قانون الأعمال

بقلم ذ عدنان بوشان
باحت في قانون الشغل والعلاقات المهنية
تحت عدد: 485
يمكن تعريف المغادرة التلقائية باعتبارها ترك الأجير

لشغله اختيارا منه ودون صدور أي خطأ من طرف المشغل، وهي بذلك غالبا ما تُعْتَمد من طرف المشغل كدفع لرد دعوى الأجير بالفصل التعسفي، وإذا كانت المغادرة التلقائية كمفهوم قانوني لم يكن له أي وجود في قانون الالتزامات والعقود ولا في قانون الشغل القديم، فإنه يجد مرجعيته في الاجتهاد القضائي الذي ابتدع هذا المفهوم مند زمن بعيد، و بالعودة إلى الأعمال التحضيرية للقانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل خاصة المادة 63 فإننا لا نجد أي ما يمكن تسجيله بخصوص حضور هذا المفهوم، وبالتالي انتفاء إمكانية القول بتأثر واضعي هذا المشروع بالاجتهاد القضائي، فقد كان حضوره في آخر لحظة وقبيل التصويت على هذا النص، وعليه فإن المشرع المغربي قد عمد إلى تخصيص نصف فقرة لهذا المفهوم القانوني بيَن من خلالها حكم عبء الإثبات فقط، تاركا مهمة تحديد ماهية هذا الكائن القانوني للاجتهاد القضائي باعتباره صاحب البدعة.

  لا يمكن للباحث في قانون الشغل والممارس بخاصة، أن يطلع على ملف خاص بنزاعات الشغل الفردية دون أن يقف على إدعاء من طرف الأجير بالفصل التعسفي ودفع من الطرف الآخر المشغل بالمغادرة التلقائية، ليتساءل الباحث عن المغزى التشريعي من المغادرة التلقائية ألا يمكن أن تعتبر عرقلة لتطبيق مسطرة الفصل التأديبي المنصوص عليها في المواد 62 إلى 65  من مدونة الشغل ما دام أن المشغل وبدل أن يثبت وجود مبرر للفصل واحترامه للمسطرة القانونية للفصل يبادر إلى الدفع بالمغادرة التلقائية، والتي غالبا ما يكون قد أعد لها وسائل إثباتها، ألا تعد حاجزا مانعا لاستقرار الشغل، ما دام أن المشرع منح للمشغل وسيلة سهلة للتخلص من الأجير في أي لحظة، وخوله لأجل ذلك الاستعانة بكافة وسائل الإثبات.

   الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن دور الاجتهاد القضائي في تجاوز التقصير التشريعي والمساهمة في خلق مؤسسة قانونية واضحة في مفهومها وطبيعتها والآثار التي تنتج عنها ؟.

 

 

 

تمييز المغادرة التلقائية عن باقي المؤسسات المشابهة

 من الصعب التفرقة بين المغادرة التلقائية وغيرها من المؤسسات المشابهة خاصة وأنها تنتج نفس الآثار القانونية في حال تحققها.

أولا: المغادرة التلقائية بين التغيب عن الشغل والاستقالة

  قد تختلط المغادرة التلقائية باعتبارها ترك الأجير لشغله ببعض المؤسسات القانونية يتعلق الأمر بالتغيب عن الشغل و الاستقالة، فالأول إنما يدل من خلال مصطلح "تغيب" على إمكانية رجوع الأجير إلى شغله فإذا كان التغيب مبررا نتج عنه توقف عقد الشغل (المادة 32/البندين 2 و 5) أما إن كان غير مبرر فإنه يعتبر خطأ جسيما متى ما تجاوز أربعة أيام أو ثمانية أنصاف يوم خلال الإثني عشر شهرا (المادة 39/البند 11) حيث يواجه الأجير بارتكابه لخطأ جسيم عند رجوعه للشغل، في مقابل ذلك نجد أن المغادرة التلقائية مفادها ترك الأجير لشغله بشكل نهائي وقد جاء في لسان العرب "غادر وأغدر بمعنى واحد والغدير القطعة من الماء يغادرها السيل أي يتركها" ونظرا لصعوبة التمييز بين التغيب عن الشغل والمغادرة التلقائية نجد أن القضاء المغربي قد اشترط على المشغل ضرورة توجيه إنذار للأجير بالرجوع إلى شغله، فإن هو استجاب لذلك تعذر معه على المشغل القول بالمغادرة وكذلك القول بوجود خطأ جسيم مادام أنه اعتمد آلية المغادرة على حساب الخطأ الجسيم والمسطرة القانونية للفصل.

  وبالنسبة للمؤسسة الثانية يتعلق الأمر بالاستقالة وهي الآلية القانونية المخولة للأجير لإنهاء عقد الشغل (المادة 34/الفقرة 2) وقد يبدوا أن كلا المؤسستين واحد ما دام أنهما تنصبان على الإرادة الحرة للأجير في إنهاء عقد الشغل، وما دام أنهما ترتبان نفس النتيجة وهي الإنهاء الإرادي بالإرادة المنفردة لعقد الشغل، قد يبدو الأمر كذلك لو لم نكن بصدد تصرف قانوني هو عقد الشغل، خاصة وأن المشرع حدد الوسائل القانونية التي بموجبها يمكن لأطرافه التخلص منه بالإرادة المنفردة، وقد يقول قائل أن المغادرة التلقائية ما هي إلا استقالة ضمنية، على خلاف الاستقالة الصريحة التي تستجيب للشروط القانونية للاستقالة سواء الإرادة الحرة وتصحيح الإمضاء من الجهة المختصة، غير أن ذلك لا يستقيم لا مع إرادة المشرع الحقيقية ولا مع حسن النية في تنفيذ العقود، ما دام أن الوسيلة الوحيدة والقانونية المخولة للأجير هي الاستقالة المنصوص عليها في المادة 34/ الفقرة 2. 

 

 

ثانيا: المغادرة التلقائية مظهر من مظاهر نظرية التعسف في استعمال الحق 

 وإذا كان القضاء يعتبر المغادرة التلقائية واقعة مادية وعليه فإنه يتبين لنا أن المغادرة التلقائية لا  تعتبر لا تغيبا عن الشغل (واقعة مادية) ولا استقالة من الشغل (تصرف  قانوني) وإنما هي مؤسسة قانونية من نوع خاص، بل إننا نرى أنها عبارة عن تجسيد لنظرية التعسف في استعمال الحق؛ كيف ذلك إذا ؟.

  يتبين لنا أن المغادرة التلقائية هي تجسيد لنظرية التعسف في استعمال الحق في مظهرين، الأول أن الأجير تعسف في استعمال حق التغيب القانوني المخول له قانونا والذي حدد المشرع ضوابطه وشروطه، وعليه فإن الأجير ترك شغله دون أن يتخذ المدخل القانوني المؤقت له (توقف عقد الشغل) لذلك وهو التغيب القانوني وهو ما نخالف من خلاله البعض الذي يحاول منافشة المغادرة التلقائية من جانب التغيب الغير المبرر باعتباره خطأ جسيما،

  هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى فإن المظهر الثاني يتمثل في تعسف الأجير في استعمال حقه في الإنهاء الإرادي لعقد الشغل، بواسطة الوسيلة القانونية المخولة له وهي الإستقالة وكما هو معلوم فإن عدم احترام الأجير للمدخل القانوني الثاني له لترك الشغل (إنهاء عقد الشغل) وهو الاستقالة المستوفية لجميع الشروط القانونية لها، يجعله متعسفا في استعمال هذا الحق.

  وهو ما يمكن معه أن ينقل المغادرة التلقائية للشغل من مجرد دفع من قبل المشغل يهدف من خلاله رد دعوى الأجير بالفصل التعسفي، إلى طلب يدعي من خلاله المشغل تضرره من فعل المغادرة التلقائية للأجير والمفاجئ لمكان الشغل والذي كان له تأثير على مشروعه خاصة إذا تعلق الأمر بفئة الأجراء الأطر، وذلك استنادا على مقتضيات المادة 42 من مدونة الشغل، غير أن هذا القول سبق لمحكمة النقض أن أجابة عنه ولو بشكل ضمني عندما أكدت تعليل حكم محكمة الاستئناف على أن الأجير الذي يرغب في إنهاء العلاقة الشغلية له ذلك إما عن طريق تقديم استقالته للمشغل أو بمغادرته لمقر العمل تلقائيا وتخليه عنه برضاه وبإرادته المنفردة (قرار ع 1352 بتاريخ 21/06/2012 م إج ع 1178/5/1/2010)، ومحكمة النقض من خلال تأييدها لاجتهاد محكمة الاستئناف نجد أنها قد خالفت مقتضيات المادة 34 من مدونة الشغل والتي تطرقت إلى كيفيات إنهاء عقد الشغل، بل هي بذلك قد ساوت بين الاستقالة كتصرف قانوني والمغادرة التلقائية كواقعة مادية من شأن كلاهما ترتيب نفس الآثار، فهل يمكن لمثل هذا التوجه أن يساهم في استقرار الشغل.

 

 

تحق واقعة المغادرة التلقائية

"...... كما يقع عليه عبء الإثبات عندما يدعي مغادرة الأجير لشغله." هي العبارة الوحيدة التي تكفل المشرع إيرادها بخصوص المغادرة التلقائية تاركا تحديد شروط تحققها للقضاء وكذلك تحديد الآثار التي قد تترتب عنها.

أولا: شروط تحقق واقعة المغادرة التلقائية

وقف الاجتهاد القضائي من خلال التواتر الذي عرفته مجموعة من الأحكام و القرارات القضائية سواء على مستوى محاكم الموضوع أو على مستوى أعلى هيئة قضائية، على شرطين أساسين للقول بتحقق المغادرة التلقائية وبالتالي إنتاجها لآثارها القانونية، ومادام أن المشغل هو الذي يقع عليه عبء إثبات المغادرة التلقائية باعتبارها دفعا يصب في مصلحة هذا الأخير ويعفيه بالتالي من إثبات احترامه لمسطرة الفصل - ونفتح القوس للقول بأن المغادرة التلقائية تبقى أحد العوامل الأساسية التي تقف عائقا أمام إعمال المقتضيات والضمانات القانونية المخولة للأجير قانونا وذلك في مواجهة السلطة التأديبية للمشغل ومركزه القوي وما يتوفر له من وسائل قانونية وتقنية للتخلص من الأجير متى ما شاء نغلق القوس-،  وعليه فإن تحقق المغادرة التلقائية كما استقر على ذلك القضاء يقتضي توفر شرطين أساسين:

1-    ترك الأجير للشغل بشكل إرادي

  تختلف الاستقالة كما سبق بيانه عن المغادرة التلقائية في كون الأجير في هذه الأخيرة لم يبادر إلى احترم المقتضيات الشكلية للإستقالة، وبالتالي ترك الأجير عن إرادة واختيار التصرف القانوني المخول قانونا لإنهاء العلاقة الشغلية وهو الإستقالة مُحِلا مَحله المغادرة التلقائية، لكن كيف يمكن التثبت من هذا الأمر؟

  ما دام أن المشغل يقع عليه عبء إثبات ترك الأجير لشغله فإن القضاء المغربي اشترط على هذا الأخير ضرورة توجيه إنذار للأجير بالرجوع إلى العمل (قرار ع 982 بتاريخ 24/05/2012 م إج ع 1535/5/1/2010) وعلى الرغم من أن هذا الاشتراط أي توجيه إنذار الرجوع للشغل يدخل ضمن السلطة التنظيمية للمشغل على اعتبار أن هذا الأخير ملزم بتتبع مشروعه في جميع نواحيه خاصة تسخير الرأسمال اللامادي أو البشري، لذلك فإننا نجد القضاء يتجاوز مهمته بهذا الاشتراط  لكن هو تجاز يحاول من خلاله ضمان استقرار العلاقة الشغلية وتمييز المغادرة التلقائية عن بعض المؤسسات التي تتشابه معها.

  ولم يقف القضاء عند اشتراطه وجوب توجيه المشغل إنذار بالرجوع للشغل بل تجاوزه إلى ضرورة توصل الأجير بهذا الإنذار وذلك حتى يتحقق المغزى من هذا الأخير(قرار ع 2046 بتاريخ 18/10/2012 م إج ع 457/5/2/2012)، أي رجوع الأجير وعودة المياه إلى مجاريها، وحسبنا أن في توجيه هذا الإنذار من طرف المشغل  مغزى آخر يتمثل في تأكيد حسن نية هذا الأخير وأنه لم يكن سببا في ترك الأجير لشغله (المغادرة الاضطرارية المادة 40/الفقرة 2).

2-    عدم وجود أي مانع لالتحاق الأجير بشغله

  حتى يمكن أن تتحقق المغادرة التلقائية فلابد من انتفاء المانع أمام الأجير المتوصل بإنذار الالتحاق بالشغل للرجوع إلى شغله، أو بمعنى آخر تحقق امتناع الأجير عن الرجوع إلى الشغل أي أن الأجير قصد ترك الشغل دون احترام للمقتضيات القانونية للإنهاء الإرادي لعقد الشغل، وهو ما يشكل حسب رأينا الركن المعنوي للمغادرة التلقائية (القصد)، وعليه فإذا كان عبء إثبات ترك الأجير للشغل يقع على المشغل فإن عبء إثبات الرجوع إلى الشغل والمنع من الالتحاق بمقر الشغل يقع على عاتق الأجير (قرار ع 1829 بتاريخ 20/09/2012 م إج ع 151/5/2/2012).

  و قد استقر القضاء على أن المغادرة التلقائية تنتفي أمام تحقق واقعة منع الأجير من ولوج مقر العمل، (قرار ع 2019 بتاريخ 15/10/2012 م إ ج ع 483/5/2/2012).

ثانيا: آثار المغادرة التلقائية في مواجهة أطراف العلاقة الشغلية

  قد تتحقق شروط المغادرة التلقائية بتمكن المشغل من إثبات ترك الأجير لشغله بشكل إرادي (عدم استجابة الأجير للإنذار بالرجوع إلى الشغل / قرار ع 1301 بتاريخ 13/10/2011 م إج ع 548/5/1/2010)، (شهادة الشهود بمعاينة واقعة المغادرة التلقائية / قرار ع 1326 بتاريخ 20/10/2011 م إج ع 1235/5/1/2010، قرار ع 1356 بتاريخ 21/06/2012 م إج ع 234/5/2/2012)؛

  وأن الأجير لم يَحُل أي مانع من التحاقه بشغله (تعذر إثبات الأجير منع المشغل له من الدخول إلى مكان الشغل / قرار ع 1175 بتاريخ 29/09/2011 م إج ع 1253/5/1/2010).

  و عليه فإن تحقق المغادرة التلقائية يترتب عليه عدم استحقاق الأجير وسقوط حقه في المطالبة بالتعويض عن الفصل التعسفي، (قرار ع 02 بتاريخ 05/01/2012 م إج ع 156/5/1/2011)؛ والملاحظ أن آثار المغادرة التلقائية هي نفس آثار الاستقالة سواء على مستوى إنهاء عقد الشغل، أو على مستوى عدم أحقية الأجير في المطالبة بأي تعويض مترتب عن هذا الإنهاء.

  وفي المقابل فإن عدم إثبات المشغل للمغادرة التلقائية للأجير يترتب عليه اعتبار إنهاء عقد الشغل تعسفيا (قرار ع 1572 بتاريخ 17/11/2011 م إج ع 87/5/1/2011) وهو ما يؤكد قولنا باعتبار تحقق المغادرة التلقائية إنهاءا لعقد الشغل من طرف الأجير بشكل تعسفي.

 

  إن ما يمكن أن نخلص إليه من خلال هذه السطور ومن خلال نصف الفقرة الثانية من المادة 63 من م ش، ومن خلال سلسلة من الاجتهادات القضائية بخصوص المغادرة التلقائية، هو أن هذا المفهوم القانوني لازال في حاجة إلى مناقشة فلسفة المشرع من إقراره وتوجهات القضاء في استنباط أحكامه. 

  وهو ما يمكن أن نسجل بعض معالمه من خلال التضارب بين التوجه التشريعي في اعتماد الإرادة الحرة مدخلا لتطبيق قانون الشغل (النظرية العقدية/عقد الشغل/ المادة الأولى من م ش) ومخرجا كذلك لاستبعاد أحكام هذا القانون عن التطبيق (الإرادة المنفردة في إنهاء عقد الشغل/ المادة 34 من م ش) وبين التوجه القضائي الذي يساير النظرية العقدية في تطبيق أحكام قانون الشغل، في مقابل اعتماد نظرية المؤسسة (مجرد الالتحاق بالمشروع أو تركه) للقول بانتهاء العلاقة الشغلية، وهو ما من شأنه أن يؤثر على استقرار الشغل وعلى التطبيق السليم لقواعد قانون الشغل، بل هو بمثابة الشرارة الأولى لبوادر محاولة التخلي عن النظرية العقدية لصالح نظيرة المشروع أو المؤسسة.

بقلم ذ عدنان بوشان
باحت في قانون الشغل والعلاقات المهنية
 


أعلى الصفحة