//

 
قانون الأعمال

بقلم ذ عبد الرحمان حمزاوي
باحث في قانون الأعمال
تحت عدد: 117
عرف العالم عدة تحولات جذرية همت كل المجالات خصوصا ما يتعلق منها بجانب المال والأعمال، وذلك كنتيجة حتمية لهيمنة العولمة الاقتصادية واللبرالية الحرة الناتجتين عن انهيار الثنائية القطبية.

والمغرب على غرار باقي دول العالم خصوصا تلك السائرة في طريق النمو منها، عرف خلال العقدين الأخيرين ثورة تشريعية حقيقية همت الترسانة القانونية بشكل عام ومجال قانون الأعمال[1] بشكل خاص، وذلك رغبة في الاستجابة لمتطلبات الاستثمار الداخلي والخارجي وكذا في الدفع نحو تقوية روابطه الاقتصادية مع مجموعة من الأقطار بعد إبرام اتفاقية التعاون الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي والوضع المتقدم الذي منحه إياه هذا الأخير، وكذا اتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وهكذا تم تعديل مجموعة من القوانين وإصدار أخرى كلها تصبوا إلى زيادة حماية المشاريع الاقتصادية هذه الحماية المتمثلة في عدة إصلاحات تشريعية مست إصلاح نظام المحاسبة التجارية، والنظام الجبائي، وكذا تنظيم هيكلة السوق المالي، وإصدار ميثاق الاستثمار، وإصلاح مدونة التجارة، إضافة إلى إنشاء قانون الشركات والذي كان موضوع إصلاح شامل تمثل في إصدار قانون 95-17 المتعلق بشركة المساهمة المعدل سنة 2008، وكذا قانون 96-5 المتعلق بباقي أنواع الشركات والمعدل هو الآخر سنة 2006 أضيف لها القانون المتعلقة بالمجموعات ذات النفع الاقتصادي، كما همت هذه الثورة إصلاح قوانين الملكية الفكرية خصوصا ما تعلق منها بجانب الملكية الصناعية والتجارية وكذا القوانين المتعلقة بمجال علاقات الشغل الفردية منها والجماعية وكذا ما تعلق منها بجانب التغطية الصحية الإجبارية عن المرض قبل أن يتوج ذلك بإصدار القانون 31.08 الذي يقضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك، وهو ما شكل دفعة قوية لتطوير مناخ الأعمال والرغبة في ضبطه وتقنينه[2].

ولعل ما يميز هذه القوانين هو أنها ضمت بين طياتها عدة مقتضيات جنائية تهم التجريم والعقاب على بعض الأفعال الغير المشروعة التي لا تتلاءم والطبيعة الحمائية التي كفلها المشرع لجانب الأعمال، والمتأمل لهذه القوانين يجدها ذات طبيعة خاصة الشيء الذي دفع بفقهاء الأعمال إلى تسمية هذه المقتضيات بـــ: "القانون الجنائي للأعمال"  مؤكدين في الوقت ذاته أن هذا التقنين هو ما سيؤدي إلى ضمان احترام الواجبات المفروضة لتنظيم العلاقات التجارية والاقتصادية وخلق المناخ الملائم والمناسب للاستثمار والمبادرة الحرة، لذلك اتسمت المنظومة القانونية لقانون الأعمال باتجاه واضح نحو الطابع الزجري لأجل معاقبة كل من يمس بالنظام العام الاقتصادي، ويرى اتجاه آخر من شراح القانون والمحللين الاقتصاديين أن هذه الزيادة في الطابع الزجري لمجال الأعمال ستضرب خصوصيات العمل التجاري عرض الحائط خصوصا ما تعلق بجانب السرعة والائتمان، إذ كيف لمستثمر يبحث عن الربح إلى أن يجد نفسه متابع بغرامات تكلفه أحيانا جل رأس ماله، وكيف سنلزم تجارا يدخلون في علاقات بيع وشراء بمجموعة من الأقطار بالنبش في القوانين قبل الموازين يرى اتجاه ثالث.

من هنا يتضح أن هاجس المشرع المغربي كان يتمثل في ضمان تحقيق أهداف قانون الأعمال عن طريق إحاطة الواجبات التي فرضها بجزاءات تضمن احترامه، بدء من مرحلة الإعداد للدخول في علاقات تجارية واقتصادية إلى ما بعد تحقيق الربح أو الخسارة لا قدر الله[3].

كما تجدر الإشارة إلى أن الجريمة في إطار قانون الأعمال تتصف بالتنوع، كجرائم الشركات التجارية، وجرائم الأبناك، جرائم الجمارك، إضافة إلى الإجرام المالي والضريبي، وجرائم الملكية الصناعية......، من هنا تظهر أهمية تأطير هذه الجريمة حتى يتم تمييزها عن غيرها من الجرائم المادية الخاضعة  للقانون الجنائي، كما أن ارتباطها بمجال المال والأعمال جعلها تتميز عن باقي الجرائم بمجموعة من الخصوصيات التي تنعكس على السياسة الجنائية العامة للتجريم والعقاب، ما يجعل الباحث في نطاق الجنائي للأعمال يطرح السؤال هل للقانون الجنائي للأعمال نظاما زجريا مستقلا؟ أو أن هذا الأخير ما هو سوى فرع داخل الميدان الجنائي العام؟ خصوصا مع تعدد الإحالات على هذا الأخير.

فإلى أي حد توفق المشرع المغربي في ضبط جرائم الأعمال إن على مستوى المفهوم والخصوصية، وإن على مستوى التجريم والعقاب، ثم إلى أي حد استطاع هذا التوجه التصدي لمستجدات جرائم الأعمال؟ وهل يمكن القول بأن العقوبات المالية الهائلة لازالت ملائمة وفعالة لموجهة جرائم الأعمال متى علمنا أن هذه الأخيرة تسربت إلى التجارة الإلكترونية؟

إشكالات ضمن أخرى نرى أن نعرض لها من خلال النقاط التالية:

أولا: مفهوم الجريمة في قانون الأعمال.

ثانيا: خصوصية الجريمة في نطاق الأعمال.

ثالثا: التجريم والعقاب في نطاق الأعمال.

وذلك على المنوال التالي:

أولا: مفهوم الجريمة في قانون الأعمال.

يذهب جانب من الفقه إلى تحديد نطاق جرائم الأعمال عن طريق وضع قائمة تجمع فيها الجرائم التي تدخل في إطار القانون الجنائي للأعمال، مقابل ذلك نجد اتجاه آخر من الفقه يرنو  إلى تحديد نطاق جرائم الأعمال على أساس شخص مرتكب الجريمة، إذ أن مرتكبي هذه الجرائم ينتمون إلى طبقة اجتماعية مختلفة عن الطبقة التي ينتمي إليها المجرمون العاديون، حيث إن مرتكب هذا الصنف من الجرائم هو دائما شخص ينتمي إلى طائفة رجال الأعمال[4].

إلا أنه وحسب جانب من الفقه الذي يرى أن " مفهوم جرائم الأعمال، والجريمة الاقتصادية بصفة عامة يشمل جرائم المال وما يرتبط به من أعمال كالنصب والسرقة، خيانة الأمانة،  التزوير، جرائم الشيك، مخالفات قانون الشغل وقانون الضمان الاجتماعي الاحتيال المالي، التهريب والمخالفات الجمركية، التهرب الضريبي، جرائم صعوبات المقاولة، جرائم الانترنيت والتجارة الإلكترونية، المس بالملكية الصناعية تزييف العلامات التجارية وتقليد المنتجات، استبدال صلاحية المواد الغذائية وطرحها في السوق، الغش التجاري إلى غير ذلك من الأفعال غير المشروعة والمؤثرة في النظام الاقتصادي أو التي تمس حقوق الإنسان كجرائم البيئة والمس بصحة وسلامة الأجراء[5].

ومن تم فإن جرائم الأعمال تتحقق نتيجة المس بالاقتصاد الوطني أو بملكية الغير، وهو ما  أكدته  ورقة العمل المعدة بمناسبة الاجتماع الحادي عشر لمؤتمر الأمم المتحدة للوقاية من الجريمة والعدالة الجنائية المنعقد ببانكوك في أبريل 2005،  والتي عرفت جرائم الأعمال بأنها  "جرائم غير عنيفة تنجم عنها بصفة عامة خسارة، وبالتالي فإن تلك الجرائم تشمل طائفة من الأنشطة غير القانونية، منها الاحتيال أو الفساد أو التهرب الضريبي أو غسل الأموال.

واستنادا  إلى   ما سبق يمكن القول أن جرائم الأعمال هي كافة الأفعال والامتناع التي تشكل اعتداء على النظام الاقتصادي للدولة والمساس بالحماية اللازمة للسياسة الاقتصادية.

ثانيا: خصوصية الجريمة في نطاق الأعمال.

تتميز جرائم الأعمال بعدة خصائص نابعة من الوسط المرتكبة فيه وكذا من شخصية مرتكبها، ذلك أن هذا النوع من المخالفات مرتبطة أشد الارتباط بميدان الأعمال لا ترتكب من طرف أشخاص عاديين، وإنما من طرف مهنيين أثناء مزاولتهم لمهامهم أو بمناسبتها، ومن أهم الخصائص التي تميز جرائم الأعمال نقف عند ما يلي:

1. رجل الأعمال الجاني:

إن مرتكب هذه الجرائم هو دائما شخص ينتمي إلى طائفة رجال الأعمال بشكل أو بآخر، إذ أن النشاط المهني والطبقة الاجتماعية والاقتصادية هم السمات المميزة لجرائم الأعمال وهو ما يصطلح عليه في فقه القانون الجنائي للأعمال " بجرائم أصحاب الياقات البيضاء" لكون مرتكبا لجريمة يستغل مكانته للحصول على منفعة شخصية بوسائل غير مشروعة.

2. فعل بدون ضرر:

إذا كان الأصل أنه لا يتم التجريم إلا بعد ارتكاب الفعل الضار، فإن جرائم الأعمال تجري في معظمها على تجريم الفعل المشكل للخطر وإن لم يحقق ضررا، أوقد لا يحققه ومثال ذلك ما نصت عليه الفقرة الثالثة من المادة 384 من قانون شركة المساهمة والتي تعاقب على  سوء استعمال أموال الشركة سواء تم تحقيق النتيجة أو لم يتم تحقيقها بل الأكثر منذلك فإن الاجتهاد القضائي أصبح يجعل سوء النية هو الأصل، وبالمقابل يلزم مرتكب الجريمة بإثبات حسن نيته.

3. العقوبات الحبسية:

إن أهم ما يميز جرائم الأعمال خاصة في التشريع المغربي، أن المشرع خفف من عقوبتها الحبسية التي أضحت تتراوح في غالب الأحيان بين شهر وستة أشهر، بل يتم الاقتصار في بعض الأحيان على الغرامة المالية فقط، وهو ما من شأنه ان يشكل حافزا لارتكاب هذه الجرائم طالما أن مرتكب الجريمة لن يبالي بالعقوبة التي تنتظره والتي لن تخرج عن غرامة مالية يسهل عليه دفعها.

وفي مقابل هذا التوجه، يرى رأي آخر ضرورة التشدد لزجر جرائم الأعمال حتى تكون قسوة العقوبة أو المنع يقف في وجه مرتكب الجريمة، لأنه لا فائدة من تجريم عدة أفعال ومقابل ذلك تتم المعاقبة عليها بغرامة مالية يسهل على الجاني دفعها، إذ سيتم التشجيع على ارتكاب الجريمة عوض العمل على زجر مرتكبها.

والمتأمل لواقع التشريع المغربي في مجال الأعمال سيجد أنه يسير في اتجاه التخفيف من العقوبات الحبسية منها على الخصوص وذلك تحت تأثير وضغط رجال الأعمال، ولعل التعديل الذي عرفه قانون شركة المساهمة خلال 2008 لخير دليل على ذلك، إذ تم التراجع عن العقوبة الحبسية مقابل الرفع  نسبيا من الغرامة المالية في عدة جرائم بل تم التقليص في بعض الجرائم الأخرى من الحد الأدنى والأعلى للغرامة رغم هزالتها وهو ما يفرض ضرورة التشدد بغية مواجهة هذه الجرائم وذلك عن طريق ملاءمة العقوبة الحبسية والمالية مع الأوضاع المادية للفاعل وخطورة فعله.

وبالتالي فإنه لن يتم تحقيق أهداف القانون الجنائي للأعمال والمتمثلة في الشفافية وحماية المال العام وعصرنة قانون الأعمال سوى بالعمل على وضع سياسة جنائية تعمل على الحد من جرائم الأعمال وليس التشجيع على ارتكابها.

4. الركن المعنوي:

تتم المعاقبة على بعض الأفعال دون اشتراط توفر الركن المعنوي، وذلك على أساس المسؤولية الجنائية المفترضة التي  تنبني على مجرد الخطأ في التسيير، وهو ما يبين الأهمية الكبيرة التي يتميز بها الخطأ غير العمدي في مجال جرائم الأعمال، أي أنه يتم توقيع العقوبة بمجرد حصول النتيجة دون إعطاء أهمية لنية الفاعل الرئيسي أو ما يسمى في مجموعة القانون الجنائي بــ "القصد الجنائي"، إذ يتم الاقتصار فقط على وجود عنصر الإهمال، وهو توجه اقتبسه المشرع المغربي من نظيره الفرنسي، وهكذا نجد قانون الشركات الفرنسي الصادر بتاريخ 24 يوليوز 1966، الذي تنص جل مواده على تشديد العقوبة في حالة وقوع الجريمة عمدا، الأمر الذي استخلص منه فقهاء القانون الجنائي التحول في القاعدة العامة، ليتم الاكتفاء بالخطأ غير العمدي في الجرائم التي لم يرد بشأنها النص على اشتراط عنصر العمد.

ولباب القول إن بعض الفقه يرى أنه من الأفضل أن يقر المشرع في مجال الأعمال الاكتفاء بالخطأ غيرالعمدي، وهوا ما لمسناه في القوانين المعدلة أو الصادرة في العشرية الأخيرة، ومن بينها القانون 31.08 الذي يقضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك[6].

ثالثا: التجريم والعقاب في نطاق الأعمال.

تضم السياسة الجنائية في مجال الأعمال الكثير من التفريعات تتوزع بين القانون الجنائي العام والمسطرة الجنائية بالإضافة إلى مقتضيات جنائية خاصة وإن كانت هذه الأخيرة هي التي كثر إعمالها.

وتبعا لذلك فإن السياسة الجنائية في ميدان الأعمال تشهد توجها يرنو إلى إفراد خصوصية جرائم الأعمال لتصبح نظاما فرعيا داخل الميدان الجنائي العام حتى تتولى ضبطها أمام عجز قوانين الشريعة العامة أو كما يبدو.

وللوقوف على أبرز مميزات التشريع في مجال جرائم الأعمال سنتوقف عند أهمها، سواء من حيث الأسلوب أو العقوبات الصادرة أو من حيث مسطرة المتابعة وخصوصية المسؤولية الجنائية وذلك على النحو التالي:

1. من حيث طبيعة النصوص القانونية.

تتميز السياسة الجنائية في مجال جرائم الأعمال بتعدد النصوص القانونية المنظمة لها إذ نجد تدخل كل من

أ‌.       مجموعة القانون الجنائي:

بالنسبة لكثير من الجرائم مثل جرائم السرقات، جرائم النصب وخيانة الأمانة، جرائم التزوير....

ب‌.  مقتضيات جنائية خاصة:

وهي المقتضيات المنصوص عليها في كثير من القوانين ونقف عند أبرزها:

القانون الجنائي للشركات:

وهي تلك المقتضيات الجنائية المنصوص عليها في قانون شركة المساهمة 17.95 كما عدل وتمم، بالإضافة إلى المقتضيات المنصوص عليها في 5.96 كما عدل وتمم بالنسبة لباقي الشركات.

القانون الجنائي الجمركي:

وهي تلك المقتضيات الجنائية المنصوص عليها في مدونة الجمارك.

القانون الجنائي البنكي:

وهي تلك المقتضيات الجنائية المنصوص عليها في مجموعة من القوانين المنظمة لنشاط البنكنة.

القانون الجنائي لصعوبات المقاولة:

وهو مجموعة من النصوص الجنائية المنصوص عليها الكتاب الخامس من مدونة التجارة تجرم بعض الممارسات أثناء وجود المقاولة في حالة صعوبات.

2.  من حيث صياغة النصوص القانونية.

 من أبرز ما يميز صياغة النصوص القانونية في مجال الأعمال هو المرونة التي تتصف بها عوض قسوة المفاهيم في مجموعة القانون الجنائي، ونمثل لذلك فقط بجرائم الشيك فعلى مستوى مدونة التجارة نجد نظرة مرنة للجرائم المتعلقة بالشيك هذا الأخير الذي تنظر إليه من زاوية شروطه الشكلية والموضوعية، أما عن جانب مجموعة القانون الجنائي فنظرة هذا الأخير للجرائم المرتبطة به تظل قاسية إذ لا عبرة له في الشروط الشكلية والموضوعية،  ضف  إلى  ذلك  أن من مميزات التشريع في ميدان جرائم الأعمال أنه يتم الأخذ في بعض الأحيان وبصفة استثنائية برجعية القوانين نظرا لخطورة بعض الجرائم المرتكبة في ميدان الأعمال خاصة ما يرتبط بالخطر على الصحة العامة مثل القانون المتعلق بالزجر عن الجرائم الماسة بالصحة والسلامة الجسدية وجرائم التسمم الصناعي (قضية الزيوت المسمومة مثلا).

ولعل ما يمكن تسجيله كذلك في مجال صياغة نصوص القانون الجنائي للأعمال هو تعدد  الإحالات  في  هذا الأخير على مجموعة القانون الجنائي من قبل نصوص خاصة، ومثال ذلك ما نصت عليه المادة 376 من القانون 95/17 والمادة 102 من القانون رقم 96/5 على أنه " لا تطبق الأحكام الجنائية المنصوص عليها في هذا القانون إلا إذا كانت الأفعال المعاقبة بمقتضاه لا تقبل تكييفا جنائيا أشد حسب أحكام القانون الجنائي"، أو استعمال صيغ تفيد الاحالة كـ: "دون الاخلال بمقتضيات القانون الجنائي...."،  ما يبرز أنه متى كانت هناك عقوبات أشد في القانون الجنائي وجب أن تحظى بالأولوية في التطبيق، وهو ما يؤكد على ارتباط القانون الجنائي للأعمال بمجموعة القانون الجنائي.

3.  من حيث طبيعة العقوبات المفروضة.

تتنوع هذه العقوبات بين العقوبات السالبة للحرية بالنسبة للأشخاص الذاتيين، وبين العقوبات التي تناسب وضعية الشخص الاعتباري كالمنع من مزاولة النشاط، أو إغلاق المؤسسة والإقصاء من الصفقات العمومية والمصادرة وإشهار العقوبة، مع ملاحظة أن المشرع انحاز نحو العقوبات المالية إذ كثيرا ما نجد الغرامات المفروضة على المخالفات في القانون الجنائي للأعمال تضاهي أو تفوق الغرامات المفروضة على الجنح في مجموعة القانون الجنائي.

4.  من حيث خصوصية المسؤولية الجنائية.

مناط هذه المسؤولية كما أوردنا سلفا هو الخطأ الشخصي للمسير الذي يقع عليه واجب السهر على احترام القوانين والأنظمة داخل المقاولة التي يسيرها، إلا أن هذه المسؤولية تثير هلع رجال الأعمال بالنظر لحجم الجرائم التي تتضمنها النصوص المتعلقة بالشركات (338 جريمة) إذ ينادون بإزالة هذه الجرائم أو على الأقل التقليص منها مع الاكتفاء فقط بالغرامة دون العقوبة السالبة للحرية، وذلك حتى يتم التشجيع على جلب الاستثمار لأنه حسب هذا الاتجاه فإن المستثمر الأجنبي أو الوطني لن يقدم على استثمار أمواله في ظل ترسانة قانونية مليئة بالنصوص الزجرية[7].

ومع ذلك نرى أن وجود هذه النصوص المحددة لجرائم الأعمال تبقى ضرورية لضمان احترام النظام العام الاقتصادي، وإلا فإن مجال المال والأعمال سيتحول إلى مجال " فوضوي " يؤدي إلى المس بحقوق الأقلية والشركة وبالاقتصاد الوطني بصفة عامة.

5. من حيث مسطرة المتابعة.

إضافة إلى تعدد أصناف القائمين بالتحري من ضباط الشرطة القضائية والمكلفين بالبحث في جرائم زجر الغش في البضائع ومأموري الجمارك، ومفتشي الشغل وغيرهم ومراقبي الحسابات، فإننا نلاحظ تعدد المنفذين لهذه العقوبات، فبالإضافة إلى السلطة القضائية، نجد هناك مجموعة من المتدخلين لعل أهمهم:

أ‌.     بنك المغرب

بنك المغرب أو البنك المركزي المختص في تطبيق عقوبات على بعض المؤسسات البنكية ومؤسسات الائتمان المخالفة.

ب‌.الأبناك

والتي أوكل إليها المشرع المغربي إمكانية تطبيق عقوبات على بعض العملاء المخالفين من ذلك مثلا عقوبة الحظر (المنع) البنكي من إصدار الشيكات.

ت‌.إدارة الجمارك

وهي أول سلطة عمومية تراقب حركة السلع على مستوى الحدود والتي منحها المشرع إمكانية حجز البضائع المغشوشة أو التي تحمل علامات تجارية مقلدة أو مزيفة.

خاتمة:

من خلال هذه الدراسة للقانون الجنائي للأعمال، يتضح أن هذا الأخير يعرف تدخلا متزايدا للقانون إن على مستوى الشريعة العامة المتمثلة في مجموعة القانون الجنائي للأعمال وإن على مستوى قواعد خاصة، تداخل جعل منه قانون موحد على مستوى الغرامة المالية ومشتت على مستوى الفعل المجرم، كما أن هذا القانون يعرف تداخلا على مستوى السلط وإقبالا محتشما من القضاء، بحيث أصبحت الحياة الاقتصادية مطبوعة بهذه السمة، وما ذلك إلا نتيجة للعلاقة الجدلية بين الاقتصاد والقانون بارتباط مع الجهاز القضائي المعهود إليه بالحسم في ما يطرأ من منازعات بين الفاعلين الاقتصاديين، وإن كان ظهور وسائل بديلة لحل المنازعات كالتحكيم والوساطة قد سلب منه نسيا هذا الدور. 

وخلاصة القول أن التشريع الجنائي للأعمال الحالي ما فتئ عاجزا عن التصدي لجرائم الأعمال خاصة في ظل تطور هذه الأخيرة، والذي تزامن مع تطور التجارة الإلكترونية، وهو ما يفرض ملاءمة التشريع الجنائي مع هذه الجرائم لكي لا تبقى خارج نطاق التجريم وإن كانت محاولات لذلك على مستوى القانون رقم 53.05 الخاص بالتبادل الالكتروني للمعطيات وبعض القوانين الأخرى، المطلوب اليوم سن قواعد تكفل للعمل التجاري المرونة التي يحتاجها مع مراعاة الحماية الواجبة للملكية الخاصة والنظام العام الاقتصادي.



[1]- ظهر مفهوم قانون الأعمال بعد التحول السريع الذي عرفته الأنشطة الاقتصادية على المستوى العالمي، إذ أضحى مفهوم القانون التجاري قاصر على استيعاب كل الأنشطة الاقتصادية خصوصا مع تحول عدة قطاعات من أنشطة مدنية إلى أنشطة اقتصادية كالنقل وأعمال البنك....(المواد من 6 إلى 10 من مدونة التجارة)، وإن كان بعض الشراح يتحيزون إلى مفهوم يرونها أكثر عمقا وهو "القانون الاقتصادي".

[2]- • قانون رقم 9.88 بمثابة قانون للمحاسبة التجارية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.92.138 بتاريخ 25/12/1992،ج.رعدد 4183 بتاريخ 30/12/1992.

قانون رقم 15.95 بمثابة مدونة للتجارة الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.96.83 بتاريخ 01/08/1996 ج.رعدد 4418 بتاريخ 03/10/1996.

قانون رقم 17.95 بمثابة قانون لشركة المساهمة،الصادر بتنفيذها لظهير الشريف رقم 1.96.124 بتاريخ 30/08/1996،ج.ر. عدد4422 بتاريخ 17/10/1996.

قانون رقم 5.96 بمثابة قانون الشركات (شركة التضامن، شركات التوصية بالأسهم والتوصية البسيطة، شركة المسؤولية المحدودة، شركة المحاصة)، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.97.49 بتاريخ 13/02/1997 ج.رعدد 4478 بتاريخ 01/05/1997.

قانون رقم 13.97 بمثابة قانون للمجموعات ذات النفع الاقتصادي، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.92.12 بتاريخ 05/02/1999،ج.رعدد 4678 بتاريخ 01/04/1999.

قانون رقم 17.97بمثابة قانون لحماية الملكية الصناعية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.00.19بتاريخ 15/02/2000،ج.رعدد 4776 بتاريخ 09/03/2000.

قانون رقم 06.99 بمثابة قانون متعلق بحرية الأسعار والمنافسة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.00.225 بتاريخ 05/06/2000،ج.رعدد 4810 بتاريخ 06/07/2000.

قانون رقم 17.99 بمثابة مدونة للتأمينات، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.02.238 بتاريخ 03/10/222،ج.رعدد 5054 بتاريخ 07/11/2002.

قانون رقم 65.99 بمثابة مدونة للشغل، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.03.194بتاريخ 11/09/2003،ج.رعدد 5167 بتاريخ 08/12/2003.

قانون رقم 17.97 بمثابة قانون لحماية الملكية الصناعية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.00.19بتاريخ 15/02/2000،ج.رعدد 4776 بتاريخ 09/03/2000.

قانون رقم 06.99 بمثابة قانون متعلق بحرية الأسعار والمنافسة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.00.225 بتاريخ 05/06/2000،ج.رعدد 4810 بتاريخ 06/07/2000.

•قانون رقم 25.06 بمثابة قانون يتعلق بالعلامات المميز للمنشأ والجودة للمواد الغذائية والمنتوجات الفلاحية والبحرية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف عدد 1.08.56 بتاريخ 23/05/2008،ج.رعدد 5693 بتاريخ 16/06/2008.

•القانون رقم 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف عدد 1.11.03 الصادر بتاريخ 18 فبراير 2011،ج.رعدد 5932 الصادر بتاريخ 07 أبريل 2011،ص 1073.

•القانون رقم 24.09 المتعلق بسلامة المنتوجات والخدمات وبتتميم الظهير الشريف الصادر في 12 غشت 1913 بمثابة قانون الالتزامات والعقود، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.140 بتاريخ 17 غشت 2011،ج.رعدد 5980 بتاريخ 22 شتنبر 2011 ص 4679.

[3]- كما هو الشأن بالنسبة لصعوبات المقاولة (أنظر الكتاب الخامس من مدونة التجارة).

[4]- Michel DEFOSSEZ : les victimes collectives en droit pénal des affaires lille. 1978.p17.

[5]- غميجة (عبد المجيد)، المقاولة والسياسة الجنائية، مقال منشور بجريدة الاتحاد الاشتراكي، العدد 7800 الصادر بتاريخ 21 دجنبر 2004.

[6]- أنظر القسم التاسع من هذا القانون.

[7]- غميجة (عبدالمجيد)، مرجع سابق.

بقلم ذ عبد الرحمان حمزاوي
باحث في قانون الأعمال
 


أعلى الصفحة