القانون الاجتماعي

بقلم ذ محمد بومدين
طالب باحث في القانون الخاص
تحت عدد: 246
تدخل المشرع المغربي شانه في ذلك شان مجموعة من التشريعات الدولية المتطورة و خص القضايا الاجتماعية

بمجموعة من القواعد الاجرائية و المسطرية تتباين في احكامها عن تلك المعمول بها في باقي القضايا الاخرى .و تعرف المساطر المتعلقة بهذا النوع من القضايا بالمساطر الخاصة .

و قد عمد المشرع الى وضع مثل هذه المساطر لاعتبارات تعود اصلا الى طبيعتها و الى اتصالها احيانا بحقوق لها صبغة خاصة بالنسبة للمتقاضين . و يمكن ان نذكر من بين هذه المساطر مساطر الأسرة، مساطر التجريح ومخاصمة القضاة، تحقيق الخطوط ودعوى الزور الفرعي، وتنازع الاختصاص ودعوى الحيازة…

               وتجد القضايا الاجتماعية ملاذا لها ضمن المسائل التي خصها المشرع المغربي بهذه القواعد المسطرية، فقد خصص قانون المسطرة المدنية الفصول من 269 إلى 294 للمسطرة في القضايا الاجتماعية، وذلك من خلال تنظيمه للمساطر الخاصة في القسم الخامس.، اذ بقراءة بسيطة لهذه الفصول يمكن القول بان خصوصيات المسطرة في المادة الاجتماعية همت كل مراحل الدعوى بدءا برفعها إلى حين الحكم فيها ومباشرة عمليات التنفيذ ،فالنزاعات المتعلقة بهدا النوع من القضايا تمس قوت المدعين فيها و عملهم و لذلك اعطاها المشرع عناية خاصة و افرد لها مساطر خاصة و قد ابتغى من وراء احداث هذه المساطر توفير الحماية الخاصة للاجير الطرف الضعيف لكن دون اغفال المحافظة على حقوق المشغل.

وسنعمل من خلال هذا العرض، إبراز بعض هذه الجوانب التي تستدعي مزيدا من البحث والتحري مع الاستشهاد بمجموعة من قرارات المجلس الأعلى الصادرة في هذا المجال علما بان التعديلات التي ادخلها المشرع على قانون المسطرة المدنية سنة 2004 او سنة 2005 او حتى سنة 2011 لم تطل القضايا الاجتماعية بل نجد حتى مدونة الشغل نفسها التي صدرت بالقانون رقم 99.65 بتاريخ 11 شتنبر 2003 لم تأت بجديد مهم اللهم بعض القواعد الإجرائية المتعلقة بحل النزاعات الجماعية، فأين تتجلى اذن خصوصيات مسطرة هذه الدعاوى الاجتماعية بدءا من رفع الدعاوى إلى حين الفصل فيها؟ وما هي الإشكاليات التي تعرفها قواعد الطعن ضد الأحكام الصادرة في المادة الاجتماعية؟ وما هي الصعوبات التي يمكن أن تعترض تنفيذ هذه الأحكام ؟ وما مدى إعمال قواعد التحكيم في هذا النوع من المساطر؟

تلك إذن أهم التساؤلات التي سنحاول الاجابة عنها قدر الإمكان من خلال المحورين التاليين:

المبحث الأول: كيفية ممارسة الدعوى في القضايا الاجتماعية

المبحث الثاني: إشكاليات الطعن وتنفيذ الأحكام الاجتماعية وقواعد التحكيم

المبحث الأول:كيفية ممارسة الدعاوى في القضايا الاجتماعية

المطلب الأول: تأليف المحكمة ورفع الدعاوى

الفقرة الأولى: تأليف المحكمة

     بمقتضى القانون 34.10 المغير والمتمم لظهير 15 يوليوز1974 المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة أصبحت المحاكم الابتدائية تقسم إلى محاكم ابتدائية مدنية، و ابتدائية اجتماعية، وأخرى زجرية. وتضم المحاكم الابتدائية الاجتماعية علاوة على أقسام قضاء الأسرة، غرف حوادث الشغل والأمراض المهنية وغرف نزاعات الشغل، كما استثنى المشرع القضايا الاجتماعية من قضاء القرب بصريح المادة 10 من قانون42.10 المتعلق بتنظيم قضاء القرب وتحديد اختصاصاته حيث أكدت على أنه :” يختص قاضي القرب بالنظر في الدعاوى الشخصية والمنقولة التي لا تتجاوز قيمتها خمسة آلاف درهم، ولا يختص في النزاعات المتعلقة بمدونة الأسرة والعقار والقضايا الاجتماعية والإفراغات”

فبعدما كان يبث بتشكيلة جماعية في نزاعات الشغل بحضور ثلاثة قضاة و كاتب ضبط عاد الفصل4 من ظهير التنظيم القضائي المعدل،الى نظام القضاء الفردي حين صرح بأنه:” تعقد المحاكم الابتدائية بما فيها المصنفة جلساتها… بقاض منفرد وبمساعدة كاتب الضبط،…”

     ويشارك القاضي عند البت في النزاعات المتعلقة بالشغل أو الخلافات الناشئة بين المشغل والأجير أربعة مستشارين متساويين بين الأجراء والمأجورين، في حين يبت القاضي وحده دون مشاركة هؤلاء في قضايا حوادث الشغل والأمراض المهنية.

ورغم إشارة الفصل 270 إلى مشاركة المستشارين في تأليف هيئة الحكم إلا انه و نظرا لعدم صدور قرار مشترك بين وزير العدل و وزير التشغيل فان المحاكم تبث دون حضور المستشارين لعدم تعيينهم وفق المسطرة المنصوص عليها في المرسوم 633.74.2 الصادر بتاريخ 28 شتنبر 1974 الجريدة الرسمية عدد3230 في 30/09/1974 ص 2792 .

وهنا تطرح إشكالية مدى صحة الحكم و قابليته للبطلان لعدم حضور المستشارين وعدم توقيعهم، بحيث ذهب البعض إلى اعتبار تشكيل المحكمة من النظام العام وبالتالي احترام مقتضيات المادة 270 تحت طائلة عدم صحة الحكم، وذلك لأنها من خصوصيات الدعاوى الاجتماعية و حقيقة يتعين احترام مشاركة هؤلاء المستشارين حفاظا على خصوصيات القضايا الاجتماعية الا انه من الناحية العملية تبدو العملية مستحيلة وفق ما ذكر اعلاه .

الفقرة الثانية: رفع الدعوى إمام المحكمة المختصة

من خلال هذا الفصل 272 من ق.م.م الدي ينص على أنه:” تطبق القواعد المتبعة أمام المحاكم الابتدائية ما لم تكن منافية للمقتضيات الآتية ” يتبين أن شكليات تقديم الدعوى الاجتماعية هي نفسها التي يتطلبها المشرع للدعاوى المدنية بشكل عام، بالإضافة إلى ما أحال عليه صراحة في الفصول الأخرى.

وعليه، فان الدعوى الاجتماعية ” ترفع إلى المحكمة الابتدائية بمقال مكتوب موقع عليه من طرف المدعي أو المدعى عليه أو وكيله، أو بتصريح يدلي به المدعي شخصيا ويحرر به أحد أعوان كتابة الضبط المحلفين محضرا يوقع من طرف المدعي أو يشار في المحضر الا انه لا يمكن له التوقيع”. مع مراعاة المساطر المتطلبة في حالة توجيه الدعوى ضد جماعة محلية او مؤسسة عمومية بادخال كافة الاطراف في الدعوى و من بينها على الخصوص الدولة المغربية في شخص رئيس الحكومة و كدا العون القضائي .

الا انه على مستوى الواقع و ان كان الاجير له الخيار بين التصريح الشفاهي او مقال مكتوب فانه من الناحية العملية و نظرا لكثرة مهام كتابة الضبط و عدم وجود مطبوع خاص بالتصريح فانه لا يتم قبول رفع دعوى بموجب تصريح شفوي لدى كتابة الضبط و ترفع الدعاوى فقط بمقالات مكتوبة بواسطة محام .

لكن الإشكالية هي ما جاءت به المادة 32 من قانون المحاماة لسنة 1993 والتي اعترفت للمحامين وحدهم بأهلية تقديم المقاﻻت و اﻻستنتاجات والمذكرات الدفاعية في جميع القضايا باستثناء القليل منها : قضايا الحالة المدنية، قضايا النفقة القضايا التي يبث فيها ابتدائيا و انتهائيا و كدا قضايا الجنح و المخالفات قانون المحاماة 28.08 الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5680بتاريخ 06/11/2008 ص 4044 .

وعلى أية حالة فمسألة اﻻستعانة بمحامي تبدو كتوجه فرضته مجموعة من العوامل السياسية واﻻقتصادية والاجتماعية، وﻻعلاقة لها بطبيعة المسطرة هل هي كتابية أم شفوية، وبالتالي فتقريرها يحتاج إلى نص تشريعي ﻻ إلى تبرير فقهي . ويظهر من قراءة النصوص الجديدة لقانون مهنة المحاماة والتعديلات التي أدخلت على بعض فصول المسطرة المدنية لسنة 1974 ، أن موقف المشرع من هذه المسالة أصبح واضحا في اتجاه اطﻼق اﻻستعانة بالمحامي في جميع المساطر القضائية .

لكن كان الأولى على قانون المحاماة أن يساير مقتضيات المادة 31 و 32 من قانون المسطرة المدنية التي يسمح فيها للمعنيين بالترافع أمام المحاكم في القضايا الاجتماعية دون الحاجة إلى تعيين محامي لهذا الغرض، وذلك للبساطة والخصوصيات التي أفردها المشرع لهذه القضايا.

و ادا كان الاصل في رفع الدعاوى امام المحكمة ينعقد لمحكمة الموطن الحقيقي او المختار للمدعى عليه وفق ما نص عليه الفصل 28 من ق م م فانه استثناءا من هدا المبدا العام يحدد الاختصاص المحلي في القضايا الاجتماعية كما يأتي:

1 –  في دعاوى عقود الشغل و التدريب المهني، أمام محكمة موقع المؤسسة بالنسبة للعمل المنجز بها أو محكمة موقع إبرام أو تنفيذ عقدة الشغل بالنسبة للعمل خارج المؤسسة؛

2 –  في دعاوى الضمان الاجتماعي، أمام محكمة موطن المدعى عليه؛

3 –  في دعاوى حوادث الشغل، أمام المحكمة التي وقعت الحادثة في دائرة نفوذها؛

غير أنه إذا وقعت الحادثة في دائرة نفوذ محكمة ليست هي محل إقامة الضحية جاز لهذا الأخير أو لذوي حقوقه رفع القضية أمام محكمة محل إقامتهم؛

4 –  في دعاوى الأمراض المهنية، أمام محل إقامة العامل أو ذوي حقوقه.

الا انه و رغم ان المشرع حاول قدر الإمكان الحفاظ على مصالح الاجير فان ارباب العمل يفرضون شروطا تخالف ما نصت عليه المادة 28 من ق م م في عقود الشغل بخصوص الاختصاص المكاني و الدي لا يعتبر اساسا من النظام العام مع العلم بان هدا الامر يرهق الاجير و لا يحقق المصلحة التي توخاها المشرع من وراء سنه لهده القواعد الاستثنائية و بالتالي كان على هدا الاخير ان يقرر حماية خاصة لفائدة الاجير في القضايا الاجتماعية و يمنع الاتفاق على مخالفة الاستثناءات المذكورة .

المطلب الثاني: إجراءات الدعاوى الاجتماعية

الفقرة الأولى: قواعد الاستدعاء والتبليغ

من خلال المادة 274 وطبقا للشروط الواردة في الفصول 37 و38 و39 من المسطرة المدنية فإنه يتم استدعاء الأطراف قبل تاريخ الجلسة بثمانية أيام ، لكن من الناحية الواقعية نجد بأن ما تتميز به مسطرة الاستدعاء والتبليغ مغاير لهذه المقتضيات ، وهكذا عند التطرق إلى المادة 40 من نفس القانون نجد أن المشرع أعطى أجالا أخرى من حيث تاريخ الاستدعاء وتاريخ الحضور،وأفردها بآثار تحت طائلة بطلان الحكم في حالة عدم احترام هاته الآجال الخاصة ، على عكس المادة 274 التي لم ترتب اي جزاء.

وأوجب الفصل 275 حضور الأطراف في الجلسة الأولى شخصيا إلا أنه من الناحية العملية فإن هذا الحضور لا يتحقق ، لأن أرباب العمل يفضلون تنصيب محام عنهم أو بعث أحد ماجوريهم المكلفون بإجراءات التقاضي للقيام بالمطلوب و الاشكال الدي يطرح هو الجزاء القانوني على عدم الحضور الشخصي للاطراف .هل يترتب عليه بطلان اجراءات سير الدعوى ام انه يرتبط بمدى حصول الضرر وفق ما ينص عليه الفصل 49 من ق م م الدي يربط الاخلال الشكلي بالضرر، الا انه ادا قررت المحكمة اجراء بحث بين الاطراف فانه يستوجب حضورهم امامها و الا رتبت المحكمة الاثار القانوني بما فيها التصريح بعدم قبول الدعوى بالنسبة للاجير .

غير انه يمكن للأطراف أن يؤازروا من طرف وكيل معين حالة تعذر الحضور الشخصي وبمقتضى إذن المحكمة لإنابة من يقوم مقامهم في الدعوى، وذلك لتسهيل وتبسيط المسطرة ومحاولة تسريعها و ابعادها عن كل التعقيدات الشكلية التي قد تعصف بالحقوق عند عدم اخدها بعين الاعتبار .

الفقرة الثانية: المساعدة القضائية و قواعد الصلح

أولا: المساعدة القضائية

لقد عمد المشرع المغربي من خلال قانون المسطرة المدنية المادة 273 من م.م. إلى منح الأجير امتيازا مهما، يتجلى في المساعدة القضائية، أي إعفاءه من الرسوم القضائية و واجبات التسجيل وأتعاب المحامي والخبراء ومصاريف الشهود وأيضا الرسوم المقررة ورسوم التنفيذ و أجر نشر الإعلانات القضائية الا انه بالنسبة للخبراء و الشهود فتستخلص اتعابهم طبقا للقانون المتعلق بالمصاريف القضائية اما بالنسبة للمحامي فانه لم يصدر بعد المرسوم التطبيقي المشار اليه في قانون المحاماة المتعلق بتحديد قيمة الاتعاب و كيفية صرفها ، وبصفة عامة يبقى الاجير معفاى من كل المصاريف التي يتحملها الخصوم منذ تقديم المقال الافتتاحي وإلى حين صدور الحكم وتبليغه والطعن فيه عند الاقتضاء. وهذه المجانية لا تقتصر على المأجور فقط بل تتعداه إلى ذوي حقوقه.

لكن الاشكال هو ان المشرع قد حصر هذه المساعدة في المرحلة الابتدائية و الاستئنافية دون مرحلة النقض بالرغم من كونها أهم مرحلة في سير الدعوى سواء من حيث حسمها في القضية أو من حيث ارتفاع تكاليفها حيث يتوجب على الأجير عند تقديم المقال أن يؤدي في نفس الوقت الرسوم القضائية و إلا لم يتم قبول طلب النقض أمام المجلس الأعلى هذا ما لم يطلب الأجير المساعدة القضائية وفق نص الفصل 358 من ق.م.م”.يوقف اجل الطعن ابتداء من طلب المساعدة القضائية بكتابة ضبط المجلس الأعلى و يسري هذا الأجل من جديد من يوم تبليغ مقرر مكتب المساعدة القضائية للوكيل المعين تلقائيا و من تبليغ قرار الرفض للطعن عند اتخاذه.” و ليس الفصل 273 من ق.م.م.

و قد ذهب العمل القضائي إلى أن الطعن بالنقض يوجب أداء الوجيبة القضائية وهو ما جاء في القرار الاستئنافي عن محكمة الدار البيضاء بعدد 552 بتاريخ 9-11-1987 وكذلك المجلس الأعلى من خلال قرار غرفته الاجتماعية رقم 552 بتاريخ 9-11-1987 في الملف الاجتماعي عدد 494/87 مجلة المحاكم المغربية ، عدد 51 ،1987.

وإن كانت المساعدة القضائية قد وضعت أساسا لتحقيق التوازن بين طرفي علاقة الشغل من حيت اللجوء إلى القضاء ، فإنه ما يعاب عليها أن بعض المأجورين استغلوا هذا الأمر وصاروا يبالغون في مطالبهم ، وعندما يحكم لهم بمبلغ وهو يقل كثيرا من الناحية الواقعية عن المبلغ المطلوب ، فإن المحكوم عليه يتحمل صائر الدعوى باعتباره الخاسر لها ،كما يضطر لاستئناف الحكم وأداء الرسوم القضائية.

لذلك وحفاظا على حقوق الأطراف ومراعاة لمقتضيات الفصل 5 من قانون المسطرة المدنية والذي يوجب على كل متقاض أن يباشر الدعاوى بحسن نية فإنه من الأجدر أن تقتصر المساعدة القضائية على المبلغ المحكوم به فقط سواء أشار الحكم إلى ذلك أم لا.

كما أن الأجير يقع في كثير من الأحيان في مشكل تقاعس المحامي في تتبع القضية والعناية بها بل قد يتماطل حتى في مرحلة التنفيذ، الشيء الذي يزيد من أمد النزاع ويحرم الأجير من الاستفادة من التعويضات والمستحقات في الوقت المناسب.

وأمام هذا الوضع، نادى البعض بضرورة اعتماد معيار الأجر الشهري للاستفادة من المساعدة القضائية.

وكذلك تحديد نوع الأجراء الذين يستفيدون من المساعدة القضائية أو يوضع الحد الأقصى للمبالغ المشمولة بالمساعدة القضائية ويؤدى عن الباقي.

وعموما فإنه من خاصية الدعاوى الاجتماعية ذات طابع حمائي للطرف الضعيف في عقد الشغل وهو العامل وهذا ما ميزه بالاستفادة من المجانية دون رب العمل او المؤاجر الدي عليه ان يؤدي ما يفرضه القانون من رسوم و وجيبة قضائية .

ثانيا: الصلح

أدت التطورات الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية التي عرفها العالم الى بروز ما أصبح يعرف بأزمة العدالة، لعدم قدرة القضاء على مواكبة هذه التطورات ، لهدا عملت جل التشريعات المقارنة على البحث عن وسائل جديدة تشكل بديلا للقضاء ، حتى تتمكن من مسايرة التطورات التنموية التي فرضتها المتغيرات الجديدة لهدا العصر و قد عملت جل القوانين الوضعية المعاصرة على تنظيم الصلح و منها المغرب الدي اخد بهذه الوسائل البديلة لحل النزاعات حفاظا على المحبة و الوئام بين الافراد و تشجيعا للحوار و السلم الاجتماعي و من هدا المنطلق برز موضوع الصلح في نزاعات الشغل الدي يعتبر أهم الخصوصيات التي تتميز بها الدعوى الاجتماعية فقد ورد في الفصل 277 من المسطرة المدنية أنه: ” تحاول المحكمة في بداية الجلسة التصالح بين الأطراف ”

فالصلح إجراء إجباري يتعين على المحكمة أن تقوم به تحت طائلة بطلان الحكم وهو ما أكده المجلس الأعلى في في عدة قرارات ” حيث انه لا يوجد في الحكم المطعون فيه و لا من بين وثائق الملف ما يفيد ان القاضي قام بالإجراء المذكور مما يترتب عنه البطلان ” قرار رقم 163 بتاريخ 28 مارس 1988 منشور بالمجلة المغربية للقانون ع 1988/19 ص 247 و قرار رقم 2061 بتاريخ 16 دجنبر 1991 الملف الاجتماعي عدد 89/9384 منشور بمجلة المحامي العدد المزدوج 23-24 -1993 ص171 .

وفي حقيقة الأمر يعد الصلح أمرا إجباريا بناء على ما للقضايا الاجتماعية من خصوصيات لها علاقة مباشرة بالسلم الاجتماعي و بالأسرة و المجتمع اللذين يعد الأجير إحدى القوى التي يبنيان عليها و الذي يعزز ما يقوله الفصل 276 من قانون م.م الذي خرج عن القاعدة العامة في مجال التقاضي إذ لم يشترط كمال الأهلية كما أراده الفصل الأول من هذا القانون وإنما سمح استثناء بقبول الدعوى و بإجراء الصلح فيها و لو من شخص قاصر لم يبلغ بعد سن التقاضي لكن يبدو ان صياغة المشرع في الفقرة الثانية من الفصل 276 لم تكن موفقة اذ تتعارض مع القواعد العامة المنصوص عليها في قانون الالتزامات و العقود التي تستوجب النيابة القانونية بخصوص تصرفات القاصر خاصة ما نصت عليه المادة 04 من ق ل ع م ” ادا تعاقد القاصر و ناقص الاهلية بغير اذن الاب او الوصي او المقدم فانهما لا يلزمان بالتعهدات التي يبرمانها و لهما ان يطلبا ابطالها وفقا للشروط المقررة بمقتضى الظهير .” مما يطرح اشكالا عمليا هو في حالة ما اذا اقدم ولي القاصر في الطعن في هدا الصلح .

تقوم المحكمة بمحاولة الصلح بعد حضور الأطراف أو من يمثلهم بالجلسة وقد تنجح هذه المحاولة أو تفشل فإذا كتب لها النجاح وجب تثبيت ذلك في اتفاق وفق الشروط المنصوص عليها في الفصل 278 فلو تعلقت المصالحة بخلافات الشغل الفردية تم تثبيت ذلك بمقتضى أمر وهو نفس الشئ بالنسبة للتصالح بخصوص قضايا حوادث الشغل و الأمراض المهنية فقط يتعين إن يتضمن الأمر تاريخ وقوع الحادثة و تاريخ الشروع في الانتفاع بالتعويض أو أفراد وجميع العناصر المستعملة لتقدير التعويض أو الإيراد ومتى خصت محاولة الإصلاح قضايا الضمان الاجتماعي تثبيت بأمر يشمل جميع العناصر المستعملة لتقدير التعويضات والمعاشات المنصوص عليها في قانون الضمان الاجتماعي فالمصالحة تتطلب التوفيق بين الأطراف المتنازعة و هذا التوفيق قد يكون على حساب تطبيق القانون.

وكما يترتب على التصالح الالتزام بالاتفاق وبوضع حد للنزاعات التي كانت قائمة بين الأطراف بل و ينفذ بقوة القانون ولا يكون محلا لأي طعن.

أما إذا فشلت محاولة الصلح لسبب من الأسباب المذكورة في الفصل 279 المعدل بظهير 1993 وظهير 2000 كالاختلاف بين الأطراف أو عدم حضور أحدهم، يقوم القاضي المكلف بتحرير محضر بعدم المصالحة ويبت في القضية حالا أو يؤجلها إلى جلسة أخرى إذا اقتضت الضرورة ذلك هذا إذا كان الأمر يخص قضايا حوادث الشغل و الأمراض المهنية أما إدا تعلق بنزاعات الشغل فإنه على المحكمة أن تبث في الحال و ليس لها أن تؤخر إلى أجل أخر.

و كما يتضح فإن تخلف الأطراف عن الحضور هو من بين الأسباب الرئيسة التي تؤدي إلى فشل محاولة الصلح لأن المشرع افترض في الطرف الذي استدعي و لم يحضر رفضه محاولة الصلح لهذا ركز الفصل 279 على تخلف الأطراف .

أما الحالة الثانية فهي التي تكون فيها المحكمة متوفرة على العناصر الضرورية للبت في مطالب المدعي و تحكم عليه بحكم بمثابة حضوري و هذه أحكام كما هو جلي مختلفة تماما عما ورد في الفصل 279 رغم أنه يبدو محافظا على نفس القواعد العامة المعمول بها عند تخلف أحد الأطراف .

تبقى الإشارة إلى أن محاولة الصلح إجبارية في المرحلة الابتدائية فقط، أما أمام محكمة الاستئناف فغير ضروري الالتزام بها لأن المفروض أن الدعوى لا تبلغ مرحلة الاستئناف إلا إذا فشلت محاولة الصلح الابتدائية أما إذا نجحت فإن ذلك لا يجعل الدعوى تستمر لأنها تدخل مرحلة التنفيذ وبقوة القانون ولا يقبل الأمر بالمصالحة أي طريق من طرق الطعن، ويؤيد هذا الاتجاه قرار للمجلس الأعلى :” و حيث يعيب الطعن على القرار خرق الفصل 277 من ق.م.م لعدم قيام المحكمة بإجراء محاولة التصالح بين طرفي النزاع.

لكن حيث إن إجراء محاولة التصالح تتم أمام القاضي الابتدائي لا أمام محكمة الاستئناف وفيما يخص الحكم الابتدائي فإنه نص على تعذر تحقيق التصالح بين الطرفين مما يؤكد أن محاولة التصالح قد تمت ابتدائيا و لم تأت بنتيجة و بذلك فالوسيلة لا أساس لها ” قرار المجلس الأعلى.

من هنا نرى أن رغبة المشرع في عدم إطالة أمد النزاع أمام القضاء ليتوصل المصاب أو ذووه بحقوقهم في أقرب وقت أوجب على المحكمة إجراء محاولة التصالح بين الأطراف الا ان الملاحظ ان محاولة الصلح يكون دائما مالها الفشل امام المحكمة و للوصول الى الغيايت النبيلة التي استهدفها المشرع من خلال نصه على اجبارية هذه المسطرة ينبغي على المشرع اعادة النظر في الفصول المتعلقة بمسطرة الصلح في قانون م م و ذلك باعفاء قاضي الحكم من مهمة الصلح و العمل على انشاء هيئة مستقلة يعهد اليها صلاحية البث في الصلح قبل اللجوء الى القضاء على ان تضم في صفوفها خبراء متخصصين في قانون الشغل و دوي تجربة و كفاءات عالية بالاضافة الى صفات النبل و الاخلاق الحميدة تأسيسا للعدالة التصالحية التي تعتبر ثراثا اصيلا في المجتمع ينبغي احيائه .

المبحث الثاني: إشكاليات الطعن وتنفيذ الأحكام الاجتماعية وقواعد التحكيم

المطلب الأول:إشكاليات الطعن في الأحكام

الفقرة الأولى:التعرض

أحال المشرع في الفصل 286 ق م م الذي خصصه للتعرض على الأحكام الغيابية الصادرة في المادة الاجتماعية على القواعد العامة المنصوص عليها في الفصول من 130 إلى 133 من نفس القانون المنظم للتعرض كطريق من طرق الطعن العادية، إن على مستوى مجال التطبيق أو الإجراءات بل وحتى آثاره، فالأحكام الاجتماعية الصادرة غيابيا والتي لا تقبل الطعن بالاستئناف، يمكن الطعن فيها عن طريق التعرض وفق القواعد العامة، الا انه ينبغي التمييز بين الاحكام الابتدائية و القرارات الصادرة عن محكمة الاستئناف و قرارات محكمة النقض و الاوامر الاستعجالية فالاحكام الابتدائية القابلة للطعن بالتعرض هي الاحكام الغير القابلة للاستئناف اما هذه الاخيرة فتقبل التعرض بمجرد صدورها غيابيا في حق الطرف الدي تقدم بالطعن الا ان القرارات الغيابية الصادرة عن محكمة النقض لا تقبل التعرض الفصل 378 من ق م م و كدا الشان بالنسبة للاوامر الاستعجالية الفصل 153 من ق م م مع الاخد بعين الاعتبار بان العبرة في وصف الحكم بالغيابي ليس وصف المحكمة و لكن الوصف الحقيقي والقانوني للحكم مع العلم بان التعرض هو من بين الطرق العادية للطعن شانه في ذلك شان الطعن بالاستئناف له أثران موقف للتنفيد ما لم يكن الحكم مشمولا بالنفاد المعجل بقوة القانون او بامر المحكمة و ناشر للدعوى من جديد وبالتالي يبقى طريق الطعن بالتعرض لا يثير أي إشكال على مستوى الطعن في الأحكام اللهم ما تعلق بتنفيذ هده الاحكام .

الفقرة الثانية: الاستئناف

إذا كان المشرع قد أخضع التعرض للمبادئ العامة، فإنه عند تنظيمه لاستئناف الأحكام الصادرة في الدعاوى الاجتماعية أفرد لها قواعد خاصة، تختلف جوهريا عن تلك المعمول بها في القضايا المدنية الأخرى، وعليه فإن الاستئناف في القضايا الاجتماعية يعد من خصوصيات المساطر الاجتماعية.

لقد كان الفصل 287 حريصا على أن هناك أحكاما قابلة للاستئناف، وأخرى بمفهوم المخالفة غير قابلة للاستئناف، وقد أحسن المشرع صنعا لأنه بالرجوع إلى الفصلين 20 و21 ق م م، نجد فعلا أن ثمة تمييزا بين الأحكام القابلة للاستئناف في المادة الاجتماعية، مهما كانت قيمة النزاع فيها وهذا طبعا خلافا لما هو معمول به في الفصل 19 الذي يجعل 20 ألف درهم كاختصاص قيمي لا يمكن من خلاله الطعن بالاستئناف إلا فيما تجاوز هذا المبلغ، فالأحكام الصادرة في قضايا حوادث الشغل والأمراض المهنية والمعاشات الممنوحة في نطاق الضمان الاجتماعي للاستئناف بغض النظر عن قيمتها، أما باقي القضايا الاجتماعية فيبت فيها انتهائيا في حدود الاختصاص المخول للمحاكم الابتدائية والمحدد بموجب الفصل 19 المذكور وابتدائيا إذا تجاوز الطلب ذلك المبلغ أو كان غير محدود، ومن هنا تتجلى الخصوصية في اعتماد معيار نوع القضية الاجتماعية المعروضة.

أما من حيث المسطرة، فاستئناف الأحكام الصادرة في القضايا الاجتماعية له مسطرة خاصة لا علاقة لها بمقتضيات المادة 142 ق.م.م، إذ في إمكان المستأنف أن يبين أوجه استئنافه ولو بطريقة شفوية، ما دامت المسطرة شفوية في القضايا الاجتماعية ولو أمام محكمة الاستئناف.

ولئن كانت مقتضيات المادة 287 ق.م.م تخول المستأنف في المادة الاجتماعية الحق في تقديم استئنافه بواسطة تصريح لدى كتابة ضبط المحكمة الابتدائية أو بواسطة رسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل موجهة إلى هذه الكتابة، فهل يمكن تقديم هذا الاستئناف وفق مقتضيات الفصل 142 ق.م.م أي بموجب مقال مكتوب، أم أن الفصل 287 حصر طريقتي تقديم الاستئناف في التصريح وفي الرسالة المضمونة؟

جاء في قرار المجلس الأعلى رقم 826 بتاريخ 17 دجنبر 1984 في الملف الاجتماعي عدد 1512 :” إن الأصل في الاستئناف أن يقدم بمقال مكتوب، مستوف للشروط المتطلبة قانونا حسب مقتضيات الفصل 142 ق.م.م ، وإذا كان المشرع نص في الفصل 287 ق.م.م على كون الاستئناف في القضايا الاجتماعية يكون بتصريح بكتابة ضبط المحكمة الابتدائية أو برسالة مضمونة فإنه لم يقصد بذلك حصر طريقة الاستئناف في هاتين الوسيلتين، بل ترك للمستأنف اختيار الطريقة التي يراها أصلح وأسرع لتقديم طلب استئنافه، وغايته من مقتضيات الفصل 287 المذكور تسهيل الإجراءات المسطرية على العمال الطرف الرئيسي في الدعاوى الاجتماعية بتقديم استئنافهم بمجرد تصريح…”.

وسواء تم الطعن بطريق التصريح أو الرسالة،فإنه إذا ما تم داخل الأجل القانوني ، فإنه يمكن للمستأنف أن يقدم المذكرة الخاصة ببيان أسباب استئنافه في أي وقت، ما دامت القضية معروضة للمناقشة ولم تحجز للمداولة.

والملاحظ أن الاجتهاد القضائي للمجلس الأعلى سابقا محكمة النقض حاليا ذهب إلى اعتبار المسطرة في المادة الاجتماعية مسطرة شفوية حتى أمام محكمة الاستئناف.

بقيت الإشارة أنه بعد التعديل الأخير،أحدثت غرف للاستئنافات بالمحاكم الابتدائية، حيث أصبحت تبت في استئناف الأحكام الابتدائية إلى غاية 20 ألف درهم، ابتغاء للسرعة وتقريب المحاكم من المواطن، خصوصا وأن هذه الأحكام تمس شرائح اجتماعية جد حساسة وواسعة .

الفقرة الثالثة:الطعن بالنقض

على عكس طرق الطعن العادية المشار اليها اعلاه فان النقض يعتبر طريقا غير عادي للطعن و لا يترتب عن تقديم طلب النقض وقف تنفيد الحكم المطعون فيه و انما يبقى التنفيد قائما باستثناء ما نص عليه الفصل 361 من ق م م .

فالفصل 288 من قانون المسطرة المدنية ينص على أنه:” يمكن الطعن بالنقض في الأحكام الصادرة انتهائيا من طرف القاضي في القضايا الاجتماعية وكذا القرارات الصادرة عن غرفة الاستئنافات بالمحكمة الابتدائية أو عن محكمة الاستئناف طبق المسطرة العادية”، وهذا يعني أن المشرع لم يرتب للقضايا الاجتماعية خصوصية معينة على مستوى الطعن بالنقض، دون إغفال ضرورة جعل المسطرة كتابية على عكس الأمر أمام المحاكم الابتدائية أو محاكم الاستئناف، كما ترفع مجانية التقاضي في هذه المرحلة، حيث أن المتقاضي مطالب بأداء المصاريف القضائية المختلفة تحت طائلة عدم قبول الطلب كما انه و لقبول عريضة النقض لابد من ان تكون مكتوبة و موقعة من قبل احد المحامون المقبلون للترافع امام محكمة النقض و الا شطب تلقائيا على القضية و هدا ما يؤثر الى حد بعيد على حقوق الاجراء خصوصا ادا تضمنت الاحكام او القرارات اخطاءا يصعب تداركها بالمساطر الاخرى الممكنة .

المطلب الثاني: صعوبات التنفيذ وقواعد التحكيم

الفقرة الأولى:إشكاليات التنفيذ المعجل للأحكام الاجتماعية


نظرا للوضعية الحرجة التي تترتب عن نزاعات الشغل والتي تمس بالأساس الجانب المعيشي للأجراء لما يمثله العمل من ضمان للعيش الكريم للإنسان، فان القضايا الاجتماعية لها خصوصية تميزها عن باقي القضايا الأخرى واستجابة لهذه الخصوصية جعل المشرع الأحكام الصادرة في القضايا الاجتماعية مشمولة بالنفاذ المعجل بقوة القانون، حيث نص الفصل285 على ما يلي :” يكون الحكم مشمولا بالتنفيذ المعجل بحكم القانون في قضايا حوادث الشغل والأمراض المهنية، وفي قضايا الضمان الاجتماعي، وقضايا عقود الشغل والتدريب المهني رغم كل تعرض أو استئناف”.

و كما هو معلوم فالتنفيد المعجل اما ان يكون قضائيا او بحكم القانون و التنفيد المعجل القضائي نوعين اما اجباري في حالة تعهد معترف به او سند رسمي او حكم سابق و إما اختياري او جوازي و هو الخاضع للسلطة التقديرية للقاضي .

غير أن مسألة شمول الأحكام في القضايا الاجتماعية بالنفاذ المعجل قد كانت وما تزال محط خلاف بين الفقه والمحاكم الابتدائية للمملكة من جهة، وبين محاكم الاستئناف والمجلس الأعلى من جهة أخرى، وخاصة بالنسبة للقضايا الرامية إلى التعويض عن الطرد التعسفي، ويرجع هذا الخلاف بالأساس لتكييف الطبيعة القانونية لمسؤولية المشغل في قضايا التعويض عن الطرد، هل هي مسؤولية عقدية وبالتالي شمول الأحكام فيها بالنفاذ المعجل طبقا لأحكام الفصل 285 من ق م م، أم أنها مسؤولية تقصيرية قائمة على أساس الخطأ، وبالتالي خضوعها للقواعد العامة للتنفيذ المنصوص عليها في الفصل 147 من ق م م.

فمن خلال مقتضيات الفصل 285 المذكور يتبين أن المشرع لم يميز في قضايا الشغل بين النزاعات القائمة بين الطرفين خلال سريان عقد الشغل وبين تلك النزاعات التي تنشأ بسبب الطرد التعسفي والتي تضع حدا لعقد الشغل.

غير أن العمل القضائي وخاصة على مستوى محاكم الاستئناف والمجلس الأعلى قد ضيق من إعمال مقتضيات هذه المادة، حيث قضت بإمكانية إيقاف تنفيذ الأحكام الصادرة في قضايا نزاعات الشغل بشأن طلبات التعويض عن الضرر الناتج عن الفسخ التعسفي لعقد الشغل وطلبات التعويض عن عدم الإخطار.

وقد تبلور هذا الاتجاه من خلال عدة قرارات للغرفة الاجتماعية بالمجلس الأعلى ومنها القرار رقم 547 بتاريخ 17 ديسمبر 1979 في الملف الاجتماعي عدد 75306 الذي جاء فيه: (…لكن، حيث إن الأحكام الصادرة في شأن التعويض عن الطرد التعسفي نتيجة فسخ عقد الشغل، والخاضعة لتقدير المحكمة، باستثناء الحقوق التي يستمدها العامل بمقتضى النصوص التشريعية تبقى خاضعة لمقتضيات الفصل 147 من ق م م، ويبقى على القاضي أن يبين الظروف التي استند عليها الأمر بالنفاذ المعجل، لدى فإن محكمة الاستئناف كانت على صواب عندما استندت على مقتضيات الفصل 147 المذكور وقضت بإيقاف التنفيذ المعجل المأمور به من طرف القاضي الابتدائي الذي لم يبين الظروف التي استند عليها وبذلك تكون الوسيلة غير مبنية على أساس.

وتجدر الإشارة إلى أن المجلس الأعلى لم يكن يفرق في الأحكام الاجتماعية بين تلك الصادرة في إطار المسؤولية العقدية وتلك الصادرة في إطار المسؤولية التقصيرية أي المترتبة عن الطرد التعسفي.

وهكذا جاء في قرار الغرفة الاجتماعية رقم 66 بتاريخ 14 ماي 1977 في الملف الاجتماعي عدد59339 أنه: ” وحيث إن الأحكام الصادرة في قضايا حوادث الشغل والأمراض المهنية، وقضايا الضمان الاجتماعي وقضايا عقود الشغل تكون مشمولة بالتنفيذ المعجل بحكم القانون.

وحيث أن مؤسسة مصبرات لحلو للسمك تقدمت بطلب إيقاف تنفيذ الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف بأكادير … القاضي لفائدة السيد … بتعويضات عن الطرد التعسفي والرخصة السنوية والإعفاء من الخدمة.

وحيث إن الأحكام التي يمكن النظر في طلبات إيقاف تنفيذها هي تلك التي يأمر القضاة بحكم سلطتهم التقديرية بتنفيذها مؤقتا أما الأحكام التي تنفذ بقوة القانون فلا يمكن إيقاف تنفيذها”.

بل إن بعض محاكم الاستئناف ذهبت إلى حد إيقاف تنفيذ أحكام قضت بالأجرة وغيرها من مستحقات الأجير الناتجة عن تنفيذ عقد الشغل بحيثية أصبحت متداولة وهي: حيث إنه بالنظر إلى ظروف وملابسات القضية ارتأت المحكمة إيقاف تنفيذ الحكم المطعون فيه.

وقد استند أصحاب هذا الاتجاه في تبرير موقفهم على حجة قانونية وأخرى واقعية، فأما الحجة القانونية فتتمثل في كون المشرع قد استعمل في الفصل 285 من ق م م عبارة قضايا عقود الشغل مما يجعل شمول الأحكام الاجتماعية بالنفاذ المعجل مقصور على تلك الطلبات الناتجة عن عقد الشغل وليس عن فسخه.

وأما الحجة الواقعية فتتمثل في صعوبة إرجاع المبالغ المحكوم بها بعد إلغاء الحكم المطعون فيه، غير أن هذا الاتجاه الذي صارت عليه محاكم الاستئناف ومجلس الأعلى فيه خرق واضح لمقتضيات قانونية صريحة ،كما يؤخذ عليه عدم مراعاته لخصوصيات الدعاوي الاجتماعية التي ترتبط أساس بالجانب المعيشي للإنسان.

وقد دفع هذا الوضع البعض إلى مطالبة القضاء بالتمسك بالنص، وألا يتمادى في إيقاف الأحكام المشمولة بالنفاذ المعجل، كما ان اقتراح إحياء تجربة المحاكم الاجتماعية وما توفره من قضاء اجتماعي متخصص ملم بأدق التفاصيل والجزئيات المرتبطة بالقضايا الاجتماعية مما يجعل إمكانية صدور أحكام يمكن إلغاؤها أمام محاكم الاستئناف شيء نادر الوقوع.

الفقرة الثانية:قواعد التحكيم

يعد التحكيم من أهم الوسائل المعمول بها في حل حلافات الشغل الجماعية، وقد نصت عليها مدونة الشغل، وهي مؤسسة حظيت بعناية خاصة قبل صدور المدونة من خلال الفصول من 306 إلى 327 من المسطرة المدنية، لكن من الناحية العملية لا يتم اللجوء إليها إلا نادرا، لكن ما يهمنا في الموضوع هو ما أقرته المادة575 من مدونة الشغل التي حددت الجهة التي يتم الطعن أمامها في القرارات التحكيمية الصادرة في نزاعات الشغل الجماعية وهي الغرفة الاجتماعية بالمجلس الأعلى.

وتتولى هذه الغرفة البت في الطعون المقدمة أمامها بسبب الشطط في استعمال السلطة أو بسبب خرق القانون (المادة 576)، وبالتالي تكون المدونة قد خالفت المادة 359 من المسطرة المدنية ، التي أضافت إلى جانب هذين السببين ثلاثة أسباب أخرى وهي خرق قاعدة مسطرية أضرت بأحد الأطراف، وعدم الاختصاص، وعدم ارتكاز الحكم على أساس قانوني أو انعدام التعليل، وقد حدد أجل تقديم الطعن في 15 يوما على عكس الطعن بالنقض أمام المجلس الأعلى المحدد في 30 يوما من تاريخ التبليغ، بل وتبسيطا لهذه المسطرة لا ضرورة للالتزام بشكليات الفصول 354 وما يليها،حيث يمكن ممارسة الطعن بواسطة رسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل، والميزة الأخيرة فريدة ولا وجود لمثيل لها في قانون المسطرة المدنية، وهي أن الطعن مرتبط بآجال قصيرة جدا، حيث تصدر الغرفة الاجتماعية قرارها في أجل أقصاه ثلاثون يوما من تاريخ تقديم الطعن، ويبلغ إلى الأطراف خلال 24 ساعة الموالية لتاريخ صدوره.

خـــاتمة:

ان الطبيعة الخاصة للقواعد المسطرية والإجرائية المنصوص عليها في المادة الاجتماعية، هي التي جعلتها متميزة عن تلك المعمول بها في باقي القضايا الاخرى ذات الصبغة المدنية.

وهذه الخصوصيات – كما أشير إليه أعلاه – تعكس الطابع الذي يتميز به قانون الشغل ذاته، حيث يروم أساسا إلى حماية حقوق الطرف الضعيف اقتصاديا في العقد، وبهذه الحماية القانونية، سيتحقق التوازن بين التزامات المتعاقدين، فإذا كان المشغل أقوى اقتصاديا، فإن العامل أقوى قانونيا، وهي معادلة تجعل الاقتصادي والقانوني في تجاذب مستمر لكن الملاحظ على الصعيد الدولي خاصة بعد الازمة الاقتصادية الاخيرة ان التشريعات الدولية اصبحت تميل اكثر الى حماية ارباب العمل للتشجيع على الاستثمار وجلب رؤوس الاموال و بالتالي و امام ندرة الموارد المالية حتى على الصعيد الدولي هل سيستمر المغرب في حماية هدا التوازن .

ولتحقيق مختلف الرهانات والتطلعات المعقودة على القضاء الاجتماعي لابد من ان تتسم الإجراءات المسطرية امام المحاكم باليسر والمرونة والسرعة المطلوبة للبت في القضايا والإسراع بتنفيذ الأحكام، بشكل يبث الثقة في نفوس الأجراء، ويضمن تمكينهم من مستحقاتهم في الوقت المناسب، ويشجع على الولوج السهل للخدمة القضائية وممارسة حق التقاضي المكفول دستوريا و لن يتأتى ذلك إلا بإنشاء قضاء متخصص في القضايا الاجتماعية نظرا لكثرتها على غرار باقي المحاكم المختصة الأخرى .

بقلم ذ محمد بومدين
طالب باحث في القانون الخاص
 


أعلى الصفحة