القانون المدني

بقلم ذ أناس الشاوني
باحث في القانون
تحت عدد: 679
الوظيفة العمومية هي أداة الدولة في تحقيق إشباع الحاجات العامة للأفراد، فهي ترتبط ارتباطا وثيقا بنظام الدولة السائد، ولا يمكن لها أن تنعزل عن النظام الذي نشأت فيه

ولم تعد مسألة استثنائية وذات أهمية جانبية في حياة الدولة والمواطن كما كان الأمر في الماضي، بل أصبحت جزءا لا يتجزأ من كيان كل فرد وأحد مقومات المجتمع الأساسية، ولهذا اعتنى بها المشرع وجعل الفقه منها مجالا خصبا لدراسته، كما استلهم منها القضاء أحكاما جديدة، غير أنها تختلف اختلافا بحسب نظرة الدول المختلفة إليها. وهذه النظرة هي التي بلا شك حصيلة الظروف التاريخية والسياسية والإقتصادية والإيديولوجية في كل دولة. فالوظيفة في الإسلام تجد سندها في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ومنهما تستمد مرجعيتها بخلاف الوظيفة العمومية السائدة في الأنظمة الإدارية الحديثة، فأصولها بشرية وتطورت بتطور وتعدد وظائف الدولة. وهكذا نلاحظ أن الوظيفة العمومية في الولايات المتحدة تختلف عن الوظيفة العمومية في أوروبا، كما أن هذين النظامين يختلفان عن النظام الإشتراكي.

ينظم القانون الأساسي للوظيفة العمومية علاقة الموظفين بالإدارة، وحجة ذلك أن الوظيفة خدمة وتكليف، تنظم فيها مجموعة من الإختصاصات والمسؤوليات يمارسها شاغلها للمصلحة العامة، فهي ليست حقا للقائم بها وإنما هي واجب يلتزم به الموظف ولا يوجد لهذا الأخير أية سلطة في إنشائها أو إلغائها أو تنظيمها، ومن هنا يمكن القول أن الموظف تربطه بالإدارة علاقة تنظيمية هذا ما أكده الفصل الثالث من ظهير 24 فبراير 1958 المتعلق بالنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية حيث ينص على: "الموظف في حالة قانونية ونظامية إزاء الإدارة"، ووقع تأكيد هذا بالنسبة للموظفين الجماعيين في الفصل الثاني من مرسوم 27 شتنبر 1977 المتعلق بالنظام الأساسي لموظفي الجماعات، إذ "يعتبر الموظف بجماعة ما في حالة نظامية وقانونية بالنسبة لهذه الجماعة".

معنى هذا أن أحكام الوظيفة بما تتضمنه من حقوق وما تفرضه من واجبات مستمدة مباشرة من نصوص القوانين والمراسيم التطبيقية لها. هذه الحقوق هي أساسية بالنسبة للموظفين وبالتالي فهي تعتبر من المبادئ العامة، لذا حرص المشرع المغربي على حفظها وصيانتها وأدخلها ضمن مجال القانون وبذلك فإن كل تعديل أو تغيير في حقوق الموظفين الأساسية يجب أن يمر عبر قنوات البرلمان. ونظرا لأهمية هذه الواجبات والحقوق سنعمل على توضيحها في النقط التالية:

واجبات الموظف اتجاه الإدارة:
تتحدد واجبات الموظف من خلال المصلحة العامة التي تسعى الدولة إلى تحقيقها للجماعة، وترتبط بها ارتباطا وثيقا، ومن ثم فإن أي تهاون أو امتناع عن القيام بالواجبات المفروضة على الموظفين يعتبر مساسا بالمصلحة العامة.
فباعتبار أن الوظيفة العمومية ليست حرفة كباقي الحرف، فإن الواجبات الوظيفية تجد سندها في الوظيفة العمومية نفسها، هذه الأخيرة التي اعتبرت وظيفة اجتماعية هدفها الصالح حسب معظم الفقه.

إن تطور مضمون الواجبات الوظيفية والوضعية التي أصبحت عليها اليوم لم يأت عبثا، وإنما جاء نتيجة تطور مفهوم الدولة نفسه، فالواجبات التي كانت مفروضة أثناء مفهوم الدولة الحارسة ليست هي الواجبات التي تفرض اليوم باسم الدولة المتدخلة في جميع الميادين، فالدولة هنا لها دور أساسي في نشوء هذه الواجبات وتغيرها حيث أنه باسم سيادة الدولة وشيوع القانون برز مفهوم واجب الموظف العمومي في احترام كرامته الوظيفية حفاظا على سيادة الأمة في بسط سيطرتها على مجموع أفرادها ومنهم الموظفون الذين يؤدون أعمالا لصالح النفع العام. فبدون سيادة الدولة لا يمكن التحدث بتاتا عن الواجبات الوظيفية. هذه الواجبات هي التي يتحملها الموظف في أداء مهامه يمكن إجمالها فيما يلي:

أداء العمل بدقة وأمانة:
يلزم الموظف العمومي بأداء المهام المنوطة به وفق مختلف الشروط المحددة في النصوص التشريعية والتنظيمية وأحيانا حتى في الأعراف والتقاليد أو التجربة التي تعرفها الوظيفة العمومية والتي أبانت عن إيجابياتها وفعاليتها ومردوديتها وشرعيتها بالأساس. وبرجوعنا إلى النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، نجد أن الإطار العام لتحديد واجبات الموظف هي أداء المهام المنوطة به، ويرتكز بالأساس على عنصرين أساسيين:

- العنصر الأول: احترام سلطة الدولة
نلاحظ أن واجب احترام سلطة الدولة يتصدر واجبات الموظف الواردة في النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية من خلال الفصل 13 من الظهير 24 فبراير 1858 هذا الإحترام الواجب للدولة من قبل الموظف يعتبر المهام المنوطة بسلطة الدولة في مختلف جوانبها، ولا يعني هذا خضوع كلي لهذه السلطات، بل لتجسيد هذه السلطات. إذ يعتبر الموظف بنفسه تجسيدا لسلطة الدولة في بعض مظاهرها حسب المرتبة التي يحتلها داخل الهرم الإداري أو داخل النسيج المكون للدولة ولمؤسساتها المتنوعة، وهكذا فهو ملزم في نفس الوقت بأن يحترم سلطة الدولة، وأن يعمل على احترامها. وبطبيعة الحال يجب أن يحرص على القيام بذلك باحترام تام لمبدأ الشرعية واحترام حقوق المتعاملين مع الإدارة والحرص على الحفاظ على مكانة وحقوق الإدارة نفسها، وأن يحرص على عدم التخلي على القيام بدوره في احترام سلطات الدولة والعمل على احترامها. وذلك بتطبيق روح ونصوص الواجبات المقررة في شأن قيامه بالمهام المنوطة به كموظف عمومي في خدمة الصالح العام أولا وقبل كل شيء، وما وجدت سلطة الدولة إلا من أجل هذه الغاية السامية وإلا لا مجال للذكر الدولة أو سلطتها أو وجوب احترامها.

- العنصر الثاني: تحمل مسؤولية القيام بوظيفته
إن المسؤولية التي يتحملها الموظف من الناحية المدنية أو الجنائية، تجعله حريصا على القيام بالمهام المنوطة به حرصا على عدم متابعته مدنيا أو جنائيا، بالإضافة إلى ذلك نجد الفصل 17 من ظهير 24 فبراير 1958 يحدد وينظم مسؤولية الموظف بصفة عامة ويحدد الإطار العام لهذه المسؤولية مراعيا بذلك في نفس الوقت حقوق وواجبات الموظف المعني. ويكفي أن نذكر في هذا المجال نص الفصل 17 المذكور والذي جاء فيه: "كل موظف كيف ما كانت رتبته في السلك الإداري مسؤول عن القيام بالمهام التي عهد بها إليه. كما أن الموظف المكلف بتسيير مصلحة من المصالح مسؤول أمام رؤسائه عن السلطة المخولة له لهذا الغرض وعن تنفيذ الأوامر الصادرة عنهم، ولا يبرأ شيء من المسؤوليات الملقاة على عاتقه بسبب المسؤولية المنوطة بمرؤوسيه، وكل هفوة يرتكبها الموظف في تأديته وظيفته أو عند مباشرتها تعرضه لعقوبة تأديبية زيادة إن اقتضى الحال، عن العقوبات التي ينص عليها القانون الجنائي. وعند متابعة أحد الموظفين من طرف الغير بسبب هفوة ارتكبها في عمله يتعين على المجتمع العمومي أن يتحمل الغرامات المالية المحكوم بها عليه مدنيا".

هكذا يكون الموظف مطالبا بالقيام بمهامه أحسن قيام، عند العكس فإنه يكون مطالبا بتصحيح الأضرار الناتجة عن سوء تصرفه، ويكون مطالبا بالمراقبة والإشراف على مرؤوسيه الذين يكونون ملزمين بتنفيذ أوامره وتوجيهاته الشرعية.
وجود مقر العمل وممارسته بصفة مستمرة:
يعتبر ضمان انتظام العمل واستمراره من أهم المبادئ داخل الإدارة العمومية وذلك أن أي توقف أو تعطيل في أداء الموظف لمهامه يعرض مصالح الجمهور للخطر والإضطرار مما غدا معه التزاما على عاتق الموظف لإمكان سير المرفق العمومي لبلوغ أهدافه وتحقيق غايته، ويتجلى ذلك في احترام أوقات العمل ولا تعفيه من هذا الإلتزام إلا الرخص الإدارية أو المرضية والحالات الأخرى المنصوص عليها في القانون الأساسي. وإذا كان تطبيق المبدأ لا يثير أية صعوبة فيما يتعلق بالأنظمة الخاصة بالرخص والتغيبات أو بترك المنصب فإنه يبرز على العكس من ذلك مشكلا عويصا فيما يخص ممارسة حق الإضراب. هذا الحق (الإضراب) على الرغم من التطورات الإجتماعية التي سادت العالم حوله الشيء الذي جعلها تقف مواقف متباينة، فإنها تجمع على حرمان الموظف من الإضراب ما دام ذلك يشكل تعطيلا عمليا للمرافق العمومية بل إن بعض الدول كمصر مثلا جعلت الإضراب مشكلا لجريمة جنائية وتأديبية. أما بالنسبة للمغرب ورغم ضمانه في الدستور، فما دام إتيانه يتعارض مع سير المصلحة فقد نص الفصل 5 من مرسوم 5 فبراير 1958 على أن المضربين في القطاع العمومي يعاقبون خارج الضمانات التأديبية.

كما أن المرفق العمومي قد لا يكون مهددا بالإضراب فقط، بل قد يهدد أيضا بالإستقالة، حيث أنه إذا كانت هذه الأخيرة حق للموظف ما دام أنه من الإهدار لآدمية الإنسان أن يجبر في الظروف العادية على أداء عمل لا يريده فإنه مع ذلك فقد تهدد الإستقالة السير العادي للمصلحة، خاصة إذا تم ترك الوظيفة دون قبول الإستقالة قانونيا، أو قدمت بشكل جماعي كأن يقدمها أكثر من موظف في وقت واحد، بمعنى أن هناك شروطا وضوابطا تنظم الإستقالة كقبولها من طرف السلطة المختصة وداخل آجال محددة، فإذا لم يتم احترام هذه الشروط تعرض طالبها للمساءلة تأديبية.

إن واجب انتظام العمل واستمراره يعني إذن أن يبرهن الموظف في سلوكه بأنه بعيد عن كل الشبهات بمعنى أن لا يكون له سواء بطريق مباشر أو غير مباشر يد في مصالح شخصية لحسابه وفي أي عمل تابع للإدارة أو حق تلك التي تكون الإدارة وصية عليها.

احترام السلطة التسلسلية:
واجب احترام السلطة التسلسلية من الواجبات المنصوص عليها صراحة في القانون، بحيث يجب على الموظف العمومي الإمتثال لأوامر السلطة العليا التي يعتبر مسؤولا إزاءها عن تنفيذها. ومن البديهي أن مسؤوليته تزداد أهمية كلما ارتقى درجة من السلم الإداري. ويشترط في امتثال المرؤوس لأوامر رئيسه أن تكون هذه الأوامر جائزة من الوجهة القانونية وممكنة التنفيذ من الوجهة العملية وداخلة في اختصاص كل من الرئيس والمرؤوس معا، وإلا اتسمت بعدم المشروعية إذن هذا الواجب ينبع من طبيعة الوظيفة العمومية وضروريتها التي تفرض الخضوع لأحكام القانون واحترام الموظفين لأوامر الرؤساء، حيث ينتج هذا الإحترام من علاقة التدرج التي تنشأ بين الموظفين داخل الإدارة، كما تظهر أهمية الطاعة في كونها تحقق وحدة الجهاز الإداري الذي يقوم على أساس التدريج الهرمي، وهذا ما يشير إليه بدقة الفصل 17 من قانون الوظيفة العمومية، حيث ينص على أن: "كل موظف كيفما كانت رتبته في السلك الإداري مسؤول عن القيام بالمهام التي عهد بها إليه. كما أن الموظف المكلف بتسيير مصلحة من المصالح مسؤول أمام رؤسائه عن السلطة المخولة له لهذا الغرض، وعن تنفيذ الأوامر الصادرة عنه، ولا يبرأ في شيء من المسؤوليات الملقاة على عاتقه بسبب المسؤولية المنوطة بمرؤوسيه، وكل هفوة يرتكبها الموظف في تأدية وظيفته أو عند مباشرتها تعرضه لعقوبة تأديبية زيادة إن اقتضى الحال عن العقوبات التي ينص عليها القانون الجنائي.

وعند متابعة أحد الموظفين من طرف الغير بسبب هفوة ارتكبها في عمله، يتعين على المجتمع العمومي أن يتحمل الغرامات المالية المحكوم بها عليه مدنيا".

ومن خلال هذا الفصل يتضح لنا أن كل موظف كيف ما كانت وضعيته في السلم الإداري، فهو مسؤول عن المهام الموكولة إليه، مما يعني أن لهذا الواجب ثلاث جوانب، فهناك تنفيذ المهام وواجب تأمين استمرارية المصلحة وواجب الطاعة.
واجب الحفاظ على السر المهني:
إن تحديد مفهوم السر يمثل معيارا أساسيا يهتدى به الموظف العام حتى يتمكن من تقدير حقيقة المعلومات المتوافرة بين يديه وحتى يتمكن من تقييمها ليتبين مدى سريتها. والأسرار الإدارية متعددة بطبيعتها، فهي تختلف من إدارة إلى أخرى ومن مرفق لمرفق، وقد تتمتع المعلومة بصفة السرية سواء عن طريق النص على سريتها أو لكونها بطبيعتها سرية أو حتى لمجرد صدور أمر إداري بعدم إفشائها.

ولم يورد المشرع سواء في مصر أو فرنسا تعريفا للسر الوظيفي الذي يلتزم الموظف العام باحترامه، وفي تقديرنا أن السر باختلاف تقسيماته هو معلومة يفترض من إفشائها ضرر أو تفويت مصلحة وذلك خلال مدة معينة.
ويمنع على الموظف العمومي أن يفشي الأمور التي يطلع عليها بحكم وظيفة إذا كانت سرية بطبيعتها أو بموجب تعليمات تقضي بذلك، ويظل هذا الإلتزام قائما ولو بعد ترك الموظف لوظيفته، كما يجب عليه أن لا يفضي بأي تصريح أو بيان عن عمل من أعمال وظيفته عن طريق الصحف أو طرق النشر الأخرى إلا إذا كان مرخصا له بذلك، لهذا لا يمكن أن يتعدى الموظف بعض الحدود في تبليغ تلك المعلومات، لهذا يلزم بكتمان السر، لكن مع ذلك نرى أنه ليس من الضروري أن يطبق هذا الواجب تطبيقا جامدا يجعل من الإدارة تعمل في عزلة أو في إطار مغلق، أو يمنع عمليا في مراقبة المواطنين والرأي العام بصفة عامة على حسن سير الإدارة، الشيء الذي قد يؤدي إلى أن تعتبر كل أعمال الإدارة تدخل في ركن أسرار المهنة في الوقت الذي تعرف فيه تجارب أخرى تطورات جدية وإيجابية في شفافية الإدارة وتعاملها مع الغير بدون التستر وراء واجب كتمان سر المهنة.

عدم مزاولة نشاط مهني متعارض مع وظيفته:
يلزم الموظف العمومي بالتفرغ الكلي للمهام المنوطة به بالوظيفة المعين فيها، والمكلف بأدائها أحسن أداء، لهذا يتقاضى الأجرة الكاملة على ذلك، وبالتالي لا يجوز له أن يزاول بصفة مهنية نشاطا خاصا يدر عليه ربحا، ويستمد هذا المنع مبرره من منفعة المصلحة لأن الموظف ملزم بأن يكرس كل وقته للجماعة التي تستخدمه، ولأن نشاطه الأصلي قد يتضرر من مزاولة نشاط آخر مع العلم أنه يخشى أن يفقد الموظف حريته. فالفصل 15 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية نص على هذا المبدأ لكنه في نفس الوقت أقر باستثناء عليه بشرط أن يتم هذا الإستثناء بالنسبة لكل حالة وبقرار يتخذه الوزير الذي ينتمي إليه الموظف وبعد موافقة الوزير الأول.

ويجب أن يصرح الموظف بمهنة زوجه كل ما كان هذا الأخير يزاول نشاطا يدر عليه ربحا.
بالإضافة إلى ذلك، ينص الفصل 16 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية على أنه "يمنع على كل موظف مهما كانت وضعيته أن تكون له مباشرة أو بواسطة ما أو تحت أي اسم كان في مقاولة موضوعة تحت مراقبة الإدارة أو المصلحة التي ينتمي إليها أو على اتصال بهما، مصالح من شأنها أن تمس بحريته".
حقوق الموظف العمومي:
يعتبر الموظف إلى حد كبير، تجسيدا لسيادة الدولة وهيبتها، الأمر الذي يترتب عليه الإعتراف له ببعض الحقوق التي تحقق له الإحترام والتوقير اللازمين. هذه الحقوق تنقسم إلى حقوق عامة يستفيد منها الموظف كمواطن، وحقوق خاصة مرتبطة بصفته كموظف.

الحقوق العامة:
يستمد الموظف حقوقه من مركز الإدارة التي يمثلها، باعتباره الجهاز الأساسي لتحقيق النفع العام، حيث يتمتع بعدة حقوق أبرزها حرية الرأي، الحرية النقابية، الإنضمام إلى الأحزاب السياسية وإبداء الآراء السياسية، وممارسة حق الإنتخاب وحقه في التصويت والإستفتاء والترشيح في الجماعات المحلية.

إن صور حرية الرأي مشتركة بين الموظف العام وسائر المواطنين، إلا أن الموظف العام يتميز في هذا الشأن بحقه في إبداء الآراء المهنية في مجال الوظيفة التي يمارسها، وتعد هذه الصورة هي الوحيدة التي ينفرد بها الموظف العام دون سائر المواطنين.

وتعتبر حرية الرأي من الحقوق التي زكتها الثورة الفرنسية، حتى أن فرنسا جعلتها إحدى المبادئ الأساسية في ديباجة دستور جمهوريتها الرابعة.
وفي المغرب، فقد تأكدت حرية الرأي دستوريا بواسطة الفصل التاسع وكذلك الفصل العشرون من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، الذي يمنع الإشارة إلى نزعات الموظف السياسية والدينية في ملفه الشخصي، إلا أن الموظف وهو يمارس هذه الحقوق يبقى مقيدا باحترام مقتضيات ومسؤوليات وظيفته والإبتعاد عن كل ما من شأنه أن يضر أو يساهم في شل السير العادي للمرافق العمومية، وذلك فإبداء آراء تتعارض وأهداف وغايات هذه المرافق داخل أو خارج المصلحة أو تضر بسمعة الإدارة.

جاء الإعتراف بحق النشاط النقابي على إثر صراع فرضته الحياة الإجتماعية والإقتصادية على المجتمعات التي تتسع فيها الحرية الفردية، إلا أن النشاط النقابي لم يبق حبيسا في هذا الإطار، بل أصبح يمارس حتى على صعيد الدول الإشتراكية، وقد تتبلور نشاطاتها إما في انسجام مع خط واتجاه الدولة، وإما في خط مخالف أو على الأقل لا ينطبق بالتمام مع اتجاهها. هذا وقد تأثر التشريع المغربي بالقانون الفرنسي، فنظم عملية تأسيس النقابات وتسييرها مع مراعاة القوانين الجاري بها العمل.

ويعتبر الحق النقابي حقا دستوريا ومن الحريات الأساسية التي يضمنها الدستور، إذ ينص الفصل التاسع من الدستور المغربي على أن هذا الأخير يضمن "حرية تأسيس الجمعيات وحرية الإنخراط في أية منظمة نقابية وسياسية حسب اختيارهم".

ويؤكد الدستور في فصله الثالث أيضا على أن المنظمات النقابية تساهم في تنظيم المواطنين وتمثيلهم بجانب الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والمجالس الجماعية والغرف المهنية. ومع اقتصارنا الآن على ممارسة الحق النقابي من قبل الموظفين، نؤكد أن هذا الحق يعتبر من حقوق الموظف يخوله له الدستور وكذلك مختلف النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل في هذا المجال.

ولقد تم الإعتراف في المغرب بهذا الحق إبان الإستقلال وتم تأكيده في الفصل 14 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، إلا أن هذه الحرية لا يعترف بها بالنسبة لبعض فئات الموظفين خاصة الموظفين العسكريون ورجال السلطة، وعموما كل الموظفين الذين يمارسون مهاما تتصل بالمحافظة على النظام العام، ثم جاء مرسوم 1966 ليوسع مجال الحظر ونص على هذا المنع بالنسبة لكل من تخول له مهمته حمل السلاح.

إن حق الترشيح والإنتخاب قد نص عليه الفصل الثامن من الدستور المراجع في 13 شتنبر 1996 بأنه "لكل مواطن ذكرا كان أو أنثى الحق في أن يكون ناخبا إذا كان بالغا سن الرشد ومتمتعا بحقوقه المدنية والسياسية". واستنادا إلى هذا كله فالموظف كسائر المواطنين يمكن أن يكون ناخبا أو منتخبا، غير أنه فيما يخص عضوية مجلس النواب لا يجوز لبعض الموظفين الترشيح لها حسب القانون التنظيمي، وسنعمل على توضيح ذلك.

تنص المادة السادسة من نفس القانون على: "لا يؤهل للترشيح للإنتخاب في مجموع أنحاء المملكة الأشخاص الذين يزاولون بالفعل الوظائف المبينة بعده أو الذين انتهوا من مزاولتها منذ أقل من سنة في تاريخ الإقتراع – القضاة – قضاة المجلس للحسابات وقضاة المجالس الجهوية للحسابات – العمال والكتاب العامون للعمالات أو الأقاليم والخلفاء الأولون للعمال والباشوات ورؤساء دواوين العمال ورؤساء المقاطعات الحضرية ورؤساء الدوائر والقواد وخلفائهم وخلفاء المقاطعات والشيوخ والمقدمون – العسكريون وأعوان القوة العمومية (الدرك والشرطة والقوات المساعدة).

وتنص المادة السابعة من نفس القانون على: "لا يؤهل للترشيح للإنتخاب الأشخاص الآتي ذكرهم في كل دائرة تقع داخل النفوذ الذي زاولوا فيه مهامهم منذ أقل من سنتين في تاريخ الإقتراع".

- القضاة - قضاة المجلس للحسابات وقضاة المجالس الجهوية للحسابات – العمال والكتاب العامون للعمالات أو الأقاليم والخلفاء الأولون للعمال والباشوات ورؤساء دواوين العمال ورؤساء المقاطعات الحضرية ورؤساء الدوائر والقواد وخلفائهم وخلفاء المقاطعات والشيوخ والمقدمون – رؤساء المصالح الإقليمية للإدارة العامة للأمن الوطني وعمداء الشرطة.

وتنص المادة الثامنة من نفس القانون على: "لا يمكن انتخاب الأشخاص الآتية ذكرهم في أية دائرة تقع داخل النفوذ الذي يزاولون فيه مهامهم بالفعل أو انقطعوا عن مزاولتها منذ أقل من سنة واحدة من تاريخ الإقتراع". الأشخاص الذين أسندت إليهم مهمة أو انتداب ولو كان مؤقتا كيف ما كانت تسميتهما أو مداهما، بعوض أو دون عوض والذين يعملون بتلك الصفة في خدمة الدولة أو الإدارة العمومية أو الجماعات المحلية أو المؤسسات العامة أو في خدمة مصلحة ذات طابع عمومي والذين رخص لهم بحمل السلاح أثناء أدائهم مهامهم.

الحقوق الخاصة:
يتمتع الموظف بالعديد من الحقوق ذات الطابع المادي أو المعنوي ومن ضمن هذه الحقوق المخولة للموظف في النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية نجد ما يلي:
المرتب هو المقابل المادي الذي يحصل عليه الموظف شهريا مقابل القيام بأعباء وظيفته ومهامها، ويؤدى له طيلة حياته المهنية، ويسري انطلاقا من يوم توقيع محضر الإلتحاق بمقر العمل إلى تاريخ الخروج من العمل، ويوقف أحيانا بصفة مؤقتة لأسباب مختلفة. حسب المادة 26 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية فالأجرة تشتمل على المرتب والتعويضات العائلية وغيرها من التعويضات والمنح المحدثة بمقتضى النصوص التشريعية والنظامية.

ويجب التذكير أولا بأن أجرة الموظف تهدف أساسا توفير الضمانات المالية للموظف العمومي ليقوم بوظيفته والحفاظ على مكانته الإجتماعية ودوره داخل الدولة. وهي الأمثل بالضرورة مقابل الخدمات التي يؤديها، وتحدد أيضا من خلال الحياة الإقتصادية التي تعيشها البلاد وتبعا للدور الديناميكي الذي تقوم به المنظمات النقابية التي تعمل جاهدة على تحسين ظروف عيش منخرطيها عن طريق الحرص على الرفع والزيادة من أجورهم لمواكبة الزيادة في أسعار المعيشة أو نتائج التضخم المالي.

ولقد عرفت أجور الموظفين بالمغرب عدة تطورات ويرجع تحديدها إلى إجراءات اتخذت منذ عهد الحماية ووقع تطويرها في السنوات الأولى للإستقلال، حيث كانت سلطات الحماية تعطي امتيازات أكثر للأجانب فجاءت السلطات العامة بعد الإستقلال لتضع حدا لهذا التمييز.

سعيا لضمان استمرار نشاط الإدارة واستقرارها وتطويرها، لجأ المشرع إلى حفز الهمم وإثر الرغبة في تسلق المناصب والرتب من طرف الموظفين، فوضع مقتضيات تمكن الموظف من الترسيم ومن الترقي من رتبة أو سلم إلى أعلى، لما في هذا من نفع للإدارة واستقرار مادي ومعنوي للموظف، وهو نوعان:
- ترقية عادية من رتبة إلى أخرى داخل السلم نفسه.
- ترقية من سلم إلى آخر على إثر امتحان أو أقدمية أو الحصول على شهادة معينة.
وتعتبر الترقية من الحقوق الأساسية التي يتمتع بها الموظف بموجب القانون الأساسي العام من الوظيفة العامة وذلك من الفصل 28 إلى الفصل 36.
ويقصد بها تمكين الموظف من آفاق لتحسين وضعيته وبالتالي تحمل مسؤوليات أوسع نطاق كفيلة بأن تيسر رفع أجره، وحسب مقتضيات الفصل 29 من القانون المذكور أعلاه "أن الترقية تشمل الصعود إلى طبقة أو درجة أو رتبة، وتنجز الترقية بصفة مستمرة من طبقة ومن درجة إلى درجة ومن رتبة إلى رتبة بعد رأي اللجنة الإدارية المتساوية الأعضاء ذات النظر".

والترقية قد تكون بالأقدمية المطلقة من بين الموظفين للدرجة الأدنى من الدرجة المرقى إليها، كما قد تكون بالإختيار من بين هؤلاء، لكن الطريقة المثلى هي الجمع بين الطريقتين. وهذا ما نص عليه الفصل 30 من القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية.
إن مبدأ الرخص لا يعني إيقاف أو تعطيل نشاط الإدارة أو المعمل بل لقد أثبتت التجارب أن تمتيع العامل برخصة التغيب عن العمل حسب ظروف اجتماعية أو صحية... أقل ضررا للإدارة، بل وأدى للإنتاج بفعالية وذلك لأن إرغام الموظف على العمل في ظروف صعبة يقلل من إنتاجه لمدة أطول وهكذا تأكد أن إعطاءه رخصة للتغيب مفيد للطرفين المشغل والموظف.

وتنقسم الرخص إلى أربعة أنواع وهي:
أولا: الرخص الإدارية: تشمل هذه الرخص رخصا سنوية ورخصا إستثنائية:
أ/ الرخص السنوية: وهي الإجازة التي يقصد بها الراحة والإستجمام من عناء العمل ويكون للموظف الحق في الحصول عليها كل عام لمدة يحددها القانون بحسب الأحوال، ولا يجوز تقصير الرخصة السنوية أو تأجيلها أو إلغاؤها أو قطعها إلا لأسباب قوية تقتضيها مصلحة العمل.

وينص الفصل 40 من ظهير 24 فبراير 1858 بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية على: "لكل موظف قائم بعمله الحق في رخصة يتقاضى عنها راتبه وتبلغ مدتها شهرا عن كل سنة زاول أثناءها مهامه وذلك باعتبار أن الرخصة الأولى لا يسمح بها إلا بعد قضاء إثني عشر شهرا في الوظيفة"، وتنص المادة 24 من مرسوم 10 ماي 2000 على: "إذا أصيب الموظف خلال تواجده في رخصة إدارية بمرض أو إصابة وجب منحه بحكم القانون رخصة مرض ولا يستفيد المعني بالأمر من الفترة المتبقية من الرخصة الإدارية إلا بعد استئنافه لعمله".

ب/ الرخص الإستثنائية: تمنح الرخص الإستثنائية لأسباب شخصية للموظفين الذين يدلون بمبررات عائلية أو لأسباب خطيرة على أن لا تتجاوز مدة الرخصة عشرة أيام. وينص الفصل 41 من الظهير الشريف بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية على: "يجوز إعطاء رخص إستثنائية أو الإذن بالتغيب مع التمتع بكامل المرتب دون أن يدخل ذلك في حساب الرخص الإعتيادية:

الموظفون المكلفون بنيابة عمومية طيلة الدورات التي تعقدها المجالس المنتمون إليها إذا كانت النيابة المنوطة بهم لا تسمح بجعلهم في وضعية الإلتحاق لماهيتها أو لمدتها.
لممثلي نقابات الموظفين المنتدبين بصفة قانونية أو للأعضاء المنتخبين في المنظمات المسيرة وذلك بمناسبة استدعاء المؤتمرات المهنية النقابية والإتحادية والتحالفية والدولية.
الموظفون الذين يدلون بمبررات عائلية وبأسباب خطيرة، شريطة أن لا تتجاوز مدة هذه الرخص 10 أيام.
ومن أهم الأسباب العائلية والإستثنائية نجد:
زواج الموظف (4 أيام).
ازدياد مولود (3 أيام) وهذا ما تنص عليه المادة الثانية من الظهير الشريف الصادر في 22 أكتوبر 1946 "تحدد مدة الرخصة المذكورة بثلاثة أيام سواء وقع ازدياد ولد واحد فأكثر".

زواج ابن الموظف (يومان).
وفاة زوج الموظف (3 أيام).
وفاة ابن بنت الموظف (3 أيام).
إعذار (ختان) عملية جراحية (يوم واحد).
وفاة أحد الأصول أو أخ أو أخت (يومان).

للموظفين المسلمين الراغبين في أداء فريضة الحج. ولا تعطى هذه الرخصة التي تبلغ مدتها 60 يوما إلا مرة واحدة في الحياة الإدارية، ولا حق لهؤلاء الموظفين في التمتع بالرخصة المقررة في الفصل 40 خلال السنة التي ينالون فيها تلك الرخصة الخصوصية.

وتنص المادة الثالثة من المرسوم الصادر بتاريخ 7 نونبر 1963 على: "يجب على المنتفع برخصة من هذا النوع أن يثبت عند رجوعه بتقديم جواز سفره أو نسخة منه أنه قد توجه بالفعل إلى الديار المقدسة. وإذا لم يثبت ذلك فإنه يحرم من مرتبه أو أجرته خلال مدة الرخصة التي حصل عليها بصرف النظر عن العقوبة التأديبية المطبقة على التغيب غير القانوني".

بالإضافة إلى هذا هناك رخص استثنائية أخرى يستفيد منها الموظف وتتعلق بالآتي:
الترخيص بالتغيب لمتابعة دروس خلال ساعات العمل، شريطة أن لا يخل بساعات العمل.
تغيب المرضعات، حيث تمنح لهن نصف ساعة صباحا ونفس المدة مساءًا.
العطل العارضة.
ثانيا: الرخص لأسباب صحية: بالرجوع إلى المادة 39 من الظهير الشريف بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة
العمومية نجد أن الرخص لأسباب صحية تشتمل على:
رخص المرض القصيرة الأمد.
رخص المرض المتوسطة الأمد.
رخص المرض الطويلة الأمد.

الرخص بسبب أمراض أو إصابات ناتجة عن مزاولة العمل.
أ/ رخص المرض القصيرة الأمد: تعتبر رخصة المرض القصيرة الأمد رخصة مرض عادية، تمنح للموظف عندما يصاب بمرض أو إصابة لا تدخل ضمن لائحة الأمراض التي تخول الحق في رخصة المرض الطويلة الأمد أو رخصة المرض المتوسطة الأمد.

هذه الرخصة تمنح بموجب مقرر يصدره رئيس الإدارة التي ينتمي إليها المعني بالأمر بناء على الشهادة الطبية المدلى بها من طرف الموظف، هذا الأخير يتعين عليه الإدلاء للإدارة في أجل لا يتعدى 48 ساعة في المجال الحضري، أو 72 ساعة في المجال القروي من أيام العمل بشهادة طبية، صادرة عن الطبيب المعالج، تحدد مدة الرخصة التي تستدعيها حالته الصحية وتسلم الإدارة للمعني بالأمر أو لذويه وصل استلام الشهادة الطبية غير أن هذه المدة يمكن تمديدها إلى أجل أقصاه ثلاثة أيام من أيام العمل بالنسبة للموظفين العاملين بالوسط القروي.

وحسب الفقرة الثانية من الفصل 39 من الظهير الشريف بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية فإن الموظفين الموجودين في رخصة لأسباب صحية بحسب الحالة يتقاضون مجموع أو نصف أجرتهم المحتسبة في المعاش، ويحتفظ المعنيون بالأمر بالإستفادة من مجموع التعويضات العائلية في جميع حالات الرخص لأسباب صحية.

أما فيما يتعلق بالمدة فرخصة المرض القصيرة الأمد البالغة 3 أشهر يتقاضى عنها الموظف أجره كاملا، والثلاث أشهر الموالية يتقاضى عنها نصف الراتب، كما يستفيد من الإيداع الحتمي لمدة 6 أشهر بنصف الراتب، والباقي بدون راتب في حدود ثلاث سنوات.

ب/ رخص المرض المتوسطة الأمد: لقد تم تحديد رخصة المرض المتوسطة الأمد بمقتضى الفصل 43 من الظهير الشريف بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية الذي جاء في ظهير 26 يناير 1995 المنفذ لقانون 20.94 المغير والمتمم لظهير 24 فبراير 1958 المتعلق بالنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية.

ولقد حدد الفصل 43 مكرر الشروط التي يستفيد منها الموظف من رخصة المرض المتوسطة الأمد كما يلي: لا يجوز أن يزيد مجموع مدة رخصة المرض المتوسطة الأمد على ثلاث سنوات، وتمنح هذه الرخصة للموظف المصاب بمرض يجعله غير قادر على القيام بعمله، إذا كان يستلزم علاوة على ذلك مداواة وعلاجات طويلة وكان يكتسي طابع عجز تثبت خطورته.

ويتقاضى الموظف طيلة السنتين الأولتين من الرخصة المذكورة مجموع أجرته المشار إليها في الفصل 39 من الظهير الشريف بمثابة النظام العام الأساسي للوظيفة العمومية، وتخفض هذه الأجرة إلى النصف في السنة الثالثة.
وتحدد بموجب مرسوم الأمراض التي تخول الحق في الرخص المنصوص عليها في هذا الفصل، ولقد تم بالفعل تحديد قائمة هذه الأمراض بمرسوم 4 يوليوز 1995.
ج/ رخص المرض الطويلة الأمد: تمنح للموظف الرسمي أو المنتدب في حالة إصابته بأحد الأمراض الآتية: داء السل – مرض عقلي – سرطان – مرض النخاع. المدة أقصاها 5 سنوات، 3 سنوات بمرتب كامل وسنتان بنصفه، مع التعويضات العائلية. أما إن ظهر أن المرض أصاب الموظف أثناء القيام بمهامه أو بمناسبة مباشرتها فإن مدة الرخصة ترتفع إلى ثمانية سنوات: 5 سنوات بمرتب كامل و3 سنوات بنصفه مع التعويضات العائلية.

هذا وإذا استحال على الموظف نهائيا استئناف عمله بعد الرخصة فإنه يحال على التقاعد بقرار من المجلس الصحي أو حتما وفق شروط نظام المعاشات، ويمكن وضع المعني بالأمر في الإستداع إذا رأت اللجنة الطبية أنه بإمكانه استئناف العمل بعد فترة معينة.

د/ رخص بسبب أمراض أو إصابات ناتجة عن مزاولة العمل: تعرض لهذا النوع من الرخص الفصل 45 من الظهير الشريف بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، حيث جاء فيه: "إذا أصيب الموظف بمرض أو استفحل هذا المرض عليه إما في أثناء أو بمناسبة مزاولة عمله، وإما خلال قيامه بعمل تضحية للصالح العام أو لإنقاذ حياة واحدة أو أكثر من الأشخاص، وإما على إثر حادثة وقعت له أثناء أو بمناسبة مزاولة عمله، يتقاضى أجرته إلى أن يكون قادرا على استئناف عمله، أو إلى أن يتم الإعتراف نهائيا بعدم قدرته على العمل، ويحال على التقاعد وفق الشروط المنصوص عليها في القانون رقم 001.71 الصادر في (30 ديسمبر 1971) كما تم تعديله وتتميمه. يحق للموظف زيادة على ما ذكر، في جميع الحالات المنصوص عليها في هذا الفصل أن يسترجع من الإدارة إبدال الأتعاب الطبية والمصاريف المترتبة مباشرة عن المرض أو الحادثة".

هذه الرخصة تمنح بموجب مقرر يصدره رئيس الإدارة التي ينتمي إليها المعني بالأمر بناء على قرار لجنة الإعفاء المنصوص عليها في الفصل 29 من القانون رقم 001.71 السالف الذكر.

وفي انتظار البت في حالة المعني بالأمر من طرف لجة الإعفاء، يخول رخصة مرض قصيرة الأمد على أن تتم تسوية وضعيته النهائية على ضوء قرار اللجنة المذكورة أعلاه.

ولإثبات هذا المرض وجعل الإدارة على علم بكل الأمور يجب على المعني بالأمر موافاة إدارته بشهادة طبية داخل الأجل المحدد السالف الذكر مع الإشارة الصريحة إلى العلاقة بين المرض والإصابة التي يعاني منها المريض والعمل الذي يزاوله.

أما تكوين الملف فيتضمن الوثائق التالية:
- تصريح بظروف الحادثة.
- محضر رجال الشرطة أو الدرك عند الإقتضاء.
- شهادة الشهود عند الإقتضاء.
- شهادة طبية للمعاينة الأولية تبيين الجروح أو الأعراض الناتجة عن الحادثة.
- شهادة طبية لتمديد الرخصة إن اقتضى الحال.
- شهادة الشفاء بدون عجز أو بعجز.
- شهادة طبية بالوفاة عند الإقتضاء.

ويتعين على الإدارة داخل أجل أقصاه عشرة أيام من تاريخ التوصل بالوثائق المتعلقة بالمرض أو الإصابة، عرض الملف الطبي المتعلق بالمعني بالأمر على المجلس الصحي أو الهيئات المتفرعة عنه الذين يتعين عليهم البت فيه في غضون مدة أقصاها ثلاثون يوما، ويتم بشكل مواز عرض حالة المعني بالأمر على الصندوق المغربي للتقاعد للبت فيه من طرف اللجنة المختصة.
وإذا لم يقر المجلس الصحي بالعجز النهائي للموظف عن القيام بالعمل ولم يستطع بعد انتهاء الرخصة لأسباب استئناف عمله، جعل تلقائيا في وضعية التوقف المؤقت عن العمل.
هـ/ رخصة الولادة: إن الحمل والولادة وظيفة اجتماعية تقوم بها المرأة بالإضافة إلى مختلف الوظائف التي تقوم بها، بما فيها مهمتها المهنية كموظفة، لهذا في نطاق العناية التي يجب أن تعطى للموظفة الأم ولتحمل المجتمع لبعض نتائج وظيفة الأمومة، نص الفصل 46 من الظهير الشريف بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية على: "تتمتع أولات الأحمال الموظفات برخصة من الولادة مدتها اثنا عشر أسبوعا مع تقاضي مجموع الأجرة باستثناء التعويضات عن المصاريف".

وتنتهي الرخصة المذكورة بعد مرور 14 أسبوع على بدايتها كيفما كان التاريخ الحقيقي للوضع.
ويتعين على الموظفات المعنيات بالأمر أن يدلين لإدارتهن بشهادة طبية في الشهر الثالث والسادس والثامن من حملهن، ويجب أن يبين في الشهادة الأخيرة للحمل التاريخ المفترض للوضع.
إن أولات الأحمال الموظفات اللواتي يضعن مولودا ميتا أو يتعرضن لعملية إجهاض طبيعي ابتداء من الشهر السابع من حملهن، يخولن رخصة عن الولادة طبقا لأحكام الفصل 46 من الظهير الشريف بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية.

يظل الموظف الذي يستفيد من الرخصة بدون أجر، متمتعا بجميع حقوقه في الترقية والتقاعد خلال هذه الرخصة طبقا للمقتضيات التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل.
و/ الرخصة بدون أجر: لقد أحدث هذا النوع من الرخص بمقتضى التغير الذي أدخل على الظهير 24 فبراير 1958 بالقانون رقم 97-10 المنفذ بظهير 2 غشت 1997، وذلك بتعديل الفصل 39 الذي يحدد أنواع الرخص، وإضافة فصل جديد هو الفصل الأخير الذي ينص على ما يلي: "ويمكن للموظف بطلب منه وبعد موافقة رئيس الإدارة، أن يستفيد مرة واحدة كل سنتين من رخصة بدون أجر لا تتعدى شهرا واحدا غير قابل للتقسيط.

تحدد كيفية منح الرخص بدون أجر بموجب مرسوم".
المعاش عبارة عن مبلغ من المال يتقاضاه الموظف أو المستخدم الرسمي أو المتمرن إثر انتهاء خدمته بصورة نظامية أو إصابته بعجز، ويؤول إلى المستحقين عنه وإلى أبويه بعد وفاته، وذلك مقابل المبالغ التي تقتطع من أجرته ومساهمات الدولة أو الجماعة المحلية أو المؤسسة العامة التابعة لها.
وتعتبر بداية السبعينات لبنة أساسية للمعاشات المدنية حيث عمل المشرع على إصدار قانون رقم 001.71 بتاريخ 30 دجنبر، يحدث بموجبه نظام المعاشات المدنية. وقد أدخلت عليه تغيرات وإضافات حيث يساير التطورات التي عرفها الجهاز الإداري.

والمعاش حسب الفصل 20 من ظهير 4 أكتوبر 1978، هو ذلك الإيراد العمري الذي يكسبه في الحال منخرط يثبت عند بلوغه سن الستين المتوفر على ثلاثين سنة من الخدمات الصحية المنجزة بالمكتب، وتحدد بموجب مرسوم السن ومدة الخدمات المماثلة المطبقة على منخرط قضى حياته العملية كلا أو بعضا في خدمة عامة. ويستفيد من راتب التقاعد، موظفو الدولة وأعوان الجماعات والمؤسسات العمومية وعند الإقتضاء ذوي حقوقهم طبق الشروط المنصوص عليها في القانون رقم 001.71.

والمعاش يتخذ عدة أشكال، فهناك معاشات التقاعد ومعاشات الزمانة، ومعاشات المستحقين ومعاشات الأبوين. 1- معاشات التقاعد: يستفيد منها الموظفون والمستخدمون المحالون على المعاش بطلب منهم، أو ببلوغ السن القانوني للإحالة على المعاش، أو المحذوفون من أسلاك الموظفين أو المستخدمين بسبب إصابتهم بعجز، أفقدهم القدرة على مزاولة أعمالهم.
2- معاشات الزمانة: هي المبالغ المالية التي يستفيد منها الموظف أو المستخدم بسبب عجز دائم ناتج عن جرح أو مرض، أصيب به أو تفاقم، إما في مزاولة الخدمة أو بسببها، وإما عند قيامه بعمل في سبيل مصلحة عامة، أو المخاطرة بحياته لإنقاذ حياة شخص أو أشخاص، وكان العجز المصاب به لا يقل عن 25 بالمائة.
3- معاشات المستحقين: هي المبالغ المالية التي يستفيد منها أرامل ويتامى الموظفين والمستخدمين عند وفاة ذوي المعاش، سواء كان معاش تقاعد أم معاش زمانة.
4- معاشات الأبوين: هي المبالغ المالية التي يستحقها والدا صاحب المعاش الأصلي، الذي كان يعولهما في تاريخ وفاته، ولا يستفيد منها الأبوين إلا إذا توفي الموظف نتيجة جراح أو أمراض أثناء العمل أو بسببه أو في سبيل مصلحة عامة أو لإنقاذ روح بشرية.

خلاصة:
بالرغم من أن قانون الوظيفة العمومية يلزم الموظف بالتزامات متعددة ومتنوعة، وفي مقابل ذلك يضمن له الكثير من الحقوق لإقامة وتحقيق نوع من التوازن ما بين الفاعلية الإدارية والضمانات المقررة للموظفين، إلا أنه يصطدم من حيث الواقع العملي بالكثير من الصعوبات والعراقيل فيتعذر تطبيق عدد متنوع من نصوصه بالشكل الذي قصده المشرع.

وإذا كانت صعوبات التطبيق تجد مبرراتها في مرحلة الستينات في كون المغرب كان يجتاز مرحلة بناء وتصحيح هياكله الإدارية والاقتصادية، إلا أنه سرعان ما أصابته أزمة اقتصادية في المغرب وغيره من دول العام، تلك الأزمة التي مست مختلف الفئات الاجتماعية وخاصة محدودي الدخل مثل الموظفين مما أدى الوضع إلى إصابة الأجهزة الإدارية بنوع من التسيب والمحسوبية والتماطل في القيام بالعمل والتعسف في استعمال السلطة الإدارية، وذلك على مختلف فئات الموظفين وعلى أفراد الجمهور، فاستولى الاستياء العام الذي تختلف حدته باختلاف درجة التضرر من الوضع.

ومن أجل التغلب على ذلك الوضع يحتاج الأمر إلى إرادتين: إرادة القوة السياسية وإرادة الجمهور.
• فإرادة القوة السياسية وخاصة الحكومة باعتبارها المسؤولة عن تسيير المرافق العامة، يجب عليها العمل على التسيير اليومي للمرفق الموكل إليه من حيث الإشراف على الأطر المسيرة والخدمات المنجزة أو في طور الإنجاز مع العمل على تحديث الإدارة بالوسائل الكفيلة بتطوير العمل الإداري، وأن تعمل الحكومة كذلك على رصد نقط ضعف الإدارة للتخلص منها واستبعادها قدر المستطاع. ومما لا شك فيه أن الطاقة البشرية إذا ما أحسن اختيارها وتم توجيهها وتقويمها فإن مساهمتها في الشؤون العامة تكون كفيلة بتحقيق المردودية بشكل ايجابي وفعال، بخلاف الوضع في حالة إغفالها خاصة إذا كانت في مركز المسؤولية فإنها كثيرا ما تستغل ظروف التراخي عنها بالتعسف والتماطل في القيام بمهامها. ولا نجهل ما يترتب عن ذلك من سوء تسيير المصالح العامة.

• إرادة الجمهور: وذلك بتحدي كل التسيبات اللامشروعة ومحاربة ومناهضة كل الأمراض الإدارية بمختلف الوسائل القانونية، ولاسيما الطعون القضائية لإصلاح أنفسنا بأنفسنا، لأن العيب لا يكمن أساسا في النصوص القانونية بقدر ما يتجلى في الممارسة التطبيقية، ولا يمكن التغلب على هذا العيب إلا بإحياء الضمائر الخلقية والوعي والإخلاص في العمل انطلاقا من الإحساس بالولاء للوطن تحقيقا للمصلحة أو المنفعة العامة.

والموظف العمومي وإن كان في عهدته القيام بالخدمات العامة إلا انه ينبغي النظر إليه كإنسان، إذ أن قدراته محدودة لذا فإن إرادة الإصلاح ينبغي أن تكون مشتركة بين الجميع للتعاون والتكامل من أجل التصحيح وتقويم المناهج والبرامج والسلوك الإداري، كما ينبغي الاهتمام بأوضاع الموظف المادية والمعنوية لتأمين حياته وحياة أسرته للعيش في مستوى لائق اجتماعيا خاصة وأنه يمثل الدولة في قيامه بعمله الوظيفي.

المراجع المعتمدة:
الحاج شكرة، الوظيفة والموظف في القانون الإداري المغربي، الطبعة الأولى 2006، سليكي إخوان، طنجة.
إدريس البصري -جان كرانون- ميشال روسي - أحمد بلحاج، القانون الإداري المغربي، الطبعة الأولى، المطبعة الملكية الرباط 1988.

عبد القادر باينة، الموظفون العموميون في المغرب، الطبعة الأولى، دار توبقال الدار البيضاء 2002.
طارق حسنين الزيات، حرية الرأي لدى الموظف العام -دراسة مقارنة، مصر وفرنسا- الطبعة الثانية 1998.
خالد المير – إدريس قاصمي، التشريع الإداري والتسيير التربوي، طبعة 1414-1993، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1994.
محمد سليمان الطماوي، قضاء التأديب، القاهرة 1979.
مليكة الصروخ، النظام القانوني للموظف العمومي، الطبعة الأولى، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1994.
فريد السموني، مفهوم الموظف في القانون الجنائي المقارن، مطبعة فضالة –المحمدية.
مرية بوجداين، محاضرات في المرافق العمومية الكبرى، طبعة 2016-2017.

بقلم ذ أناس الشاوني
باحث في القانون
 


أعلى الصفحة