القانون العام

بقلم ذ لحسن الحميدي
الباحث في القضاء الإداري
تحت عدد: 265
المجلس الوطني لحقوق الإنسان مؤسسة دستورية مغربية تتمتع بمكانة خاصة في بنية الدولة المغربية

والمفروض في هذا النوع من المؤسسات أن يقف في مكان محايت عن كل تجاذب ذو طبيعة إيديولوجية ينقص من الفعالية الحقوقية،يرجعنا إلى نقاشات تنتمي حصرا إلى دائرة الثراء الفكري المنفصل انفصالا تاما عن الواقع المغربي العميق.

ولأن الدور الذي يلعبه المجلس أصبح دورا حاسما تراقبه المؤسسات الخارجية قبل الداخلية، فقد أصبح له دور متعاظم في الساحة الحقوقية والقانونية.هل ينبغي أخذ توصيته للمساواة في الإرث بين الرجل المرأة على محمل الجد؟

أعتقد أن الجواب هو بالإيجاب، ذلك أن المجلس في الحقيقة عندما يثير مبدأ المساواة في المغرب فهي دعوة صريحة لاقتحام النص القرآني أي دعوة للخوض في المقدس والمطلق.

وبعيدا عن ما أسماه البعض تدنيس المقدس أو التشكيك في القول القرآني، أو ما أسماه البعض أجندة الدولة العميقة لإضعاف الحكومة الحالية وتصويرها على أنها تعرف نكوصا حقوقيا، وبعيدا عن ما يعتبره البعض تغييب لقضايا حقيقية تهم المواطن المغربي...فإن الأمر مع ذلك يحتاج إلى تناول أكثر هدوء من الناحية العلمية.وهنا اسمحوا لي ببعض الملاحظات الأولية.

ملاحظات أولية

الإرث من المعاملات القليلة التي حضيت في النص القرآني بالتفصيل مما اعتبره المشرع تقييدا بالنظر إلى المرجعية القانونية المغربية.

الإرث من المقتضيات ذات الطبيعة الدينية مما يجعلها تمارس نوع من السلطة الديكتاتورية في اللاوعي الجمعي للمغاربة وأي رأي يكون مخالفا لهذا المقتضى يسقط صاحبه في المحرم والمحضور وهذا في التمثل الجمعي لا يصدر إلا عن مارق أو زنديق أو كافر...

الريادة والدور الحقيقي في أمور الدين والفتوى هي اختصاص حصري لإمارة المؤمنين بمنطوق النص الدستوري خاصة ما يتعلق بالفتوى وتوحيدها وتعديلها...

المساواة هو حق لا يؤخذ على إطلاقه، حيث عبرت المرجعيات الناظمة والمؤسسة لحقوق الإنسان أن مبدأ المساواة ينبغي أن يجاور مع اللامساواة أحيانا، أو بصيغة أخرى العدالة الحقيقية تنجز بالإنصاف حتى يتم تجاوز عيوب المساواة والتي قد تتحول إلى ظلم حقيقي.

أن المغرب للأسف ومن خلال الكثير من التقارير الدولية والمحلية يعاني من غياب الإنصاف في ولوج الخدمات العامة في التعليم والصحة وبعض الحقوق السياسية....

إن النقاش المثار حول الإرث سيعطي الانطباع دائما على أن المغرب يحكمه تيارين لا غير. الأول رجعي إسلامي، والآخر حداثي يتمنى القطيعة مع الهوية ويشكك في الذات...في حين أن المغرب يعرف أيضا أولائك الذين يحبذون التركيب والمنهج الجدلي الذي يرفض التبسيط والاختزال.

إن هناك قناعة بدأت تترسخ شيئا فشيئا، مؤداها أن السرعة التي تمت بها صياغة الدستور الجديد أفرزت وثيقة يناقض بعضها بعضا...

نحو مقاربة علمية

بغض  النظر عن السياق السياسي والحقوقي الذي أثيرت فيه هذه المسألة فإن مسألة التأمل في قضية الإرث تستحق التوقف من خلال ما يعتري النص الدستوري من عيوب ثم إشكاليات تطبيق مبدأ المساواة في الإرث ثم بعض التصورات الأولية لرفع هذا اللبس.

1-النص الدستوري ومبدأ المساواة في الإرث

بالرجوع إلى الديباجة الدستورية، يتضح أن المغرب حسم في مرجعياته التشريعية والحقوقية من خلال الاعتراف بالدين الإسلامي كدين رسمي للدولة المغربية واعتبار الشريعة الإسلامية مصدرا تشريعيا.لكن في الوقت نفسه الاعتراف بالمواثيق الدولية المنظمة لحقوق الإنسان كما هو معترف بها دوليا ...

إن الاعتراف بالمرجعتين  كمؤطرين للعمل التشريعي يجعل المشرع المغربي في حرج حقيقي وذلك كلما تعارضت المرجعتان في نازلة معينة. ذلك أن النص الدستوري لم يعلن صراحة عن التشريع ذو الأولوية في التطبيق. إن التعاقدات الما فوق دستورية ترجح كفة المواثيق الدولية والتي تسمو عادة عن التشريع المحلي. لكن هل الشريعة الإسلامية تشريع محلي؟

 كثيرة هي الدراسات التي اعتبرت أن المواثيق الكونية لحقوق الإنسان هي من صلب الشريعة والتي أرسلت للناس كافة، وهي مرجعية في الحق السماوي والذي سمي طبيعيا مع هوبز ولوك وروسو...هذه إشكالية تحتاج إلى بحث خاص سياسي وأنثربولجي جريء يكشف العلاقة بين الخصوصية والكونية...

ينبغي الانتباه إلى أن التشريع الديني هو تشريع بالإضافة إلى قدسيته فهو إطار ناظم للتشريع الوطني من حيث هو إطار نظري، لكن ما إن يتم تنزيله في إطار قواعد ملزمة عملية فهو يخرج إلى حيز التنفيذ، ليس في شكل نص قرآني. لأن في التنفيذ ما يفيد أن الواقع لا يرتفع وأننا دولة مدنية بمؤسسات دستورية، قد تجد لها في الدين الإسلامي مرجعا، كما قد تجده في غيره مما ينفع الناس.إن المرجعية الدينية لا تعني أن تتوقف أحوال الناس لمجرد الجمود الفقهي لأن النص القرآني يصير جامدا بقدر جمود العقل وعدم قدرته على النظر والتأويل.

وغني عن البيان أن قاعدة يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن قاعدة ذهبية تخرج المرء من النقل إلى العقل ونذكر بها كل منكر للاجتهاد في حضرة النص القرآني. وقد شهد الفكر الإسلامي نقاشات مماثلة أفضت في النهاية إلى صوابية الاعتراف بالضرورة الواقعية والمجتمعية...نحن هنا لسنا ضد النص القرآني نفسه لأن التشريع مثله مثل أمور الناس كلها يحتاج إلى الثابت إلى جانب المتغير.فالثابت في النص مبدأه وليس منطوقه. فالأحكام بمقاصدها. إن المبدأ المستوحاة من الآية الكريمة "للذكر مثل حظ الأنثيين " هو الإنصاف وإذا نظر لها كذلك زال اللبس وزالت الشكوك.

 

 

2-إشكاليات تطبيق مبدأ المساواة في الإرث

مبدأ المساواة هو مبدأ جوهري في إقامة الدولة وضمان استمرارها ودوام صلاحيتها. لكنه مبدأ لا يحمل على إطلاقه، لأنه قد يقود إلى الظلم إن لم يأخذ بعين الاعتبار الحالات الخاصة وحقوق الأقليات وإنصاف الفئات غير القادرة على مباشرة حقوقها...

وواقعيا فإن أحكام الشريعة فيما يتصل بالإرث عادة لا يتم الأخذ بها. ونجد لهذا الأمر مثالا على ذلك فيما يتعلق بمجلس الوصاية على أراضي الجموع. حيث استدركت السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة الداخلية عندما منحت الحق للنساء السلاليات الاستفادة من عائدات الأراضي السلالية . في الوقت الذي كان المقتضى القانوني المنظم يحرمهم هذا الأمر وكان المبرر وقتها وجود نص قانوني مقيد يرجع إلى عشرينيات القرن الماضي، ووجود حتمية سوسيوثقافية تتحكم في هذا الأمر. وبه فإن النص التشريعي كان يجانب المقتضى الديني أيضا. والإشكال في الحقيقة استمر عندما تحضر مجالس الوصايا المحلية استفادتها من هذه الحقوق، يترك لها مجلس الوصاية الوطني سلطة تقرير مقدار هذه الاستفادة أي يترك لها إما اعتماد القاعدة الشرعية للذكر مثل حظ الانثيين أو منحها نفس حصة الرجل.الحقيقة أن هذا المثال يضعنا في صلب الإشكال ذلك أن تمتيع المرأة في الحق السلالي منظم بدورية للسلطة التنفيذية وهو ما لا يرقى إلى درجة القانون، ومن جهة أخرى فترك السلطة التقديرية في يد مجلس الوطني فيه تعارض واضح مع مبدأ المناصفة. مع العلم أن قرارات مجلس الوصاية لا تقبل أي طريقة للطعن  طبقا للفصل 12 من القانون المنظم للأراضي السلالية.

يبدو أن مبدأ المساواة بين المرأة والرجل في الإرث وفي غيرها يصعب اختزاله في نقاش أيديولوجي لأنه إشكال يتقاطع فيه التشريعي بالسوسيولوجي وبالثقافي وبطبيعة الدولة المغربية نفسها...

3-تصورات أولية لدفع هذا اللبس

يمكن القول أن هناك عدة إشكاليات ينبغي معالجتها تتمثل أولها في ضرورة إخراج بعض القضايا من دائرة التجاذب السياسي والإيديولوجي وتصفية الحسابات بين الفاعلين، نظرا لحساسيتها داخليا وخارجيا .خاصة وأن سؤال الدين يسكن هواجس الأمة ويجعلها تسقط في التطرف والعنف.

ثم إن المرجعية الإسلامية  لمبدأ المساواة في الإرث، لا تتعارض مع المرجعية الكونية من حيث هي مرجعية تخاطب الإنسان بغض الطرف عن انتمائه.

ومنه لا يمكن الاستمرار في التخوف للخوض في نقاش هادئ حول النصوص الدينية لأن قطعيتها في أحكامها لا في منطوقها... وكما يقول عمر بن عبد العزيز "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثو من فجور"

ثم ألا يمكن القول أننا في حاجة إلى تجديد النص الدستوري عبر الحسم في عدد من المقتضيات التي تحمل   تعارضا داخليا.

إن اعتماد الشريعة الإسلامية كمصدر ينبغي أن يتجسد في الفرع ،أي التشريع القانوني العملي،إذ يمكن أن يتم اعتماد روح القاعدة القرآنية والتي تحيل على مبدأ الإنصاف. وهو مبدأ ينبغي أن يكون الموجه في اعتماد النصوص التشريعية الخاصة بالإرث أخذا بعين الاعتبار الضرورة الواقعية.

إذ لا يعني جمود المصدر التشريعي جمود النص القانوني  لأن فكرة العدالة رغم ما تتسم به من مطلق فهي لا تفترق عن الحياة المشتركة وأهدافها. فلا أحد يشكك في مبدأ المساواة نفسه أو النص القرآني نفسه وإنما هو تشكيك في القاعدة القانونية والتي قد تكون قاعدة سيئة لكنها صالحة أحيانا، وقد تكون جيدة إلا أنها غير قابلة للتطبيق أحيانا أخرى.فهذا التصور حول نسبية القاعدة القانونية وعدم كفايتها هي ضرورة وإن كان مصدرها النص القرآني...

إن المطلب الأساسي هو مطلب التركيب بالمعنى الجدلي للكلمة إنه تركيب المتناقض. إذ لا بد من تحديد سير الاتجاه ساء كان هذا السير يمينا أو شمالا.بمعنى ينبغي الحسم في مرجعية موحدة .وقد تكون كالتالي :إن المساواة الحسابية لا تكفي إذ يجب توزيع الأعباء بما يتناسب مع الوسائل ،وتوزيع الأرباح بالنسبة للحاجات أو الخدمة المقدمة،إن نسبية العدالة التوزيعية تثير قضية الاحترام الديناميكي للفرد بحيث لا يكفي باحترام ما يملكه الفرد، وإنما يجب إتاحة فرص الازدهار له بما يعادل المتوفر لدى الآخرين،غير أن هذه الفرص متصلة اتصالا وثيقا بنمو الحياة الاجتماعية الذي يمكن أن يتأثر بتوزيع الأعباء توزيعا يثبط همة المبادرات الشخصية.

 

 

 

بقلم ذ لحسن الحميدي
الباحث في القضاء الإداري
 


أعلى الصفحة