القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ بدر الشافي
طالب باحث
تحت عدد: 374
إن المجتمع بدون حرية يعني مجتمع الاستبداد، والحرية

بدون ضوابط قانونية تساوي مجتمع الفوضى، ومهمة رجال السلطة هي التوفيق بين السلطة وإكراهاتها والحرية وإنزلاقاتها. ومن الحريات التي يجب أن يتمتع بها المواطن داخل المجتمع نجد الحرية في تأسيس الجمعيات[1] .

وقد كرس القانون الدولي حق حرية تأسيس الجمعيات من خلال المواثيق والمعاهدات الدولية التي صادقت عليها مجموعة من الدول، وخاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واعتمد عرض للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1966، حيث جاء في "المادة 22 "أن لكل فرد حق في حرية تكوين الجمعيات مع آخرين "ولا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي، أو السلامة العامة، أو النظام العام، أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة، أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم، ولا تحول هذه المادة دون إخضاع أفراد القوات المسلحة ورجال الشرطة لقيود قانونية على ممارسة هذا الحق .

كما أن المادة 20 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر سنة 1948، كرست أيضا هذا الحق، حيث نصت على أن "لكل شخص الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية ".

"ولا يجوز إرغام أحد على الانضمام إلى جمعية ما "، كما تنص المادة 29/ف 2 على أنه كل فرد " يخضع في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها القانون فقط " ملاءمة مع هاته المقتضيات الدولية الضامنة لممارسة حق حرية تأسيس الجمعيات، نجد أن دساتير كل من تونس والمغرب تكرس هي الأخرى ممارسة هذا الحق، إذ نجد الدستور التونسي لسنة 2014، ينص في فصله 35 على أن، "حرية تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات مضمونة، وتلتزم الأحزاب والنقابات والجمعيات في أنظمتها الأساسية وفي أنشطتها بأحكام الدستور والقانون والشفافية المالية ونبذ العنف ".

كما أن المشرع الدستوري المغربي نحى على نفس المنوال من حيث تكريسه لحق تأسيس الجمعيات والتزامه بالمواثيق والمعاهدات الدولية انطلاقا من هذه المعطيات، سنحاول أن نؤطر موضوع عرضنا هذا من خلال الإشكالية المركزية التالية :

ما هو النظام القانوني المتعلق بالجمعيات الأكثر ملاءمة للمواثيق والمعاهدات الدولية في كل من  تونس والمغرب ؟

وهذه الإشكالية تتولد عنها إشكاليات فرعية نصوغها كالتالي :ماهو النظام القانوني  الأكثر ضمانة لحق حرية تأسيس الجمعية ؟ ما هي الشروط و القيود المفروضة لإكتساب الشخصية الإعتبارية بالأنظمة المقارنة ؟ما هي الشروط و القيود المفروضة على الجمعية من حيث التمويل ومن حيث الحل بالأنظمة المقارنة؟ للإجابة على كل هاته الإشكاليات ،اعتمدنا في النظام القانوني للجمعيات بالانظمة المقارنة  تونس ، المغرب ، على المحاور التالية :

المحور الأول:مقارنة من حيث التأسيس

المحور الثاني : مقارنة من حيث التمويل

المحور الثالث :مقارنة من حيث الحل

المحور الاول : تأسيس الجمعية

  تعتبر حرية تكوين الجمعيات من بين الإصلاحات السياسية والاجتماعية الهامة والرامية إلى تحقيق أهداف الثورة في مجال الحريات العامة ،وذلك بتدعيم دور منظمات المجتمع المدني وتطويرها والحفاظ على استقلاليتها[2] ،وهو ما يبرز بأن تونس، من بين مجموعة من الدول تؤكد التزامها بالمواثيق والمعاهدات الدولية الضامنة لهذا الحق، وذلك من خلال ضمانها لهذا الحق في دستورها الجديد لسنة 2014، حيث جاء في الفصل 35 على أن "حرية تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات مضمونة، وتلتزم الأحزاب والنقابات والجمعيات في أنظمتها الأساسية وفي أنشطتها بأحكام الدستور والقانون والشفافية المالية ونبذ العنف "، فكيف إذا كرست تونس حق تأسيس الجمعيات في تشريعاتها الخاصة، وهل احترمت المواثيق والمعاهدات الدولية في قانونها الخاص لتأسيس الجمعيات لهذه المقتضيات الدولية (المادة 22 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والمادة 20 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر سنة  1948 ،الأمر الذي سنحاول معالجته من خلال الفقرة الأولى التي سوف ننظر فيها إلى كيفية تعريف المشرع التونسي للجمعية ؟ونقارنه بالتعريف الذي أعطاه المشرع المغربي، حتى نقف عند مدى دقة هذا التعريف من ذاك، ومدى التزام المشرع التونسي بالمواثيق الدولية بهذا الخصوص، ثم سنعالج في الفقرة الثانية شروط تأسيس الجمعيات بتونس وننظر في مدى تلاؤمها مع حرية تأسيس الجمعيات المنصوص عليها في المواثيق والمعاهدات الدولية، وننظر في مدى تضييق المشرع التونسي ومدى توسيعه من حق تأسيس الجمعيات، وهذا دائما بالمقارنة مع الشروط التي وضعها المشرع المغربي بشأن هذا المقتضى.

 

الفقرة الأولى: تعريف الجمعية

حسب الفصل 2 المتعلق بحق تنظيم الجمعيات التونسي " الجمعية اتفاقية بين شخصين أو أكثر يعملون بمقتضاها وبصفة دائمة على تحقيق أهداف باستثناء تحقيق أرباح " [3] وإذا رجعنا إلى التشريع المغربي ينص في الفصل 1 "الجمعية هي اتفاق لتحقيق تعاون مستمر بين شخصين أو عدة أشخاص لاستخدام معلوماتهم أو نشاطهم لغاية غير توزيع الأرباح فيما بينهم، وتجري عليها فيما يرجع لصحتها القواعد القانونية العامة المطبقة على العقود والالتزامات[4]

أ – أول ملاحظة :

 نلاحظها هي أن المشرع التونسي استعمل اتفاقية: والمشرع المغربي استعمل اتفاق. فما الفرق بين اتفاق واتفاقية لغويا ؟ هل يعني اتفاق تفاهم ؟ هل يكون خطيا أو شفويا ؟

إذا رجعنا إلى القانون الدولي نجد كلمة اتفاق تعني الاتفاق الذي يتم بين دولتين إثر نزاع بينهما بإحالة النزاع إلى التحكيم والاتفاقية هي ميثاق بين دولتين فأكثر في شؤون اقتصادية أو عملية أو غيرها[5] .

الاتفاق مصدر أصلي يدل على حدوث ما تمت الموافقة عليه. أما الاتفاقية فهي مصدر صناعي زيد في أخره ياء مشدودة وتاء تأنيت مربوطة، ليصير اسما دالا على معنى جديد. والاتفاقية في الغالب تعني الوثيقة التي توثق لما اتفق عليه .

وعليه فالاتفاقية بناءا على ما تقدم هي وثيقة يتم التضمين فيها ما اتفق عليه الأطراف، وبالتالي فالمشرع التونسي قيد الأطراف المؤسسة باعتماد هذه الشكلية في التأسيس، وعلى العكس من ذلك المشرع المغربي استعمل اتفاق وأخضع بنود هذا الاتفاق إلى قانون الالتزامات والعقود الذي حسبه ،يمكن أن يكون الاتفاق شفويا أو كتابة وترك بذلك للأطراف حق الاختيار بشأن هذا الأمر (فصل 2) وبالتالي فالمشرع التونسي لم يحدد لنا في قانونه الخاص خضوع بنود الاتفاق لقانون[6]يؤطرها ويحمي أطرافها ،واكتفى فقط في الفصل الأول بذكر أن مرسوم حرية تأسيس الجمعيات والانضمام إليها مضمونة بموجب هذا القانون ،وبالتالي فالمسألة تثير لبسا وغموضا في مسألة تحديد القيود التي يقرها القانون فقط، على العكس منه نجد المشرع المغربي ارجع صحة الاتفاق لقانون الالتزامات والعقود وهو ما يتلاءم مع المقتضيين المنصوص عليهما في المادة 22 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والمادة 20 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. خاصة في مسألة إرغام الأطراف على الدخول إلى الجمعية نتيجة إكراه أو تدليس، فالمسألة عندنا في المغرب منظمة بموجب ق. ل. ع .، وبالتالي المشرع التونسي لم يضمن لنا هذا المقتضى في قوانينه لا العامة ولا الخاصة .

ب – الملاحظة الثانية :

هي أن المشرع التونسي لم يحدد لنا طبيعة الأشخاص المؤسسين للجمعية ،هل هم طبيعيون أو معنويون في التعريف ؟وبالرجوع إلى الفصل 8 الذي ينص على أنه لكل شخص طبيعي، تونسي أو أجنبي حق تأسيس الجمعية[7]، لكن بالرجوع إلى الفصل 32 يمكن للجمعيات ذات الأهداف المتماثلة أو المتقاربة، أن تندرج مع بعضها وتكون جمعية وذلك وفقا للنظام الأساسي لكل منها[8]، وبالتالي يفهم من خلال ذلك ،أنه يمكن للجمعية أن يؤسسها أشخاص طبيعيون وأشخاص معنويون في تونس، أما المشرع المغربي فلم يحدد لنا طبيعة الأشخاص المؤسسين للجمعية، طبيعيين أو معنويين ،لكن بالرجوع إلى الفصل 14 من الظهير المتعلق بحرية تأسيس الجمعيات " يمكن أن تؤسس الجمعيات فيما بينها اتحادات أو جامعات"[9]، وبالتالي حتى في القانون الخاص بالمغرب ،يمكن للجمعية أن يؤسسها أشخاص معنويون وأشخاص طبيعيون .

ج – الملاحظة الثالثة :

تهم  كل من التعريفين لا التونسي ولا المغربي ،حيث كلاهما ينصان على أنه لا يمكن للأشخاص الأعضاء في الجمعية سواء كانوا شخصين أو أكثر أن يقسموا الأرباح فيما بينهم، إلا أنه إذا رجعنا إلى قانون التجمعات العمومية نجده يقيد هذا المقتضى وخاصة الفصل 2 من الظهير الذي ينص على أنه " يجوز تأسيس جمعيات الأشخاص بكل حرية ودون سابق إذن يشرط أن تراعي في ذلك مقتضيات الفصل 5 " وإذا رجعنا إلى قانون الاجتماعات العمومية من خلال فصله الأول يعتبر اجتماعا عموميا كل جمع مؤقت مدبر مباح للعموم وتدرس خلاله مسالة مدرجة في جدول أعمال محددة من قبل. وبالتالي لا يمكن لأي اجتماع كيفما كان سواء تعلق بتأسيس الجمعيات وما إلى غير ذلك دون مراعاة الفصل 3 من هذا قانون 00-76  الذي ينص على أنه "يكون كل إجتماع عمومي مسبوقا بتصريح يبين فيه اليوم والساعة والمكان الذي ينعقد فيه الاجتماع وفي التصريح موضوع الاجتماع، ويوقع عليه ثلاثة أشخاص يقطنون في العمالة أو الإقليم الذي ينعقد فيه[10]، وعليه فإن هذا القانون يقيد مسألة حرية التأسيس بدون سابق إذن وبكل حرية وبالتالي ما الغاية من هذا الأخبار ؟ بتأسيس الجمعية، ثانيا الجمعية اتفاق بين اثنين أو أكثر وبالتالي إذا أراد شخص أن يؤسس جمعية مع شخص آخر، فلماذا يطلب منه قانون التجمعات العمومية أن يكونوا ثلاثة أشخاص للأخبار بالتأسيس وذلك تحت طائلة عقوبات جزرية إن لم يتقيد الأطراف بهذه الشروط وبالتالي يجب إعادة النظر في هذه المسألة لأنها تخلق إشكالا .

وبالتالي فما هي الشروط التي يفرضها المشرع التونسي لتأسيس الجمعية ؟وهل تراعى في ذلك المعايير الدولية أم لا ؟ الأمر الذي سنحاول مناقشته في الفقرة الثانية من هذا البحث؟.

الفقرة الثانية- الشروط والقيود المفروضة للتأسيس

حسب المشرع التونسي :إنه يحق لكل شخص طبيعي تونسي أو أجنبي يقيم في تونس أن يقوم بتأسيس جمعية أو الانتماء إليها أو الانسحاب منها وفق الأحكام المنصوص عليها في المرسوم التونسي المتعلق بتأسيس الجمعيات[11] إلا أن الراغبين في تأسيس الجمعية بتونس عليهم أن يسلكوا المسطرة التالية:

-               أن يقوم الراغبون في تأسيس الجمعية وأن يرسلوا إلى الكاتب العام للحكومة مكتوبا مضمون الوصول مع الإعلام بالبلوغ يتضمن :

1.          تصريحا ينص على اسم الجمعية وموضوعها وأهدافها ومقرها ومقرات فروعها إن وجدت

2.          نسخة من بطاقة التعريف الوطنية للأشخاص الطبيعيين التونسيين المؤسسين للجمعية أو من بطاقة تعريف الولي عند الاقتضاء

3.          نسخة من شهادة الإقامة في ما يخص الأجانب

4.          نظيرين من النظام الأساسي ممضيين من طرف المؤسسين أو من يمثلهم ويجب أن يتضمن النظام الأساسي ما يأتي :

-               الإسم الرسمي للجمعية باللغة العربية وبلغة أجنبية عند الاقتضاء

-               عنوان المقر الرئيسي للجمعية

-               بيانا لأهداف الجمعية ووسائل تحقيقها

-               شروط العضوية وحالات إنتهائها وحقوق العضو وواجباته

-               بيان الهيكل التنظيمي للجمعية وطريقة الانتخاب وصلاحيات كل هيئة من هيئاتها

-               تحديد الجهة داخل الجمعية التي لها صلاحيات تعديل النظام الداخلي واتخاذ قرار الحل أو الاندماج أو التجزئة .

-               تحديد طرق اتخاذ القرارات وآليات فض النزاعات

-               مبلغ الاشتراك الشهري أو السنوي إن وجد

-               يثبت عدل منفذ عند إرسال المكتوب تضمنه البيانات المنصوص عليها أعلاه ويحرر محضرا في نظيرين يسلمها لممثل الجمعية[12] .

-               عند تسليم بطاقة الإعلام بالبلوغ يتولى من يمثل الجمعية، في أجل 7 أيام إيداع إعلان بالمطبعة الرسمية للجمهورية التونسية ينص على اسم الجمعية وموضوعها وهدفها ومقرها مرفقا بنظير الحجة الرسمية المذكورة أعلاه وتنشر المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية الإعلان وجوبا في الرائد الرسمي في أجل 15 يوما انطلاقا من يوم إيداعه

-               يعبر عدم رجوع بطاقة الإعلام بالبلوغ في أجل 30 يوما من إرسال المكتوب المشار إليه أعلاه تبليغا[13] .

-               وتعتبر الجمعية مكونة قانونا من يوم إرسال المكتوب المشار إليه في الفصل 10 وتكتسب الشخصية القانونية انطلاقا من تاريخ نشر الإعلان بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية[14] .

أما في التشريع المغربي ومن خلال الفصل 2 من الظهير التعلق بتأسيس الجمعيات[15] يمكن تأسيس جمعيات الأشخاص بكل حرية ودون سابق إذن بشرط أن تراعي في ذلك مقتضيات الفصل 5 التي تحدد لنا الشروط التي يجب توافرها لتأسيس الجمعية والتي تعتبر ضرورية لصحة قيامها حيث أنه على الأشخاص الذين اتفقوا على تأسيس الجمعية أن يقدموا إلى السلطات الإدارية المحلية تصريحا. والتي يتواجد مقر الجمعية بدائرة نفوذها أو يقدم هذا التصريح بواسطة عون قضائي في مقابل أن تتسلم الجمعية وصلا مؤقتا مضمن فيه تاريخ تسلم السلطات الإدارية التصريح بتأسيس الجمعية، وتقوم السلطات المحلية بإرسال التصريح ونسخا من الوثائق المرفقة معه إلى النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية المختصة لتبني رأيها في الطلب عند الاقتضاء، وداخل أجل لا يتعدى 60 يوما يسلم إلى الجمعية وصلا نهائيا، وإذا تم تجاوز هذا الأجل ولم يسلم للجمعية الوصل النهائي جاز لها أن تمارس أنشطتها وفق الأهداف التي سطرتها في قانونها الأساسي .

ويتضمن التصريح ما يلي :

ü          اسم الجمعية وأهدافها

ü          لائحة بالأسماء الشخصية والعائلية وجنسية وسن وتاريخ ومكان الازدياد ومهنة ومحل سكنى أعضاء المكتب المسير

ü          الصفة التي يمثلون بها الجمعية تحت أي اسم كان

ü          صورا من بطائتهم الوطنية أو بطائق الإقامة بالنسبة للأجانب ونسخا من بطائق السجل العدلي .

ü          مقر الجمعية

ü          عدد ومقارما أحدثته الجمعية من فروع ومؤسسات تابعة لها أو منفصلة عنها تعمل تحت إدارتها أو تربطها بها علاقات مستمرة وترمي إلى القيام بعمل مشترك

ويمضي صاحب الطلب تصريحه وكذا الوثائق المضافة إليه ويشهد بصحتها وتفرض على كل من القوانين الأساسية ولائحة الأعضاء المكلفين بإدارة الجمعية أو تسيرها حقوق النشر المؤذاة بالنسبة للحجم باستثناء نظيرين.

-               أول ملاحظة يمكن أن نلاحظها هو أن المشرع التونسي والمشرع المغربي اعتمد في تأسيس الجمعية على نظام التصريح. وهو "نظام محمود بخلاف نظام الترخيص الذي يعتبر نظاما تسلطيا لا يتلاءم وطبيعة الحق في تأسيس الجمعية"[16] لكن الفرق بين تونس والمغرب، يكمن في كيفية العمل بهذا التصريح ،ففي تونس ،يتم إرسال مكتوب مضمون الوصول مع الإعلام بالتبليغ إلى الكاتب العام للحكومة. وإذا لم تتوصل الجمعية داخل أجل 30 يوما من إرسال المكتوب يعتبر تبليغا ،وتعتبر الجمعية مكونة قانونا من يوم إرسال المكتوب، وتكتسب الشخصية القانونية انطلاقا من تاريخ نشر الإعلان بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية فالمشرع التونسي ، اعتمد هو الأخر على الإيصال، وهو نفس الأمر بالنسبة للمشرع المغربي من خلال الوصل المؤقت والوصل النهائي، وعليه فإن نظام الوصل يعتبر قيدا شكليا في ممارسة حق تأسيس الجمعية ،وهو ما عبر عنه المقرر الخاص المعني بأوضاع المدافعين عن حقوق الإنسان، "فمعظم البلدان تقتضي أن تصدر الحكومة إيصالا باستلام الإشعار وإصدار وثيقة التسجيل، ولكن الممارسة العملية تظهر في بعض الحالات أن السلطات تتجاهل طلبات الإشعار ولا تصدر إيصالات أو وثائق الاستلام ".. وبحسب رأي المقرر الخاص ، فإنه "يجب أن لا يكون التسجيل إجباريا. ويجب السماح للجمعيات بأن تقوم وتضطلع بأنشطتها دون أن تضطر للتسجيل، ويرى "المقرر الخاص أن القانون يجب أن يوضح وضع المنظمة في الفترة ما بين طلب التسجيل والقرار النهائي وأنه ينبغي أن تكون هذه المنظمات حرة في بدء أنشطتها إلى أن يصدر القرار النهائي[17].

-               ويعتبر المقرر الخاص في القوانين الخاصة بالمنظمات غير الحكومية، والتي تحتوي على قوائم بالأنشطة المسموح بها وتلك المحظورة إشكالية إلى أبعد الحدود، كما يؤكد بأن إمكانية حصول المنظمات على التمويل وقدرتها على طلب التمويل وتلقيه واستخدامه، بما في ذلك من مصادر أجنبية، هو عنصر أصيل في الحق في حرية التجمع وضمان حرية عمل منظمات المجتمع المدني[18]،وبالتالي فالمشرع التونسي لم يحدد لنا وضع الجمعية بين المدة القائمة قانونا، والتي هي من يوم إرسال المكتوب واكتساب الشخصية القانونية انطلاقا من تاريخ نشر الإعلان بالرائد الرسمي للجمهورية. وعلى العكس منه ،فالمشرع المغربي لا يمكن للجمعية بأن تمارس الأنشطة المنصوص عليها في الفصل 6إلا بعد استكمال الإجراءات المنصوص عليها في الفصل 5  وبالتالي ،فهذا قيد تعسفي اتجاه الجمعية وبالتالي ما الغاية من منع الجمعية من ممارسة أنشطتها ما بين الوصل المؤقت والوصل النهائي ؟ولماذا استعمل المشرع المغربي وصلين بدل الوصل الواحد؟، كان بالأحرى أن يفرض وصلا واحدا، حتى تتمكن الجمعية من فتح حساب بنكي خاصة في الحالة التي يتعذر توصل الجمعية بالوصل النهائي حيث أن المؤسسات البنكية تطلبه، وحتى  يتم فتح حساب بنكي بعد مرور 60 يوما باعتبارها المدة الفاصلة لقيام الجمعية بأنشطتها، فإنها في علاقاتها مع بعض القطاعات الوزارية لا يمكن للجمعية أن تأخذ دعما إلا بعد حصولها على الوصل النهائي، وعليه "فالوصل ليس واقعة منشئة للجمعية، لكن غيابه يطرح عدة عراقيل تحول دون قيام الجمعية بنشاطها بشكل عادي"[19] .

وبالتالي كان على المشرع المغربي أن يقوم بالتنصيص على رقم الحساب البنكي في التصريح لضبط الأنشطة المنصوص عليها في الفصل 6 من ظهير المؤسس للجمعيات وبالتالي فلماذا التعقيدات بدل التسهيل والتبسيط في تأسيس الجمعية ؟على اعتبار أنها مبادرات تطوعية من جانب المواطنين. وحق من الحقوق والحريات الأساسية المضمونة لا في المواثيق الدولية ولا في الدساتير ،هذا فيما يتعلق بنظام التصريح المعتمد في كل من تونس والمغرب والإشكالات المرتبطة به وعدم تماشيها مع ما هو منصوص عليه في المواثيق والمعاهدات الدولية .

أما الملاحظة الثانية وهي المتعلقة بالبيانات الإلزامية ،فهي أغلبها تتشابه مع البيانات التي نص عليها المشرع المغربي: فالتشريع التونسي نص على إسم الجمعية وموضوعها وأهدافها ومقرها ومقرات فروعها، نفس الأمر نجده عند المشرع المغربي من خلال الفصل 5، إلا أن المشرع المغربي فصل في البيانات التي يجب أن يتضمنها التصريح خاصة فيما يتعلق بالهوية :إسم الشخصي والعائلي والجنسية وسن وتاريخ ومكان الازدياد، ومهنة ومحل سكنى أعضاء المكتب، وبالتالي فهذا المقتضى الذي نص عليه المشرع المغربي له أهمية خاصة على مستوى التوصل مع الأعضاء في حالات النزعات. وبالتالي المشرع التونسي لم يفصل في هذا المقتضى، لكنه في الفصل 10 الفقرة 3 نص على إرفاق التصريح بنسخة من بطاقة التعريف الوطنية للأشخاص الطبيعيين المؤسسين للجمعية أو من بطاقة تعريف الولي عند الاقتضاء. وهذا المقتضى هو جد مهم خاصة بالنسبة للأشخاص غير المكلفين للأهلية إذ أنه لا تقييد في هذا الباب بأي قانون فالمشرع التونسي هو واضح من خلال هذا المقتضى إذ يمكن للصبي أن يؤسس جمعية بشرط ألا يقل سنه عن 16 سنة ،مع وجود نسخة بطاقة تعريف الوالي. فهل يمكن في المغرب لناقص الأهلية أن يؤسس جمعية ؟ فالمشرع المغربي لم يضمن هذا المقتضى في الظهير بل ترك المسألة في تحديد صحتها لقانون الالتزامات والعقود وهو ما نص عليه في الفصل الأول منن الظهير، وعليه إذا رجعنا إلى قانون الالتزامات والعقود حين جاء في الفصل 3 " الأهلية المدنية للفرد تخضع لقانون أحواله الشخصية وكل شخص أهل للإلزام والالتزام ما لم يصرح قانون أحواله الشخصية أي مدونة الأسرة بغير ذلك"[20]. وعليه إذا رجعنا إلى مدونة الأسرة والذي بهمنا في شقها هي أهلية الأداء[21] وبالتالي يفهم من خلال منطوق المادة 208 أنه يمكن للشخص ممارسة حقوقه الشخصية والقانون يحدد شروط اكتساب الأهلية لممارسة الحقوق الشخصية وبالتالي هل يمكن للصبي ولناقص الأهلية أن يوئس الجمعية وفق المقتضيات التي جاءت بها مدونة الأسرة ؟

حسب المادة 213 من مدونة الأسرة يعتبر ناقص أهلية الأداء

1.                    الصغير الذي بلغ سن التمييز ولم يبلغ سن الرشد

2.           السفيه

3.           المعتوه

المادة 214: الصغير المميز هو الذي أثم اثنتي عشرة سنة شمسية كاملة.

المادة 215: السفيه هو المبذر الذي يصرف ماله فيما لا فائدة فيه، وفيما يعده العقلاء عبثا. بشكل يضر به أو بأسرته

المادة 216 المعتوه هو الشخص المصاب بإعاقة ذهنية لا يستطيع معها التحكم في تفكيره وتصرفاته .

وننص المادة 218 " إذا بلغ القاصر السادسة عشرة من عمره. جاز له أن يطلب من المحكمة ترشيده "، ويمكن للنائب الشرعي أن يطلب من المحكمة ترشيد القاصر الذي بلغ السن المذكور أعلاه، إذا أنس منه الرشد: وبالتالي في هاته الحالة يكتسب القاصر بعد ترشيد الأهلية الكاملة لتأسيس الجمعيات وبالتالي فهل القاصر تصرفاته تعد صحيحة أم وهل يمكن أن يتمتع بحقوقه ومن فيها حق تأسيس الجمعيات أم لا وبالتالي حسب المادة 225 تخضع تصرفات الصغير ومن بينها اتفاق تأسيس الجمعية للأحكام التالية: تكون نافذة إذا كانت نافعة له نفعا محضا تكون باطلة إذا كانت مضرة به – يتوقف نفادها إذا كانت دائرة بين النفع والضرر على إجازة نائبه الشرعي ..." وبالتالي من خلال المادة 266يمكن للصغير المميز أن يتسلم جزءا من أمواله لإدارتها بقصد الاختبار .

وبهذا الخصوص يصدر الإذن من الوالي أو بقرار من القاضي المكلف بشؤون القاصرين بناء على طلب من الوصي أو المقدم أو الصغير المعني بالأمر .

وبالتالي يمكن في القانون المغربي لناقص الأهلية أن يؤسس الجمعية شريطة حصوله على الإذن من دوي أمره. "وليس هناك في القانون المغربي ما يمنع القاصرين من تأسيس الجمعية"[22]. أيضا هناك نقطة مهمة بالنسبة لآليات التبليغ، فالمشرع التونسي استعمل "مضمون الوصول" على غرار المشرع المغربي إذا يجب وضع الملف التأسيسي يدويا أي مباشرة عن طريق ممثل الجمعية أو أي عضو من المؤسسين حسب ما ينصع عليه القانون الأساسي للجمعية و مسألة التمثيلية لدى السلطات. إذ لا نجد هذا المقتضى وبالتالي لا يعلم لماذا لم يتم التنصيص على هذا المقتضى لوضع حد للسلطة حتى لااتلاعب بمسألة الوصل بحجة الوثائق غير مكتملة وما إلى غير ذلك من الممارسات والشطط في استعمال السلطة .

أيضا مسألة 60 يوما لتسلم الوصل النهائي أو المدة الفاصلة لاعتبار الجمعية قانونية على أي معيار استند إليها المشرع المغربي لماذا لا تكون مدة أقل كالمشرع التونسي الذي يعتبر أخر أجل برجوع بطاقة الإعلام بالبلوغ في 30 يوما من يوم إرسال المكتوب، وتكون بذلك الجمعية داخل أجل لا يتعدى 7 أيام بنشر إعلان يتضمن اسم الجمعية ومضمن وأهدافها، داخل أجل 15 يوما تنشر من يوم إيداعه بالمطبعة الرسمية للجمهورية التونسية الإعلان وجوبا في الرائد الرسمي .

وبالتالي فالشرط الذي وصفه المشرع المغربي يعتبر من القيود غير المبررة الاستعمال وما الغاية من 60 يوما وبالتالي فهذا المقتضى لا يتماشى ما نصت عليه المواثيق الدولية .

 

أيضا هناك مجموعة من الشروط موزعة بين فصول المرسوم التونسي المتعلق بتأسيس الجمعيات حيث أن الفصل 9 ينص على أنه " لا يمكن أن يكون من مؤسسو مسيرو الجمعية ممن يضطلعون بمسؤوليات ضمن الهياكل المركزية المسيرة للأحزاب السياسية ،وإذا رجعنا إلى التشريع المغربي نجده لا يمنع الأشخاص السياسيين من تأسيس الجمعيات، بل الأكثر من ذلك فإنه يتعرف بالجمعيات ذات الطابع السياسي وبالتالي ما هدف من تقييد المشرع التونسي المؤولين بالهياكل المركزية المسيرة للأحزاب السياسية أليسوا بمواطنين يتمتعون بكافة حقوقهم، حرياتهم المنصوص عليها في تشريعاتهم وما الغاية من منع هؤلاء وخاصة أن هؤلاء يمكن أن يجدوا أنفسهم أكثر في العمل المدني. وبالتالي فهذا الفصل 9 من المرسوم يتنافى مع ما جاء به الفصل 21 من الدستور الجديد للجمهورية التونسية إذ ينص على أن للمواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات. وهو سواء أمام القانون من غير تمييز"[23]. وبالتالي فهل هذا الأجراء. كباقي القيود التي ذكرناها تعد من التدابير الضرورية في مجتمع ديمقراطي لصيانة الأمن القومي، أو السلامة العامة أو النظام العام، أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة. أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم ..." كما هو منصوص عليها في المادة 22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية .. وبالتالي فهذا المقتضى ليس له أي تبرير منطقي فكيف يتم حرمان هؤلاء الشريحة من هذا الحق المعبر عن حرية الشخص في تأسيس الجمعية أو الانسجام منها أو الانتماء إليها، وبالتالي فالمشرع المغربي يعتبر متقدما على المشرع التونسي في هذا الأمر وعلى العكس من المشرع التونسي الذي لم يلاءم هذا المقتضى مع ما جاء به الدستور الجديد للجمهورية وعلى اعتبار أن تونس من البلدان الملتزمة في تشريعاتها بالمواثيق والمعاهدات الدولية فكيف لم ينتبه المشرع التونسي لهذه المسلة وساع في تعديلها ؟ وخاصة أنه في فصل 3 من المرسوم أكد على مبدأ الشافية والديمقراطية والتعددية والمساواة وحقوق الإنسان كما ضبطت بالاتفاقيات الدولية المصادق عليها من طرف الجمهورية التونسية[24] .

كما أن المشرع التونسي يمنع حتى الجمعية من التعامل مع الأحزاب السياسية أو المرشحين المستقلين ودعمهم في الانتخابات وطنية أو جمهورية أو محلية لكنه حسب الفصل 4 الفقرة الثالثة لا يشمل هذا التحجير حق الجمعية في التعبير عن آراءها السياسية وموائها من قضايا الشأن العام .

في المغرب من خلال الظهير المتعلق بتأسيس الجمعيات (فصل 23) لا يمنع الجمعيات ذات الطابع السياسي من تمويل الحملات الانتخابية .

وبالتالي فالجمعية شخص معنوي عليها واجبات ولها حقوق وبالتالي أليس من حق الجمعية أن تمارس أنشطة سياسية وتدعمها لأنها ترى فيها مصلحتها. وبالتالي فما هاته التقييدات التي يفرضها المشرع التونسي والتي ليس لها أي سند سواء دولي من خلال المواثيق الدولية ووطنية من خلال الدستور، حتى المرسوم نفسه من خلال الفصل 3 .

هذا فيما يتعلق بأن الشروط والقيود التي إستخلصناها من المرسوم التونسي المتعلق بتأسيس الجمعيات وقارناها بالشروط والقيود التي جاء بها المشرع المغربي والتي أغلبها تتلاءم مع المواثيق والمعاهدات الدولية إلا في المقتضى المرتبط بمزاولة الأنشطة بين الفترة الفاصلة للوصل المؤقت والوصل النهائي إذ منع المشرع المغربي من مزاولة هاته الأنشطة ونفس الشيء بالنسبة للمشرع التونسي .

المحور الثاني : المقارنة من حيث التمويل

حسب الفصل 32 تتكون موارد الجمعية بتونس من :

-         أولا اشتراكات الأعضاء .

-         ثانيا المساعدات العمومية .

-         ثالثا التبرعات والهبات والوصايا، وطنية كانت أو أجنبية .

-         رابعا العائدات الناتجة عن ممتلكات الجمعية ونشاطاتها ومشاريعها .

-         الفصل 35 يحجر على الجمعيات قبول مساعدات أو تبرعات أو هبات صادرة عن دول لا تربطها بتونس علاقات ديبلوماسية أو عن

-         منظمات تدافع عن مصالح وسياسات تلكم الدول .

-         الفصل 36 على الدولة تخصيص المبالغ اللازمة ضمن الميزانية لمساعدة ودعم الجمعيات على أساس الكفاءة والمشاريع والنشاطات

-         وتضبط معايير التمويل العمومي بأمر .

-         الفصل 37

-         أولا :تلتزم الجمعية بصرف مواردها على النشاطات التي تحقق أهدافها .

-         ثانيا: للجمعية المشاركة في طلبات العروض التي تعلن عنها السلطات العمومية على أن تدخل المواد أو الخدمات المطلوبة في

-         طلب العرض ضمن مجال اختصاص الجمعية .

-         ثالثا: للجمعية حق تملك العقارات بالقدر الضروري لاتخاذ مركز لها ومراكز لفروعها أو محل لاجتماع أعضائها أو لتحقيق

-         أهدافها وفقا للقانون .

-         رابعا: للجمعية حق التفويت في أي عقار لم يعد ضروريا لأهدافها وفق القانون ويعد ثمن العقار موردا لها .

-         الفصل 38

-         أولا: تتم كل المعاملات المالية للجمعية صرفا ودخلا بواسطة تحويلات أو شيكات بنكية أو بريدية إذا تجاوزت قيمتها مبلغ

-         خمسمائة ) ( دينار ولا يمكن تجزئة هذه المصاريف أو المداخيل لكي لا تتجاوز القيمة المذكورة .

-         ثانيا :لا يجوز تجميد الحسابات البنكية أو البريدية للجمعيات إلا بقرار قضائي [25] .

أما  المشرع المغربي فقد أعطى للجمعيات، الحق في تمويل نشاطاتها في سبيل تحقيق أهدافها ،كالحق في الحصول على واجبات الاشتراك والانخراط لأعضائها والحق في الاستفادة من إعانات الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية بشكل عام, كما فتح لها المجال للاستفادة من إعانات القطاع الخاص  وامتلاك مقرات لممارسة نشاطها(ف6). وقد سمح القانون المغربي  للجمعيات بتلقي تمويلات أجنبية من جهات ومنظمات دولية شرط احترام الإجراءات القانونية للتصريح . حيث يلزم على الجمعية تقديم تصريح يحدد المبالغ المتحصل عليها من الهيئات الأجنبية ومصدرها للأمانة العامة للحكومة في ظرف ثلاثين يوما كاملة من تاريخ التوصل بالمساعدات. كما الزم الجمعيات التي تتلقى دعما عموميا أن تقدم ميزانياتها وحساباتها إلى المؤسسة المانحة للدعم ،ويتوجب عند كل تدقيق تقوم به مصالح وزارة المالية التوفر على دفاتر محاسبية ،كما يتوجب عليها مسك الوثائق التبريرية.إن منح مبلغ مالي يستوجب التدقيق في طريقة صرفه وبالتالي مراقبته وإجراءات المراقبة تكون ملزمة للجمعية وتتخذ أشكال مختلفة.[26]

نلاحظ ان المشرع المغربي والتونسي اعتمدا على نفس مصادر تمويل الجمعية فيما يتعلق

-         باشتراكات الأعضاء. المساعدات العمومية . التبرعات والهبات والوصايا، وطنية كانت أو أجنبية والعائدات الناتجة عن ممتلكات الجمعية ونشاطاتها ومشاريعها، وأضاف المشرع المغربي انه يمكن للجمعية أن تحصل على إعانات من القطاع الخاص وواجبات الانخراط لأعضائها،

-         الملاحظة الثانية والمتعلقة بالتمويلات الأجنية حسب المشرع التونسي  لا يمكن للجمعية أن تأخذ مساعدات أو تبرعات أو هبات صادرة عن دول لا تربطها بتونس علاقات دبلوماسية أو عن منظمات تدافع عن مصالح وسياسات تلك الدول .

-         أما المشرع المغربي فقد سمح للجمعيات بتلقي تمويلات أجنبية من جهات ومنظمات دولية شرط احترام الإجراءات القانونية للتصريح ، حيث يلزم على الجمعية تقديم تصريح يحدد المبالغ المتحصل عليها من الهيئات الأجنبية ومصدرها للأمانة العامة للحكومة في ظرف ثلاثين يوما كاملة من تاريخ التوصل بالمساعدات.

-          

-         وعليه فهذا المقتضى يتلاءم مع مع ما تنص عليه المواثيق والمعاهدات الدولية في حصول الجمعية بكل حرية على تمويلات أجنبية عكس المشرع التونسي الذي يعتبر متأخرا بخصوص هذا المقتضى وبالتالي لماذا قيد المشرع التونسي على الجمعية أن تحصل على تمويل أجنبي من غير الدول التي تربط معها علاقات دبلوماسية خاصة أن المسالة ليس لها علاقة بما نصت عليه المادة 22 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية  (لا يجوز أن، يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي، أو السلامة العامة، أو النظام العام، أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة، أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم)

بل الأكثر من ذلك فالجمعية أن حصلت على تمويل أجنبي لا يمكن صرفه إلا على الأهداف والأنشطة المسطرة وهو ما نص عليه المشرع التونسي من خلال الفصل 37

"أولا تلتزم الجمعية بصرف مواردها على النشاطات التي تحقق أهدافها"

 .

-         وبالتالي فالمسالة ليس لها أية علاقة بالتدابير الضرورية التي ذكرناها حتى يتم منع الجمعية بتونس من جلب أموال أجنبية وهو ما أكده المقرر الخاص المعني بأوضاع المدافعين عن حقوق الإنسان  بأن إمكانية حصول المنظمات على التمويل وقدرتها على طلب التمويل وتلقيه واستخدامه، بما في ذلك من مصادر أجنبية. هو عنصر أصيل في الحق في حرية التجمع وضمان حرية عمل منظمات المجتمع المدني[27]

-          

-         وبالتالي المشرع المغربي لم يقيد الجمعية بالحصول على التمويلات من أية جهة بل فقط عليها أن تصرح إلى الأمانة العامة حصولها على تمويل أجنبي داخل أجل 30 يوما تبدأ من يوم توصل الجمعية بالتمويل .

 

المحور الثالث : مقارنة من حيث الحل

حسب الفصل 33 من المرسوم التونسي المتعلق بتأسيس الجمعيات، يكون حل الجمعية إما اختياريا بقرار من أعضائها وفق نظامها الأساسي، أو قضائيا بمقتضى قرار من المحكمة، وبالتالي ما يمكن أن نستنتجه هو حل الجمعية يمكن أن يكون اختياريا في حلها بين أعضاءها ووفق ما ثم التنصيص عليه في نظامها الأساسي دون اللجوء إلى القضاء، أو العكس الصحيح اللجوء إلى القضاء وبالتالي استصدار قرار من المحكمة يقضي بحلها .

وحسب الفصل 36 من الظهير المغربي المتعلق بتأسيس الجمعيات " كل جمعية تقوم بنشاط غير النشاط المقرر في قوانينها الأساسية يمكن حلها طبق الإجراءات المنصوص عليها في الفصل 7 الذي جاء فيه "تختص المحكمة الابتدائية بالنظر في طلب التصريح ببطلان الجمعية المنصوص عليها في الفصل 3 الذي ينص كل جمعية تؤسس لغاية أو لهدف غير مشروع يتنافى مع القوانين أو الآداب العامة أو تهدف إلى المس بالدين الإسلامي أو بوحدة التراب الوطني أو بالنظام الملكي أو تدعوا إلى كافة أشكال التمييز تكون باطلة "كما تختص أيضا حسب الفصل 7 " في طلب حل الجمعية إذا كانت في وضعية مخالفة للقانون وذلك سواء بطلب من كل من يعينه الأمر أو بمبادرة من النيابة العامة " وللمحكمة بالرغم من كل وسائل الطعن أن تأمر ضمن الإجراءات التحفظية بإغلاق الأماكن ومنع كل اجتماع لأعضاء الجمعية .

ويمكن أن يكون الحل تلقائيا للجمعية كما هو منصوص عليه في الفصل 37 ووفق ما تقرره قوانينها الأساسية أو طبق ما يتقرر في الجمع العام في حالة عدم وجود قواعد في القوانين الأساسية. وإذا وقع حل الجمعية بمقتضى حكم قضائي ،حدد هذا الحكم كيفية التصفية وفقا أو خلافا للمقتضيات الواردة في القوانين الأساسية ،غير أنه فيما يتعلق بالجمعيات التي تستفيد دوريا من إعانات الدولة أو الجماعات المحلية أو المؤسسات العمومية أو الشركات التي تساهم الدولة أو الجماعات والمؤسسات الآنفة الذكر في رأسمالها كليا أو جزئيا، فإن أموالهم تسلم إلى الدولة لتخصص بمشاريع الإسعاف والبر والإحسان والأعمال الاحتياطية .

إلا أنه إذا رجعنا للفقرة الثانية من الفصل 33 من المرسوم التونسي المتعلق بتأسيس الجمعيات،نجده ينص على: " إذا اتخذت الجمعية قرارها بالحل فعليها إبلاغ الكاتب العام للحكومة به عن طريق مكتوب مضمون الوصول مع الإعلام بالبلوغ خلال 30 يوما من تاريخ صدوره وتعيين مصفي قضائي ،وحسب الفقرة الثالثة في حالة صدور قرار قضائي بالحل تقوم المحكمة بتعيين المصفي، ورابعا تقدم الجمعية لأغراض التصفية بيانا لأموالها المنقولة وغير المنقولة ،ويعتمد هذا البيان في الوفاء بالتزاماتها ويوزع المتبقي منها وفق النظام الأساسي للجمعية، إلا إذا كانت تلك الأموال متأتية من المساعدات والتبرعات والهبات والوصايا فتؤول إلى جمعية أخرى تماثلها في الأهداف تحددها الهيئة المختصة للجمعية

أ – ملاحظة أولى:

هو أن المشرع التونسي لم يفرض أي قيود على حل الجمعية إذ ترك المسألة بيد أعضاءها إما أن يكون الحل بالتراضي فيما بينهم، أو اللجوء إلى المحكمة لاستصدار قرار يقضي بالحل .

بينما المشرع المغربي كان أكثر تفصيلا في الحل وبين لنا بالملموس متى تحل الجمعية بتدخل من القضاء، مثلا في حالة البطلان إذا قامت الجمعية بأنشطة غير الأنشطة المقررة في قوانينها الأساسية، يتم النظر في طلب التصريح ببطلان الجمعية، وبالتالي فالمشرع التونسي لم يضمن هذا الحق، فقد تكون الجمعية باطلة مما قد يترتب عنه أثار قانونية، لكنه لم يوضع لنا ولم يذكر هذا المقتضى بالبثة .

أيضا المشرع المغربي وعملا منه بالمقتضيات الدولية ،وضح بالشكل الملموس المسائل التي لا يمكن للجمعية أن تؤسس لأجلها ،،حيث أنه لا يمكن للجمعية أن تؤسس لغاية أو لهدف غير مشروع يتنافى مع القوانين أو الآداب العامة أو قد تهدف إلى المس بالدين الإسلامي أو بوحدة التراب الوطني أو بالنظام الملكي أو تدعوا إلى كافة أشكال التمييز، تكون باطلة وبالتالي فالمشرع المغربي وعملا منه بالمواثيق والمعاهدات الدولية في هذا الخصوص، تتلاءم هذه المقتضيات مع ما جاءت به المادة 22 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية[28] وكان واضحا بخصوص المجالات التي لا يمكن للجمعية أن تؤسس من أجلها وهي قيود منطقية، بالإضافة إلى أنه يمكن إذا كانت الجمعية في حالة غير قانونية طلب حلها بطلب من المعني بالأمر أو بطلب من النيابة العامة .

وبالتالي يفهم من خلال هاته المقتضيات أن المشرع المغربي وضع رقابة صارمة على صحة الجمعية منذ نشأتها حتى نهايتها وكان واضحا في ذلك. حيث أنه في بداية تأسيسها ووضع الملف لدى السلطات، يتم إرسال نسخة منه إلى المحكمة الابتدائية لتنظر في طلب التصريح ،وعند نهايتها ،يتم حلها إذا خالفت القوانين بقيامها مثلا بأنشطة غير الأنشطة المنصوص عليها في القانون الأساسي .

الملاحظة الثانية :

وهي متعلقة بمآل الأموال عند حل الجمعية : هنا ذهب المشرع التونسي (فصل33) إلى اعتبار أنه إذا اتخذت الجمعية قرارها بالحل ،فعليها إبلاغ الكاتب العام للحكومة عن طريق مكتوب مضمون الوصول مع الإعلام بالبلوغ خلال 30 يوما من تاريخ صدوره ،ويتم تعيين مصفي قضائي. ولأجل هذا تقدم الجمعية بيانا لأموالها المنقولة وغير المنقولة. ويعتمد هذا البيان في الوفاء بالتزاماتها ويوزع المتبقي منها وفق النظام الأساسي وعليه، فإذا قامت الجمعية بالوفاء بالتزاماتها ما بقي من الأموال يتم توزيعه حسب النظام الأساسي، وبالتالي هنا أعطى المشرع التونسي الحرية لأعضاء الجمعية التصرف في مآل الأموال عند الحل ،لكنه اشترط إذا كانت تلك الأموال متأتية من المساعدات والتبرعات والهبات  والوصايا فتؤول إلى جمعية أخرى تماثلها في الأهداف تحددها الهيئة المختصة للجمعية، وهذا شرط محمود بخلاف المشرع المغربي الذي اشترط في الإعانات التي تحصل عليها الجمعية من الدولة أو الجماعات المحلية أو المؤسسات العمومية أو الشركات التي تساهم الدولة أو الجماعات أو المؤسسات الآنفة الذكر في رأسمالها كليا أو جزئيا. فإن أموالها تسلم إلى الدولة لتخصص لمشاريع الإسعاف والبر والإحسان والأعمال الاحتياطية. وبالتالي لماذا لا تؤول هاته الأموال كما فعل المشرع التونسي إلى جمعية تكون لها نفس الأهداف؟ وبالتالي، فالتشريع المغربي المتعلق بتأسيس الجمعيات ،نجد أن الدولة دائما تتدخل في الجمعيات ،سواء فيما يتعلق بتأسيسها أو القيام بأنشطتها أو بحصولها على أموال سواء أجنبية أو وطنية أو في حلها، وبالتالي في ما يتعلق بباقي الأموال غير المحصل عليها من طرف المؤسسات السالفة الذكر يبقى مسألة مآلها فيما هو منصوص عليه في النظام الأساسي .

وتجدر الإشارة في الأخير أنه يمكن أن يكون الحل تلقائيا للجمعية بالمغرب أو وفق ما تم تقريره في القوانين الأساسية أو طبق ما تقرر في الجمع العام في حالة عدم وجود قواعد في القوانين الأساسية. وهنا يطرح سؤال ما مآل الأموال أثناء توزيعها ،هنا المشرع التونسي حسم في هذه المسألة سواء كان الحل اختياريا أو عن طريق القضاء يتم تعيين المصفي القضائي لحل الجمعية، وبالتالي فالمشرع المغربي سكت عن هذا الأمر

 



[1] - سعيد الوردي، "الحق في تأسيس الجمعيات بين النص القانوني والممارسة العملية "الموقع WWW ;alkanounia :COM، عدد 4، تاريخ الزيارة 2016/01/02

[2] - الموقع، gouvernerai de Sousse، تاريخ أخر زيارة 2014/03/02

[3] - مرسوم عدد 88 لسنة 2011 مؤرخ في 24 ستنمبر 2011 يتعلق بتنظيم الجمعيات

[4] - ظهير شريف رقم 376. 58. 1 صادر في 3 جمادى الأولى 1378 (15 نوفمبر1958)بتنظيم حق تأسيس الجمعيات

[5] - لطفي منصور، الموقع WWW :wata تاريخ الزيارة 2016/03/02

[6] - منزر أبو هواش، الموقع W W W :WATA تاريخ الزيارة 2016/03/02 .

[7] - مرسوم عدد 88 لسنة 2011 مؤرخ في 24 سبتمبر 2011 يتعلق بتنظيم الجمعيات

[8] - نفس المرسوم التونسي

[9] - ظهير شريف رقم 376. 58. 1 صادر في 3 جمادى الأولى 1378 ( 15 نوفبر 1958 بتنظيم حق تأسيس الجمعيات .

[10] - قانون التجمعات العمومية 377. 58. 1 الصادر في 3 جمادى الأولى 1378 موافق 15 نونبر

[11] - فقرة الأولى من الفصل 8 من المرسوم المتعلق بتاسيس الجمعيات بتونس .

[12] - الفصل 10 من المرسوم عدد 88 لسنة 2011 مؤرخ ستنبر 2011 المتعلق بتاسيس الجمعيات بتونس .

 

[13] - الفصل 11 من المرسوم عدد 88 لسنة 2011 مؤرخ في ستنبر 2011 يتعلق بتنظيم الجمعيات

[14] - الفصل 12 من نفس المرجع المرسوم.

[15] - ظهير شريف رقم 376 / 58. 1 صادر في 3 جمادى الأولى 1378 (15 نوفبر 1958 ) بتنظيم حق تأسيس الجمعيات .

[16] - سعيد الوردي"الحق في تاسيس الجمعيات بين النص القانوني والممارسة العملية" المجلة القانونية الالكترونية عدد 4 تاريخ الزيارة 2016.01.02

[17] - تقرير المقرر الخاص المعني بأوضاع المدافعين عن حقوق الإنسان المقدم للجمعية العامة 4 أغسطس 2009. 226/64/1 الفقرات 55.59.60.66.70.79.

[18] - نفس تقرير المقرر الخاص السابق

[19] - - سعيد الوردي"الحق في تاسيس الجمعيات بين النص القانوني والممارسة العملية" المجلة القانونية الالكترونية عدد 4 تاريخ الزيارة 2016.01.02

[20] - قانون الالتزامات والعقود ظهير 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913) صيغة مضية بتاريخ 19 مارس 2015 .

المادة 206 مدونة الأسرة الأهلية نوعان أهلية وجوب وأهلية "، مدونة الأسرة

المادة 207 أهلية وجوب هي صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق وتحمل الواجبات التي يحددها القانون وهي ملازمة به طول حياته ولا يمكن حرمانه منها .

 

[21] - المادة 208 أهلية الأداء هي صلاحية الشخص لممارسة حقوقه الشخصية والمالية ونفاذ تصرفاته ويحدد القانون شروط اكتسابها وأسباب نقصانها أو انعدامها.

[22] - زهير لخيار "المحاسبة الجمعوية "

[23] - فصل 3، من نفس المرسوم. تونس

[24] - دستور الجمهورية التونسية، في 26 جانفي 2014

[25]  مرسوم عدد 88 لسنة 1122 مؤرخ في 12 سبتمبر 1122 يتعلق بتنظيم الجمعيات ، تونس

[26]  ظهير شريف رقم 376 / 58. 1 صادر في 3 جمادى الأولى 1378 (15 نوفبر 1958 ) بتنظيم حق تأسيس الجمعيات،المغرب

[27]  تقرير المقرر الخاص المعني بأوضاع المدافعين عن حقوق الإنسان المقدم للجمعية العامة 4 أغسطس 2009. 226/64/1 الفقرات 55.59.60.66.70.79.

 

[28] - المادة 22 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، " لكل فرد حق في حرية تكوين الجمعيات مع آخرين "، ولا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي، أو السلامة العامة. أو النظام العام، أو حماية الصحة العامة أو الأداب العامة، أو حماية حقوق الأخرين وحرياتهم ولا تحول هذه المادة دون إخضاع أفراد القوات المسلحة ورجال السلطة لقيود قانونية على ممارسة هذا الحق .

بقلم ذ بدر الشافي
طالب باحث
 


أعلى الصفحة