام بوظائفها الأساسية.

وعموما، فالقدرة على التكييف أو المواءمة هي إحدى المعايير الأساسية والخصائص المميزة للمأسسة المتطورة والمتعلقة بالتنظيمات المدنية.

 

بقلم ذ محمد البكوري
الدكتور في القانون باحث في الحكامة و المجتمع المدني
 


أعلى الصفحة