القضاء الجنائي

بقلم ذ أحمد منتصير
طالب باحث في العلوم القانونية و السياسية
تحت عدد: 583
مما لا شك فيه أن النيابة العامة جزء من الهيئة القضائية، وهي خصم شريف في الدعوى الجنائية ومن أعرافها أن ممثلها بالجلسة يترافع واقفا، وبذلك سميت بالقضاء الواقف، ولها دور مهم جدا في استقرار المجتمع وطمأنينته،

فهي تساهم مساهمة فعالة في رقيه وازدهاره وهي ضامنة لحقوقه في جميع المجالات وساهر على تطبيق القانون ومتابعة ومسائلة كل شخص سولت له نفسه تعكير صفو أمن المجتمع وعرقلة رقيه بانتهاكه حرمة القوانين التي تنظمه. ويرأس مؤسسة النيابة العامة الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ونوابه ويسمون محامين عامين وبذلك فله حق توجيه معلومات وملاحظات مباشرة إلى الوكلاء العامين لدى محاكم الاستئناف وإلى وكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية. وتخضع النيابة العامة للتسلسل الرئاسي، فالوكيل العام للملك لدى محكمة النقض له سلطة على نوابه بالمجلس وعلى قضاة النيابة العامة بمختلف محاكم المملكة والوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف له سلطة على نوابه وعلى قضاة النيابة العامة بالدائرة الاستئنافية التابعة له، ووكيل الملك له سلطة على نوابه. وبما أننا بصدد مناقشة موضوع النيابة العامة وعلاقاتها بقضاء التحقيق فسنحاول تسليط الضوء على إشكالية جد مهمة تتعلق بممارسة هذين الجهازين . تنظم العلاقة ما بين النيابة العامة و قاضي التحقيق مجموعة من المقتضيات القانونية وذلك راجع للدور المهم الذي تقوم به خلال مرحلة التحقيق الإعدادي حيث تبقى على ارتباط مستمر بقاضي التحقيق الذي يقوم بإشعارها بمختلف القرارات التي يتخذها خلال سير أعمال التحقيق الإعدادي و هي من ناحيتها تبدي جميع الملتمسات التي من شأنها حسن سير التحقيق كما أن القانون خول لها الإطلاع على ملف التحقيق في جميع مراحل التحقيق إلى غاية انتهائه باتخاذ قاضي التحقيق القرار النهائي إما بإحالة المتهم على المحكمة المختصة أو بإصدار أمر بعدم المتابعة و يتخذ قاضي النيابة العامة مجموعة من الإجراءات و القرارات ومن بينها تقديم ملتمس بإجراء تحقيق في النازلة حيث تكون هذه المطالبة إلزامية في الجنايات المعاقب عليها بالإعدام و السجن المؤبد و كذا الجنايات المقترفة من طرف الأحداث و كون للنيابة العامة الاختيار في طلب التحقيق في الجرائم الغير معاقب عليها بالعقوبات السابقة فان أرادت طالبت به فيها و إلا أحالته على غرفة الجنايات و من أمثلة ذلك الحالة التي تكون فيها آجال الحراسة النظرية قد انتهت في حق المبحوث معهم و يتبين لقاضي النيابة العامة أن من شان إجراء التحقيق في القضية الكشف عن جناة آخرين متورطين في جرائم مرتبطة بوقائع القضية أو لا يمكن فصلها عنها غير إن هذا التمديد يجب إن يكون معللا باسباب. وهذا ما دهبت اليه محكمة الاستئناف بفاس حيث اقرت انه بامكان النيابة العامة إن تمنح اذنا بتمديد فترة الحراسة النظرية بموجب مقرر معلل الاسباب و كذا في الجنايات التي يكون عدد المتهمين فيها كبيرا و تكون وقائعها متعددة ومتشابكة حيث يكون لقاضي التحقيق متسع من الوقت في التحقيق الإعدادي الشيء الذي لا يتوفر لقاضي النيابة العامة أتناء استنطاقه للمتهمين و نفس الشيء بالنسبة للحالة التي يتبين فيها لقاضي النيابة العامة أن حالة المتهم تقتضي إجراء خبرة عليه كما لو لاحظ عليه معالم إصابته بخلل ذهني و غير ذلك من الحالات وهذه المطالبة يكون غير ملزم بتبريرها. كما يمكن أن تتقدم بملتمس لإجراء تحقيق إضافي إذا أشعرها قاضي التحقيق بأفعال أغفلتها في المطالبة الأصلية أو في الحالات التي يضاف فيها متهمون جدد كانوا في حالة فرار أو كشف عنهم أتناء سريان التحقيق الإعدادي و لهم صلة بالقضية المحقق فيها أو في حالة ما إذا ظهرت أدلة جديدة في الموضوع أي الجريمة أو الجرائم لا يمكن فصلها عن القضية الرئيسية أو ذا ارتباط وثيق بها. كما يمكن أن تقدم الملتمسات الإضافية في الأحوال التي تحرك فيها الدعوى العمومية بصفة استثنائية مثل حالة التزوير في دمغات الذهب. و يشمل ملتمس المطالبة بإجراء التحقيق مجموعة من البيانات الأساسية سواء كان أصليا أو إضافيا أهمها الإشارة صراحة إلى أنها مطالبة بإجراء التحقيق و كذا الإشارة لصفة قاضي النيابة العامة و المحكمة التي يباشر فيها مهامه و الهوية الكاملة للمتهم و ملخص للوقائع و تحديد الأفعال التي تنسبها للنيابة العامة للمتهم و فصولها القانونية و طلب التحقيق فيها بصفة قانونية و اتخاذ القرار المناسب. و إذا كانت بالمحكمة عدة غرف للتحقيق فعلى النيابة العامة أن تحدد في ملتمسها الغرفة المطلوب منها إجراء التحقيق في القضية و هذا ما تنص عليه المادة 90 من ق.م. ج. كما يمكن لكل من النيابة العامة و قاضي التحقيق الامر بالتقاط المكالمات و الاتصالات المنجزة عن بعد اذ سمحت بذلك المادة 108 و ما بعدها من م ج لهتين الجهتين القضائيتين القيام بذلك حيث حددت الاطار التي تامر فيه النيابة العامة بالتقاط المكالمات و ذلك اما عن طريق ملتمس يقدمه الوكيل العام للملك للرئيس الاول لمحكمة الاستئناف أو بامر تلقائي عند توفر حالة الا ستعجال و التي حصرها بجرائم محددة كما هو وارد بالمادة 108 من ق م ج و يشعر فورا الرئيس الاول لمحكمة الاستئناف الذي يصدر خلال اجل 24 ساعة مقررا بان يبقيه أو يلغي الامر الصادر عن النيابة العامة و هذا ما سار عليه المجلس الاعلى حينما ذهب إن المادة 108 خولت لقاضي التحقيق اصدار الامر بالتقاط المكالمات الهاتفية دونما حاجة الى ملتمس الوكيل العام للملك بشانها و دون التقيد بانواع الجرائم المنصوص عليها في المادة المدكورة ما دامت قد تثبت له حالة الضرورة انطلاقا من وقائع و ظروف القضية و الطريقة التي ارتكبت بها الافعال موضوع التحقيق اما بالنسبة لقاضي التحقيق فلم يقيد المشرع سلطته باي قيد لا من حيث الجريمة و لا ظروفها و انما كلما اقتضت ضرورة البحث ذلك. كما يمكن للنيابة العامة التخلي عن النازلة لقاضي التحقيق المختص محليا إذا تعلق بجناية متلبس بها حيث يقوم قاضي التحقيق بكل أعمال ضباط الشرطة القضائية حيث أعطى قانون المسطرة الجنائية الجديد خاصة المادة 75 منه الحق لقاضي التحقيق إذا كان حاضرا بمكان وقوع الجريمة المتلبس بها في أن يتخلى له الوكيل العام للملك أو وكيل الملك أو ضباط الشرطة القضائية بقوة القانون عن عملية البحث إلا أن المادة 84 من ق م ج ورد فيها أن قاضي التحقيق لا يستطيع إجراء تحقيق إلا بعد أن يتلقى من النيابة العامة ملتمسا بإجراء التحقيق و لو كان قاضي التحقيق يقوم بالمهام المخولة له في حالة التلبس. و يكون قاضي التحقيق ملزم بإرسال المحضر والمستندات المتعلقة بالجريمة المتلبس بها إلى النيابة العامة و التي يمكن لرئيسها أن يلتمس في مكان الجريمة من قاضي التحقيق المختص إجراء تحقيق في القضية و الذي يعد شروعا في التحقيق لان المشرع اعتبر أعمال البحث في حالة التلبس من إجراءات التحقيق و نفس الشيء بالنسبة لحالة الوفاة المريبة أو المشكوك فيها. كما قد يتبين للنيابة العامة إن شكاية المطالب بالحق المدني مستوفية لشروطها القانونية فتلتمس إجراء تحقيق فيها و يمكن أن تطالب بالعكس و ذلك برفض إجراء التحقيق كما لو كانت الأفعال المطالب التحقيق فيها لا تتصف على فرض ثبوتها بصفة جنائية أو غير مجرمة أو طالها التقادم و إذا رفض قاضي التحقيق معارضة النيابة العامة في شكاية المطالب بالحق المدني بمقتضى أمر معلل يتعين عليه أن يبلغ هذا الأمر إليها حتى يتسنى لها عند الاقتضاء استئنافه أمام الغرفة الجنحية داخل اجل 3 أيام من هذا التبليغ و يجب أن يبلغ هذا الرفض في نفس اليوم الذي صدر أما إذا كان المطالب بالحق المدني تقدم بشكاية أمام قاضي التحقيق و تكون هذه الشكاية غير معللة تعليلا كافيا أو تعززها أدلة غير كافية لنسبة التهمة للمشتكي به تقوم النيابة بالمطالبة بفتح تحقيق مؤقت و بناءا على هذا التحقيق يمكن للنيابة العامة تقديم ملتمس كتابي بإجراء تحقيق رسمي ضد أي شخص تبين لها تورطه في القضية وفق المادة 93 من ق م ج. و تقوم النيابة العامة أيضا بالحضور مع قاضي التحقيق في التفتيش المجرى خارج الساعات القانونية أي التفتيش الاستثنائي و الذي لا يحق إلا لقاضي التحقيق القيام به وذلك في الحالات الإستعجالية و اشترط للقيام به حضور وكيل للنيابة العامة أو من يقوم مقامه من قضاتها و إلا اعتبر تفتيشا غير قانوني و حضور النيابة العامة في شخص الوكيل هو من الضمانات الممنوحة للشخص المراد تفتيش منزله و تقوم النيابة العامة أيضا بإبداء رأيها فيما يتعلق بطلب استرجاع المحجوز و ذلك داخل 3 أيام من تاريخ التبليغ و إذا اصدر قاضي التحقيق أمرا مخالفا لملتمسها أما مثلا لاستعمال المحجوز في جريمة أو يعتبر دليلا يمكن للنيابة العامة استئنافه أمام الغرفة الجنحية في اليوم الموالي لصدوره. كما تلتمس النيابة العامة من قاضي التحقيق إحضار شاهد أمامه لتغريمه و ذلك إذا ما توصل الشاهد باستدعائين وتخلف عن الحضور أمامه دون عذر غير أنها يمكن أن تطالب بإعفائه من التغريم إذا برر عدم حضوره. و إذا كانت الأفعال المنسوبة للمتهم تمثل جناية أو جنحة معاقب عليها بعقوبة سالبة للحرية و كان في حالة فرار يقوم قاضي التحقيق باستشارة النيابة العامة قبل اتخاذ أمر بإلقاء القبض و التي غالبا ما توافق على ذلك. و قد تطلب النيابة العامة من قاضي التحقيق الإفراج عن المتهم في حالات معينة كالظروف الاجتماعية للمتهم و حالته الصحية أو قد تطلب العكس في حالة ما إذا قد تم هذا الطلب من طرف المتهم أو قاضي التحقيق مخالفا كما لو خشية فرار المتهم أو حماية له. و إذا صدر قرار قاضي التحقيق مخالفا لما طلبته النيابة العامة يمكنها استئنافه أمام الغرفة الجنحية كما يمكن للنيابة العامة استئناف أمر قاضي التحقيق بشان عدم اختصاصه بالنظر في قضية ما. و تتقدم النيابة العامة كذلك بملتمس ختامي بعد توصلها بملف النازلة مرفوقا بقرار قاضي التحقيق بشان انتهاء التحقيق و ذلك داخل اجل 8 أيام ابتدءا من يوم تبليغها و يتضمن الإشارة إلى رقم ملف القضية و كون المتقدم به هو السيد الوكيل العام للملك و يشار فيه إلى المطالبة الأولية بإجراء تحقيق في القضية و تاريخها و أسماء المتهمين و الأفعال المنسوبة إليهم و فصولها القانونية و ملخص للوقائع كما تم تدوينها في محضر الضابطة القضائية و كذا الإشارة إلى مختلف المراحل التي مر بها التحقيق الإعدادي و تدلي النيابة العامة في الأخير بمستنتجاتها التي تبدي فيها رأيها النهائي بشان الجرائم المحقق فيها إذا تبين لها ثبوت الجريمة في حق المتهم طالبت بإحالته على غرفة الجنايات لكي تحاكمهم طبقا للقانون و يشار في الأخير إلى قاضي النيابة العامة الذي حرر الملتمس الختامي و توقيعه و توقيع الوكيل العام للملك و طابع النيابة العامة و التاريخ الذي أنجز فيه. و في بعض الأحوال قد تطالب النيابة العامة بإعادة التحقيق و ذلك في حالات معينة كما لو ظهرت أدلة جديدة ضد المتهم الذي انتهى التحقيق معه إلى انه لا مبرر لمتابعته كشهادة الشهود و الوثائق و يبقى من حق النيابة العامة استئناف جميع أوامر قاضي التحقيق إذا صدر مخالفة لملتمساتها. المراجع : -الوجيز في القانون الجنائي للدكتورة : لطيفة الداودي -المبادئ العامة في القانون الجنائي المغربي للدكتور : عبد الواحد العلمي -الدفاع الاجتماعي عن القانون الجنائي للكاتب الهولاندي هامل . -الموقع الرسمي لمحكمة النقض بالمغرب . -قانون المسطرة االجنائية المغربية . -القانون الجنائي المغربي.
بقلم ذ أحمد منتصير
طالب باحث في العلوم القانونية و السياسية
 


أعلى الصفحة