القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ محمد البكوري
الدكتور في القانون باحث في الحكامة و المجتمع المدني
تحت عدد: 424
مقدمة
احتدم النقاش مؤخرا ببلادنا حول سياقات تشكيل

 الحكومة المقبلة، وما عرفته من مخاضات عسيرة ومعقدة ومؤثرة في الزمن السياسي المغربي. وبعد  أن تم  الإعلان يومه السبت 25 مارس 2017، عن  انهاء مسارات  ماعرف ب"البلوكاج الحكومي". ومن ثم،  التعبير عن التوافق حول  طبيعة  التركيبة الحكومية  المقبلة  وتكونها من ستة أحزاب، في أفق  إخراج الهندسة الحكومية  إلى حيز الوجود  بشكل نهائي، يبدو من المفيد في هذه المرحلة، ابراز بعض  المدخلات  الضرورية  الكفيلة بضمان  هيكلة  حكومية"متراصة البنيان" منسجمة الأركان "، متسمة بالنجاعة والكفاية  اللازمتين، في ظل  الرهانات  المستقبلية الحاسمة  التي ستعرفها بلادنا، من منطلق توخيها الوصول إلى مدارج الدول الصاعدة. لقد ظلت مسألة التشكيل الحكومي بالمغرب، ومنذ انبثاق  أول حكومة ما بعد الاستقلال(حكومة  مبارك البكاي  لهبيل  لديسمبر 1955) ،  اشكالية عميقة  تتماهى في طياتها وتتداخل عناصر متعددة،  منها السياسي والدستوري والقانوني  والحزبي...  وبطبيعة الحال، لن تخرج ارهاصات  نشأة  الحكومة المقبلة عن هذه القاعدة التي أضحت تراكمية  في  مجريات الحياة السياسية المغربية الراهنة،  لتخلق بذلك رصيدا تراكميا،بإمكانه –وبإيجابية وتميز-  بث روح  من  التطوير والتجديد  في  مسارات بلد "طموح"، يتوق لبلوغ  السيرورة "القصوى" من الانتقال الديمقراطي الحقيقي  والممأسس.أولا، ماهية  الهندسة الحكومية :إنه إذا كانت الهندسة  بصفة عامة،هي دراسة مختلف أنواع الأشكال وصفاتها ، ودراسة علاقة الأشكال والزوايا والمسافات ببعضها  والأبعاد وما تتميز به من حجم  وطول وعرض وسمك ...  وإذا كان التاريخ، عبر محطاته المختلفة  قد جعل  من العلوم الهندسية الصحيحة  طريقا  سلسا لتحقق الإلتقائية  العالمية،  والتي تطورت بشكل  سريع ومندمج، لتساهم بالتالي  -وبقوة  العقل والمنطق-  في بناء  مجتمعات «الإنسية العالمية». ومادامت  هذه  الأخيرة،  تتحرك ضمن سياقات  تتسم بالشمولية  والكونية،  مع الإتصاف الدائم بالطابع المعولم،  فقد أضحت  البشرية بأسرها  في أمس الحاجة إلى التوسل المستمر  والمتواصل   بآليات  العلوم الهندسية،  ايمانا منها بجدوائيتها في تحقيق سبل التنمية البشرية عموما، وما يدخل في فلكها  من تنميات فكرية، ثقافية، اجتماعية، اقتصادية، سياسية  ومؤسساتية...  فإنه،  ومن منظور ما سبق،  أصبح لزوما  وضع  جملة  من "التوليفات" الضرورية  والصيغ المتطورة للعديد من المجالات  والميادين،  لدرجة  نكون  فيها أمام أنماط جديدة من الهندسة تتجاوز الجانب المعماري والعمراني،  من قبيل  الهندسة الغذائية، الهندسة التحليلية،  الهندسة الترابية، الهندسة الإدارية، الهندسة الانتخابية، الهندسة البرلمانية،  الهندسة القانونية، الهندسة الحكومية...  هذه الأخيرة، التي تتبلور  كمفهوم   حديث  مستجد في أدبيات  علم السياسة  والحكامة المؤسساتية، مفهوم  تتباين أسباب نزوله وتختلف  سياقات  اللجوء إليه وتتنوع  الخلفيات التي تتحكم في  ظروف استحضاره . ومع ذلك، يمكننا وبنوع من المجازفة الإبيستمية، تعريف الهندسة الحكومية  بكونها،  "تلك الرؤية الثاقبة والنظرة  الحدسية،  التي يمتلكها المخول له  أو لهم  تشكيل  المؤسسة الحكومية،  وجعلها  بنيانا متراصا /قويا / قادرا على مجابهة مختلف  التهديدات والمخاطر التي قد تحدق به مستقبلا  من قبيل الأزمات السياسية". ومن ثم، تتبلور  الهندسة الحكومية  من منظور الابستمولوجيا  السياسية، باعتبارها رؤية  استراتيجية لمسألة تشكل  الحكومة،  وفق  معايير  الانسجام  والتضامن  والنجاعة والفعالية ... كما يمكن تعريف  الهندسة  الحكومية  من زاوية  علم  السياسة،  بكونها "قدرة الفاعل أو المتدخل في  بناء النسق الحكومي على تشكيل المؤسسة الحكومية  بأكبر قدر من التوافق والترشيد والعقلنة والكفاية ".وبذلك، فالهندسة الحكومية في علم السياسة تعني  بشكل مختصر "حوكمة الحكومة".إن الهندسة الحكوميةعبر ذلك، تمثل  من جهة ، محورا من محاور  اشتغال علم السياسة، والذي عرفه العديد من المفكرين وعلماء  السياسة  بكونه "علم الحكومة  وفن علاقات  الحكم "، كما يعرفه  معجم " علم السياسة"، بأنه " دراسة  المبادئ  التي تشكل على  أساسها  الحكومات ".  ومن جهة أخرى، تعتبر الهندسة الحكومية  لبنة مركزية في  منظومة الثقافة السياسية،  والتي تشمل أساسا،  كل ما يتعلق  بتدبير الشؤون العامة  ومجالات ممارسة الفعل العمومي  ومختلف مؤسسات الدولة وآليات  اشتغال مكونات المجتمع السياسي وتركيبته وتشكيلته. هذا، دون  اغفال  إحدى أهم المكونات  المرتبطة بذلك، والمتجسد  في المكون الوظيفي / الغائي، والذي يظل  عنصرا  حاسما  في بلورة  الصيغ  الممكنة  للنجاعة  المؤسساتية  وجعل الجوانب  الكيفية ( تحقيق  التوازن  والإنسجام  والفعالية  والمردودية من طرف  المؤسسة الحكومية) تتأثر،إيجابا أو سلبا،  بأهمية  أدوار الجوانب الكمية(عدد الأحزاب المشاركة، عدد الوزراء،  عدد التكنوقراط...) ومدى قدرتها،  وفي إطار  نسقي مضبوط ، على تيسير مجمل  أداءات  مؤسسات  تدبير الفعل العمومي والرفع من سياقات  حكامتها.إنطلاقا مما سلف،  تبرز مكانة الهندسة  الحكومية في   تعزيز   النجاعة  الحكومية،  في أية دولة من الدول، كمعطى  لا محيد عنه  في  بلورة  الدعامات الضرورية  للنشاط السياسي  برمته،  وجعله  بالتالي،  نشاطا يتأسس بالضرورة  -وفق فهم  أرسطو- على  مجموعة من المعايير  الأخلاقية  والاجتماعية، وذلك على اعتبار السياسة    - كما يرى  المفكر الإيطالي برونيتو لاتيني Brunetto Latini   - "هي  الأكثر نبالة  والعلم الأسمى  والوسط الأكثر شرفا  على الأرض،  لأن السياسة تتضمن  بشكل عام،  جميع الفنون التي تحتاج  إليها الأسرة الإنسانية". وأيضا على اعتبار  هذا النشاط  السياسي  في حد ذاته – حسب  مايؤكده الفيلسوف الفرنسي  أندريه لالاند- هو " نظام عام  يرمي  إلى أن يكون  بمثابة  "التركيب" أو "النتيجة"  لمجمل  النشاط الاجتماعي".  وفق هذه الرؤية،  يتضح أنمساحات  الهندسة  الحكومية  تتمدد في صيغ  ثنائية  التوليفة،  من قبيل :  تركيب /نتيجة، تشكيل/ دور، ائتلاف/ وظيفة، انسجام/ نجاعة ...  وهي الصيغ، التي ينبغي  التعامل  معها  من طرف من  أنيطت به  مهمة  تشكيل  الحكومة،   بنوع  من  الحنكة والبراعة السياسيتين، خاصة  إذا  كانت  هناك الرغبة  الملحة، في تعزيز البنيان السياسي داخل  الدولة ودعم  مستلزمات  دمقرطته، وجعله بالتالي  في منأى عن كل "رجة" محتملة مستقبلا، قد تكبح  مسيرته في  البناء  الديمقراطي ككل . وذلك ما يفرض  ضرورة  التوسل  بآليات الحكامة  لإدارة جيدة  وتدبير فعال   للشأن  الحكومي، منذ وضع أول دعامة من دعامات المؤسسة الحكومية،  والمتمثلة  في مرحلة بناء التشكيلة  الحكومية  القادرة على رفع  تحدي  الإستجابة الفعالة  لمتطلبات  المواطنين في شتى المجالات.  ولن يتأتى ذلك، إلا بجعل  الانسجام داخل البنية  الحكومية المبتغى  المنشود والمطمح المأمول،  مع الحرص الأكيد على تكريسه المتواصل أثناء  تنزيل  سائر الأهداف الاستراتيجية وتنفيذ مختلف المشاريع الحيوية المنصوص عليها في البرنامج الحكومي،  والذي ينبغي التفكير  في  رسم خطوطه العريضة، وفق منظور تشاركي /تشاوري، من طرف  مختلف الفاعلين المعنيين بتشكيل الحكومة، قبل  أو على الأقل  بالموازاة، مع  بلورة مجمل مدخلات الهندسة الحكومية.ثانيا،سمات  الهندسة الحكومية  في التجارب"التراكمية" السابقة : يرى  تقرير الخمسينية - المغرب الممكن،اسهام  في النقاش  العام  من أجل طموح مشترك،  مطبعة دار النشر المغربية، الدار البيضاء2006-بأنه،  وطيلة   الخمسين  السنة  التي  تلت استقلال المغرب،فإن  غالبية  الحكومات المتعاقبة،تم  تشكيلها  بمنطق عددي /كميأكثر منه  نوعي / كيفي.وهو المعطى، الذي أثر لامحالة،على فعالية  الأداء الحكومي  ونجاعة  تدبير الشأن العام . في هذا السياق، يؤكد  هذا  التقرير- في  الصفحة 88 -على   أنه "يجب الاعتراف  مع مرور  الزمن،  بالنسبة لبلادنا،  بأن عددا من التشكيلات  الحكوميةكانت أشبه  بهياكل  تنظيمية  موسمية  أكثر  من كونها  هياكل تنظيمية  عملية وفعالة.  ويجسد ذلك،  تشتت  الخريطة السياسية  والصعوبة  الدائمة  التي يواجهها  المسلسل الانتخابي  في فرز أغلبية  حكومية واضحة. ومن ثم،  فإن الضرورة  التي  تحرك  اجراء  مفاوضات  وتوافقات  بين الأحزاب السياسية  المختلفة  والحساسيات  المتباعدة أفضت  إلى تشكيل  حكومات كثيرة الأعضاء على حساب  نجاعة العمل الحكومي، نجاعة تتسم  بها  الفرق الحكومية  المتجانسة والنوعية  لا الكمية".عموما،وعبر  فحوى هذه الملاحظات وغيرها،يمكن  الوقوف على بعض سمات  الهندسة الحكومية  في تجارب تشكيل الحكومات السابقة. وذلك من خلال مايلي :ألرفع "الإضطراري" من  مكونات  الائتلاف  الحكومي،وذلك بغية  ضمان الأغلبيات  الحكومية المريحة. وعبره، الحفاظ على  الاستقرار الحكومي، خاصة في ظل الحكومات  المنبثقة  على أساس  نتائج الانتخابات. إذ، كثيرا  مارصد  أن الأنظمة الانتخابية المتواترة  لا تمكن  الحزب الفائز في الانتخابات من تشكيل  الحكومة لوحده، وهوما يدخل في الأصل،  ضمن سياقات التحديد "الماهاوي" لمفهوم  الحزب السياسيفي كنه ذاته، من حيث تبلوره، كقاعدة صلبة  لبناء  التحالفات  الممكنة مع  باقي  الأطياف السياسية المختلقة والمتعددة، بغية تحريك  دواليب الاشتغال  المؤسساتي، بكيفية  تشاركية /جمعية . ومن ثم،  تشكيل الأساس المتين للعمل السياسي برمته.فريمون آرون،يرى أن الحزب السياسي،هو عبارة  عن "  تجمع  منظم"،يسعى أساساإلى "تحمل  مسؤولية   الحكم"،إما بشكل  فردي أو بواسطة  التحالف  مع الآخرين، حيث يبرز هنا،  المنطق الائتلافي/ التحالفي في  جوهر ممارسة الحزب السياسي للسلطة.ونفس المعطى،  يؤكد عليه كل  من جيمس كولمان  وكارل  روزبرج، من حيث اعتبار  التآلف بين  الأحزاب السياسية، من أجل  التسيير  الأفضل والأجود لشؤون  المجتمع في سياق بنية حكومية "قوية" و"متجانسة"،  مسألة ضرورية،وتبقى  من الأهمية  بمكان،في  منطق "سياسات الحكم"،والتي  عليها،أن تمر بالاشتراط، عبر  عدة قنوات،  من بينهاالقنوات  الحزبية، التي تراهن بالأساس- كما يوضح معجم "علم السياسة  والمؤسسات السياسية "لهرميه  وآخرون-على "تحالفات  مصالح  في ظل الديمقراطية" بمنظورها الشامل والموسع. هكذا، وفي السياق المغربي، غالباما عرفت معظم الحكومات  مشاركة  أحزاب عدة. فحكومة  ادريس جطو  ل 9   اكتوبر 2002 مثلا،تميزت  بمشاركة  ستة أحزاب، وهي :الاتحاد الاشتراكي،حزب الاستقلال  التجمع الوطني للأحرار،  الحركة الشعبية،  التقدم والاشتراكية،  التحالف  الاشتراكي، علاوة  على بعض المستقلين.الشيء الذي يفرض  التعامل، بنوع  من التماهي بين التوافق والحكامة،أثناء مرحلة توزيع  المناصب  الوزارية  بين مكونات  التحالف  الحكومي،في إطار هيكلة فعالة للهندسة الحكومية. وذلك كله، من أجل اضفاء المزيد من الانصهار الايجابي بين  مختلف هذه المكونات وارساء مبادئ لاستقرار البنية الحكومية من قبيل التضامن الحكومي، المسؤولية الحكومية والنجاعة الحكومية.ب–الإرتكاز على مبدأ التوافق  أثناء  مجريات الهندسة  الحكومية،وهو ما تجسد مثلا في مرحلة  سياسية  حاسمة  في التاريخ  السياسي المغربي،إبان تعيين  عبد الرحمن  اليوسفي،  الكاتب الأول  للاتحاد الاشتراكي  للقوات الشعبية،  وزيرا أولا  سنة1998   وتدشين المغرب، عبر ذلك،  لمسارات أول  تجربة للتناوب – والذي اصطلح عليه ب"التناوب التوافقي"- بحكومة تحكمت فيها حسابات توافقية،قائمة أساسا على مبدأ التراضي السياسي،حيث ضمت  هذه الحكومة في هندستها36 وزيرا،  توزعت بين 14 حقيبة  بالنسبة للاتحاد الاشتراكي  للقوات الشعبية  و6 وزراء  بالنسبة  لحزب  الاستقلال  و6  وزراء  بالنسبة  لحزب التجمع الوطني للأحرار  و3 مناصب  بالنسبة  لحزب التقدم والاشتراكية  و3 مناصب  بالنسبة  للحركة الوطنية الشعبية  ومنصبين  بالنسبة  لجبهة  القوى  الديمقراطية ومنصب  واحد  بالنسبة  للحزب الاشتراكي  الديمقراطي،  بالإضافة  إلى وزراء تكنوقراط. ويمكن القول عموما،أن مخاضات ولادة أغلبية  الحكومات المتعاقبة  بالمغرب،هي مخاضات "توافقية" بالأساس.ت-التضخم العددي  في بنية الهندسة الحكومية،إنه إذا  كانت حكومة عبد الله ابراهيم ل24 دجنبر 1958،كرابع  حكومة  في تاريخ استقلال المغرب،  وكأول حكومة  ذات نفحة اشتراكية،هي الحكومة  الأقل  عددا  في تاريخ الحكومات بالمغرب،  بحيث لم يتجاوز عدد وزرائها  عشرة وزراء،  فإن  باقي  الحكومات المتعاقبة،غالبا ما اتسمت بارتفاع عدد الوزراء المكونين لها.وذلكبالنظر أساسا،إلى  الصعوبات التي قد تعترض عمليات تشكيل الفريق الحكومي،  وكذا التخفيف من توترات  الأحزاب الراغبة في الدخول للائتلاف الحكومي، عبر تلبية  طلباتها وارضاءرغباتها. وبالتالي،  الحرص على تيسير عملية  اخراج الحكومة إلى حيز الوجود،عبر  توفير  الظروف المواتية  لذلك،  حتى ولو تطلب  الأمر،القيام  بنوع  من "التسويات" وتقديم المزيد من "التنازلات" وتجسير ماهو عالق من الفجوات وترسيخ بعض "الترضيات" . والملاحظ في هذا  الشأن، هو أن عدد الوزراء بدأ  في الارتفاع  منذ الحكومة الثامنة عشر  (حكومة محمد كريم العمراني، والتي اتسمت  بكونها أول حكومةستعرف أكبر عدد من الوزراء في تاريخ المغرب : 39 وزيرا، منهم ثمانية وزراء للدولة)حيث كان المتوسط  العام  لعدد الوزراء هو 21 وزيرا، لكن سرعان ماسيرتفع هذا  المتوسط  إلى معدل يفوق الثلاثون وزيرا وكاتب للدولة، منذ هذه الحكومة.إن  هذا   التضخم العددي،يفرض أثناء  مجريات  الهندسة  الحكومية،اللجوءإلى  بعض "التخريجات الضرورية" لحلحلة هذا  التضخم، من قبيل  العمل على  تقسيم  بعض القطاعات داخل  الوزارة  الواحدة  وتحويلها  إلى كتابات  الدولة أو وزارات منتدبة أو خلق منصب وزير الدولة  الذي يعتبر وزيرا بدون  حقيبةLe  ministre  sans  porte-feuille.في هذا الصدد، ترى  الأستاذة أمينة المسعودي- في دراسة لها،  معنونة ب" حدود العمل الحكومي"،  ضمن مؤلف " الديمقراطية  والتحولات  الاجتماعية  في المغرب "  تنسيق سعيد بنسعيد  العلوي،منشورات كلية الآداب والعلوم  الإنسانية بالرباط، سلسلة  ندوات ومناظرات،  رقم 86 مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء،  الطبعة الأولى2000،ص130-131-"أن تنوع  الفئات  الحكومية  يؤدي  إلى عدم  وجود  تناسب  بين عدد  أعضاء  الحكومة  وبين عدد المرافق الوزارية.  فقد يكلف  عضو  واحد بمرافق  وزارية   متعددة  أو تكلف  أكثر من شخصية حكومية  بتسيير  مرفق  وزاري واحد،  كما قديكلفأحيانا الوزير الأول– رئيس الحكومة حاليا-  نفسه  بتسيير  مرفق  أومرافق  وزارية  معينة،  مما يحول  دون السرعة في اتخاذ القرارات، وأحيانا تشتتها  وتضاربها ".ث-تأرجح درجة " التحزيب"  داخل  مكونات الهندسة  الحكوميةودور المنفذ الحزبي  في الوصول  إلى المنصب الحكومي، مادام  أن المتحزبين، وفي اطار طموحهم السياسي المشروع –كما يرى موريس دوفرجيه،في كتابه "مدخل الى علم السياسة"،  ترجمة  جمال الأتاسي  وسامي  الدروبي،  مركز  الثقافة العربي  ومؤسسة  محمد بن راشد آل مكتوم، الطبعة الأولى  أكتوبر 2009،  ص 21-  "غالبا مايتصارعون  من أجل الظفر بمقعد  في المجلس النيابي  أو منصب وزير". عموما لقد عرف هذا  الدور،  فترات مد وجزر.ففي المرحلة الممتدة من 1955إلى 1962 مثلا،اتسمت فيها الهندسة الحكومية  بإيلاءأهمية قصوى  للمكون الحزبي  وضمان تمثيليته  في الحكومةذ بلغت نسبة  حضوره في الحكومات الأولى المشكلة خلال هذه المرحلة 64  في المائة،  في حين  عرفت  تمثيلية المستقلين حضورا باهتا،  حيث لم تتجاوز نسبة 35  في المائة. وذلك مرده  بالأساس،إلى قوة واحتدام الصراع السياسيإبان هذه الفترة.بينما تم في مرحلة1962-1974،الحد من  نفوذ التمثيل الحزبي،حيث تميزت  هذه الفترة  بضعف بين  في التمثيل الحزبي في الهندسة الحكومية،إذ لم يشكل  الوزراء المنتمون  سوى27  في المائة،  لتشكل  بذلك مرحلة  تكنوقراطية  بامتياز،  بنسبة 73في المائة،  بل بلغت  نسبة تمثيلالمستقلين في حكومة  1967   حوالي 92 في المائة،ممايعلن عن بداية ميلاد  ما يعرف ب"الحكومة التكنوقراطية".ج-ضعف  التمثيلية النسائية  داخل  تشكيلة  الهندسة  الحكومية،فالملاحظ في هذا السياق،هو غياب الوجوه النسائية  من الحكومات  المتعاقبة  منذ استقلال  المغرب  إلى غاية الحكومة الخامسة والعشرونحكومة عبد الرحمن اليوسفي  لسنة 1998،حيث تقلدت السيدة نزهة الشقروني منصب كاتبة الدولة لدى وزارة التنمية الاجتماعية والتضامن والتكوين المهني مكلفة بالمعاقين، والسيدة عائشة بلعربي  منصب كاتبة الدولة لدى وزارة الشؤون الخارجية والتعاون مكلفة بالتعاون.  ولتتأرجح بعد ذلك  هذه التمثيلية  بين الصعود والنزول  (مثلا وزيرة واحدة  في حكومة بن كيران  الأولى  وست وزيرات  في حكومة بن كيران  الثانية). هذا من جهة،  ومن جهة أخرى، يرصد بخصوص هذه التمثيلية،أن المناصب التي  تمنح  للنساء داخل التشكيلة الحكومية،  هي  مناصب تأتي،في غالب الأحيان، في مرتبة  ثانية  في الهرم  الحكومي  - وزارة منتدبة  أو كتابة  الدولة -اجمالا،يتضح  من خلال الوقوف على بعض سمات  الهندسة الحكومية  في التجارب  التراكمية التي عرفها  السياق السياسي المغربي، فيما يتعلق بشأنه  الحكومي،أن مفهوم الهندسة الحكومية،  هو مفهوم "مرن"، يخضع  في تطبيقاته المختلفة،إلى نوع من المواءمة  والمسايرة مع  الظروف السياسية المحيطة به. وذلك كله، بغية  جعل أولا، البنية الحكومية"المشكلة" تتوافر على أكبر  قدر من المأسسة، وتمكين ثانيا، الوظيفة الحكومية "المعلن عنها"  من أن تتسم  بأوفر  درجة من الفعالية.ثالثا، مبادئ الهندسة الحكومية "المحوكمة"      بغية  تكريس المزيد  من النجاعة  والكفاية  على صرح  الهندسة  الحكومية    وجعلها  هندسة "متراصة "،   "منسجمة"،  " متوازنة "،  "متينة"...  من   اللازم،   الأخذ بعين الاعتبار، العديد من المبادئ  الداعمة لها،أثناء  مجريات تشكيل  بنية  المؤسسة الحكومية،ومنها على وجهالخصوص :                                                  أ-مبدأ  الفعالية،أي  العمل وطيلة  فترات  هيكلة  الهندسة الحكومية، أي التوسل  الاجرائي والمعياري،باشتراطات الحاجة  الملحة  للمرفق  الحكومي  أو  الطلب  العمومي  على الخدمة  الحكومية وحجمها ومدى تأثيرها  فيما يتعلق بتدبير الشأن العام ودراسة   منسوب الوقع على الحياة المعيشية للمواطن  -منسوب قوي، متوسط،ضعيف- أي الحرص على  توزيع  المقاعد الحكومية وفق  مبدأ الفعالية.إن الممارسة السياسية  العادية،  تقتضي  تبني  مجموعة  من المقومات المتضمنة في هذا المبدأ،ومنها الأخذ الضروري، بمجمل  الغايات التي تم التنصيص  عليها  في البرامج  الانتخابية للأحزاب السياسية،والتي ستشكل الحكومة،مع "السماح -كما يرى  ذلك،محمد الرضواني في كتابه  "في الثقافة  السياسية  بالمغرب،"  سلسلة  بدائل قانونية وسياسية،4، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط 2015،ص12-بتطبيق هذه البرامج، باعتبارها  مستندة  على نتائج  صناديق  الاقتراع، مما يجعل  عنصر  الفعالية  والنجاعة،هو الحكم  بين مختلف  البرامج  والأحزاب السياسية".الأمر  الذي  سيساهم،  لا محالة،  في خلق  حكومة "عقلانية"  - حسب  تصور  الباحث الأمريكي  اسبورن-  تركز أساسا  في  عملها  الآني  والمستقبلي،على   تحقيق النتائج،عبر تبني "معيرة"  مضبوطة، تقوم  على عناصر الجودة، التكلفة والكفاءة .ب–مبدأ التجميع، أي  التفكير  في آليات  لإنهاء حالة التضخم العددي لأعضاء حكومة  والقيام بالتجميع الضروري  لقطاعات متداخلة الاختصاصات ( مثلا  وزارة التعمير ووزارة  سياسة المدينة،  وزارة  البيئة والطاقة والمعادن والماء، وزارة التربية  الوطنية  ووزارة التعليم العالي  والوزارة المنتدبة في التكوين المهني...)وبالتالي  العمل على خلق  مفهوم "القطب الوزاري"،والذي سيساعد  في مخرجاته،على حكامة القرارات وترشيد النفقات  وتوضيح الاختصاصات  وتحديد المسؤوليات.في هذا الصدد،  نستحضر  الاقتراح الذي أتى به رئيس الجامعة الوطنية لحقوق المستهلك، بوعزة الخراطي(في تصريح له بجريدة هسبريس الالكترونية  في 28 نونبر 2016)، في " إحداث وزارة خاصة بالاستهلاك،تعمل على تقليص عدد الوزارات بالمغرب والتقليل من الأعباء المترتبة عنها، تعويضا لقرابة 5 وزارات تدخل جميعها تحت مظلة الشأن الاستهلاكيوزارة الماء والبيئة ووزارة الصحة ووزارة التجهيز والنقل ووزارة الحكامة، فضلا عن المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية ومديرية الجودة والتسويق ومراقبة المحروقات"، مقترحا "أن تندمج كل هذه القطاعات المذكورة ضمن "وزارة الاستهلاك"، على أن تتوزع في إطار مديريات تعنى بالمستهلك والاستهلاك".إن  مبدأ التجميع،من  شأنه،إن فعل التفعيل  الأفضل،  الرفع من القدرات التمكينية  للحكومة،  والتي  شكل ارتفاع  حجمها أحيانا،  عقبة  كأداء أمام ممارستها لاختصاصاتها وأدائها لوظائفها بالكفاية والفعالية اللازمتين.فالعدد  المرتفع نسبيا للوزارات، كما يرى  تقرير الخمسينية  في الصفحة88-يميل إلى  تعقيد  مهمة الوزير الأولويضعف مردود التفاعل  مابين الوزارات.واليوم عرفت  العديد من البلدان،  تقليصا في عدد  أعضاء حكوماتها،  بدافع النجاعة والفعالية.  وهناك حالات تم فيها  تجميع عدد من الوزارات  المنتدبة أوكتابات الدولة  في أقطاب وزارية كبرى".ت-مبدأ المناصفة،كمبدأ دستوري -منصوص على   ضرورة تكريسه  في الفقرة  الثانية  من  الفصل  19، والتي  جاء فيها "تسعى  الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة  بين الرجال والنساء"-ينبغي الحرص الأكيد  على  تنزيله،  وباستمرار، مع ربطه بمبدأي الاستحقاق  والكفاءة  وتحويله  من أمل  يرتجى إلى واقع يكرس. وذلك كله، بغية التطبيق  السليم  والأوسع  لمجمل  المبادئ  الموطدة  لحق المرأة  في المساواة، ومنها ادماج مقاربة  النوع  على صعيد  كل المؤسسات،  بمافيها  المؤسسة  الحكومية، تنفيذالمطلب  المنظمات  النسائية  في تعزيز  التمثيلية  النسائية في المناصب  الحكومية  والمناصب العليا والمؤسسات المنتخبة، وكذا اعمال  آلية  التمييز الايجابي،من أجل الوصول إلى نسبة الثلث في مواقع القرار السياسي،  في أفق  تحقيق  مبدأ المناصفة بشكل كامل.عموما، يظل  ترسيخ هذا  المبدأ، رهينا بالدرجة  الأولى،بمستويات "التنخيب"  داخل  الأحزاب السياسية  ومدى اجتهادها،  في تقديم  نخب  وكفاءات حزبية نسائية  لتحمل المسؤولية داخل الحكومة.ث-مبدأ الرؤية الاستراتيجية،أي  العمل  علىرسم  الأهداف التي  ينبغي  تحقيقها.  وذلك، منذ الخطوات  التمهيدية الأولى لبلورة  معالم  الهندسة الحكومية،  التي  عليها أن تجسد عمق  استشرافيتها،  في ايجاد  الحلول المناسبة  لمختلف المشاكل المطروحة،  وعلى  شتى الأصعدة . وهوما يمكن صياغته،في البرنامج الحكومي،المتفق على مضامينه، بين  سائر مكونات الاغلبية الحكومية، والذي على أساسه  ستخرج هذه الحكومة من القوة إلى الفعل  وتتحول إلى  "حكومة  انجاز" .  وبالتالي،  انبثاق هندسة حكومية،قائمة على الاستراتيجية،  باعتبارها -  كما يرى  الأستاذ عبد الله ساعف، في كتابه" رهانات التحول  السياسي  في المغرب"  سلسلة  نقد السياسة ،1، منشورات دفاتر سياسية،  الطبعة الأولى 2004، مطبعة النجاح الجديدة، الدارالبيضاء،  ص13-" مجموعة  من الاختيارات  والمواقف  والاجراءات،  المبنية  على حسابات  الربط بين القوة  الوطنية للدولة  ومصلحتها.  فلا أحد  بإمكانه،أن يمنع  أية دولة  كيفما كانت،  ومهما صغر حجمها،  من بناء وترتيب  عناصر ومعطيات  استراتيجية  خاصة بها،  كما أن  بإمكان  الكل  أن يبني  ويحدد  الأهداف  المناسبة  لمطامحه وأهدافه". وطبعا تبقى الحكومة جزءا من هذا  الكل،  بل هي العنصر الأساسي والمحوري فيه،  والذي بإمكانه،إن وفق في وضع  الرؤى الاستراتيجية، بشكل سليم وفعال،أن  يحقق  مجمل مطالب الطموح الجمعي المشترك.

ج-مبدأ  المأسسة،والمقصود به  الهندسة القائمة   على المشروعية  المؤسسة  على المكون  البنيوي  -  وفق تنميط  دافيد استون ، وفي اطار تطويره  للنموذج الفيبري،  هناك ثلاث مشروعيات :  المشروعية  المؤسسة  على المكون الشخصي،  المشروعية المؤسسة على المكون الايديولوجي والمشروعية  المؤسسة  على المكون  البنيوي  - وهي المشروعية  القائمة على المأسسة،  وتتحقق أساسا،بالتحول  العميق للمؤسسات إلى بنى معقدة  مستقلة بعض الشيء،  متماسكة  في بنيتها الداخلية،  وقادرة على التأقلم الايجابي والمستمر  مع التطورات  والتحولات  المجتمعية  المتواترة والقادرة، وبكفاية، على ضمان  ثقافة سياسية تعمل بشكل مناسب، على  تحقيق  المشروعية  البنيوية / المؤسساتية.وهو الأمر،  الذي يظل مطلبا ملحا  في كل وقت وحين،  وينبغي  استحضاره، وبكثافة،  في  أية  هندسة  حكومية،   تتوخى   ارساء دعامات   مؤسسة  حكومية  فعالة  وقوية.خاتمة :صفوة  القول،تظل   الحكومة  عنصرأساسي وضروري  في الحياة السياسية.إنها مؤسسة  دستورية ، ينبغي التركيز  في  تشكيلها  على مختلف الجوانب   الكفيلة  بجعلها  تقوم باختصاصاتها،وفق  رؤية  من الحكامة التدبيرية. فالهندسة الحكوميةأو "حوكمة  الحكامة"، على ضوء ما سبق ذكره،  تظل مجرد وسيلة  لهدف عميق،  هو التأسيس لبنية  حكومية،تمتلك  من الأدوات والإواليات  الدستورية،  القانونية  والسياسية،  ما يمكنها،  من القيام بالأدوار الاستراتيجية الهامة والريادية،  الملقاة على عاتقها، بكل  نجاعة وفعالية.  ومن ثم،  التقعيد  المتين لصرح حكومي "متراص" و"متجانس"، بعيدا  عن سلبيات  الحكومة "التي تلتقط كل شيء Catch All Party"،  والتي  تمتح  تواجداتها من  البنية التي يمكن  أن نسميها ب"البنية القوس القزحيةLa structure Arc-en-Cielée "، والتي تتسم  بكونها  تخلق  حكوماتذات توليفة "مقوزحة"، أي أنها تنشأ وتنمو كخليط، متعدد، متباعد، غير متجانس، وكابح بالتالي  للأداء الحكومي الجيد.

 

 

بقلم ذ محمد البكوري
الدكتور في القانون باحث في الحكامة و المجتمع المدني
 


أعلى الصفحة