القانون التجاري

بقلم ذ محمد الطودار
باحث بسلك الدكتوراه بمراكش
تحت عدد: 311
كثر الحديث في القوانين عن مدى احترامها

للنظام العام والآداب العامة اللتين تعتبران فكرتان مرنتان يعتمد عليهما في سياق ركب التطور الذي عرفه المجتمع، ورغم أنهما لم تلقيا تعريفا واضحا، فإن هذا ما يجعل من الاستعصاء على تقديم تعريف لهما من أهم الأمور الذي جعلت التشبث بهما أمرا معقولا، والرضوخ لهما فعلا واجبا، والناموس الأدبي المستقر في مجتمع معين واجب الاتباع والخروج عنه خروج عن ما تعارف عليه المجتمع.

والمستهلك فرد من المجتمع الاستهلاكي الذي يفرض فيه إتباع الناموس الأدبي المتعارف عليه في كل منطقة على حدة، فلا تكاد تجد مجتمع إلا وله من الآداب ما ليس في غيره رغم أن الدين يبقى المتحكم الأول في هذه الروابط التي قد تقوم بين أفراد المجتمع، فمنهم من أخذ على عاتقه توفير الطعام والملبس والخدمات وعموما كل ما يحتاج إليه الطرف الثاني الذي أخذ على عاتقه تلبية مختلف الحاجيات التي يحتاج إليه كمستهلك، غير أن التساؤل الذي يطرح في هذا الشأن ما هو الناموس الأدبي الواجب في هاته الروابط؟ والآثار التي يمكن أن يرتبها الناموس الأدبي؟

سنعالج هاته الأسئلة من خلال محورين اثنين هما كالتالي:

المحور الأول: دور الناموس الأدبي في مجال الروابط الاستهلاكية

المحور الثاني: آثار الناموس الأدبي في مجال الروابط الاستهلاكية

المحور الأول: دور الناموس الأدبي في مجال الروابط الاستهلاكية

 للناموس الأدبي أدوار جمة لا تحصى ولا تعد في تنظيم سلوكيات المجتمع، وحتى قبل ظهور القانون، وتسن مجموعة من القواعد الأخلاقية لدى المجتمعات الإستهلاكية.

ولا شك أن قيام البائع بوضع السلعة المبلولة في الأسفل غش لا يجب السكوت عنه، وعدم إظهار مساوئ السلع فعل ممنوع، و بيع مادة معرضة للشمس يجب أن تحتفظ بدرجة برودة معينة من شأن أشعة الشمس أن تعرضها للتلف وتصبح بالتالي خطيرة على صحة الإنسان، وبقاء منتوج مدة طويلة لدى البائع حتى تصبح صلاحية الاستهلاك منتهية، والأدهى من ذلك أن يتم استبدال تاريخها مما يضر صحة المستهلك وتدهور حالته، والتي قد لا تظهر إلا بعد فوات مدة طويلة من الزمن، وعدم احترام الضوابط المرعية في كيفية الذبح، وعدم ذكر اسم الله عليها، والتبرك بنعم الله التي لا تعد ولا تحصى قبل البيع، واتقاء الله في الثمن المعروض به للبيع، ومنع الزيادة في الأسعار دون توافق متبادل ومتراض، وعدم زيادة الثلث في البيع، وضمان مراقبة السلع من آليات المراقبة اللازمة لذلك، وعدم احترام الاعتماد الصحي والمراقبة البيطرية للمقتنيات الدوائية والصيدلية، وتوفير الخدمة المعقولة واستعمال الأدوات حسب قيمتها المعروضة في السوق دون احتيال، والتعهد بإرجاع السلعة ورد الثمن أو استبدالها ببضاعة أخرى متى كانت معيبة أو ناقصة أو يشوبها أي خلل، وازداد تطلب الأدب في الممارسات الاستهلاكية لما كثرت البيوع عن بعد وخارج المحلات التجارية والبيع الالكتروني، مما أصبح معه التعاقد ينتقل من التعاقد عن طريق الأبدان للتعاقد عن طريق الشبكات العنكبوتية والهواتف وباقي وسائل الاتصال العجيبة في عصرنا هذا، كل هذا وأشياء أخرى مما يقوم به التاجر الصدوق الأمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري:" التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء". ولا يتقي الله إلا صاحب خلق ودماثة النفس والصبر على البلاء، كلها أدوار للناموس الأدبي التي تعمل عملها وتستشري في الناس، وكلما راعت البشرية لهذه المنغصات التي للأسف يخطو خطاها الكثيرون من أجل إرضاء نزعتهم وإشباع غايتهم والوصول إلى مال حرام، فكيف لا يكون حرام وأنت تعرف يقينا بأنك بعت سلعة منتهية الصلاحية، وكيف لا وأنت تبيع سلعة مسروقة أو منتهية وأخذ المال منها، فبائع الخمر الذي يفسد الشباب ويخرب العقول هل هذا مال المكتسب منها حلال!

إن الاقتضاء بالناموس الأدبي من قبل مجتمع ما دلالة قوية على تشبعه بالدين الإسلامي ولا خوف عليه، ولا يحتاج إلى قانون ليعرفه مكارم الأخلاق، فما هو الأثر الذي يخلقه الناموس الأدبي يا ترى في المجتمعات؟

المحور الثاني: آثار الناموس الأدبي في مجال الروابط الاستهلاكية

من أهم الآثار التي تترتب على التشبث بالناموس الأدبي تلقائيا من لدن الشعب والاهتداء إلى الفطرة السليمة هو قمع الغش، انطلاقا من كون الغش يفسد كل شيء، وفي الحديث النبوي من غشنا ليس منا، ويكفي أن تعتبر كل الاعتبار لهذا القول، فهل تريد بعملك المغشوش أن تكون خارجا عن مجتمعك، فيولد النفور منك بهذا العمل الشنيع، مقتفيا أثرا غير الذي يرغب به الإسلام فيك، فلن يقبل منك وأن تعلم علم اليقين أن حضن الإسلام ليس كمثله شيء، فبادر إلى اتقاء الشبهات ودرء الغش ما استطعت، ولا تكليف عليك إن لم تقصد أذية الناس، فالخطأ غير المتعمد له من المساوئ ما تكفل به الإسلام، وهو أدنى من الخطأ المتعمد أو القتل المتعمد.

تم من الآثار لتي تنتج عن الاقتضاء بالناموس الأدبي رضا المستهلك عن ما يستهلكه، وهذا يستتبع توفير المظاهر الحمائية للمستهلك ومنها اتقاء كل ما يعيب الرضا من تدليس وإكراه وغبن واستغلال وهي أمور تناولها قانون حماية المستهلك رقم 08-31 من خلال الفقرة الثانية من المادة 15 التي أحالت بكيفية غير مباشرة في الفصول 39 إلى 56 من ظهير الالتزامات والعقود بل وجعلت تطبيقها على بعض وسائل الإثبات كسندات الطلب والفاتورات وأذون الضمان والقوائم أو أذون التسليم والأوراق أو التذاكر أمرا مرغوبا فيه، على اعتبار أن الإثبات الغير مشوب بعيوب الرضا من شأنه أن يقوي السند المعتمد عليه ويجعل الروابط قائمة على أساس سليم، ومتى استشكل شرطا من الشروط المتفاوض بشأنها فإن الاهتداء إلى الدليل السليم خير غاية يتجند بها المستهلك للحصول على حقه.

والناموس الأدبي يعمل عمله في الروابط الاستهلاكية إذا ما نظرنا إلى الأثر الضعيف للمستهلك، فالمستهلك الجاهل والضعيف بقواعد الاستهلاك إذا ما لجأ إلى القضاء من أجل الحصول على من ينصفه، فإن الناموس الأدبي يقف معه من حيث ارتكان القاضي إليه والتشبث به كأحد أهم الآثار التي يحسب لها كل حسبان.  فالناموس الأدبي غاية تدرك ولا تترك، ومغبة التقصير في تركها يولد الويلات المستشارات اليوم في مجتمعاتنا.

 

 

 

بقلم ذ محمد الطودار
باحث بسلك الدكتوراه بمراكش
 


أعلى الصفحة