//

 
القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ محمد البكوري
الدكتور في القانون باحث في الحكامة و المجتمع المدني
تحت عدد: 381
أضحى العالم المعاصر كثيرا مايوصف بأنه

 عالم "التنظيمات".  وذلك  من منظور  قدرة  "التنظيم" بشكل عام  على  معالجة   تعقد قضاياه  وتشابك علاقاته  وتداخل اشكالياته.  ويمكن القول أن مختلف هذه التنظيمات أخذت تتباين في ما بينها، تقدما وتخلفا، تطورا وتراجعا،  ومن ثم فاعلية ومردودية. وأحد أهم المعايير المعول عليها  لتحديد  معالم هذا التباين هو درجـة مأسستها،  حيث  نجد أن درجة مأسسة أي نسق ، كيفما كانت طبيعته،  تتجلى على  ضوء مجموعة من المعايير من أبرزها الاستقلالية(1). وهو الأمر الذي ينطبق على نسق المجتمع المدني. هذا الأخير الذي يتبلور كمؤسسة  حرة  وتنظيم  تطوعي  ومجتمع مستقل إلى حد بعيد عن إشراف الدولة المباشر، فهو يتميز بسمات  الاستقلاليـة، والتنظيم التلقائي، وروح المبادرة الفردية والجماعية، والعمل التطوعي والحماسة من أجل خدمة المصلحة العامة، والدفاع عن حقوق الأقليات والفئات الضعيفة والهشة...                                                                            على ضوء  ماسلف، إن التأكيد  على كون المجتمع المدني هو مجتمع الفردانية، يعتبر في حد ذاته مجازفة فكرية تحتاج إلى المزيد من التمحيص العلمي الرصين، حيث على  النقيض من ذلك،  وعبر الممارسة العملية المتواترة،  يبدو أن المجتمع المدني يتجسد باعتباره مجتمع التضامن، وذلك من خلال  لتوطيده لشبكة واسعة من التنظيم المهني والتشاركي  والتعاوني والجمعياتي، وكذا تبلوره كمجتمع للإيمان الراسخ بقيم  التسامح والحوار والتعدد والإعتراف بالآخر، واحترام الرأي المخالف...

عموما، لايمكن أن نتحدث عن مجتمع مدني دون توافر حرية التجمع والاجتماع،  ودون إحترام المبادرات الفردية وتأسيس المؤسسات الخيرية الطوعية(2)، مع ضرورة وضع مسافة مع السلطة في اطار ترسخ مبدأ الاستقلالية،  والذي يجسد بحق كنه وجوهر تنظيمات المجتمع المدني.

إن عناصر الحرية المحددة  لطرق  اشتغال  الفاعل  المدني والتطوع المفضي إلى الإلتزام، وكذا التكوينات المؤسسية الوسيطة باعتبارها تكوينات مجتمعية في الأساس، كلها عناصر  لامحيد عنها  لضمان  نجاعة   التنظيمات المدنية، والتي تشير إلى استقلالها عن تكوين السلطة ومؤسساتها. كل هذه الشرائـط المختلفة تتعلق بظواهر أخرى تدور معظمها حول " محاضن الحماية المجتمعية" كوسائط يمكن مــن خلالها إبلاغ المطالب إلى السلطة، والدفاع عن هذه المطالب(3).

وقد أكدت معظم الكتابات التي تناولت مفهوم المجتمع المدني، على أهمية توافر عنصر الاستقلالية الذي يجب أن تتمتع به مؤسسات المجتمع المدني، حتى تستطيع تأدية أدوارها ووظائفها وتحقيق الأهداف التي تسعى إليها. بل إن أغلب التعريفات التي وردت حول المجتمع المدني قد ضمنت عنصر الاستقلالية للمجتمع المدني ومؤسساته عن الدولة وأجهزتها الرسمية في إطار التعريف بالمفهوم(4)، وكذا  باقي الفاعلين الآخرين، بمافيهم الفاعل السياسي.

ويقصد بالاستقلالية، ألا تكون المؤسسة خاضعة لغيرها من المؤسسات أو الجماعات أو الأفراد أو تابعة لها، بحيث يسهل السيطرة عليها وتوجيه نشاطها الوجهة التي تتفق مع رؤية المسيطر. ويمكن تحديـد درجة استقلال مؤسسات المجتمع المدني عن الدولة من خلال مؤشرات منها، نشأة المؤسسة وحدود تدخـل الدولة في هذه العملية، ثم الاستقلال المالي لمؤسسات التمويل من طرف الدولة أو التمويل الخارجي أو التمويل الذاتي كمساهمات الأعضاء في شكل رسوم العضوية أو التبرعات(5).

ومن هذا المنظور، تأتي أهمية التنظيمات والمؤسسات والهيئات المستقلة عن الدولة في تعريف المجتمع المدني، لأن المشكل يرتبط أولا وقبل كل شيء بتغيير الدولة كمفهوم وممارسة ومؤسسة، حتى تصبح قابلة لمبدأ استقلالية تلك الهيئات، بل وخاضعة لمراقبتها. وهذا لا يعني المراقبة بواسطة الانتخابات والمؤسسـات البرلمانية فقط، ولكن المراقبة اليومية من طرف هيئات متميزة في مفهومها وتركيبها وممارستها عن الأحزاب السياسية التي تستهدف بالدرجة الأولى الاستيلاء على زمام الحكم(6).

ويجسد عنصر الاستقلالية لمؤسسات المجتمع المدني في كافة النواحي المالية والإدارية والتنظيمية، معنى قدرة الأفراد في المجتمع المدني على تنظيم نشاطاتهم بعيدا عن تدخل الدولة، بما يعني أن اعتمادهم على الدولة في أمورهم الحياتية يقل، وبذلك تنخفض إمكانية استتباعهم من قبل السلطة، ومن هنا تقوم قوى ومؤسسات المجتمع المدني بدور الوسيط بين الفرد والدولة، بحيث لا تتعامل الدولة مع الفرد كفـرد أعزل بل كمواطن ينتمي إلى جماعة أو مؤسسة أكبر توفر له قدرا من الحماية. على هذا الأساس، فإن النظم التسلطيـة /الكوربوراتية تحرص على منع قيام مؤسسات المجتمع المدني أو لإخضاعها للرقابة والسيطرة في حالة السماح بقيامها، وبذلك تصبح عديمة الفعالية. بعبارة أخرى، فإن الدولة التسلطية/الكوربوراتية تطرح نفسها كبديل لمؤسسات المجتمع المدني معلنة عن اختراق "رهيب" لدواخله، والتي مافتئت توسم بالاستقلالية.ومن ثم، وكنتيجة لذلك، ستتكرس القاعدة القائلة بكون" من يسيطر على الدولة سيسيطر بالضرورة على المجتمع".

وإذا كان لمؤسسات المجتمع المدني استقلالية إزاء الدولة، فإن الأفراد يتمتعون بذاتيتهم الخاصة في إطار هذه المؤسسات. فالانضمام إلى مؤسسات من هذا القبيل،  يرتبط أساسا بإرادات الأفراد ورغباتهم ويتم طبقا لمعايير الانجاز الحديثة، كالتعليم والمهنة والمستوى الثقافي والانتماء الاجتماعي... الخ.

كما أن لعنصر استقلالية المجتمع المدني وجه آخر أكثر وضوحا  وأهمية، وهو الوجه المرتبط بمسألة  حيوية،  وهي مسألة الموارد. حيث في هذا الإطار، تعد الموارد التي تمتلكها المؤسسات والتنظيمات المكونة للمجتمع المدني، سواء كانت موارد معنوية أو مادية، من أهم متطلبات قيامها بدورها السياسـي والاجتماعي وإدارة علاقتها بالدولة، بما يضمن الحفاظ على استقلاليتها من سلطة الدولة وأجهزتها. أما إذا كانت هذه الموارد شحيحة أو قليلة، فإن المجتمع المدني قد يضطر في هذه الحالة لطلب العون والمساعدة من قبل السلطات الحكومية أو من قبل جماعات خارجية أخرى، مما قد يفتح المجال لإختراقها كما تفتح أبواب الفساد، مثلما يحدث حين يفقد المجتمع المدني إستقلاله داخليا، بسيطرة فرد أو هيمنة  قلة علـى توجيه النشاط العام داخل المؤسسة.

والواقع أن الحديث عن استقلال مؤسسات المجتمع المدني عن أجهزة الدولة، ليس معناه بالبات والمطلق، الانفصال الكامل بينهما، ولكنه يعني أن مؤسسات المجتمع المدني تتمتع بهامش من حرية الحركة بعيدا عن التدخـل المباشر من قبل الدولة(7). ومن ثم، حرص هذه المؤسسات على  وضع المسافات الضرورية الكفيلة بتحقيق طموحات ومطالب الفئات المستهدفة في برامجها والمستفيدة من أنشطتها، وجعلها بالتالي  تحقق المراد المنشود من انشائها،  وهو الرفع من القدرات  التمكينية  للفاعل  المدني  في مسارات  السيرورة التنموية.

الاحالات :                                                                                                                       

(1)Samwel P.Huntington « Political developpement and political Decay » World              Politics, Vol 17, N° 3,  April 1965,  P 394.                                               (2) الحبيب الجنحاني، المجتمع المدني بين النظرية والممارسة"، مجلة عالم الفكر المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد الثالث، يناير/مارس 1994 ، ص: 30.

 (3) سيف الدين عبد الفتاح اسماعيل،  "المجتمع المدني والدولة في الفكر والممارسة الاجتماعية المعاصرة"، ( مركز دراسات الوحدة العربية، 1992 )، ص: 47.

(4)علي عبد الصادق، مفهوم المجتمع المدني: قراءة أولية" (الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ،2007 )، ص: 80.

 (5) أحمد شكر الصبيحي، "مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي". (سلسلة مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2000)،  ص: 33.

(6)عبد الله حمودي، "وعي المجتمع بذاته: عن المجتمع المدني في المغرب العربي" سلسلة المعرفة الاجتماعية، (دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1998) ،  ص: 224.

(7)علي عبد الصادق، مرجع سابق،  ص: 81.

 

 

بقلم ذ محمد البكوري
الدكتور في القانون باحث في الحكامة و المجتمع المدني
 


أعلى الصفحة