القانون العام

بقلم ذ خليل سعدي
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري
تحت عدد: 259
مكنت الوثيقة الدستورية لسنة 2011 المواطنين من المشاركة في صناعة القرار العمومي عبر مجموعة

من الآليات والميكانزمات، في سياق عالمي تراجعت فيه الديمقراطية التمثيلية لصالح الديمقراطية التشاركية باعتبارها آلية مثلى لتفعيل مساهمة المواطنين في مسلسل صنع القرار العمومي، وذلك على نحو يعزز الثقة والتعاون بين الدولة ومختلف مؤسساتها من جهة، والمواطنات والمواطنين من جهة ثانية، لإيجاد الحلول المناسبة للمشاكل المطروحة على مستوى مختلف القطاعات العمومية تصورا وتدبيرا وتقييما وتدقيقا.

ومن بين هذه الآليات نجد حق تقديم الملتمسات في مجال التشريع[1] والحق في تقديم العرائض إلى السلطات العمومية[2]، وبالإضافة إلى هاتين الآليتين للمشاركة المواطنة، هناك آلية أخرى مهمة تتمثل في آلية التشاور العمومي التي تعد بعدا أساسيا من أبعاد الديمقراطية التشاركية من خلال عمليات التواصل المنتظم والحوار المؤسساتي  بين السلطات العمومية  والمواطنات والمواطنين ومنظمات المجتمع  المدني ومختلف الفاعلين الاجتماعيين حول مختلف القرارات والسياسات والبرامج والمشاريع  والمخططات التي تمس الحياة العامة للمواطنات والمواطنين، والمتصلة بحقوق المواطنين وأهداف التنمية البشرية المستدامة، و مختلف الخدمات العمومية محلياً وجهويا ووطنيا[3].

ومما سبق، هل تؤسس الديمقراطية التشاركية فعلا هندسة جديدة للسلطة تضمن انخراط المجتمع المدني ؟ وعليه سنحاول رصد الآليات الدستورية المخولة للمجتمع المدني في إعداد وتقييم السياسات العمومية ، وبعدها إلى معوقات التنزيل الواقعي لمبدأ هذه المشاركة.

1-    الآليات الدستورية لمشاركة المجتمع المدني في إعداد وتقييم السياسات العمومية:

 

أولا لابد من الإشارة إلى أن الدستور المغربي الجديد نص على جملة من الآليات تساهم في تعزيز أدوار المجتمع المدني في الشأن العام والمحلي، هذه الآليات تضمنتها الفصول 12 و13 و14 و15.

ومن بين هذه الآليات نجد ما نص عليه الدستور المغربي في الفصل 14 حيت أكد على أحقية المواطنات والمواطنين في تقديم ملتمسات في مجال التشريع، والتي تعد من أهم مرتكزات الديموقراطية التشاركية وإحدى ضمانات المشاركة العمومية في الحياة العامة، وكذا مؤشرا من مؤشرات إعادة تنظيم العلاقة بين المواطن والدولة.

والملاحظ أن المشرع الدستوري لم يؤكد بشكل صريح على دور الجمعيات في ممارسة هذا الحق، إلا أنها يمكن ممارسة هذا الحق بواسطة أعضائها كأشخاص عاديين في تقديم الملتمسات بصفتهم مبادرين أو في إطار لجنة الملتمس التي تعمل على جمع التوقيعات والتواصل مع السلطات المختصة، كما يمكنها أن تلعب دور الوساطة بين الساكنة والدولة لما تتوفر عليه من إمكانات وقدرات تعزز من دورها في المشاركة في إعداد وتنفيذ وتقييم السياسات العمومية.

كما تضمنت الوثيقة الدستورية آلية أخرى تنص على حق المواطنين والمواطنات في تقديم عرائض إلى السلطات العمومية، حيث جاء في الفصل 15 من الدستور: " للمواطنين والمواطنات الحق في تقديم عرائض إلى السلطات العمومية ويحدد قانون تنظيمي شروط وكيفية ممارسة هذا الحق "، ومرة أخرى لم ينص الفصل الدستوري أعلاه على دور المجتمع المدني في تقديم العرائض للسلطات العمومية، لكن نظرا لقربه من الساكنة والإمكانيات المادية والبشرية والفكرية التي تتوفر لديه، ولقدرته أيضا على استيعاب الشروط الشكلية والموضوعية الواجب توفرها في تقديم العرائض يمكنه القيام بهذا الدور.

إلا انه وبمناسبة طرح مشروعي القانونين المتعلقين  بالحق في تقديم الملتمسات في مجال التشريعوالحق في تقديم العرائض إلى السلطات العمومية واللذان تمت المصادقة عليهما في المجلس الحكومي المنعقـد يوم 23 أبريـل 2015، يلاحظ أنهما لم يعكسا الفلسفة التي قامت عليها الوثيقة الدستورية التي جعلت من "مبـدأ  المشاركة" كأحـد مقومات الدولة الحديثة، بل الأكثر من ذلك أنهما لم يتضمنا توصيات اللجنة الوطنية للحوار الوطني حول المجتمع المدني والأدوار الدستورية الجديدة الذي أشرفت عليه الحكومة بنفسها، حيث الملاحظ انه تـم كبـح وفرملـة أية مشاركة للمجتمع المدني في صناعة السياسات العمومية عبر آلية الملتمسات وآلية العرائـض لكونها جانبت منطق السلاسة واليسر والبساطة، وأثقلتهما بحزمة من المساطر والإجراءات والشكليات[4]، مما يستوجب مراجعة مقتضيات المشروعين حتى يتناغما مع المرتبة التي بوأهما إياهما الدستور.

 

2 - ملاحظة حول مشروعي القانونين التنظيميين المتعلقين بالحق في تقديم الملتمسات والعرائـض.

 

  من خلال قراءة بسيطة لمشروع القانون التنظيمي رقم 44.14 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديـم العرائـض إلى السلطات العمومية، ومشروع القانون التنظيمي رقم 64.14 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديـم الملتمسـات في مجال التشريـع يتبين أن هناك العديد من الإختلالات التي شابتهما كما رصد بعض الباحثين، إلا أننا سنقف على ملاحظتين مهمتين في نظرنا:

أولا:  عد الوفاء لتوصيـات اللجنة الوطنية للحوار الوطني حول المجتمع المدني والأدوار الدستورية الجديدة والذي أشرفت عليه الحكومة بنفسها، حيث تم كبح إحدى أهم آليات إشراك المجتمع المدني في صناعة السياسات العمومية، وذلك بوضع قوانين غير قابلة لتطبيق. ويتبين ذلك عندما اشترط  عدد 7200 مواطنة ومواطـن من اجل تقديـم العريـضة إلى السلطات العمومية وعدد 25000 مواطنة ومواطـن من اجل تقـديم الملتمسات في مجال التشريع عبـر لائحة موقعة ومصادق عليها من طرف السلطات المحلية، هذا العسر والتعجيز لم يقف عنـد هذا الحـد، بل تعداه عندما اشترط  في مقـدمـي الملتمسات والعرائـض، أن يكونوا مقيديـن في اللوائح الانتخابية العامـة، متمتعين بالحقوق المدنية والسياسية، وفي وضعية جبائية سليمـة.

والانطباع الذي يمكن الخروج به هو أن هذه المقتضيـات التعجيزية تتنافى مع أهم المرتكزات التي قامت عليها الوثيـقة الدستورية وتضرب في العمق مبدأ الديمقراطية التشاركية التي أقرتها.

ثانيا:  تم تأويل عبارة " السلطات العمومية" الواردة في الفصل 15 من دستور 2011، تأويلا ضيقـا، حيـث حصـر هذه العبارة في شخص رئيس الحكومة فقط، وكان بالأحرى على المشرع التوسـع في تفسيـر عبارة " السلطات العمومية، لتشمل كل شخص معنوي عام له صفة هيأة عمومية، مركزية أو محلية، إدارية أو منتخبة، تتولى مسؤولية معينة في إعداد أو تنفيذ أو تقييم سياسة عمومية. وهو ما تم اقتراحه من خلال توصيات الحوار الوطني حول المجتمع المدني والأدوار الدستورية الجديدة[5].

وبشكل عام، فإن مشروعي القانونين التنظيميين المتعلقين بالحق في تقديم الملتمسات في مجال التشريع والحق في تقديم العرائض إلى السلطات العمومية، لم يعكسا الفلسفة التي قامت عليها الوثيقة الدستورية لفاتح يوليوز 2011، ولم يأخذا بتوصيات الحوار الذي شاركت فيه المئات من الجمعيات والذي كان مطلبها يتجه مباشرة في مشاركة فعلية ووازنة للمجتمع المدني في صناعة السياسات العمومية وفق منهجية تشاركية كما أقرتها الوثيقة الدستورية.  

واهم ما يمكن الوقوف عليها هو أنه رغم مرور السنة الخامسة على وضع الدستور، يلاحظ أن جمعيات المجتمع المدني لا زالت مقصية من تفعيل مقتضى الديمقراطية التشاركية الذي يعطيها حق المساهمة في إعداد وتنفيذ وتقويم السياسات العمومية وفق المادة 12 من الدستور. وهناك من ذهب إلى اعتبار أن الحكومة الحالية تشتغل لوحدها ضاربة عرض الحائط مقترحات حوارها الوطني حول المجتمع المدني.

 

3- المجلس الدستوري يضمن الحق الدستوري المخول للجمعيات في إطار آليات المقاربة التشاركية.

 

المجلس الدستوري وفي إطار نظره المتعلق بموضوع القانون التنظيمي رقم  111.14 المتعلق بالجهات توصل إلى أن البند الأخير من المادة 121 من هذا القانون التنظيمي  هو مخالف للدستور حيت جاء في قراره رقم 15/966 ما يلي :

" حيث إن هذه المادة  (121) تنص في بندها الأخير على أن من الشروط التي يجب على الجمعيات استيفاؤها لتقديم عريضة إلى مجلس الجهة : " أن تكون الجمعية متوفرة على فروع قانونية في كل أقاليم الجهة" وحيث أنه، لئن كان الدستور ينص في البند الثالث من فصله 146 على أنه تحدد بقانون تنظيمي شروط تقديم العرائض إلى مجلس الجهة من قبل المواطنات والمواطنين والجمعيات، فإن ما اشترطته المادة 121 في بندها الأخير، دون مبرر مقبول، من وجوب أن تكون الجمعية التي تتقدم بعريضة متوفرة على فروع قانونية في كل أقاليم الجهة، من شأنه الحد من ممارسة حق دستوري مخول للجمعيات، بموجب الفصل 139 من الدستور، قصد  تقديم عرائض إلى مجلس الجهة لمطالبته بإدراج نقطة تدخل في اختصاصه ضمن جدول أعماله، الأمر الذي يكون معه البند الأخير من المادة 121 من هذا القانون التنظيمي مخالفا للدستور."

هذا القرار سيشكل أرضية صلبة لمشروع القانون التنظيمي رقم 14-44 و المتعلق بتحديد شروط وكيفيات تقديم العرائض إلى السلطات العمومية و الذي مازال يراوح مكانه في البرلمان ( بعد أن حظي بمصادقة كل من مجلس الحكومة و مجلس الوزراء)، حيث أن حيثيات هذا القرار ستمكن السلطة التشريعية من التوسل بالآليات القانونية الكفيلة بجعله قانونا تنظيميا "ملطفا" يتضمن في طياته شروطا شكلية وإجرائية سهلة و مسيرة  غير مقيدة وغير تعجيزية ،تساعد على ممارسة هذا  الحق وتمكن المواطنين وفعاليات المجتمع المدني من تقديم العرائض بشروط معقولة.

وبذلك يكون المجلس الدستوري قد منح الضمانات الفعلية لممارسة حق دستوري مخول للجمعيات في إطار آليات المقاربة التشاركية، وأزال القيد الذي تم التنصيص عليه في مشروع القانون التظيمي رقم  111.14 المتعلق بالجهات والمتمثل في وجوب أن " تكون الجمعية التي تتقدم بعريضة متوفرة على فروع قانونية في كل أقاليم الجهة "، ومكن جميع الجمعيات بدون استثناء- وفي إطار نوع من المساواة -من الاضطلاع بذلك وعدم جعل ذلك حكرا على الجمعيات الكبرى أو ما عرف بالجمعيات الجهوية أو جمعيات الهضاب والسهول.

وعموما، إن تنصيص المجلس الدستوري في قراره الأنف الذكر على ضرورة حذف البند الأخير من المادة 121 من القانون التنظيمي الخاص بالجهات لعدم دستوريته ،من شأنه أن يساهم على تحفيز المشرع في اتخاذ نفس المنحى على مستوى وضع الشروط المقبولة و المعقولة لضمان ممارسة حقيقية للفعل المدني فيما يخص تقديم العرائض ،في إطار يتسم بقوة احترام المقتضيات المتطورة للدستور، خاصة تلك المرتبطة منها بالديمقراطية التشاركية[6].

- آلية التشاور العمومي لإشراك مختلف الفاعلين في إعداد السياسات العمومية:

عملت الفصول 139 و13 و12 على توفير الإطار القانوني الذي سيساعد على وضع الإطار المرجعي المؤسساتي من أجل التجسيد الفعلي للتشاور العمومي، ونصت الفقرة الثانية من الفصل 12 على ما يلي: "تساهم الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام، والمنظمات غير الحكومية، في إطار الديمقراطية التشاركية، في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، وكذا في تفعيلها وتقييمها. وعلى هذه المؤسسات والسلطات تنظيم هذه المشاركة، طبق شروط وكيفيات يحدد القانون".

كما نص الفصل 13 على ما يلي: " تعمل السلطات العمومية على إحداث هيئات للتشاور قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها".

ونص الفصل 139 على ما يلي: " تضع مجالس الجهات والجماعات الترابية الأخرى آليات تشاركية للحوار والتشاور لتيسير مساهمة المواطنات والمواطنين والجمعيات في إعداد برامج التنمية وإعدادها".

هذا المنهج يعكس رغبة المشرع الدستوري في وضع هندسة جديدة للسلطة، تتجاوز احتكار الدولة لدور الفاعل الوحيد في صنع السياسات العمومية، وإدخال فاعلين جدد في تدبير الشأنين العام والمحلي باعتماد مقاربة تشاركية تخفف من اختلالات الديمقراطية التمثيلية بالاستماع لأصوات المواطنين والانفتاح على فعاليات المجتمع المدني باعتباره شريكا أساسيا في صنع السياسات العمومية.

إلا أن الطبيعة القانونية لهذه الهيئات غير معروفة، وفي انتظار نص قانوني يبين طبيعتها واختصاصاتها، يجب أن تكون هذه الهيئات المخاطب الرئيسي لجمعيات المجتمع المدني قصد تمكينها من المساهمة في إنتاج السياسات العمومية، وأن تلعب دورا أساسيا في مرحلة إعداد السياسات العمومية من خلال التشخيص الدقيق والمرافعة وجعل مطالبها ضمن أجنده الدولة السياسية والاجتماعية.

 

وبالرغم من أن دستور 2011 أعطى للمجتمع المدني دورا أساسيا في إعداد وتفعيل وتنفيذ وتقييم السياسات العمومية وفي التشريع جنبا لجنب أمام المؤسسة التشريعية وتدبير الشأن المحلي، إلا أن هذه  الأدوار موقوفة التفعيل في ظل ضعف مأسسة الديمقراطية التشاركية وتحولها إلى طقوس سياسية بدون مضمون تشاركي، وكذا في ظل الغموض القانوني الذي يكتنف النصوص الدستورية وضعف الإرادة القوية لدى أصحاب القرار السياسي وعرقلتهم لهذه الأدوار بخلق مساطر غير قابلة للتطبيق.

 إن مشاركة المجتمع المدني في صناعة السياسيات العمومية لازال يحتاج إلى المزيد من المأسسة والتقعيد والوضوح القانوني. وأمام تصاعد وتنامي دور هيئات المجتمع المدني، في الاهتمام بقضايا الشأن العام، وسعيها الدؤوب إلى المساهمة في القرار السياسي أو في تفعيله أو في تقييمه ومراقبته، أصبح أمر إشراكها ضروري في جميع مراحل إعداد وتفعيل وتنفيذ وتقييم السياسات العمومية.

 



[1]  - مشروع القانون التنظيمي رقم 64.14 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديـم  الملتمسـات في مجال التشريـع. 

[2]  - مشروع القانون التنظيمي رقم 44.14 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديـم العرائـض إلى السلطات العمومية.

 

[3]  - اللجنة الوطنية للحوار الوطني حول المجتمع المدني  وأدواره الدستورية الجديدة، توصيات اللجنة في ما يتعلق بالإطار القانوني للتشاور العمومي . ابريل 2014.

[4]  - انظر الشروط والشكليات التي تضمنهما القانونين التنظيمين المتعلقين بتقديم الملتمسات في مجال التشريع والحق في تقديم العرائض إلى السلطات العمومية

[5] سعيـد موقـوش: البيروقراطية التشـاركية قراءة في ضوء مشروعي القانونين التنظيميين المتعلقين بالحق في تقديم الملتمسات والعرائـض، مجلة http://www.marocdroit.com/.

 

 

[6] - محمد البكوري، النظر الفريد والقرار السديد للمجلس الدستوري بخصوص البند الأخير من المادة 121 من القانون التنظيمي المتعلق بالجهات

 

بقلم ذ خليل سعدي
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري
 


أعلى الصفحة