القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ ادريس شهبون
طالب مجاز في القانون الخاص
تحت عدد: 792
تعتبر المحاكمة العادلة من المبادئ الأساسية التي تنبني عليها دولة الحق و القانون، وهي

من الأهداف الكبرى التي تسعى الدول الديمقراطية لتحقيقها وبلوغها، من خلال إعطائها مكانة هامة داخل السياسة العامة للدولة
لقد أصبح الحق في محاكمة عادلة من أبرز وأهم حقوق الانسان، باعتبار هذا الحق ضمانة أساسية في مواجهة مختلف التجاوزات والانتهاكات التي تتخذ صورا وأشكالا متعددة، لاسيما في القضايا ذات الطبيعة السياسية، وفي الأنظمة الديكتاتورية بالخصوص.
ومن أبرز هذه الخروقات نجد الاعتقال التعسفي، الاختفاء القسري، التعذيب وانتهاك حقوق الدفاع بوجه عام، وهذا ما يجرمه الدستور الجديد للمملكة )2011 ،)من خلال ذكر شروط المحاكمة العادلة ضمن مقتضياته 1
وقد انخرط المغرب بشكل فعال في المنتظم الدولي الداعي إلى ضرورة تكريس هذا المبدأ في التشريعات الوطنية، وهذا ما يظهر جليا، إذ قلما نجد خطابا ساميا من جلالة الملك لم يذكر فيه مقومات و ضمانات المحاكمة العادلة، حيث أولى له اهتماما قل نظيره من أجل تحقيق أمن قضائي يحمي حقوق رعاياه، وهذا ما نستشفه من مقتضيات الفصل 120 من الدستور الجديد2 . وهذا ما جعلنا نتساءل عن
مقومات المحاكمة العادلة من خلال الدستور و المواثيق الدولية؟.

لمقاربة هذه التساؤلات وغيرها ارتأينا تقسيم الموضوع إلى مطلبين أساسيين: تطرقنا في الأول إلى المحاكمة العادلة كمبدأ تشريعي وطني، ثم حاولنا استكشاف أبعادها و مقوماتها في المواثيق الدولية في المطلب الثاني.

المطلب الأول: المحاكمة العادلة في ضوء التشريع الوطني
لقد أعطى المشرع المغربي مكانة هامة لمبدأ المحاكمة العادلة ضمن الترسانة القانونية، حيث أنه أشار إلى دعائمها الأساسية في مختلف التشريعات الوطنية، خاصة مقتضيات الدستور و قانون المسطرة الجنائية، من خلال تركيزه على المبادئ المتعلقة بالجهاز القضائي باعتباره الضامن الأساسي لترسيخ المحاكمة العادلة، وكذا المبادئ المرتبطة بحق الدفاع بوجه عام، وهذا ما سنحاول التطرق إليه في الفقرتين المواليتين.

الفقرة الأولى: المبادئ المتعلقة بالجهاز القضائي
يعتبر الجهاز القضائي أهم ضمانة لاحترام حقوق الانسان وحماية مصالحه من التعدي والانتهاك، ويعهد إليه ضمان سيادة القانون و مساواة الجميع أمام مقتضياته، وهذا ما يرسخه الفصل 117 من الدستور الجديد3 .
فالقضاء يعتبر إحدى أهم الدعامات الأساسية لبناء دولة الحق والقانون، وهو يضطلع بمهمة الفصل في الحقوق المتنازع حولها، وفق مساطر قانونية تضمن شروط المحاكمة العادلة، شكلا و مضمونا4 .
إن استقلال الهيئة القضائية كفيل بتحقيق المحاكمة العادلة، من خالل حياد القاضي اتجاه الأطراف و الخصوم في القضايا العارضة أمامه، وهذا ما حرص عليه المشرع المغربي، من خلال تأكيده على هذه الضمانة في مقتضيات الدستور الجديد، إذ خصص الباب السابع منه للسلطة القضائية، حيث جاء فيه على أن "السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية والتنفيذية" 5 ،وقد عزز هذه الضمانة بالعديد من النصوص،إذ نص على أنه "يمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء، ولا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات ولا يخضع الي ضغط. ويجب على ... القاضي، كلما اعتبر أن استقلاله مهدد، أن يحيل الأمر إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية"6 تعتبر هذه الضمانات دعامة أساسية لتوطيد و ترسيخ مفهوم استقلال القضاء، الذي سيحقق بشكل حتمي مبدأ المحاكمة العادلة، التي تنشد المملكة لبلوغها، من خلال تقويتها و تدعيمها بمزيد من الركائز المشكلة لها، كصيانة المبادئ المرتبطة بحقوق الدفاع بوجه عام، وهذا ما سنقوم بدراسته في الفقرة الموالية .
الفقرة الثانية: المبادئ المرتبطة بحقوق الدفاع
لقد استطاع المغرب تجاوز زمن القهر و الاضطهاد و المحاكمات الصورية، وكل الأشكال المنبثقة من الأنظمة الديكتاتورية، وذلك من خلال تكريس مجموعة من الدعائم المؤسساتية و القانونية، وإصدار مجموعة من القوانين التي تبتغي تقوية الجهاز القضائي وضمان استقلاليته، والذي سيحمي لا محالة المبادئ المرتبطة بحقوق الدفاع المشكلة بدورها للمحاكمة العادلة و المشروعة. وكما هو واضح للجميع، فإن هذه الجهود المبذولة من طرف المملكة منذ حصولها على الاستقلال، لم تتضح جليا إلا في مرحلة حكم محمد السادس، وذلك من خلال مجموعة من خطبه السامية7 ، التي شكلت خارطة الطريق لارساء دعائم المحاكمة العادلة، وأبان فيها عن رغبة صادقة لرد الاعتبار للمواطن.
يعتبر الدستور و قانون المسطرة الجنائية من بين أهم التشريعات الوطنية التي تستمد منها المحاكمة العادلة مشروعيتها، من خلال تكريسها ضمن مقتضياتها بشكل صريح على حقوق الدفاع، التي تندرج تحتها جملة من المبادئ المرتبطة بالحفاظ على قرينة البراءة،المجسدة ضمن . وكذا الوقاية من الشطط، الذي قد يطال الحرية و مقتضيات الدستور و قانون المسطرة الجنائية8 الكرامة الانسانية و تأمين مشروعية إلقاء القبض على الأشخاص و اعتقالهم، وحقهم في الاتصال بمحام، وبأقربائهم، وتحديد آجال انجاز الاجراءات القضائية وللبت في القضايا لتحقيق السرعة والفعالية في أداء العدالة9 ،كما يحق الطعن بمشروعية الاعتقال و الحصول على الافراج و المناقشة المتبادلة لوسائل الاثبات، والمحاكمة العادلة خلال مدة معقولة10 ،وكذا الوقاية من الاكراه أو التعذيب وسوء المعاملة، لانتزاع الاعترافات والحق في أوضاع إنسانية أثناء الاعتقال11 ،كما يحق للجميع المساواة أمام القانون و المحاكم للدفاع عن حقوقه ومصالحه12.ويجب أن تكون الجلسات علنية ما عدا الحالات التي يقرر فيها القانون خالف ذلك، وتصدر الأحكام وتنفد باسم الملك وطبقا للقانون مع تعليلها13 .

يمكن إرجاع هذه المبادئ و الحقوق إلى التقيد بالشرعية الاجرائية التي يقررها المبدأ القاضي بألا "إدانة ولا عقوبة بدون محاكمة، ولا محاكمة إن لم تكن عادلة"، و لا تكون هذه الأخيرة ما لم تلتزم بتأمين حقوق الدفاع، والتقيد بجملة من المعايير التي تضمنتها المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الانسان ، وهذا ما سيتم التفصيل فيه في المطلب الثاني.

المطلب الثاني: مقومات المحاكمة العادلة في المواثيق الدولية
يكتسي مبدأ المحاكمة العادلة أهمية كبيرة من قبل المنظمات الدولية ذات الصلة بالموضوع، حيث أنها تندرج ضمن جدول أعمالها في جل الندوات و المؤتمرات، التي نظمت والتي مازالت تنظم من طرف المنتظم الدول، كما أنها تجعلها دائما من ضمن أولوياتها و توصياتها التي تخرج بها، وهذا ما سنحاول تبيانه من خلال الفقرة الموالية.

الفقرة الأولى: المحاكمة العادلة كتوصية دولية
تعتبر المحاكمة العادلة من التوصيات التي خرجت بها الهيئات الأممية، والتي تكتسي طابعا وبعدا دوليا، حيث أنها دائما ما تبتغي إلى تكريسها والنص على مجموعة من الضمانات و الحقوق الأساسية للأفراد في صلب الوثائق الدولية ودساتير الدول المختلفة المشكلة للمنتظم الدولي، التي تسعى إلى ترسيخ مبادئ الحكم الديمقراطي الحداثي، الذي يعترف بالحقوق السياسية والمدنية للأفراد وسيادة القانون، الذي يعد سمة بارزة في استقرار الدول و سلمها الاجتماعي، وهذا ما يبرز لنا جليا عند استقرائنا لمختلف االتفاقيات و الوثائق الدولية المهتمة بالجانب الحقوقي، والتي تتقيد بالشرعية الدولية واحترام حقوق الأفراد.

لا بد في هذا الصدد من الاشارة على سبيل المثال لا الحصر إلى بعض المنظمات الدولية والنظم ذات الصلة بحقوق الانسان، التي توصي ضمن مقرراتها لمعايير تحقيق و صيانة مبدأ المحاكمة العادلة، ومنها " الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الانسان14 ،والميثاق الافريقي لحقوق ، و كذا الاعلان العالمي الانسان و الشعوب15 ،كما لا ننسى أيضا توصيات منظمة العفو الدولية 16 ... لحقوق الانسان17
تعطي هذه النظم لمبدأ المحاكمة العادلة مكانة سامية ضمن صلب وثائقها، وتعده معيارا أساسيا لدولة الحق و القانون، من خلال مجموعة من الضمانات التي جاءت بها، وتوصي الدول الطامحة للسير قدما في ترسيخ مفهوم الديمقراطية و القيم الانسانية بتبنيها و حمايتها من الانتهاك. ولتحقيق هذه الضمانات لا بد من إرساء آليات من أجل معرفة مستوى تحقيقها ومراقبتها، وهذا ما سنحاول الاشارة إليه في الفقرة الموالية.

الفقرة الثانية: آليات مراقبة و ضمان المحاكمة العادلة
للحرص على مدى احترام الدساتير الوطنية للدول المنخرطة في المنتظم الدولي لمبدأ المحاكمة العادلة على المستوى الواقعي، عملت الهيئات و المنظمات الدولية الراعية لحقوق اإلنسان اعتماد آليات مختلفة لمراقبة وحماية الحق في محاكمة عادلة و منصفة تكفل حقوق الدفاع بوجه عام، وذلك بحثها الدول على ضرورة تدعيم الانصاف و المصالحة الوطنية و القطع مع سنوات الاضطهاد والانتهاكات المجحفة لحقوق الانسان.

كما يمكن أيضا للقاءات و المؤتمرات المتواصلة حول إرساء هذا الحق مع ممثلي الدول معرفة و طرح اإلشكاليات و المعيقات التي تحول دون احترام حقوق الدفاع أثناء المحاكمات، واقتراح الحلول و التوصيات الداعمة لتجاوز هذا الخلل.

كما ال ننسى أيضا دور المجالس الوطنية لحقوق اإلنسان التي تعد آلية فعالة في حماية المكتسبات المحققة في هذا الصدد، من خلال المراقبة التي يخضع لها من طرف هيئة الأمم المتحدة18 في شقها المتعلق بحماية حقوق الانسان، التي تلزمه برفع تقارير سنوية حول أوضاع حقوق الأفراد داخل سيادة الدولة، مع إمكانية إرسال لجن دولية محايدة لتقصي الحقائق و النزول إلى الواقع لملامسة مدى احترام هذه الدول لحقوق الانسان، التي يعتبر مبدأ المحاكمة العادلة من ضمنها.

من خلال ما سبق يتبين أن المشرع المغربي أبدى وجود إرادة حقيقية تسعى لتقوية وتوطيد مبادئ المحاكمة العادلة، وذلك بدءا من تكريسه لهذا المبدأ مسطريا وإجرائيا، أي قانون المسطرة الجنائية، وكذا ارتقائه بضماناته دستوريا، إذ يعتبر ذلك ترجمة فعلية لتوصيات المواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الانسان.
ولكن رغم كل هذه التوصيات والضمانات المكفولة لهذا المبدأ، فإنها تبقى رهينة الستجابة فعلية من إرادة بشرية ذات حس وطني وضمير مهني من أجل حمايتها من الانتهاك والارتقاء بها

المراجع
رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، حول موضوع "استقلال السلطة القضائية بالمغرب "2016-2015."
دستور المملكة )2011.)
قانون المسطرة الجنائية.
1- الفصول 22 و 23 من دستور المملكة.
2- ينص الفصل 120 من الدستور المغربي على ما يلي: '' لكل شخص الحق في محاكمة عادلة وفي حكم يصدر داخل أجل معقول.
حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم ''.
3- ينص الفصل 117 من الدستور على ما يلي "يتولى القاضي حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي،وتطبيق القانون".
4- أسامة عبي، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، حول موضوع "استقلال السلطة القضائية بالمغرب " 2016-2015ص 1.
5- الفقرة الأولى من الفصل 107 من دستور 2011.
6- الفقرتين الأولى و الثانية من الفصل 109 من الدستور.
7- أسامة عبي، المرجع السابق ص 8.
8- الفصل23 و 119 من الدستور و المادة الأولى من ق,م,ج على حد السواء.
9- هذا ما كرسه المشرع في الفصلين 22و 23من الدستور.
الفصل 120 من الدستور. 10
يستفاد من مقتضيات الفصلين616 و 620 من ق.م.ج. 11
الفصل 118 من الدستور. 12
13 .الدستور من 125،124 ،123 الفصول
14- تسمى أيضا اتفاقية حماية حقوق الانسان في نطاق مجلس أوروبا ،أبرمت في مدينة روما الايطالية يوم 4 نوفمبر سنة 1950.
15- تم توثيقه من قبل أعضاء منظمة الوحدة الافريقية في نيروبي (كينيا) يونيو 1981.
تهتم بكل قضايا حقوق الانسان،أسست سنة 1961 ،يقع مقرها في لندن (انجلترا). 16
وثيقة حقوق دولية تمثل الاعلان الذي تبنته الأمم المتحدة في 10 دجنبر لسنة 1948 في قصر شايو بباريس.- 17
18- منظمة عالمية تأسست بتاريخ 24 اكتوبر 1945 بالولايات المتحدة االمريكية تهدف إلى الحفاظ على السلام والأمن الدوليين و حماية حقوق الانسان.

بقلم ذ ادريس شهبون
طالب مجاز في القانون الخاص