التنظيم القضائي

بقلم ذ مروان بوسيف
طالب باحث بسلك ماستر " العلوم القانونية " بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية- أڴدال-
تحت عدد: 784
إنَّ الجَرِيمَةَ كمصدرٍ للمسؤوليةِ الجنائيةِ عرًّفها المشرعُ المغربيُ في الفصل 110 من

القانون الجنائي 1 بقوله: "الجريمة هي كل عمل أو امتناع مخالف للقانون الجنائي ومعاقب عليه بمقتضاه"، فمرد اعتبار الجريمة كمصدر للمسؤولية الجنائية أن كل إنسان ارتكب جرماً معينا يتحمل على عاتقه بمسؤولية اتجاه المجتمع عامة والمتضرر خاصة، وذلك عن طريق تنفيذه جزاءاً جنائيا سواء كان هذا الجزاء سجناً أو حبساً أو عقوبة مالية...إلخ، ففلسفة النظر إلى الجريمة كمصدر للمسؤولية الجنائية، ليست الجريمة في حد ذاتها ولكن إلى الآثار الناتجة عنها.

فَالمَسْؤُولِيَةُ الجنائية المترتبة عن الجريمة قد يكون أساسها فعل أو امتناع، اعتباراً أن الجريمة قد تكون فعلا أو امتناعا، و تجدر الإشارة إلى أن الجريمة تكون إيجابية في كل حالة يأتي فيها الفاعل نشاطاً إيجابيا (فعلا) مخالفا للقانون الجنائي ومعاقب عليه، وبالإطلاع على مجموعة القانون الجنائي وغيرها من النصوص الجنائية التكميلية ــ التي صدرت قبل المجموعة أو بعدها ــ تفيد بأن أغلبية الجرائم تكون إيجابية، على اعتبار أن المبدأ هو أن يورد المشرع الجنائي النَّص على عقاب الأفعال في محل النهي عن إتيانها، وتكون الجريمة سلبية في كل حالة يعمد فيها المشرع إلى فرض القيام بعمل معين، وذلك بالتنصيص على عقاب بمجرد الامتناع عن القيام به، و الجرائم السلبية وإن كانت أقل عددا من نظيرتها الإيجابية فهي في طريق الازدياد والارتفاع نظراً لميل الإتجاه في الوقت الحال إلى الإكثار من هذا النوع من الجرائم بغية تحقيق فكرة التضامن الاجتماعي ــ بزيادة نسبة الالتزامات أو الواجبات التي أضحت ملقاة على عاتق الفرد تجاه الغير ــ التي أصبحت عنصراُ حيوياً إن لم نقل مميزا للمجتمعات المتمدنة2.

وَمِنْ بين المسؤوليات التي يمكن أن تترتب عن جريمة عن طريق الامتناع مسؤولية القاضي عن تنكُّرِهِ للعدالة، إذ من المعلوم أن القانون يرتب على القُضاةِ التزامات وواجبات عامة، كما أنَّ المنصب القضائي الذي يشغلونه يفرض عليهم التزامات وواجبات خاصة تهدف إلى ضمان دقة العمل والنزاهة وشرف مهنة القضاء المقدسة، فلا يجوز للقاضي أن يحيدَ عن إحقاقِ الحق بسوء نيةٍ لصالحِ أحدِ الخُصُوم، وعليه أن يبذل العناية والاهتمام الكافيين لتجنب الخطأ، فإن تخلَّى عن أداءِ التزامه كقاضي أو امتنع عن إحقاق الحقِّ بين المتقاضين يكون عرضة للمساءلة لا محالة.

والمَسؤولية بالنسبة لمن يمارس المهام القضائية ليست بالهينة أو السهلةُ باعتبارها مرتبطة بالمحاسبة إذ "يعد كل إخلال من القاضي بواجب الاستقلال والتجرد خطأ مهنيا جسيما بصرف النظر عن المتابعات القضائية المحتملة، وذلك طبقا للمادة 109 من الدستور3. فهذا الفصل يجمع بين الخطأ المهني الجسيم الذي يحال مرتكبه على المجلس الأعلى للسلطة القضائية من أجل التأديب وبين الإمكانية المتاحة للمتضرر للجوء إلى القضاء الإداري للمطالبة بالتعويض أو حتى للقضاء الجنائي إذا كان الأمر يتعلَّقُ بجريمةٍ.
وَحَتَى يتمكَّن القاضي من القيام بمهامه بدون خوفٍ أو إزعاجٍ أو تدخلٍ من الغير، فإنَّ الدستور المغربي لسنة 2011 وفَّر له حصانة قوية لم يوفرها لغيره من أصحاب المهن القانونية الأخرى، وذلك بمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء، وبمعاقبة كل من حاول التَّأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة، وبمنع القاضي من تلقي أي أوامر أو تعليمات أو الخضوع لأي ضغط، كما أوجب على القاضي كلما أعتبر أن استقلاله مهددٌ إحالةَ الأمرِ بشكلٍ مستعجلٍ على المجلس الأعلى للسلطة القضائية ولم يلزمه إلا بتطبيق القانون وبإصدار أحكام القضاء على أساس التطبيق العادل للقانون لا غير4.
مُقَابِلَ ذلك منعَ القانون على القاضي القيام ببعض الأفعال أو إذا امتنع عن القيام بأخرى التي تعدُ جريمة فسيكون مآله المسألة الجنائية،و في خضم هذا النقاش وما يهمنا في هذا المقام هو الفصل 240 من القانون الجنائي الذي يحدِّدُ لنا الأسس العامة لجريمة "إنكار العدالة" كجريمة يمكن تصور قيامها تُجاهَ القاضي، إذ ينُصُ الفصل 240 على أن: " كل قاض أو موظف عمومي، له اختصاصات قضائية، امتنع من الفصل بين الخصوم لأي سبب كان، ولو تعلَّل بسكوتِ القانون أو غموضه، وصمَّم على الامتناع، بعد الطلب القانوني الذي قدم إليه ورغم الأمر الصادر إليه من رؤسائه، يمكن أن يتابع ويحكم عليه بغرامة من مائتين وخمسين إلى ألفين وخمسمائة درهم على الأكثر، وبالحرمان من تولي الوظائف العمومية من سنة إلى عشر سنوات".

فالمسؤولية الجنائية المتعلقة بالقضاة جدُّ معقدةٍ ويصعبُ إثباتُها على المستوى الواقع بل إنَّ إمكانية وجود مسؤولية القاضي الجنائية قليلة جداً، نظرا للقوانين الضابطة لعمل القاضي عتباراً أن الحق والعدالة بين يديه، وعليه فإن موضوع المسؤولية الجنائية للقضاة عن جريمة إنكار العدالة كي نتناوله بالدرس والتحليل، وجب أولاً أن نعرف بجريمة إنكار العادلة كقاعدة عامة مع تبيان الإطار القانون المنظم لها في التشريع المغربي وبعض التشريعات الأخرى وكذا بسط آثارها.
وقد اعتمدنا في دارسة هذا الموضوع على المنهج الوصفي والمنهج التَّحليلي لمختلف نصوص المرتبطة بالموضوع سواءُ على مستوى القانون المغربي أو بعض التشريعات الأجنبية والمقارنة مع الاعتماد كذلك على المنهج المُقارن.

وهنا يحق لنا أن نتساءل: ما المقصود بجريمة إنكار العدالة؟ و كيف تمّ تنظيمها في التشريع المغربي والتشريعات القانونية الأخرى؟ بل يمتد التساؤل حول نوع الآثار القانونية التي ترتبها جريمة إنكار العدالة؟ ولمن يؤول الاختصاص القضائي لمُحاكمة القاضي المنكر للعدالة ؟ وكمحاولة مناّ للإجابة على هاته التساؤلات وغيرِها، ارتأينا الاعتماد على التصميم الآتي:
المحور الأول: جريمة إنكار العدالة المُرتكبة من طرف القاضي في القانون المغربي وبعض التشريعات المُقارنة- ماهيتها والإطار القانوني النّاظِمُ لها-
المحور الثاني: الآثار القانونية والقضائية لجريمة إنكار العدالة
المحور الثاني: الآثار القانونية والقضائية لجريمة إنكار العدالة
إنَّ العمل القضائي واجبُ على عاتق القضاة الذين يقومون به، ولا يمكن بأي وجه من الوجوه وبأية حجة أن يمتنعوا من الفصل في المنازعات المعروضة عليهم حسب مقتضيات الفصل 2 من قانون المسطرة المدنية5.
فالقضاة يمارسون أثناء تطبيقهم لنصوص القانون ما يسمى بالتحليل القضائي على الوقائع والأحداث والمنازعات المعروضة عليهم، وذلك عبر القيام بعمل تحليلي وتفسيري للمقتضيات القانونية أو التنظيمية الواجب تطبيقها، وبالتالي لا يستطيع القاضي أن يمتنع عن إصدار حكم عليها بحجة سكوت القانون أو غموضه أو عدم كفايته، فإن فعل يكون قد ارتكب جريمة الامتناع عن إحقاق الحق أو إقامة العدل أو ما يسمى بجريمة إنكار العدالة “Déni de justice”6.
فعلاقة بالموضوع وتوضيحا لبعض النقاط التي تهم هذا المبحث، سنقسم هذا المحور إلى نقطتين، حيث سنخصص الأولى لمفهوم جريمة إنكار العدالة والنصوص الِمؤطرة لها، على أن نتحدث في الثانية عن ارتكاب جريمة إنكار العدالة من طرف القاضي من خلال التطرق لأركان جريمة إنكار العدالة الواجب توافرها.
أولاً : مفهوم جريمة إنكار العدالة و النصوص المنظمة لها في التشريع المغربي و بعض التشريعات القانونية الأخرى
1- مفهوم جريمة إنكار العدالة
من المعلوم أن المصطلحات القانونية لها تعريفات قد تختلف باختلاف الآراء التي قامت بتعريفها خاصة عند غياب نص قانوني، وفي حالة وجود هذا الأخير فلا مجال للحديث عن تعريف غير الذي ينص عليه القانون، وهكذا فإن نفس الأمر ينطبق على مفهوم جريمة إنكار العدالة،حيث تجدر الإشارة أن المشرع المغربي عرف صراحةً إنكار العدالة من خلال الفصل 392 من قانون المسطرة المدنية حيث جاء فيه " يعتبر القاضي منكرا للعدالة إذا رفض البت في المقالات أو أهمل إصدار الأحكام في القضايا الجاهزة بعد حلول دور تعيينها في الجلسة"، وحسبَ البعض إنّ رفض القاضي تطبيق قاعدة قانونية بأي وجه من الأوجه، يكون مذنباً بارتكاب جريمة إنكار العدالة وليس للقاضي أي عذر مهما كانت طبيعته ذاتية أو موضوعية7.

وهناك من عرّف جريمة إنكار العدالة في القانون بأنها "رفض القاضي صراحة أو ضمناً الفصل في الدعوى أو تأخير الفصل فيها رغم صلاحياتها للفصل فيها أو رفضه أو تأخيره البت في إصدار الأمر المطلوب على عريضة"،8 و هذا التعريف يشتمل على جوهر ما يجب توفره لقيام جريمة إنكار العدالة، وذلك عن طريق الرفض أو تأخير البت في الدعوى رغم توفرها. وما يهم هو ثبوت واقعة الامتناع بصرف النظر عن إرادة القاضي، و القاضي لا يعد منكرا للعدالة إذا كان تأخير الفصل في الدعوى راجع إلى ما يبرره قانوناً كما لو كانت الدعوى لم يتم تحقيقها بعد.
وعرَّف أحد الباحثين إنكار العدالة بأنها "حالة ممثلة في امتناع القاضي عن الفصل في دعوى مطروحة عليه"9، و هذا الرأي نجده صائبا لشموله على الأساس الذي يعتبر بسببه القاضي مرتكباُ لجريمة إنكار العدالة و المتمثل في الامتناع.
وهناك من اعتبر أن القاضي يعدُّ منكرا للعدالة إذا امتنع فقط عن الإجابة عن استدعاء قدم له، أو عن الفصل في قضية جاهزة للحكم، و يكون ذلك سبباً مبررا لمخاصمته، وليس ثمة أي عذر له في عدم الفصل في الدعاوى والرد على الطلبات وفقاً لأحكام القانون و القواعد المكملة له في الشريعة الإسلامية أو العرف أو قواعد العدالة، و عليه دائما أن يسعى إلى فهم النصوص و تفسير ما غمض فيها، و إكمال النقص إن وجد، وعليه أن يبحث دائما عن القاعدة الواجبة التطبيق على ما هو مطروح عليه وفقا للأصول، ولا يعد مجرد تأجيل الفصل في الدعوى أو إطالة أمد التقاضي بسبب الإجراءات أو الدفاع امتناعا عن الفصل، لأن الامتناع عن الفصل لا يكون إلا إذا كانت الدعوى مهيأة للحكم في الموضوع، وإن رفع الدعوى للتدقيق أو قفل باب المرافعة لا يعني دائماً أنها مهيأة للحكم أو للفصل، وإن الامتناع الذي يعد إنكاراً للعدالة هو الامتناع الصريح، أو باتخاذ موقف سلبي بعدم الإجابة عن الطلبات المقدمة إليه، وبغض النظر عن القصد في الامتناع عن الفصل في الدعوى على الرغم من توافر كل الظروف والأسباب التي تتيح للقاضي الفصل فيها10.
والقضاء الأجنبي تطرَّق كذلك لتعريف جريمة إنكار العدالة، ونستحضر هنا ما وصفته المحكمة الدستورية السورية بإنكار العدالة عندما قررت في قرار لها بأن "... حق التقاضي لا تكتمل مقوماته أو يبلغ غايته ما لم توفر الدولة للخصومة في نهاية مطافها حلاً منصفا يمثل التسوية التي يعمد من يطلبها إلى الحصول عليها بوصفها الترضية القضائية التي يسعى إليها لمواجهة الإخلال بالحقوق التي يدعيها، ... هذه الترضية تندمج في الحق في التقاضي باعتبارها الحلقة الأخيرة فيه....و اندماج هذه الترضية في الحق في التقاضي، مؤداه أنها تعتبر من مكوناته، و لا سبيل لفصلها عنه، و إلا فقد هذا الحق مغزاه، وإنكار الحق في الترضية القضائية سواء بمنعها ابتداء، أو بإقامة العراقيل في وجه اقتضائها، أو بتقديمها متباطئة متراخية دون مسوغ...، لا يعدو أن يكون إهدارا للحماية التي يفرضها الدستور والقانون للحقوق التي وقع العدوان عليها، و إنكارا للعدالة في جوهر خصائصها و أدق توجها... ولا يعتبر إنكار العدالة قائمة في محتواه على الخطأ في تطبيق القانون، وإنما هو الإخفاق في تقديم الترضية القضائية الملائمة بغير اقتران الترضية القضائية بوسائل تنفيذها و حمل الملزمين بها على الرضوخ لها، فإن هذه الترضية تغدو هباء منثورا، و تفقد قيمتها من الناحية العملية، و هو ما يفيد بالضرورة إهدار الحماية التي فرضها الدستور و المشرع - كلاهما - للحقوق على اختلافها و تكريس العدوان عليها، و تعطيل دور القضاء المنصوص عليه في المادة 65 من الدستور في مجال صونها و الدفاع عنها، و إفراغ حق اللجوء إليه من كل مضمون'' 11.

ومن خلال ما سبق، يمكن القول أنه يقصد بجريمة إنكار العدالة " امتناع القاضي صراحة أو ضمنا عن الفصل في قضية صالحة للحكم فيها، أو امتناعه عن الإجابة على طلبٍ قُدِمَ إليه بدون مبرر قانوني"، من هذا التعريف واستحضاراً للتعريف الذي وضعهُ المشرع المغربي من خلال الفصل 392 من ق.م.م نستنتج مجموعة من الضوابط التي يتحقق بتوافرها مفهوم إنكار العدالة وهي:
أن يتخذ القاضي موقفا سلبيا يتمثل في عدم بذله للنشاط المطلوب منه ولو لم يصرح بذلك، ولا يشترط قصد القاضي لتتحقق واقعة إنكار العدالة.
انتفاء مبرر الامتناع، فإذا كان امتناع القاضي له ما يبرره من الناحية القانونية، أو من الناحية العملية فلا توجد- عندئذ- جريمة إنكار العدالة.
وترتيبا على ذلك لا يعد إنكاراً للعدالة تأجيل الفصل في الدعوى لعدة مرات لاستكمال التحقيق، أو دخول خصوم جدد، أو ظهور أدلة جديدة بيد أحد الخصوم أو غيرها من المبررات المشروعة.
2- الإطار القانوني المنظم لجريمة إنكار العدالة في التشريع المغربي وبعض التشريعات المُقارنة
إن إنكار العدالة كجريمة وضع لها المشرع المغربي إطاراً يحددها عملاً بمبدأ الشرعية وذلك من خلال الفصل 240 من القانون الجنائي السابق ذكرهُ أعلاه، كما تجرم المادة 434-7-1 من القانون الجنائي الفرنسي أي قاض يجلس في تشكيل قضائي وامتنع عن النطق بالحكم والفصل بالنزاع يعد منكرا للعدالة بعد أن تكون مطلوبة، ويواصل في إنكاره بعد إنذار أو أمر من رؤسائه، العقوبة المتكبدة في حقه هي € 7500 كغرامة والتوقيف من ممارسة مهامه من خمس سنوات إلى عشرين سنة12، ومن الناحية العملية نادرا جدا ما تستخدم هذه الجريمة في حق القضاة.13
كما قررّ قانون العقوبات الإيطالي جريمة إنكار العدالة بالنسبة للقضاة والموظفين بمقتضى المادة 328 منه، و التي نصّت في فقرتها الأولى على أنه: "الموظف العمومي أو المكلف بخدمة عمومية و الذي يرفض بدون حق، أو يمتنع أو يتأخر عن عمل للوظيفة أو للخدمة يعاقب بالسجن مدة سنة أو بغرامة مليونين من الليرات"، أما الفقرة الثانية من ذات المادة فتنص بقولها: "إذا كان الموظف العمومي قاضياً أو موظفا في النيابة العامة و يكون هناك امتناع أو رفض أو تأخير حين تتوافر الشروط المنصوص عليها في القوانين لقيام الدعوى الجنائية ضدهم".
أمّ المشرع البلجيكي اعتبر جريمة إنكار العدالة من بين أسباب مخاصمة القضاة كذلك، حيث نص في الفصل 1140 من القانون المدني على أن: " القضاة يمكن مخاصمتهم في الحالات التالية:1- إذا كانوا مذنبين في حالة الخداع أو الغش أثناء سير التحقيق أو عند الأحكام، 2- إذا نص القانون صراحة على ذلك،3- إذا نص القانون على مساءلة القضاة عن الأضرار الناتجة من طرفهم،4- إذا كان هناك إنكار العدالة"15.
إذ عاقب المشرع البلجيكي القاضي الذي ينكر العدالة من خلال الفصل 258 من القانون الجنائي البلجيكي بقوله: " أيُ قاضٍ أو مدير أو مسؤول إداري، تحت أي ذريعة كانت حتى في ظل صمت أو غموض القانون، يرفض إقامة العدل بين الأطراف، يعاقب بغرامة قدرها 200 يورو إلى 500 يورو، ويمكن إدانته بالحظر في أداء المهام والوظائف أو تقلد المناصب العامة"16.
في حين نجدُ المشرع المصري بدوره قرّر مساءلة القاضي عن جريمة إنكار العدالة في المادتين 121 و 122 من قانون العقوبات المصري، بحيث نصت الأولى منهما على أن: "كل قاض امتنع عن الحكم، أو صدر منه حكم ثبت أنه غير حق، وكان ذلك بناء على سبب من الأسباب المذكورة في المادة السابقة يعاقب بالعقوبة المنصوص عليها في المادة 105 مكرر أو بالعزل". وقد عدلت هذه المادة بالقانون رقم 112 لسنة 1957 كالآتي: ثالثا: في الباب الخامس من الكتاب الثاني من قانون العقوبات: تنص المادة 121 على عقاب القاضي الذي يصدر حكمه بناء على التوسط، أو الأمر، أو الطلب، أو الرجاء، أو التوصية، أو يمتنع عن الحكم يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين وبالعزل.

بالإضافة إلى أن القانون رقم 69 لسنة 1953 قد استحدث حكما جديدا بالمادة 105 مكرر يقضي بعقوبة السجن على الموظف العمومي الذي يقوم بعمل من أعمال الوظيفة أو يمتنع عن أدائه نتيجة لرجاء أو نحوه. فقد عدلت المادة 121 بتغليظ العقاب ليكون بالسجن أو العزل،كما نصت المادة 122 على أنه: "إذا امتنع أحد القضاة في غير الأحوال المذكورة عن الحكم يعاقب بالعزل وبغرامة لا تزيد عن مائتي جنيه مصري، ويعد ممتنعا عن الحكم كل قاض أبى أو توقف عن إصدار حكم بعد تقديم طلب إليه في هذا الشأن بالشروط المبنية في قانون المرافعات في المواد المدنية والتجارية، ولو احتجّ بعدم وجود نص في القانون أو بأن النص غير صريح أو بأي وجه آخر"17.
بعد استعراضنا لعدة تشريعات التي نصت صراحة على جريمة إنكار العدالة، ، نجدُ أن المشرع الإيطالي خالف المشرع المغربي من حيث العقاب المتعلق بجريمة إنكار العدالة، إذ أن المشرع المغربي نص على العقوبة المالية بالإضافة إلى العزل من الوظيفة في حين المشرع الإيطالي نصّ على إحدى العقوبتين فقط، أم المشرع المصري فلم يخالف المشرع المغربي من حيث مقتضيات العقاب الخاصة بجريمة إنكار العدالة إلا فيما يخص اختلاف قيمة ومدة العقاب إلى جانب المشرع الفرنسي، أمّ المشرع البلجيكي فنلاحظُ عليه أنه من خلال تجريمه لإنكار العدالة نصّ على الحرمان من تقلد وظيفة أو منصب معين لكن لم يحدد مدة هذا الحرمان عكس المشرع المغربي أو الفرنسي الذي حدّد المدة صراحةً.
ثانياً: ارتكاب جريمة إنكار العدالة من طرف القاضي والموظف الذي له اختصاصات قضائية
بعض استعراض المواقف القانونية حول جريمة إنكار العدالة و الخروج بخلاصة أن جل التشريعات عاقبت عليها، يجدر بنا دراستها كجريمة تقترف من طرف القاضي ثم من طرف الموظف العمومي صاحب الاختصاصات قضائية لرفع لبس والغموض حول الفصل 240 من القانون الجنائي، لذلك سنقسم هذه الفقرة إلى نقطتين بداية بــ:

1- ارتكاب جريمة إنكار العدالة من طرف القاضي
يُنْظَرُ إلى القاضي أنه ركن مفترضٌ في جريمة إنكار العدالة أي في حالة الامتناع عن الفصل في الدعوى، والقاضي هو شخص يباشر ولاية القضاء، وفي هذا المعنى يطلق اصطلاح القاضي بمعنى على القضاة بحكم مهنتهم، ومن الناحية الموضوعية ينصرف مفهومه إلى الوحدة النموذجية في الجهاز القضائي وهو ما يسمى أيضاً المحكمة، ويقصد باصطلاح القاضي في نظرية العمل القضائي المعنى الفني الذي ينصرف إلى شخص هذا العمل بجوانبه الشخصية والموضوعية18.
والمشرع المغربي لم يعرف القاضي، بل اكتفى فقط بذكر تأليف السلك القضائي وذلك من خلال المادة 3 من القانون التنظيمي 106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة التي نصت على أنه: "يتألف السلك القضائي بالمملكة الخاضع لهذا النظام الأساسي من هيئة واحدة، تشمل قضاة الأحكام و قضاة النيابة العامة، المعينين بمحاكم أو درجة و محاكم الاستئناف و محكمة النقض..."، و عليه فمفهوم القاضي في التشريع المغربي يشمل قضاة الحكم و قضاة النيابة العامة.
فالقاضي يعد مرتكباً لجريمة إنكار العدالة، إذا توافرت ثلاثة عناصر أساسية وهي كالآتي:
1– صفة الفاعل: أي ارتكاب الجريمة من طرف شخص له صفة من الصفات المنصوص عليه في الفصل 240 من القانون الجنائي، و صفة الفاعل في جريمة إنكار العدالة بالمعنى القانوني الوارد في الفصل 240.
2– رفض البت المادي: لا يسوغ للقاضي أن يحتج بسكوت القانون أو غموضه، كما لا يجوز له أن يؤجل البت في القضية نهائياً مثلاً إلى حين الإدلاء بالوثائق المطلوبة من طرفه، و رفض البت قد لا يكون إلاّ رفضاً جزئيا، إذ يتعلق بأحد أوجه الطلب، وعلى النقيض من ذلك، فليس هناك رفض عندما يصرح القاضي خطأً بعد الاختصاص إذ يكفي أن يصدر حكما ليكون في مأمن من العقوبات الجنائية، كما ليس هناك إنكار للعدالة في حالة الإغفال غير المقصود عن البت في الطلب، الشيء الذي لا يشكل وسيلة للنقض، و تستوجب الجريمة بالفعل العنصر المعنوي الذي يكمن في رفض البت المقصود20.
3– وجود الإخطار: فكل متابعة بجريمة إنكار العدالة تخضع لشرطين، أولا: أن يُطلب من القاضي البت ويستمر في رفضه، و يتجلى هذا التكييف في الإخطارين المتتاليين المنصوص عليهما في الفصل 393 من قانون المسطرة المدنية21، ثانياً: توجيه إنذار أو أوامر الرؤساء، ولا يوضح الفصل 240 من القانون الجنائي ما لمقصود بالرؤساء، و يبدو أنه بالنسبة للقضاة يقصد بالرؤساء المجلس الأعلى للقضاء (سابقاً) مجلس الأعلى للسلطة القضائية (حالياً) الذي تكون له الصفة لتوجيه الأمر 22.
2- ارتكاب جريمة إنكار العدالة من طرف موظف عمومي له اختصاصات قضائية
يعتبر الموظف العمومي كما عرفه الفصل 224 من القانون الجنائي الذي نصّ على أنه: '' يعد موظفا عموميا، في تطبيق أحكام التشريع الجنائي، كل شخص كيفما كانت صفته، يعهد إليه، في حدود معينة بمباشرة وظيفة أو مهمة ولو مؤقتة بأجر أو بدون أجر ويساهم بذلك في خدمة الدولة، أو المصالح العمومية أو الهيئات البلدية، أو المؤسسات العمومية أو مصلحة ذات نفع عام.
وتراعى صفة الموظف في وقت ارتكاب الجريمة ومع ذلك فإن هذه الصفة تعتبر باقية له بعد انتهاء خدمته، إذا كانت هي التي سهلت له ارتكاب الجريمة أو مكنته من تنفيذها".
في حين نجد على سبيل المثال المشرع الجزائري عرف الموظف العمومي من خلال المادة الثانية من القانون 01-06 المتعلق بالوقاية من الفساد و مكافحة التي تنص على مفهوم الموظف العمومي أنه: " هو كل شخص يشغل منصبا تشريعيا أو تنفيذيا أو إداريا أو قضائيا أو في أحد المجالس الشعبية المحلية المنتخبة سواء أكان معينا أو منتخبا, دائما أو مؤقتا, مدفوع الأجر أو غير مدفوع الأجر، بصرف النظر عن رتبته أو أقدميته"23.
ونلاحظ على أن المشرع الجزائري وسع من مفهوم الموظف العمومي مقارنة مع المشرع المغربي، بل أكثر من ذلك المشرع الجزائري اعتبر القاضي موظفا عمومياً بصريح عبارة المادة من القانون 01-06، على غرار المشرع المغربي الذي أورد ألفاظا كلية تفيد التعميم، الشيء الذي يطرح تساؤل، حول مدى اعتبار القاضي يدخل في دائرة مفهوم الفصل 224 من القانون الجنائي؟ حيث أنّ الألفاظ المكونة لمقتضيات الفصل 224 من القانون الجنائي لا تُسعفنا للقول بأن القاضي - بعتباره فاعلاً بداخل السطة القضائية- يعتبرُ موظفاً عمومياً سيما أنّ الفصل 225 من القانون الجنائي بعدهُ يفرق بين الموظف العمومي والقاضي من حيث تحمل المسؤولية تجاه الأوامر الماسة بالحريات الشخصية أو الحقوق الوطنية، بل الأمر يصبحُ أكثر تعقيداً من الناحية الاصطلاحية إذا استحضرنا النقاش المتعلق باستقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية.

إلاّ أن ما يهمنا هنا هو الموظف العمومي الذي خول لهم القانون سلطة اتخاذ قرارات قضائية، ونجد مثالاً في المجلس المؤقت للصيدلة - انظر قرار المجلس الأعلى رقم 143 بتاريخ 18 ماي 1961 (الغرفة الإدارية)24 -. وهنا نشير أنه كان هناك موظفون عموميون لهم اختصاصات قضائية كالفصل بين الخصوم، كما هو الحال في القانون المتعلق بتنظيم محاكم الجماعات والمقاطعات وتحديد اختصاصاتها، ففي ظل هذا القانون كان ما يسمى بــ "الحاكم" داخل المقاطعة والجماعة لا ينتمي للهيئة القضائية، يفصل بين الخصوم في حدود اختصاصات قيمية، وهنا يطرح تساؤل هل يمكن اعتبار قضاة النيابة العامة بمثابة موظفون لهم اختصاصات قضائية حسب مدلول الفصل 240 من القانون الجنائي؟ حسب منظورنا فقضاة النيابة لا يدخلون في مفهوم عبارة القاضي الواردة في الفصل 240 من ق.ج، وهذا لا يعني أن الفصل 240 من القانون الجنائي الذي يحدد جريمة إنكار العدالة عندما جاءت فيه عبارة " كل قاض" أنها تخص قضاء الحكم و قضاء النيابة العامة، بل يتعلق الأمر بقضاة الحكم دون قضاة النيابة العامة، اذ أن جريمة إنكار العدالة لا يتصور وقوعها إلا على قضاة الحكم فقط لأنهم هم الذين تبقى لهم صلاحية الفصل بين أطراف الدّعوى دون امتداد إلى أعضاء النيابة العامة أخذاً بالمفهوم الضيق لمصطلح "الفصل بين الخصوم".
وهناك من اعتبر أن جريمة إنكار العدالة بالمعنى القانوني، لا يتصور وقوعها إلا من قبل قضاة الحكم، إذ لا يمكن رفع دعوى مخاصمة قضاة النيابة العامة على أساس جريمة إنكار العدالة، فلا يمتد تطبيق هاته الأخيرة إلى أعضاء النيابة العامة، بحيث إذا امتنع أحدهم أو رفض القيام بعمل يدخل في نطاق اختصاصه المرتبط بوظيفة القضاء فلا يجوز رفع دعوى المخاصمة ضده، و إذا أمر أحد أعضاء النيابة العامة بحفظ أوراق في قضية معينة أو إصدار أمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية فلا يعد منكراً للعدالة، لأن لهم سلطة التكييف في سير الدعوى العمومية أو الأمر بانقضائها26.

وهذا التوجه الأخير يوافق ما ذهب إليه المشرع المغربي في الفصل 240 من القانون الجنائي، إذ اعتبر المشرع المغربي القضاة المرتكبين لجريمة إنكار العدالة في حالة ثبوتها الذين لهم صلاحية الفصل والبت بين الخصوم، و قضاة النيابة العامة غير مخول لهم الفصل في المنازعات أو البت في الطلبات، لذلك لا يمكن إدراجهم ضمن القضاة المنصوص عليهم في الفصل 240 من القانون الجنائي، وعدم مخاصمتهم بدعوى إنكار العدالة.
المحور الثاني: الآثار القانونية والقضائية لجريمة إنكار العدالة
إن قيام المسؤولية الجنائية للقاضي بناءا على جريمة إنكار العدالة كما سبق بيانها أعلاه، تنتج آثاراً قانونية من قبيل توقيف القاضي ومعاقبته بالجزاء الجنائي المنصوص عليه في الفصل 240 من القانون الجنائي، بالإضافة إلى المطالبة بالتعويض من طرف المطالب بالحق المدني عن طريق دعوى تسمى بــ "دعوى مخاصمة القضاة"، كما يترتب عليها - أي جريمة إنكار العدالة - آثار خاصة على المستوى الاختصاص القضائي لمساءلة القاضي المنكر للعدالة.
لذلك سنحاول من خلال هذا المبحث التّركيز على دعوى مخاصمة القضاة كأساس للمطالبة بالتعويض في حالة إنكار العدالة، ثم التعريج فيما بعد للحديث عن الاختصاص القضائي لمساءلة القاضي المنكر للعدالة.
أولاً: دعوى مخاصمة القضاة كأساس للمطالبة بالتعويض في حالة إنكار العدالة.
تتعدد وتتنوع الدعاوى التي تتداول أمام القضاء بتعدد وتنوع المصالح التي تحميها هذه الدعاوى، وتتميز كل منها بمفهوم وطبيعة قانونية معينة، ويمتد نطاقها ليشمل مسائل معينة أيضا، ودعوى المخاصمة لا تخرج عن هذه القاعدة، فلها مفهوم وطبيعة خاصة، وأسباب يجب توافرها لرفعها من طرف المتقاضي الذي يدعي أنه تضررت مصالحه ، لذلك سنحاول - بالرغم أننا سنزيدُ من الإطناب لكننا نرى أنه إطنابٌ محمودٌ لتكثير الفائدة - تناول حالات مخاصمة القضاة بشكل عام وموجز إلى جانب حالة إنكار العدالة، مع تبيان المسطرة المتبعة لمخاصمة القضاة في شقها المدني.

1- حالات مخاصمة القضاة
أولا نشير على أن مخاصمة القاضي ــ في الاصطلاح القانوني ــ تعنى مساءلة القاضي أو عضو النيابة العامة بقصد المطالبة بتعويض الضرر الناشئ عن حكمه أو الإجراء الذي قام به إذا كان قد شابه غش أو غدر أو تدليس أو خطأ مهني جسيم .
وقد عرَّفها البعض بأنها وسيلة قانونية يتم بمقتضاها للخصم المطالبة بالتعويض المدني من القاضي أو عضو النيابة العامة، وبإبطال عمله القضائي في ‏الحالات التي حددها القانون موجبة لمسؤولية القاضي طبقا للإجراءات المنظمة لذلك27، و لم يتفق المهتمون على تحديد طبيعة واحدة لدعوى المخاصمة، حيث ذهب جانب منهم على اعتبارها من طرق الطعن غير العادية، وجانب آخر لا يعتبرها كذلك، لأنها تتميز بطابع خاص ويتبع في رفعها إجراءات تخالف إجراءات الطعن الأخرى، كما أن المشرع أوردها في باب مستقل ومنفصل عن بقية طرق الطعن، وأنها ليست طعنا في حكم إنما هي طعن في تصرف القاضي ذاته، حيث يجوز رفعها في حالة امتناع القاضي عن الحكم فيما يعرف بإنكار العدالة28.
وهناك من اعتبار أن دعوى المخاصمة هي نظام، حيث عرفها بقوله: " نظام المخاصمة هو الإجراء الذي يستطيع به الخصم في الأحوال وبالشروط المنصوص عنها في القانون أن يرفع دعوى مسؤولية على القاضي يطالبه بتعويض عن الضرر الذي لحقه بسبب الفعل المنسوب إليهِ أثناء تأدية وظيفته أو بسببها ويترتب على إجابة طلب الخصم بطلان التصرف الصادر من القاضي وعلى ذلك ثار التساؤل حول تكييف دعوى المخاصمة وهي فيما يبدو دعوى مسؤولية تهدف في نفس الوقت إلى بطلان التصرف الصادر من القاضي الذي تسبب عنه ضرر للخصم، ويترتب على هذا القول أنه يشترط توافر خطأ معين يقع من القاضي في عمله أو بسبب تأدية و وظيفته فهي دعوى مسؤولية من نوع خاص كما يشترط من ناحية أخرى طبقاً للقواعد العامة في المسؤولية المدنية توافر ضرر يصيب رافع الدعوى بسبب الفعل المنسوب إلى القاضي، أما بطلان التصرف المنسوب إلى القاضي فيمكن تبريره بأنه لا يصح القول بصحة تصرف القاضي الذي ثبتت إدانته أو عدم كفاءته ولعل خير تعويض عن الضرر الذي أصاب رافع الدعوى فضلاً عن الحكم له بالتعويضات هو بطلان تصرف القاضي المشوب بسبب المخاصمة"29
التعريفين السابقين لمفهوم المخاصمة كلاما ينصب حول جوهر هاته الدعوى والمبتغى من ورائها، ويمكننا تحديد طبيعة أو تعريف دعوى مخاصمة القضاة بأنها "دعوى مدنية ترفع من أحد أطراف الدعوى على قاض لمساءلته مدنيا عما ارتكبه من أخطاء نصّ عليها المشرع أثناء النظر في الدعوى مطالبا إياه بالتعويض عما ناله من ضرر نتيجة لهذا الخطأ"، ويترتب على الحكم بصحة دعوى المخاصمة بطلان الحكم أو العمل أو الإجراء كنتيجة حتمية لثبوت ما وقع من القاضي من إخلال بواجبه".
وقد عرّف القضاء المصري دعوى المخاصمة إذ جاء قي قرار لمحكمة النقض المصرية بتاريخ 23/6/2002 حيث جاء فيه "إن دعوى المخاصمة ذات طبيعة خاصة وهي دعوى مبتدئة تقوم على المسؤولية التقصيرية لرمي القضاة بالخطأ المهني الجسيم، وبالتالي فإنها ليست من طرق الطعن ولا امتداداً للخصومة، وعلى هذا الأساس فإن من واجب مدعي المخاصمة أن يرفق استدعائه بكل الوثائق و الدفوع التي تؤيد دعواه والتي بني عليها الحكم المشكو منه فإن خلت منها وثيقة أو أكثر منتجة في النزاع اقتضى رد هذه الدعوى شكلاً"30.
والمشرع المغربي نصّ على إمكانية مخاصمة القضاة في الفصل 81 من قانون الالتزامات والعقود الذي نص على أن: " القاضي الذي يخل بمقتضيات منصبه يسأل مدنياً عن هذا الإخلال تجاه الشخص المتضرر في الحالات التي تجوز فيها مخاصمته"، فالموضوع هنا يرتبط بتقرير مسؤولية القاضي مدنيا عن خطأ ارتكبه أثناء قيامه بمهامه، إذ أنها تعتبر مسؤولية من نوع خاص، إذ روعي فيها من جهة الاحترام الواجب للقاضي و لعمله، و هذا ما ينص عليه الفصل 396 من قانون المسطرة المدنية إذ جاء فيه: " لا يمكن أثناء هذه المسطرة استعمال أقوال تتضمن إهانة للقضاة وإلا عوقب الطرف بغرامة لا يمكن أن تتجاوز ألف درهم دون الإخلال بتطبيق القانون الجنائي وعند الاقتضاء العقوبات التأديبية ضد الوكيل المحترف".

فالقضاة يمكن مخاصمتهم في الحالات التي نصّ عليها الفصل 391 من قانون المسطرة المدنية، حيث نصّ على أنه: " يمكن مخاصمة القضاة في الأحوال الآتية: 1 - إذا ادعى ارتكاب تدليس أو غش أو غدر من طرف قاضي الحكم أثناء تهيئ القضية أو الحكم فيها أو من طرف قاض من النيابة العامة أثناء قيامه بمهامه؛ 2- إذا قضى نص تشريعي صراحة بجوازها؛ 3 - إذا قضى نص تشريعي بمسؤولية القضاة يستحق عنها تعويض؛ 4 - عند وجود إنكار العدالة"، و يلاحظ من خلال ما سبق أن المشرع المغربي لم ينص على الخطأ في تطبيق القانون كحالة من حالات مخاصمة القاضي، وهذا يعني أنه لا يرقى بكونه سبباُ لمخاصمة القاضي، إذ لا يمكن مساءلة قاضي الحكم أو قاضي النيابة العامة شخصياً متى فسّر القانون تفسيراً رتب ضررا لأحد أطراف القضية، بحيث يمكن الطعن في المقرر الصادر عنه وفقاُ لما ينص عليه القانون، و ذلك باستثناء الحالات المنصوص عليها في الفصل 391 أعلاه.

و في هذا الإطار جاء في قرار صادر عن المجلس الأعلى ــ محكمة النقض حالياًــ بتاريخ 29 يوليوز 1991 ما يلي: "حيث أن قاضي الحكم لا يتحمل أي مسؤولية عن الأحكام التي يصدرها ولو ارتكب خطأ في تأويل وتطبيق القانون أو تحريف، وذلك لكون الأطراف في استطاعتهم دائماً اللجوء إلى طرق الطعن العادية للحصول على تعديل أو إلغاء الحكم، و نظراً لحجة الشيء المقضي به التي تتعلق بالحكم و التي تقوم على قرينة أن الحكم مطابق للحقيقة، لكن قاضي الحكم يكون مسؤولاً مدنيا إذا ارتكب غشا أو تدليسا يتعين على مدعيه أن يقيم الدليل على ذلك و بالأخص عنصر سوء نية القاضي"31.
وعلى غرار التشريع المغربي نجد أن المشرع المصري حدد حالات المخاصمة أو أسباب المخاصمة من خلال المادة 494 من قانون المرافعات ،و هي أربعة أسباب وردت على سبيل الحصر على النحو التالي: 1- الغش والتدليس والغدر، 2- الخطأ المهني الجسيم، 3- إنكار العدالة، 4- والحالات التي ينص فيها المشرع على مسؤولية القاضي32.
وهذه الأسباب لدعوى المخاصمة قد وردت في المواد المشار إليها على سبيل الحصر، مما يعني أنه لا يجوز القياس عليها، أو التوسع في تفسيرها أو الاستناد لغيرها من الأسباب لرفع دعوى المخاصمة.
ويلاحظ أن المشرع المصري وافق المشرع المغربي في تحديد حالات المخاصمة، إلاّ فيما يتعلق بالخطأ الجسيم، الذي ذكره المشرع المصري كسبب من أسباب المخاصمة في حين أن المشرع المغربي لم ينص على حالة الخطأ الجسيم كحالة من حالات مخاصمة القضاة.
وعليه فمخاصمة القضاة في الواقع الراهن لا يغير من طبيعتها على أنها دعوى من دعاوى المسؤولية المدنية التي تقوم على أساس الخطأ الشخصي واجب الإثبات، و حالاتها جاءت على سبيل الحصر من خلال الفصل 391 من قانون المسطرة المدنية المشار إليه أعلاه، و التي من بينها جريمة إنكار العدالة الخاصة بقضاة الحكم دون سواهم، و هنا نتساءل ما هي إجراءات أو مسطرة رفع دعوى مخاصمة القضاة؟

2- المسطرة المتبعة لمخاصمة القضاة
إذا تحقق أحد حالات المخاصمة أو كلها، وأصاب أحد الخصوم ضررًا نتيجة تصرف القاضي جاز رفع دعوى المخاصمة، والمطالبة بالتعويض وفق الإجراءات التي حددها المشرع لذلك، فإذا تم قبول الدعوى تعرض على المحكمة المختصة، والتي بحكمها لصالح المتضرر تترتب المسئولية على الدولة كقاعدة عامة و سيأتي تفصيل ذلك فيما بعد.
وقد تمَّ إقرار مخاصمة القضاة من خلال الفصل 81 من قانون الالتزامات والعقود33، و نص على إجراءات إتباعها بحذر شديد، خوفا من أن يساء استخدام هاته الوسيلة في تشويه سمعة القضاة بما يترتب عليه من الانتقاص من هيبة القضاء، فكان لابد من وضع ضوابط مسطرية لمخاصمة القضاة.
فمسطرة المخاصمة تبتدئ برفع مقال إلى محكمة النقض من طرف طالبه أو من وكيل يحل محله بوكالة رسمية، مع الإدلاء بالمستندات المصاحبة للمقال عند الاقتضاء، و ذلك تحت طائلة البطلان34، فالمشرع منح لمحكمة النقض اختصاص النظر في دعوى مخاصمة القضاة بغض النظر عن رتبة القاضي أو درجته في السلم أو المحكمة التي ينتمي إليها، بحيث يستوي في ذلك أن يكون القاضي المخاصم يعمل بالمحكمة الابتدائية أو رئيس المحكمة أو أعضاء النيابة العامة بها أو أن يكون مستشارا بمحكمة الاستئناف أو رئيسها الأول أو الوكيل العام للملك و نوابه بها، أو سائر القضاة و المستشارين بالمحاكم المتخصصة و المستشارين بمحكمة النقض، فالجميع سيان في عرض مسؤوليتهم أمام محكمة النقض.

وقد أكدت المحكمة الإدارية هذا الاتجاه في حكمها بتاريخ 07/01/1999، و قضت بعدم اختصاصها النوعي للبت في الطلب الرامي إلى التصريح بأحقية المدعي في التعويض عن الضرر الحاصل له من جراء سوء تطبيق رئيس المحكمة الابتدائية بالرباط للقانون، وذلك بعد تصديه لجميع الطلبات الكيدية و التعسفية المقدمة من طرف الخصم موضوع الملف التنفيذي و امتناعه بصفته قاضيا للمستعجلات عن تطبيق مقتضيات الفصل 151 من قانون المسطرة المدنية، معتبرة أن هذه الحالة تدخل ضمن الحالات المنصوص عليها في الفصل 391 من قانون المسطرة المدنية وقد جاء في حيثيات الحكم ما يلي: " وحيث إن الاختصاص للبت في مخاصمة القضاة يعود للمجلس الأعلى طبقاً للفصل 353 من قانون المسطرة المدنية و ليس للمحاكم الإدارية مادام القانون 90/41 المحدث لها لم ينص على ذلك. وحيث إن هذا الدفع يكون في محله مما يتعين معه الاستجابة له و التصريح تبعاً لذلك بعدم الاختصاص النوعي لهذه المحكمة"35.

فالبت في قبول المخاصمة يعود لغرفة بمحكمة النقض يعينها الرئيس الأول، حيث تقوم ــ بعد قبول الطلب ــ بتبليغ القاضي الذي وجهت ضده المخاصمة خلال ثمانية أيام تحسب من تاريخ التبليغ لكن في انتظار صدور الحكم، يلزمه التخلي عن النظر في الدعوى موضوع المخاصمة، وفي كل قضية بمحكمته يكون المدعي أو أصوله أو فروعه أو زوجه طرفاً فيهاّ، وإلا فإن الحكم الذي يصدره في مثل هاته الحالة، يتعرض للبطلان36.
وفي حالة المخالفة أي رفض الطلب، فإنه يحكم على المدعي بغرامة لا تقل عن 1000 درهم و لا تتجاوز 3000 درهم لفائدة الخزينة مع تعويض الطرف الآخر عند الاقتضاء37.
ودعوى المخاصمة ينظر فيها في جلسة بناء على مستنتجات المدعي، ويبت فيها من طرف غرف محكمة النقض مجتمعة دون الغرفة التي تبت في الطلب، وفي حالة تحقق مسؤولية القاضي فإنه يُحكَم بتعويض للمدعي، تؤديه الدولة باعتبارها مسؤولة مدنيا عن التعويضات المترتبة عن المخاصمة مع إمكانية الرجوع على القاضي38، يترتب على الحكم بصحة المخاصمة الحكمُ على القاضي مدنيا بالإضافة إلى المسئولية الجنائية في حالة توافر أركانها وشروطها.
نخلص مما سبق توضيحه إلى أن المشرع أحاط دعوى المخاصمة بسياج من الإجراءات، مما حدّ من إمكانية قبول هذه الدعوى في كثير من الحالات التي رفعت فيها أمام القضاء، بسبب صعوبة إقامة الدليل على وجود الغش أو التدليس أو الخطأ الجسيم في عمل القاضي أو عضو النيابة العامة.
ونظراً أنّ جريمة إنكار العدالة تُعدُّ من حالات مخاصمة القضاة سنتطرق إلى الاختصاص القضائي حسب القواعد المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية، وهنا نطرحُ تساؤلاً من هي الجهة التي خوّل لها القانون حقّ النظر في جريمة إنكار العدالة المرتكبة من طرف القاضي؟ وهل الاختصاص القضائي المتبع في حالة ثبوت المسؤولية الجنائية في حق القاضي بناءا على جريمة إنكار العدالة هو نفي المتبع في الحالات العادية أم أن هناك اسثناء ؟ مبدئياً نقول أن الاختصاص القضائي في هذه الحالة تحكمه قواعد استثنائية سنتطرق إليها من خلال الفقرة الموالية.
ثانياً: الاختصاص القضائي الاستثنائي لمساءلة القضاة عن جريمة إنكار العدالة وغايته.
إن مساءلة القاضي جنائياً عن ارتكابه لجريمة إنكار العدالة تقتضي خضوعه لمسطرة خاصة فلا يخضع للمسطرة التي تطبق في حق باقي المواطنين أو الموظفين، فقد خصه المشرع بمسطرة استثنائية المنصوص عليها في المواد من 264 على 268 من قانون المسطرة الجنائية، لذلك سنحاول من خلال هذا المطلب شرح مسطرة الاختصاص القضائي الاستثنائي لمساءلة القضاة، على أن نتحدث عن الغاية من وراء هذا الاستثناء على مستوى الاختصاص القضائي.

هناك من اصطلح على هاته المسطرة بمصطلح الامتياز القضائي، معرفاً الامتياز القضائي بأنه "منح طائفة معينة أو أحد موظفي الدولة مسطرة خاصة في المتابعة والمحاكمة عند ارتكابهم لجناية أو جنحة أثناء مزاولة وظيفتهم" وقد عبَّر قانون المسطرة الجنائية عن هذا الامتياز بمصطلح الاختصاص الاستثنائي أو قواعد الاختصاص الاستثنائية40.
فمسطرة الاختصاص الاستثنائية لها خصوصية تتمثل في محاكمة القضاة حسب درجتهم، بالفعل المجرم المنسوب إليهم، حيث أن هناك قضاة يحاكمون أمام الغرفة الجنائية بمحكمة النقض بالإضافة إلى أن القرار الصادر عن هاته الغرفة يطعن فيه بالاستئناف أمام نفس المحكمة، وذلك داخل أجل 8 أيام، وتجدر الإشارة أن مسطرة الاختصاص الاستثنائية أمام محكمة النقض تتعلق بقضاة محكمة النقض وقضاة المجلس الأعلى للحسابات وكذا الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف العادية أو المتخصصة أو الوكيل العام لدى نفس المحكمتين باعتبار هؤلاء كلهم قضاة.
والتحقيق في هذه الحالة غير إلزامي بدليل عبارة "عند الاقتضاء" التي وردت في الفقرة الأولى من المادة 265 من قانون المسطرة الجنائية حيث جاء فيها ما يلي: "... فإن الغرفة الجنائية بمحكمة النقض تأمر - عند الاقتضاء – بناء على ملتمسات الوكيل العام للملك بنفس المحكمة بأن يجري التحقيق في القضية عضو أو عدة أعضاء من هيئتها"، وإذا أمر بالتحقيق من طرف الغرفة الجنائية بمحكمة النقض فيتمُ إجراءه طبقا للقواعد المتعلقة بالتحقيق الإعدادي من أجل وإصدارٍ أوامرٍ من طرف قاضي التحقيق وطعن في هذه الأوامر، وذلك عملاً بما نصت عليه مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 26542.
أما فيما يخص الأفعال الإجرامية المرتكبة من طرف قاض بمحكمة الاستئناف أو رئيس المحكمة الابتدائية العادية أو المتخصصة أو الوكيل الملك بنفس المحكمتين، أو كل قاض بالمجلس الجهوي للحسابات، فإن الاختصاص الاستثنائي لمساءلتهم جنائيا يكون أمام محكمة الاستئناف يتم تحديدها من طرف الغرفة الجنائية بمحكمة النقض، وذلك حسب صورة الفعل المجرم هل هو جناية أو جنحة، وتكون محكمة الاستئناف غير تلك التي يباشر العمل في دائرتها المعني الأمر43، اما أنّ المساءلة الجنائية لقضاة المحكمة الابتدائية أو المتخصصة فتكون أمام محكمة الاستئناف الأعلى درجة من المحكمة التي يزاول بدائرتها المعني بالأمر مهامه، وذلك بناءاً على طلب من الوكيل العام للملك لدى نفس محكمة الاستئناف التي ستبت في الملف44.
والحالتين الأخيرتينِ المرتبطتينِ بقواعد الاختصاص الاستثنائية فإن التحقيق فيهما لا يكون إلزاميا كذلك إلاَ إذا رأت الجهة المختصة أنه يلزم القيام به وهي الغرفة الجنائية بمحكمة النقض في الحالة الأولى والرئيس الأول لمحكمة الاستئناف في الحالة الثانية، وذلك حسب ما نصت عليه كل من الفقرة الأولى من الفصل 266 والفقرة الأولى من الفصل 267 من ق.م.ج، بالإضافة إلى أنّ التحقيق يخضعُ للقواعد العامة المنصوص عليها في القسم الثالث من الكتاب الأول المتعلق بالتحقيق الإعدادي.
وعليه فإن ارتكاب القضاة لجريمة معينة - من بينها جريمة إنكار العدالة –التي ترتب مسؤولية جنائية في حقهم فإنهم يحاكمون طبقاً لقواعد الاختصاص الاستثنائي كما تمَّ بيانهُ أعلاه، وذلك لغاية وضعها المشرع المغربي سنحاول توضيحها.

2- الغاية من وجود قواعد اختصاص استثنائية لمساءلة القضاة جنائيا
إن التنصيص على قواعد الاختصاص الاستثنائية لمساءلة القضاة على الجرائم المنسوبة إليهم، تعود بالأساس إلى صفة الشخص المسؤول جنائياً، من بينهم القضاة الذين يعتبرون أشخاصاً لهم مكانة خاصة في المجتمع، بحيث أن مساءلتهم والتحقيق فيما نسب إليهم يقتضي رعاية خاصة، نظراً لما لذلك من تبعات على صورة القاضي بشكل خاص وهيبة وسمعة السلطة القضائية بشكل عام.
لذلك فكان من اللاَّزم إحاطة إجراءات محاكمة القضاة جنائيا بضمانات قانونية تهدف إلى حماية القاضي من تعرضه لملاحقات كيدية أو غيرها من الممارسات التي يشهدها الواقع والتي تمس لا محالة بهيبة القضاء واستقلاله.
وحتى هاته المسألة من المنظور الدولي نجد أنه يتم الحث على ضمان حصانة القاضي وخصوصية متابعته، على سبيل المثال ما نصت عليه وثيقة الأمم المتحدة بشأن استقلال السلطة القضائية45 في بندها 16 بأنه: " ينبغي أن يتمتع القضاة بالحصانة الشخصية ضد أي دعاوى مدنية بالتعويض النقدي عما قد يصدر عنهم أثناء ممارسة مهامهم القضائية من أفعال غير سليمة أو تقصير، وذلك دون الإخلال بأي إجراء تأديبي أو بأي حق في الاستئناف أو الحصول على تعويض من الدولة وفقا للقانون الوطني"، وكذلك ما جاء في البند 17 من نفس الوثيقة بأنه: " سواء كان القاضي رجل أو امرأة، يتم النظر بسرعة وإنصاف في أية تهمة أو شكوى ضد أي قاض، بصفته القضائية والمهنية، وذلك بموجب إجراء قانوني مناسب. و للقاضي الحق في محاكمة منصفة، يراعى في مراحلها الأولية المعنية بفحص المسألة والنظر فيها الالتزام بالسرية، إلا إذا طلب القاضي خلاف ذلك".

وفي إطار ملائمة المشرع المغربي لقانونه الوطني مع القوانين الدولية فهو يكرس مسطرة خاصة لمساءلة القضاة جنائياً، وهذا لا يعد ضرباً في مبدأ المساواة أمام القانون أو القضاء كما يتبادر إلى الذهن أو كما يدعي البعض، لماذا؟ لأن المساواة أمام القانون مؤدَّاها أن كل المواطنين متساوون أمام القانون، ومن يرتكب عملاً مخالفاً لحكم القانون يتحمل مسؤولية عمله طبقا لقاعدة "المسؤولية تقتضي المساءلة"، وهذا الذي يطبق ويخضع له كذلك القضاة، حيث لا يتم إعفاءهم مما نُسبَ إليهم شأنهم في ذلك شأن باقي المواطنين وهذا هو المعنى الحقيق لمبدإ تساوي الأفرد أمام القانون، إلاَّ أن هناك عوامل كثيرة كان لها دوراً هام في إعادة تكييف مبدأ المساواة مع الاعتبارات العملية والواقعية التي تفرضها الحياة على نحو أصبحت معه بعض الفئات من المواطنين تتمتع أمام القانون باستثناء خاص، لا تتمتع به باقي الفئات ومن أمثال هؤلاء القضاة الذي يَسْتوجِبِ المنطق والواقع تحصينهم باستثناء خاص، والحصانة هنا ليست لحماية شخص القاضي كشخص وإنما لحماية منصب القضاء وسمعة السلطة القضائية، والفرق شاسع بين الحالتين.

لكن متى نقول أنه تمَّ خرق مبدأ المساواة أمام القانون، نقولها في الحالة التي رغم ارتكاب القاضي لجريمة معينة ولا تتم متابعته تحت ذريعة الحصانة، ولكن الأمر خلاف ذلك لأن مساءلته أمر لا مناصَّ منه ولكن بخصوصية أقرها المشرع المغربي.
إلا أن هناك من اعتبر أن قواعد الاختصاص الاستثنائية تسمح لفئة معينة التي من بينها القضاة الاستفادة من إجراءات خاصة في البحث والتحقيق كمطية للإفلات من العقاب والمتابعة46، ولكننا لا نتفق مع هذا الاتجاه نظراً لأن المشرع المغربي أقراَّ أثناء المتابعة طبقاً لقواعد الاختصاص الاستثنائية، تطبيق القواعد العامة في التحقيق وذلك حسب الكيفية المنصوص عليها في القسم الثالث من الكتاب الأول المتعلق بالتحقيق الإعدادي47.
بل إنّ الغالبية المطلقة تعبر عن هذا الاختصاص بمسطرة "الامتياز القضائي"48 ، ونعتقدُ أن هذا الاصطلاح الذي نُسِبَ لقواعد الاختصاص الاستثنائية غيرُ سليم، لماذا؟ لأن الامتياز يُقصده بهِ تمتعُ شخصٍ معينِ بشيء أفضل وأجود من الذي يتمتع به غيرهُ أو هو مجموع الحصانات والإعفاءات والتسهيلات، لكِننا إذا أسقطنا هذا المعنى للامتياز على قواعد الاختصاص الاستثنائية التي يحاكمُ القضاة بمقتضاها، فلا يسعنا القول بأنها امتياز بل هي أقل ضمانة لهذه الفئة مقارنة مع قواعد الاختصاص القضائي العادية، التي تمنح التقاضي على درجتين وأجل الاستئناف أمام جهة أخرى غير الجهة التي بتت في القضية أول مرة وذلك داخل 10 أيام بالإضافة إلى حق الطعن بالنقض في القرار الصادر عن محكمة الاستئناف.
وإذا ما وضعنا مقارنة بسيطة بين هذه القواعد الأساسية المتعلقة بالاختصاص القضائي العادي وقواعد الاختصاص الاستثنائية، فإننا نلاحظُ أن القضاة لا يتمتعون بالتقاضي على درجتين أمام جهتين مختلفتين بالمعنى الفِعلي والعملي للتقاضي على درجتين، لأنّ مقتضيات المادة 265 من ق.م.ج تحدد الجهة المخول لها أمرُ البتِّ في الجرائم المنسوبة إلى القضاة المعنيين في المادة 265 وهي الغرفة الجنائية بمحكمة النقض والجهة التي يتم الطعن أمامها في القرار الصادر عن هذه الغرفة هي محكمة النقض نفسها مع ضرورة البت من طرف جميع الغرف باستثناء الغرفة الجنايئة التي بتت أول مرة في القضية، كما أنّ الأجل حدِّد في 8 أيام، بل الأكثر من ذلك القرار الذي تصدره الغرف مجتمعة بعد أن رُفِعَ إليها الطعن في القرار الصادر عن الغرفة الجنائية أين يتم الطعنُ فيه؟ مقتضيات المادة 265 لا تُجيبنا ويمكننا أن نستشفَّ - مبدئياً- ضِمنياً أنه غير قابلٍ للطعن احتراماً بمبدإ الشرعية الإجرائية، ناهيك غموض المقتضيات الواردة في المادتين 266 و 267 من ق.م.ج التي لا تحدد جهة استئناف القرارات الصادرة عن الغرفة الجنائية أو الجنحية بمحكمة الاستئناف حسب الحالة، لذلك نقول على قواعد الاختصاص الاستثنائية لا تعتبرُ امتيازاً ولا تفضيلاً بل تعدُّ مسطرة خاصةُ قد تكون ضد المتابع بمُقتضاها أكثر ما تكون في صالحهِ

لكن الذي لا نتفق معه هو ما ذهبت إلى إقراره بعض التشريعات المقارنة التي منحت حصانة للقضاة أكثر تشدداً، على سبيل المثال القانون الصربي الذي وضع إطاراً دستوريا يحتوي على قواعد موضوعية وإجرائية، معتبراً أن كل قاض لا يمكن احتجازه دون موافقة الجمعية الوطنية للقضاة، وتنازل الجمعية الوطنية عن هذه الحصانة في حالة ارتكاب القاضي لجريمة يعاقب عليه بالسجن لأكثر من خمس سنوات49، لأننا نرى بأنَّ المتباعة والمساءلة يجب أن تكون دون قيد أو إذن لكي لا نجعل تطبيق القانون على هاته الفئة بالواسطة.
ونشير أخيراً في هذا المقام أن المشرع الفرنسي ولاعتبارات معينة، فقد ألغى قواعد الاختصاص الاستثنائية للتقاضي، منذ دخول القانون رقم 93-2 المؤرخ في 4 يناير 1993 حيز التنفيذ، وأقر بنفس المحاكمة والاختصاص في مساءلة القضاة كأي مواطن آخر لما في ذلك من ضمانة للقضاة كباقي الأفراد من حيث التقاضي50.
الخاتمة
ختاماً، يمكن القول أن موضوع " المسؤولية الجنائية للقضاة عن ارتكاب جريمة انكار العدالة" موضوع جد مهم وتتضافر مجموعة من العوامل في دراسته، وتتفرع عنه مجموعة من النقط الأساسية من بينها ما قمنا ببسطه أعلاه، والتي يحوم حولها الغموض ولًبْسُ مثل الموظف الذي له اختصاصات قضائية المنصوص عليه في الفصل 240 من القانون الجنائي، بالإضافة إلى أن قواعد الاختصاص الاستثنائية قد أثارت ولازالت تثير نقاشا حول جدواها القانوني، لذلك نقترح بعض الإقتراحات من قبيل: إعادة النظر في صياغة الفصل 240 من القانون الجنائي وتبيان ما لمقصود بالموظف العمومي الذي له اختصاصات قضائية، وهل هناك شخص آخر يفصل في النزاعات غير القضاة ومن المعني والمخاطب بمقتضيات الفصل 240. .
إعادة النظر في النصوص المنظمة لقواعد الاختصاص الاستثنائية، وتوضيح الغاية منها للرأي العام، وذلك في ظل المراجعة الشاملة لنصوص قانون المسطرة الجنائية.
نقترح ضرورة دراسة مسؤولية الشخصية للقاضي و ضرورة تنظيمها عوض تركها مبعثرة بين القوانين في كل من قانون الالتزامات والعقود وقانون المسطرة المدنية والقانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية والقانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، لما لذلك من توضيحٍ واستجلاءٍ الغموض حول هاته المسؤولية.

1- الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.59.413 صادر في 28 جمادى الثانية 1382 (26 نونبر 1962) بالمصادقة على مجموعة القانون الجنائي، الجريدة الرسمية عدد 2640 مكرر بتاريخ 12 محرم 1383 (5 يونيو 1963)، ص 1253.
2- العلمي عبد الواحد : شرح القانون الجنائي المغربي، القسم العام، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الرابعة 2011، ص 276.
3- ينص الفصل 109 من الدستور المغربي لسنة 2011 على أنه: " يمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء؛ ولا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات، ولا يخضع لأي ضغط. يجب على القاضي، كلما اعتبر أن استقلاله مهدد، أن يحيل الأمر إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية. يعد كل إخلال من القاضي بواجب الاستقلال والتجرد خطأ مهنيا جسيما، بصرف النظر عن المتابعات القضائية المحتملة. يعاقب القانون كل من حاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة".
4- وهذا ما ينص عليه الفصل 110 من الدستور المغربي لسنة 2011 حيث جاء فيه ما يلي: " لا يلزم قضاة الأحكام إلا بتطبيق القانون. ولا تصدر أحكام القضاء إلا على أساس التطبيق العادل للقانون. يجب على قضاة النيابة العامة تطبيق القانون. كما يتعين عليهم الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها".
5- الصادر بتنفيذه الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.74.447 بتاريخ 11 رمضان 1394 (28 شتنبر 1974) بالمصادقة على نص قانون المسطرة المدنية، الجريدة الرسمية عدد 3230 مكرر، بتاريخ 13 رمضان 1394 (30 شتنبر 1974)، ص 2741.
وتنص الفثرة الأولى من الفصل 2 من قانون المسطرة المدنية الذي ينص على أنه: " لا يحق للمحكمة الامتناع عن الحكم أو إصدار قرار ويجب البت بحكم في كل قضية رفعت إلى المحكمة..."
6- ياسين العيوض، أمين بوغلي، ابراهيم غريب: تحليل النص القانوني بين النظرية و التطبيق، مقال منشور بالموقع الإلكتروني "العلوم القانونية"، www.marocdroit.com ، تمّ الإطلاع عليه بتاريخ 15/12/2018 على الساعة 20.30.
7- مقال بعنوان « Le crime de déni de justice »، منشور بالموقع الإلكتروني www.expert-avocat.fr ، تمَّ الإطلاع عليه بتاريخ 15/12/2018 على الساعة 20:48.
8- أمين الربيعي: جريمة إنكار العدالة، منشور بالموقع الإلكتروني "مدونة المحامي أمين الربيعي"، www.ameenlawyer.blogspot.com ، تمّ الإطلاع عليه بتاريخ 15/12/2018 على الساعة 21:10.
9- محمد عبد الله أحمد: إنكار العدالة و أثره على الحق في التقاضي دراسة تحليلية تطبيقية على منازعات القانون العام، أطروحة لنيل الدكتوراه بجامعة القاهرة كلية الحقوق، سنة 2014، ص: 4.
10- محمد واصل: مخاصمة القضاة مقال منشور بالموقع الإلكتروني "الموسوعة القانونية المتخصصة"، www.arab-ency.com ، تمَّ الإطلاع عليه بتاريخ 15/12/ 2018 على الساعة 21:15.
11- الطعن رقم 2 لسنة 2014 ق دستوري السوري، جلسة 1993/4/3، منشور بمجلة الأحكام السورية عدد 112، ص45.
12-« Le fait, par un magistrat, toute autre personne siégeant dans une formation juridictionnelle ou toute autorité administrative, de dénier de rendre la justice après en avoir été requis et de persévérer dans son déni après avertissement ou injonction de ses supérieurs est puni de 7 500 euros d'amende et de l'interdiction de l'exercice des fonctions publiques pour une durée de cinq à vingt ans ».
Du code pénal français, tel que modifié par Ordonnance n°2000-916 du 19 septembre 2000 - art. 3 (V) JORF 22 septembre 2000 en vigueur le 1er janvier 2002 - NOR: JUSX0000106R
13-Sophie Hocquet-Berg : La responsabilité du magistrat, Rapport français (provisoire), p 3.
14- ختير مسعود: النظرية العامة لجرائم الامتناع، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة أبو بكر بلقايد ــ تلمسان ــ ، كلية الحقوق و العلوم السياسية، السنة الجامعية 2014-2013، ص: 192.
15 -10 OCTOBRE 1967. - CODE JUDICIAIRE - Quatrième partie : DE LA PROCEDURE CIVILE. (art. 664 à 1385quaterdecies), article Art. 1140. Les juges peuvent être pris à partie dans les cas suivants : 1° ,s'ils se sont rendus coupables de dol ou de fraude, soit dans le cours de l'instruction, soit lors des jugements; 2° si la prise à partie est expressément prononcée par la loi; 3° si la loi déclare les juges responsables à peine de dommages-intérêts; 4° s'il y a déni de justice.
16- L’article 258 du code pénal belge prévoit que : « Tout juge, tout administrateur ou membre d'un corps administratif, qui, sous quelque prétexte que ce soit, même du silence ou de l'obscurité de la loi, aura dénié de rendre la justice qu'il doit aux parties, sera puni d'une amende de deux cents [euros] à cinq cents [euros], et pourra être condamné à l'interdiction du droit de remplir des fonctions, emplois ou offices publics ». voir le code pénal belge dans le site : www.droitbelge.be.
17 - ختير مسعود: مرجع سابق، ص: 194.
18 - ختير مسعود: مرجع سابق، ص: 197.
19- الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.16.41 صادر في 14 من جمادى الأخيرة 1437 (24 مارس 2016) بتنفيذ، الجريدة الرسمية عدد 6456 بتاريخ 6 رجب 1437 (14 أبريل 2016)، ص 31600.
20- وزارة العدل: المعهد الوطني للدراسات القضائية، دليل القانون الجنائي المغربي، سلسلة الدلائل و الشروح القانونية، رقم 5، ص: 185.
21- ينص الفصل 393 من قانون المسطرة المدنية على ما يلي: " يثبت إنكار العدالة بإخطارين يبلغان إلى القاضي شخصياً بعد أجل 15 يوماً بين الأول و الثاني. يقوم بهذين الإخطارين ـــ طبقا للشروط الخاصة بإثبات الحالة و الإنذرات ــــ رئيس كتابة الضبط بالمحكمة التي تعلو المحكمة التي ينتمي إليها القاضي أو رئيس كتابة الضبط بمحكمة النقض إذا تعلق الأمر بقضاة من محكمة الاستئناف أو محكمة النقض. لا تتم الإجراءات إلاّ بطلب مكتوب موجه إلى رئيس كتابة الضبط المختص من الطرف المعني بالأمر. يجب على كل رئيس لكتابة الضبط أحيل عليه الطلب أن يقوم بالإجراءات القانونية اللازمة في ذلك و إلا تعرض للعزل".
22- وزارة العدل: المرجع السابق، ص: 187.
23- الرحماني غنية: مسؤولية الدولة عن التعويض عن الخطأ القضائي، رسالة لنيل شهادة الماستر، جامعة قاصدي مرباح ـالجزائرـ، سنة 2014، ص: 58
24- وزارة العدل: المرجع السابق، ص: 186.
25- ظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.74.399 بتاريخ 24 جمادى الثانية 1394 (15 يوليوز 1974 ) يتعلق بتنظيم محاكم الجماعات و محاكم المقاطعات وتحديد اختصاصاتها، الذي تمّ نسخه و تعويضه بالقانون 42.10 المتعلق بقضاء القرب.
26- إبراهيم محمد الشرفي: مخاصمة القضاة في القانون اليمني ــ دراسة مقارنة ــ، كلية الشريعة، جامعة صنعاء، 2007، ص: 28.
27- إبراهيم محمد الشرفي: المرجع السابق، ص7.
28- محمد نجيب الكبتي: مسؤولية الدولة عن مخاصمة القضاة، مجلة الساتل القانونية، العدد 14، لسنة 2006، ص: 146
29- المحامي غازي زهران: مقال منشور بمجلة المساواة تحت عنوان ""العدالة و القانون"، سنة 2007، ص: 36
- (القضية 863 قرار 264 تاريخ 23/6/2002 المنشور في مجلة المحيط العدد السابع 2004) قرار منشور بالموقع الإلكتروني: www.homsbar.org ، تمّ الإطلاع عليه بتاريخ 16/12/2017
31- قرار رقم 248 في ملف عدد 2255/50 بتاريخ 29 يوليوز 1991، أشار إليه علال فالي في مقال تحت عنوان "مفهوم الخطأ القضائي الموجب للتعويض في المادة الجزائية"، مجلة العلوم القانونية و الإدارية، العدد 11، سنة 2015، ص: 34.
32- قانون المرافعات المدنيـة والتجارية المصري طبقاُ لأحدث التعديلات رقم 13 لسنة 1986، بإصدار قانون المرافعات المدنية والتجارية.
33- الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.140 صادر في 16 من رمضان 1432 (17 أغسطس 2011)، الجريدة الرسمية عدد 5980 بتاريخ 23 شوال 1432 (22 سبتمبر 2011)، ص 4678
34- عملا بمقتضيات الفصل 395 من قانون المسطرة المدنية.
35- شكري عبد الخلق: مسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي بالمغرب، مقال منشور بالموقع لالكتروني www.marocdroit.com ، تمّ الإطلاع عليه بتاريخ 16/12/2017
36- عملاً بمقتضيات الفصل 399 من قانون المسطرة المدنية.
37- عملاً بمقتضيات الفصل 398 من قانون المسطرة المدنية.
38- طبقاُ لما ورد في الفصل 400 من قانون المسطرة المدنية.
39- الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.02.255 صادر في 25 من رجب 1423 (3 أكتوبر 2002) بتنفيذ القانون رقم 22.01، الجريدة الرسمية عدد 5078 بتاريخ 27 ذي القعدة 1423 (30 يناير2003)، ص 315.
40- محمد مصطفى الريسوني: مسطرة الامتياز القضائي، مجلة الملحق القضائي، العدد 33، يناير 1998، ص 80.
41- انظر المادة 265 من قانون المسطرة الجنائية.
42- التي تنص على أنه: " يجرى التحقيق حسب الكيفية المنصوص عليها في القسم الثالث من الكتاب الأول المتعلق بالتحقيق الإعدادي".
43- اطلع على مقتضيات المادة 266 من قانون المسطرة الجنائية.
44- اطلع على مقتضيات المادة 267 من قانون المسطرة الجنائية.
45- اعتمدت في مؤتمر الأمم المتحدة السابع حول منع الجريمة ومعاملة المجرمين، المنعقد في ميلانو من 26 غشت إلى 6 شتنبر 1985، ووافقت عليها الجمعية العامة في قرارها 40/32، المؤرخ في 29 نونبر 1985 وقرارها 40/146، المؤرخ في 13 دجنبر 1985.
46- محمد المساوي: السياسة الجنائية ومواجهة الفساد –الواقع والآفاق-، مقال منشور على الموقع الإلكتروني WWW.ALKANOUNIA.COM، تمَّ الإطلاع عليه بتاريخ 17/12/2018 على الساعة 17:20.
47- انظر الفقرة الثانية من المادة 265 والفقرة الثالثة من المادة 266 من قانون المسطرة الجنائية.
48- محمد مصطفى الريسوني: مسطرة الامتياز القضائي، مجلة الملحق القضائي، العدد 33، يناير 1998، ص 80
49-Marie Goré : La responsabilité civile, pénale et disciplinaire des magistrats, p 9.
50 - Guy Cannivet et julie joly-Hurard : la résponsabilité des juges, Ici et ailleurs, R.I.D.C, 2006, p 1054.

بقلم ذ مروان بوسيف
طالب باحث بسلك ماستر " العلوم القانونية " بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية- أڴدال-