القانون الاجتماعي

بقلم ذ محمد طارق
أستاذ بكلية الحقوق المحمدية
تحت عدد: 96
تظهر أهمية القانون الاجتماعي من خلال وظيفته سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي من جهة [1] ، وآثاره على السلم الاجتماعي داخل الدولة من جهة ثانية، ولما كانت مهمة رقابة تطبيق القانون الاجتماعي وفرض احترامه تفرض توافر الحياد و الاستقلال في القائم بها، فقد أسندت مختلف التشريعات المقارنة[2]، والاتفاقيات الدولية[3] مهمة مراقبة تشريع الشغل لموظفين متخصصين يطلق عليهم مفتشي الشغل، هذه الأخيرة التي تعتبر من أهم الأقسام التي تتكون منها مديرية الشغل التابعة لوزارة التشغيل و التكوين المهني[4]، ويمثل الوزارة في ميادين تفتيش الشغل و التشغيل و الضمان الاجتماعي.

 وإذا كان المشرع المغربي -طبقا لمقتضيات المادة 530 من مدونة الشغل- وعلى غرار نظيره الفرنسي[1]، قد خول لمفتش الشغل سلطات مهمة ووسائل و إمكانيات، حتى يتسنى له القيام بوظيفته في رقابة مدى تطبيق المؤسسات الخاضعة لرقابته لقواعد قانون الشغل.

    كما أن جهاز تفتيش الشغل يكتسي أهمية بالغة، إن على المستوى الوطني أو الدولي، فعلى المستوى الوطني تظهر أهمية مفتشية الشغل من خلال كونها مؤسسة اجتماعية تعمل على تطبيق قانون الشغل وتسهر على استقرار العلاقات الشغلية، وذلك علاوة على تمكين الحكومة من الوقوف على الوضعية الحقيقية لسوق الشغل، حتى يتسنى لها إعداد السياسات العمومية الفاعلة في مجال الشغل والتشغيل، أما على المستوى الدولي فتظهر أهمية تفتيش الشغل عبر اعتماد منظمة العمل الدولية في تفعيل مقرراتها في مجال صحة وسلامة الأجراء و تحسين ظروف العمل على جهاز تفتيش الشغل[2].

  ولمعالجة موضوع الوظيفة الرقابية لمفتش الشغل، يلزمنا الانطلاق من تحديد نطاق رقابة مفتش الشغل لتحديد القطاعات الخاضعة لمراقبة مفتش الشغل وتميزها عن القطاعات الخاضعة لمراقبة أجهزة أخرى( أولا)، تم الوقوف عند مجالات رقابة مفتش الشغل من حيث النصوص القانونية (  ثانيا)، وبعد ذلك سنحدد صور الوظيفة الرقابية لمفتش الشغل (رابعا)، لنتمكن في النهاية من تحديد الآليات القانونية لممارسة الوظيفة الرقابية لمفتش الشغل.

 

أولا : نطاق رقابة مفتش الشغل :

تعتبر المهمة الرقابية أهم اختصاص قانوني يضطلع به جهاز تفتيش الشغل، فهذا الجهاز مكلف حسب ما تقضي به المستويات الدولية والتشريعات الوطنية بكفالة تطبيق الأحكام القانونية المتعلقة بالشغل، من قبل المؤسسات المخاطبة بأحكامها وهذا هو المقصود بوظيفة الرقابة التي تناط بجهاز تفتيش الشغل، وتقتضي منا دراسة مجال المراقبة، تحديد المقاولات التي تخضع لمراقبة هذه الهيئة، وكذا المقاولات التي يعود اختصاص الإشراف على تنفيذ تشريع الشغل فيها إلى جهات أخرى.

1 – المقاولات الخاضعة لرقابة مفتشية الشغل :

يضطلع مفتشو الشغل بمراقبة تطبيق القوانين التشريعية والتنظيمية والتعاقدية المتعلقة بالشغل داخل المقاولات الخاضعة لنطاق تطبيق مدونة الشغل وبذلك يشمل نطاق الرقابة المؤسسات التجارية والصناعية و الخدماتية وفي القطاع الفلاحي و الغابوي وكذا مقاولات الصناعة التقليدية والمؤسسات الصناعية والتجارية التابعة للدولة أو الجماعات المحلية[3].

  يتضح من خلال هذا التحديد للمقاولات الخاضعة لرقابة مفتشية الشغل أن المشرع المغربي وسع من هذا المجال، ليشمل فئات جديدة لم تكن خاضعة لأحكام مدونة الشغل وليحسم من جهة أخرى الخلاف بشأن فئات اجتماعية كان الجدل قائما بشأنها، كما وعدت بتمديد أحكامها لتشمل فئات اجتماعية أخرى، إذ علقت استفادتها على صدور نظام خاص لاحقا، لتبقى فئة عريضة من الطبقة العاملة، مقصية من الاستفادة من الضمانات الحمائية لمدونة الشغل[4]، وبالتالي من الحماية التي يخولها لها جهاز تفتيش الشغل من خلال مراقبة الظروف التي ينجز فيها الشغل ، وإذا كان يصعب حصر هذه الفئات تكفي الإشارة فقط إلى العاملين في القطاع غير المهيكل الذي يمثل مساحة كبيرة في النسيج الاقتصادي المغربي.

وإذا كان المشرع قد حدد نطاق المقاولات الخاضعة لمراقبة هيئة تفتيش الشغل، فإن هناك بعض القطاعات أناط مهمة مراقبتها إلى أجهزة خاصة.

2- القطاعات الخاضعة لمراقبة خاصة :

إذا كانت هيئة التفتيش كقاعدة عامة تناط بأعوان التفتيش التابعين لوزارة الشغل، فإن هذه القاعدة يتم الخروج عنها لاعتبارات فنية وتقنية[5]، كما هو الحال بالنسبة لبعض القطاعات التي تسند فيها مهمة الرقابة والتفتيش إلى أشخاص معينين بمقتضى نصوص خاصة، من ذلك مثلا القطاع المنجمي وقطاع الملاحة البحرية.

أ- تفتيش الشغل بالقطاع المنجمي:

نظرا لخطورة الأعمال التي تنجز بالمناجم، وما قد يتعرض له الأجراء بها من حوادث شغل أو أمراض مهنية، فإن المشرع نظم طريقة خاصة لمراقبة قواعد حفظ الصحة والسلامة داخل هذه المقاولات، وذلك بأن أسند بمقتضى ظهير 24 دجنبر 1960، مهمة المراقبة إلى أشخاص سماهم بمفوضي الأمن وحدد عددهم تبعا لعدد الأجراء المشتغلين في هذه المقاولات بأن جعل:

ü    مفوض عن كل مقاولة تتضمن ما بين 600 إلى 3000 عامل.

ü    مفوضين عن كل مقاولة تتضمن ما بين 3000 عامل إلى 5000 عامل.

ü    إضافة مفوض عن كل مجموعة تقل أو تساوي 2500 عامل.

   ويتعين على مفوضي الأمن القيام بزيارة المقالع والاستغلالات المنجمية مرتين في الشهر، تشمل مراقبة الآبار والدهاليز وتفقد الآلات والمغاسل الموجودة بالمقالع، كما يخول لمفوضي الأمن القيام بزيارات إضافية، عند وجود باعث يحمل على الخوف من الأضرار المرتقبة.

وبخصوص مسطرة التفتيش فإذا كان مفتش الشغل يقوم بعمله في الأحوال العادية دون وجوب إخبار أو إخطار للمقاولة التابعة لدائرته، فإن هذه الطريقة لا تتبع من طرف مفوض الأمن بالمقاولات المنجمية حيث يتعين عليه إخطار المستغل للمقاولة أو نائبه قبل اثنى عشر (12) ساعة على الأقل، ما عدا إذا اقتضى عمله ظروف الاستعجال.

ويتم التفتيش بالمقاولات المنجمية بحضور عون يعينه المستغل للمقاولة، على أن هذا العون لا يجب أن يعترض على التفتيشات العادية، إلا إذا تبين له أن في ذلك التفتيش خطر على السلامة، وفي هذه الحالة يجب تسجيل هذه الملاحظة في السجل الخاص بذلك، والمسلم من طرف المقاولة، كما يضمن في هذا السجل كل الملاحظات التي كانت موضوع هذا التفتيش، وكذا ساعة بدايته ونهايته والمراحل التي اجتازها وذلك في نفس اليوم أو في اليوم الموالي على أبعد تقدير.

ب- تفتيش الشغل بقطاع الملاحة البحرية.

قضت طبيعة الملاحة البحرية، وظروف العمل على ظهر السفينة، بوضع تنظيم خاص لعقد الشغل البحري، عمل المشرع المغربي منذ بداية القرن العشرين بتضمين المدونة البحرية لسنة 1919 تنظيما خاصا لهذا العقد ، ثم جاءت مدونة الشغل لتؤكد ذلك بموجب المادة 3 من م ش، التي نصت على ما يلي:

"تظل فئات الأجراء الآتي ذكرها، خاضعة لأحكام الأنظمة الأساسية المطبقة عليها، والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقل عما تنص عليه مدونة الشغل من ضمانات:

1- ...

2- البحارة...".

فقد استثنى المشرع المغربي مراقبة تطبيق الأحكام القانونية المتعلقة بالعمال البحريين من مهام مفتش الشغل وأسندها إلى مفتشي الملاحة البحرية. فبالرجوع إلى مقتضيات مرسوم 4 أكتوبر 1977 ، المعتبر بمثابة النظام الأساسي الخاص بموظفي البحرية، فإن هيئة تفتيش الشغل في المجال البحري، تتكون من مراقبي البحرية التجارية والصيد البحري، ومفتشين مساعدين بالبحرية والصيد البحري ومفتشي الملاحة البحرية التجارية والصيد البحري.

ويقوم مفتشو الملاحة البحرية بالسهر على احترام تطبيق النصوص المتعلقة بالملاحة البحرية على كل أصناف السفن سواء كانت معدة للتجارة أو الصيد أو الاستجمام، كما يتأكدون من سلامة السفن واحترامها لقواعد الصحة والسلامة، ومراقبة الظروف التي يمارس فيها العمل.

وفي حالة وجود مخالفة للمقتضيات القانونية يقوم مفتشو الملاحة البحرية بتحرير محاضر تكون لها قوة إثباتية ما لم يثبت عكسها، وله أن يستعين في أداء دوره الرقابي بخبير أو عدة خبراء يتم تعيينهم من طرف رئيس القيادة البحرية.

ولا يختلف عمل مفتشي الملاحة البحرية عن الرقابة التي يمارسها مفتشو الشغل في المجالات الأخرى، حيث يكون تدخلهم منذ إنشاء العقد حتى انقضائه ضمانا للسير العادي للعلاقات التعاقدية الشغلية، والسهر على التطبيق الجيد للمقتضيات القانونية والتنظيمية المتعلقة بهذا القطاع، ضمانا لتحقيق الحماية اللازمة لرجال البحر.

ثانيا: مجال الرقابة من حيث النصوص القانونية.

سنقف عند مختلف النصوص القانونية التي تدخل ضمن مجال رقابة أعوان تفتيش الشغل، وعموما فإذا كان مفتش الشغل يراقب الأحكام التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالشغل و الواردة في مدونة الشغل ونصوصها التنظيمية، فإن التساؤل يطرح بالنسبة لمراقبة أحكام الاتفاقية الجماعية؟ وكيف يتم ذلك؟

1-مراقبة تطبيق الأحكام التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالشغل:

يتبين من خلال قراءة مقتضيات المادة الثالثة من الاتفاقية الدولية رقم 81[6]، المتعلقة بتفتيش الشغل في الزراعة أن وظائف مفتشية الشغل تتجلى في كفالة تطبيق الأحكام القانونية المتعلقة بشروط العمل وحماية الأجراء أثناء قيامهم بعملهم، وبالرجوع إلى مدونة الشغل نجد أنها فعلت مقتضيات الاتفاقيتين الدوليتين المتعلقتين بتفتيش الشغل، حيث أوكلت المادة 532 من مدونة الشغل للأعوان المكلفين بتفتيش الشغل اختصاصا عاما لمراقبة تطبيق الأحكام التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالشغل من قبل المقاولات المخاطبة بأحكامها، وهذا هو المقصود بالوظيفة الرقابية التي تناط بجهاز مفتشية الشغل.

وعلى هذا الأساس فإن مجال المراقبة يشمل جميع القواعد المكونة لقانون الشغل والمنظمة لعلاقاته سواء الفردية أو الجماعية، بما في ذلك مدونة الشغل، والمراسيم أو القرارات التنظيمية[7].

2- مراقبة تطبيق مقتضيات اتفاقية الشغل الجماعية.

عرفت مدونة الشغل الاتفاقية الجماعية بكونها عقد جماعي، ينظم علاقات الشغل، يبرم بين ممثلي منظمة نقابية للأجراء الأكثر تمثيلا، أو عدة منظمات نقابية للأجراء الأكثر تمثيلا، أو اتحاداتها من جهة، وبين مشغل واحد، أو عدة مشغلين يتعاقدون بصفة شخصية، أو ممثلي منظمة مهنية للمشغلين أو عدة منظمات مهنية للمشغلين من جهة أخرى[8].

تبرز أهمية الاتفاقية الجماعية في كونها تمكن بسهولة من تحقيق مواكبة المقتضيات المنظمة لعلاقات الشغل للمستجدات الاقتصادية والتكنولوجية والهيكلية التي قد تعرفها المقاولات وكذا الدور الأساسي الذي تقوم به في تنظيم علاقات الشغل وضبطها. فالهدف من الاتفاقية الجماعية هو توفير حماية أكبر وضمان امتيازات أفضل للطبقة العاملة، تفوق غالبا ما تنص عليه عقود الشغل الفردية[9].

وبخصوص مراقبة تنفيذ اتفاقية الشغل الجماعية، فالمشرع المغربي قبل صدور مدونة الشغل، وفي ظل ظهير 17 أبريل 1957 المتعلق باتفاقية الشغل الجماعية، الملغى كان يخول لوزير التشغيل أن يعين بطلب من أطراف الاتفاقية الجماعية، إمكانية إسناد مراقبتها إلى أحد الأعوان المكلفين بتفتيش الشغل، والملاحظ أن هذه المراقبة كانت مقتصرة فقط على المقتضيات المتعلقة بالأجور، دون غيرها من الالتزامات المنصوص عليها في الاتفاقية الجماعية للشغل.

غير أنه بصدور مدونة الشغل الجديدة، ثم إسناد صلاحية مراقبة تطبيق مقتضيات اتفاقية الشغل الجماعية إلى الأعوان المكلفين بتفتيش الشغل، وذلك بمقتضى المادة 128 من مدونة الشغل، وبهذا فإن مراقبة تنفيذ مقتضيات اتفاقية الشغل الجماعية تدخل ضمن اختصاص الأعوان المكلفين بتفتيش الشغل ، كما أنها لم تعد متوقفة على أمر صادر عن وزير التشغيل أو مقتصرة على مراقبة المقتضيات والأحكام المتعلقة بالأجور فقط وإنما هي مراقبة تشمل جميع المقتضيات المضمنة بالاتفاقية الجماعية[10]، ونخلص مما سبق إلى أن مفتش الشغل مكلف بكفالة تطبيق الأحكام القانونية المتعلقة بالشغل من قبل المنشآت المخاطبة بأحكامها.

ثالثا : صور الوظيفة الرقابية:

تعتبر الوظيفة الرقابية أهم اختصاص يعهد لمفتشية الشغل، وهي تهدف بالأساس إلى السهر على ضمان احترام قانون الشغل وبالتالي ضمان حماية الأجير وتأخذ المراقبة التي تقوم بها هيئة تفتيش الشغل، صوراً متعددة، فإما أنها مراقبة قانونية أو مراقبة تقنية، كما قد تكون في صورة مراقبة إدارية.

1 – الرقابة القانونية والتقنية :

أ- الرقابة القانونية :

تعتبر الرقابة القانونية من المهام الأساسية التي يضطلع بها الأعوان المكلفون بتفتيش الشغل، ذلك أن المشرع أوكل لهذا الجهاز صلاحية السهر على تطبيق الأحكام التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالشغل، وذلك من خلال الاطلاع على مدى تطبيق كل النصوص المختلفة والمكونة لقانون الشغل، فمهمة العون المكلف بتفتيش الشغل تتجلى في كفالة تطبيق الأحكام القانونية المتعلقة بشروط العمل وحماية الأجراء، مثل الأحكام الخاصة بساعات العمل، والأجور واستخدام الأحداث والنساء.

وبالرجوع إلى مدونة الشغل المغربية نجدها جاءت ببعض المقتضيات في هذا الصدد، ففيما يتعلق بظروف الشغل[11]، يسهر العون المكلف بتفتيش الشغل بمراقبة الضوابط القانونية المتعلقة بظروف الشغل لاسيما فيما يتعلق بمدة الشغل، ومراقبة مدى احترام المشغل للمقتضيات المتعلقة بمنح العطلة السنوية المؤدى عنها، والراحة الأسبوعية، وفي نفس السياق، فإن مفتش الشغل يسهر على حسن تطبيق الأحكام المتعلقة باحترام الحد الأدنى للأجور، والراحة الأسبوعية، والراحة في أيام الأعياد، وفي أيام العطل، أما دوره في حماية بعض أصناف الأجراء، وتتجلى في مراقبة المقتضيات القانونية المتعلقة بتشغيل الأحداث والنساء والمعاقين إلى غير ذلك من القواعد التي يضعها المشرع لتنظيم العمل.

ب- الرقابة التقنية.

إضافة إلى المهام التقليدية الموكولة إلى جهاز تفتيش الشغل، والمتمثلة في مهام المراقبة القانونية فإن مجال عمل مفتشي الشغل قد توسع في ظل مدونة الشغل ، ليتجاوز محتوى النصوص القانونية الشغلية ومراقبة تطبيقها، ليصبح عملاً تقنيًا فمجال المراقبة التقنية التي يضطلع بها مفتش الشغل هي في معظمها نابعة من ميدان حفظ الصحة والسلامة. ذلك أن النصوص التي جاءت في هذا المضمار تتعلق بتحديد تقني خاصة فيما يتعلق بأجهزة الوقاية من الحرائق، والإنارة، والتدفئة، والتهوية والتخفيض من الضجيج، ومدى موافقة المواد المستعملة للتركيبات القانونية التي لا تضر بصحة الأجراء أو تعريض سلامتهم للخطر[12].

لأجل ذلك كان تدخل مفتش الشغل لازما لضمان سلامة وصحة الأجراء، من خلال السهر على مراقبة التدابير المتعلقة بقواعد الصحة والسلامة، ومدى التزام أرباب العمل والأجراء بمعاييرها، وفي هذا الإطار وطبقا لمقتضيات المادة 533 من مدونة الشغل، فإنه يرخص للأعوان المكلفين بتفتيش الشغل أخذ عينة من المواد الأولية، ومن المواد التي يستعملها الأجراء، قصد إجراء تحليلات عليها وبالتالي الاطلاع على مدى تأثيرها على صحة الأجراء[13]، ومن هذين المنطلقين المتعلقين بالمراقبة القانونية والتقنية، يمكن القول إن لمفتش الشغل دور يجب أن يتسم بالمعرفة القانونية والتقنية.

2 – الرقابة الادارية :

يمكن من خلال مراجعة مختلف المقتضيات التشريعية والتنظيمية لتشريع الشغل استخلاص مجموعة من القواعد القانونية، التي تمنح لمفتش الشغل صلاحيات اتخاذ القرار أو الترخيص من منطلق عمله الإداري[14]، فله أن يطلع على النظام الداخلي للمقاولة والموافقة عليه، ويمكن أن يطالب بسحب أي مقتضيات مخالفة أوردها المشغل في النظام الداخلي، حيث يتوجب على كل شخص، طبيعي كان أو معنوي يخضع لمقتضيات مدونة الشغل، يريد فتح مقاولة أو مؤسسة أو ورش، يشغل فيه أجراء أن يقدم تصريحا بذلك إلى العون المكلف بتفتيش الشغل.

وفي هذا الإطار نشير إلى ما نصت عليه المادة 136 من مدونة الشغل، إذ ألزمت المشغل أن يقدم تصريح إلى العون المكلف بتفتيش الشغل في الأحوال التالية:

1-      إذا اعتزمت المقاولة تشغيل أجراء جدد؛

2-      إذ غيرت المقاولة نوع نشاطها وهي تشغل أجراء؛

3-      إذا انتقلت المقاولة إلى مكان آخر وهي تشغل أجراء؛

4-      إذا قررت المقاولة تشغيل أجراء معوقين؛

5-      إذا كانت المقاولة تشغل أجراء بمعاملها، ثم عهدت بأشغالها كلا أو بعضا إلى أجراء يشتغلون بمنازلهم، أو إلى مقاول من الباطن؛

6-      إذا كانت المقاولة تشغل أجراء عن طريق مقاولة التشغيل المؤقت؛

ما يمكن ملاحظته بخصوص هذه المقتضيات أعلاه، التي نصت على ضرورة تقديم تصريح إلى العون المكلف بتفتيش الشغل، أنها لا تعطي لمفتش الشغل سلطة الاعتراض سواء على فتح المقاولة، أو عند تشغيل أجراء معوقين، فالمشغل الذي يقدم تصريحا إلى العون المكلف بتفتيش الشغل يكون في وضعية قانونية لا يحق لمفتش الشغل أن يمنعه من اللجوء إلى الأجراء الذين حددتهم المادة 136 من مدونة الشغل المشار إليها أعلاه، إن بدا له أن هناك خطراً يهدد الأجراء في صحتهم، فما جدوى تقديم هذا التصريح إذا لم يعطى للعون المكلف بتفتيش الشغل سلطة الاعتراض على بعض قرارات المشغل؟

بالإضافة إلى ذلك، أوجب المشرع حماية للطبقة العاملة من كل تعسف قد يمارسه المشغل، على المشغل قبل اتخاذ أي إجراء يمكن أن يكون تعسفيا في حق الطبقة العاملة، أن يشعر بذلك العون المكلف بتفتيش الشغل أو الحصول على الإذن أو الموافقة المسبقة، ومن أمثلة ذلك نشير إلى ما نصت عليه المادة 145 من مدونة الشغل، عندما أكدت على منع تشغيل أي حدث دون الثامنة عشرة، ممثلاً، أو مشخصاً في العروض العمومية المقدمة من قبل المقاولات التي تحدد لائحتها بنص تنظيمي، دون إذن مكتوب يسلمه مسبقا العون المكلف بتفتيش الشغل، بخصوص كل حدث على حدة، وذلك بعد استشارة ولي أمره، ويحق لهذا العون أن يسحب الإذن الذي سبق له أن سلمه في هذا الشأن.

وكذلك، الحالة التي يعتزم فيها المشغل اتخاذ أي إجراء تأديبي في حق مندوب الأجراء، أصليا كان أو نائبا، حيث يجب أن يكون هذا الإجراء موضوع مقرر، يوافق عليه العون المكلف بتفتيش الشغل، إذ كان هذا الإجراء يرمي إلى نقل المندوب أو نائبه من مصلحة إلى مصلحة أخرى، أو من شغل إلى آخر، أو إلى توقيفه عن شغله، أو فصله.

أيضا من المهام الإدارية التي تناط بجهاز مفتشية الشغل، تلك الحالة التي تواجه فيها المقاولة أو المؤسسة صعوبات اقتصادية أو تغيرات تكنولوجية، تكون إعادة الهيكلة أمرًا ضروريا، الأمر الذي قد يستدعي إغلاقها أو فصل الأجراء كلا أو بعضا، حيث يقوم المندوب المكلف بالشغل لدى العمالة أو الإقليم بدور مهم، حيث بعد توصله بطلب المشغل المتعلق بفصل الأجراء كلاً أو بعضا لأسباب تكنولوجية هيكلية أو اقتصادية، يجري كل التحريات التي يراها ضرورية ثم يوجه الملف داخل أجل لا يتعدى شهراً من توصله بالطلب إلى أعضاء لجنة إقليمية يرأسها عامل العمالة أو الإقليم من أجل دراستها والبت فيها داخل أجل شهرين من التوصل بالطلب.

إن ما يمكن إثارته من ملاحظات بخصوص هذه النقطة الأخيرة، هو الدور المحدود لمفتشية الشغل في مسطرة الفصل لأسباب تكنولوجية أو هيكلية أو اقتصادية وإغلاق المقاولات، فالسيد عامل العمالة أو الإقليم هو وحده المختص بالترخيص للقيام بهذا الإجراء، وينحصر دور المندوب المكلف بالشغل لدى العمالة أو الإقليم في إبداء رأيه كباقي أعضاء اللجنة الإقليمية وهذا الرأي استشاري فقط، رغم أن إعفاء الأجراء كلا أو بعضا، قد يؤدي إلى نشوب نزاعات شغل جماعية يسند لمفتشية الشغل مهمة تسويتها.

هذه جملة من المهام والاختصاصات الرقابية ذات الطابع الإداري التي أناطت بها مدونة الشغل جهاز مفتشية الشغل، بالإضافة إلى مهامه الأخرى، مما يجعل دور هذا الجهاز يكاد يكون شاملا لكل جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، مما قد يؤثر سلبا على نجاعة الدور الأصلي والمتمثل في مراقبة تطبيق أحكام مدونة الشغل، مما جعل بعض الفقه يتسائل حول مدى قدرة هذا الجهاز القيام بكل هذه المهام ، وكم يلزمه من الوقت لتحقيق ذلك؟[15]

رابعا : الاليات القانونية لممارسة الوظيفة الرقابية :

يعتبر الدور الرقابي لمفتشية الشغل أهم الاختصاصات المسندة إلى هذا الجهاز، ذلك أن السهر على احترام تطبيق الأحكام التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالشغل، يعد ضمن الأولويات التي يحرص مفتش الشغل على تحقيقها، وفي سبيل تسهيل أداء هذا الدور، فقد تم تخويل هذا الجهاز عدة سلطات وصلاحيات، تشكل أهم الآليات القانونية المخولة لمفتش الشغل، وتتمثل في سلطة القيام بزيارات التفتيش ثم سلطة تحرير المحاضر.

1- زيارات التفتيش :

تعتبر الزيارات من أهم الآليات المخولة للعون المكلف بتفتيش الشغل، وهي آلية نصت عليها الاتفاقيتان الدوليتان رقم 81 و 129، كما نظمتها مدونة الشغل، عندما خولت للعون المكلف بتفتيش الشغل صلاحية القيام بزيارات تفتيشية للمؤسسات الخاضعة لنطاق رقابته، وكذا إجراء جميع الأبحاث والتحريات التي يراها ضرورية للتأكد من مدى احترام المقتضيات القانونية، سنتطرق بداية للأساس القانوني للزيارات التفتيشية، ثم لصلاحية البحث والتحري.

أ- الأساس القانوني لزيارات التفتيش:

أناطت مدونة الشغل بالعون المكلف بتفتيش الشغل مهمة السهر على تطبيق الأحكام التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالشغل، وذلك من خلال الزيارات التفتيشية للمقاولات الخاضعة لنطاق الرقابة.

ويقصد بالزيارة التفتيشية، عملية انتقال المفتش داخل المؤسسات والمقاولات الخاضعة لمدونة الشغل، للوقوف على مدى احترام مقتضيات قانون الشغل، وقد وضعت الوزارة الوصية على قطاع التشغيل، دليلا للزيارات التفتيشية[16]، وحداً أدنى لعدد الزيارات التي يلزم بها أعوان تفتيش الشغل القيام بها شهريا والمحددة كالتالي:

15 زيارة شهرياً بالنسبة لرؤساء دوائر الشغل في قطاع الصناعة والتجارة والخدمات.

15 زيارة شهريًا بالنسبة لرؤساء دوائر القوانين الاجتماعية في الفلاحة.

20 زيارة شهريا بالنسبة لأعوان تفتيش الشغل في قطاع الصناعة والتجارة والخدمات.

15 زيارة شهريا بالنسبة لأعوان تفتيش القوانين الاجتماعية في الفلاحة.

هذا ويعتبر إنجاز الحد الأدنى المطلوب بمثابة واجب مهني، يؤدي عدم إنجازه إلى إمكانية التعرض للعقوبات التأديبية، وقد جرى العرف على أن تكون هذه الزيارات في الفترة الصباحية، في حين تخصص الفترة الزوالية للاستقبال وجلسات المصالحة.

وبالرجوع إلى مقتضيات المادة 533، نجد أنها ترخص للأعوان المكلفين بتفتيش الشغل، في أن:

-يدخلوا بحرية ودون  سابق إعلام، كل مؤسسة تخضع لرقابة مفتشية الشغل، في أي وقت من ليل أو نهار.

-يدخلوا فيما بين السادسة صباحًا والعاشرة ليلاً، جميع الأماكن التي يحملهم سبب وجيه على افتراض أنها خاضعة لمراقبة مفتشية الشغل، وكذا جميع الأماكن التي يعمل فيها أجراء يشتغلون في منازلهم.

غير أنه عندما ينجز شغل في محل مسكون فإنه لا يمكن للأعوان المكلفين بتفتيش الشغل دخوله إلا بعد إذن ساكنيه.

ما يمكن ملاحظة حول مقتضيات هذه المادة أعلاه، أن حق الدخول إلى المقاولة لمراقبة تطبيق المقتضيات القانونية المتعلقة بالشغل، لا تميز بين التفتيش بالنهار أو بالليل بالنسبة للمقاولات التي تشتغل ليلاً، كما أن مفتش الشغل لا يكون ملزما بإخطار المشغل مسبقا بزيارته التفتيشية، مادامت المادة 534 من مدونة الشغل، توجب مبدئيا إخبار المشغل أو من ينوب عنه بوجوده، ما لم يعتبر مفتش الشغل أن هذا الإشعار قد يضر فعالية المراقبة[17].

إذا كانت المادة 533 من مدونة الشغل، رخصت لمفتش الشغل حق الدخول إلى المقاولة خلال كل ساعات العمل، فإنها مع ذلك أوردت الاستثناء، كلما تعلق الأمر بتفتيش أماكن الشغل التي يشتغل فيها الأجراء بمنازلهم، وأماكن الشغل التي تنجز في محل مسكون، إذ لا يمكن للأعوان المكلفين بتفتيش الشغل دخولها إلا بعد إذن ساكنيها، ذلك أن المشرع قد أخذ بعين الاعتبار حرمة المسكن فأضفى عليه حماية دستورية، وجنائية.

هذا وتجدر الإشارة إلى أن الزيارات التفتيشية التي يقوم بها العون المكلف بالشغل، للمقاولات الخاضعة لنطاق رقابته، قد تتم إما بصورة تلقائية من جانبه، أو بناءًا على وشاية أو شكاية صادرة من الغير أو الأجير ضد المشغل تفيد وجود مخالفات تتعلق بتشريع الشغل.

ب- البحث والتحري داخل أماكن العمل.

يعد الحق في البحث والتحري، امتدادًا وتفعيلاً لحق الزيارة المخول للعون المكلف بتفتيش الشغل، لأجل إنجاز مهامه الرقابية، وضبط المخالفات، حيث رخص له مباشرة كل أنواع البحث والتحري التي يراها ضرورية من أجل التأكد من مدى احترام المقتضيات القانونية والتنظيمية المتعلقة بالشغل[18].

وبذلك خولت المادة 533 من مدونة الشغل، ولاسيما الفقرة الثالثة منها، الحق للعون المكلف بتفتيش الشغل في استفسار المشغل والأجراء بشأن تطبيق الأحكام القانونية المتعلقة بالشغل، كما لهم الحق في طلب الاطلاع على جميع الدفاتر والسجلات وكذا الوثائق التي أوجب قانون الشغل، مسكها للتحقق من مدى مطابقتها للأحكام القانونية المتعلقة بالشغل.

كما يمتد الحق في التحري إلى تخويل مفتش الشغل أخذ عينات من المواد الأولية أو من المواد التي يستعملها الأجراء، قصد إجراء تحليلات عليها، وبالتالي الوقوف عند مختلف المضار التي قد تلحقها بصحة الأجير.

ويجب على العون المكلف بتفتيش الشغل، عند كل زيارة تفتيشية أن يحرر تقريرًا في ثلاث نسخ، يسلم إحداها للمشغل، وتوجه الثانية إلى المصلحة المركزية ويحتفظ بالنسخة الثالثة في ملف المؤسسة أو المقاولة، والغرض من هذه التقارير هو معرفة وضعية المقاولة من جهة، وتقييم نشاط مفتشي الشغل السنوي من جهة أخرى.

ويتعين على العون المكلف بتفتيش الشغل، الذي يعاين مخالفات، بمناسبة قيامه بزياراته التفتيشية للمقاولات الخاضعة لنطاق رقابته، إنذار المشغل قبل تحرير محضر بشأن المخالفة، وتوجيهه إلى الجهات المختصة لإنزال العقوبة اللازمة، والغرض من توجيه هذه الإنذارات قبل تحرير المحضر، هو التخفيف على مفتش الشغل من تحرير المحاضر وكذلك الجهات المكلفة بالبت في هذه المحاضر، وكذا منح المشغل فرصة للتراجع عن المخالفة .

2- توجيه الإندارات :

يسعى مفتش الشغل لكفالة تطبيق الأحكام القانونية المتعلقة بالشغل من قبل المقاولات الخاضعة لنطاق رقابته، وإذا كانت منظمة الشغل الدولية أصرت على مساءلة كل مخالف للأحكام القانونية المتعلقة بالشغل فوراً وبدون سابق إنذار، فإنها مع ذلك أجازت أن تنص القوانين الوطنية على استثناءات في الحالات التي يشترط فيها توجيه إنذار سابق بغية معالجة الموقف، أو اتخاذ إجراءات وقائية[19].

ونتساءل هنا هل توجيه الإنذار يبقى مقتصرا على حالات معينة حددها القانون بصريح العبارة كما هو الشأن بما نصت عليه المادة 540 والمادة 542 من م ش؟ أم أنه أمر يسري على كل الحالات؟

يمكن تعريف الإنذار بأنه "تذكير الشخص الذي قام بخرق القانون، بالقانون الذي تم خرقه"، فالإنذار هو وسيلة لإعلام المعني بالأمر بوجود قانون قد قام بخرقه، ودعوته للامتثال له تجنبا لمباشرة المتابعات الجنائية ضده، فمؤسسة الإنذار وسيلة لتليين القاعدة الجنائية، خاصة مع هزالة الجزاءات الجنائية لقانون الشغل المغربي.

فنظام الإنذار في ظل مدونة الشغل المغربية، هو أنه لا يطبق بشكل إلزامي من جانب مفتش الشغل، إلا بشأن المخالفات المتعلقة بقواعد حفظ الصحة والسلامة فيبقى فيما عدا ذلك توجيه إنذار إلى المشغل مسألة اختيارية يكون للعون المكلف بتفتيش الشغل السلطة التقديرية في أن يوجه التنبيه والإنذار.

وما تجدر الإشارة إليه أن المشرع المغربي ميز بخصوص مسطرة توجيه التنبيهات حول المخالفات المتعلقة بقواعد الصحة والسلامة، بين الإخلال الذي يعرض صحة الأجراء وسلامتهم لخطر حال، وتلك التي لا تعرض صحتهم وسلامتهم لخطر الحال.

 فإذا كان الإخلال بقواعد حفظ الصحة من طرف المشغل لا يعرض صحة الأجراء أو سلامتهم لخطر حال[20]، فإن المشرع حدد المسطرة الواجب احترامها قبل الإقدام على تحرير محضر ضبط، وجعل التنبيه إلزامي في هذه الحالة، يقترن أساسا بتحديد العون المكلف بتفتيش الشغل لأجل لا يجوز بأي حال أن يقل عن أربعة أيام، ويحرر هذا الإنذار كتابة ويؤرخ ويمضى عليه ويشار فيه إلى ما تمت معاينته من مخالفات، كما يحدد فيه الأجل الذي لا يجب أن يقل عن أربعة أيام للعمل على تطبيق ما جاء فيه وتصحيح وضعية المقاولة إزاء تلك المخالفات.

أما بشأن الإخلال الذي يعرض الأجراء أو سلامتهم لخطر حال فإنه يتعين على العون المكلف بتفتيش الشغل تنبيه المشغل فورًا باتخاذ جميع التدابير اللازمة فورًا. وفي حالة كل رفض أو إهمال من جانب المشغل أو من يمثله للامتثال للأوامر الموجهة إليه في التنبيه، فإن العون المكلف بتفتيش الشغل يحرر محضراً يثبت فيه امتناع المشغل عن الامتثال لمضمون التنبيه، ويبقى لمفتش الشغل أن يوجه الأمر فورًا إلى رئيس المحكمة الابتدائية بصفته قاضياً للأمور المستعجلة، بمقتضى مقال مرفوق بالمحضر المشار إليه في المادة 542 من مدونة الشغل، ويبقى لرئيس المحكمة أن يأمر بكل التدابير التي يراها ملائمة لإيقاف الخطر الحال، وله أن يمنح المشغل أجلا لهذه الغاية، كما له أن يأمر بإغلاق المقاولة عند الاقتضاء مع تحديد مدته.

وبصفة عامة فإن توجيه الإنذار إلى المشغل المخل بقواعد قانون الشغل، هدفه حث المشغل المخل على تصحيح وضعية المقاولة، غير أنه إذا لم يلقى الإنذار الذي تم توجيهه أي استجابة لدى المشغل المخل، فإن للعون المكلف بتفتيش الشغل تحرير محضر بشأن تلك المخالفات.

 

 

3 - تحرير المحضر:

إن ضبط ارتكاب المشغل لمخالفة أحكام تشريع الشغل، يقتضي من عون تفتيش الشغل أن يحرر محضرا بشأنها؛ ماعدا تلك الحالات التي يتم فيها توجيه إنذار أو ملاحظات لأجل الانضباط إلى ما تم خرقه، حيث يتم تأجيل تحرير المحضر إلى ما بعد انقضاء الأجل، كما سبق التطرق إليه، ويتمثل الهدف من تحرير المحضر في تجميع عدد من المعطيات في وثيقة تخول للقضاء متابعة المخل بمقتضيات تشريع الشغل.

بالرجوع إلى مدونة الشغل نجدها لم تعط تعريفاً للمحضر غير أن هذا لا يمنع من الاستئناس بالتعريف الوارد في المادة 24 من ق.م.ج التي عرفت المحضر بأنه: "وثيقة مكتوبة يحررها ضابط الشرطة القضائية أثناء ممارسة مهامه ويضمنها ما عاينه وما تلقاه من تصريحات أو ما قام به من عمليات ترجع لاختصاصاته".

من خلال هذا المقتضى يمكن تعريف المحضر بأنه وثيقة مكتوبة يضمنها مفتش الشغل ما عاينه أثناء ممارسته مهامه من مخالفات لتشريع الشغل.

أما بخصوص شكل المحضر أو محتوياته فمدونة الشغل لم تحدد شكلاُ معيناُ، إلا أنه مع ذلك يستحسن أن يتضمن العناصر الواجب توافرها، والمحضر لابد أن يستجيب لعدد من الشكليات وهي شكليات تطابق تلك المتعلقة بمعايير منظمة العمل الدولية.

وبالرجوع إلى نماذج المحاضر التي وضعتها وزارة التشغيل[21]،، يلاحظ أن تحرير المحضر يجب أن يتوفر على ثلاثة عناصر أساسية:

الديباجة: ويشار فيها إلى المعلومات المتعلقة بهوية العون المكلف بتفتيش الشغل، والهوية الكاملة لمرتكب المخالفة (المشغل) أو عنوانه، مكان وساعة المعاينة.

نص المحضر: يتضمن عرض لمختلف الأفعال المادية التي تم ضبطها مع الإحالة إلى النصوص القانونية المطبقة بشأنها ، ثم جرد الوقائع مع الإشارة إلى أسماء الأجراء المرتكبة في حقهم المخالفة.

خاتمة المحضر: يتم فيها التذكير بعدد المخالفات المرتكبة، والعقوبات المطبقة، وإمضاء عون تفتيش الشغل، وخاتم الدائرة أو المندوبية، وتاريخ الختم.


خاتمة:

بعد أن تطرقنا، لصور الوظيفة الرقابية وآليات ممارستها، فإن جهاز تفتيش الشغل  لازال يعرف عدة معيقات تحد من فعالية تدخله، في القيام بدوره الرقابي على الوجه الأمثل، فبخصوص الزيارات التفتيشية التي ينجزها اطر جهاز تفتيش الشغل،إن ما يمكن ملاحظته هو عدد الزيارات المفروض على مفتش الشغل القيام بها شهرياً، وهو ما يشكل صعوبة أمامه خصوصا أمام اتساع الرقعة الترابية الخاضعة لدائرة التفتيش، خاصة بالمدن الصناعية الكبرى، وأمام قلة أعوان التفتيش، حيث أن عدد الأطر الموجودة حالياً بمصالح التفتيش قليل جدًا، كما أن هناك خصاصاً كبيرًا في الأطر الإدارية والتقنية والمتخصصة الكفيلة بتقديم الدعم والمساعدة لأعوان تفتيش الشغل فيما يتعلق بمجال الصحة والسلامة خاصة فئة المهندسين وأطباء مفتشي الشغل.

فتقرير هذا الحد الأدنى من الزيارات التفتيشية لمفتش الشغل، من شأنه أن يؤثر سلبًا على فعالية هذه الزيارات، حيث أن المعيار العددي يدفع أعوان تفتيش الشغل إلى القيام بزيارات سطحية، زيادة على قلة الإمكانيات وانعدام وسائل العمل الضرورية، كوسائل النقل، فأغلب مفتشي الشغل يعتمدون على وسائل نقلهم الخاصة إذا توفرت لديهم، مما يضطر معه مفتش الشغل إلى التغاضي عن القيام ببعض الزيارات التفتيشية على الرغم من أهميتها.

وعلى مستوى وسائل متابعة الدور الرقابي لمفتش الشغل، فإن حجية المحاضر التي يحررها مفتش الشغل تبقى نسبية، بحيث يمكن إثبات ما يخالفها بأية وسيلة قانونية طبقا للقواعد العامة للإثبات مما يعني أن المشغل الذي حرر ضده محضر بمخالفة الأحكام التشريعية والتنظيمية للشغل، يمكن أن يبطل تلك المحاضر، ولو بمجرد شهادة الشهود مثلا مما قد يعرض مفتش الشغل للمساءلة والمتابعة أمام القضاء. ينضاف إلى ذلك عدم  إحاطة جهاز تفتيش الشغل علما بمآل المتابعات بخصوص المحاضر التي يحررها، ويحيلها على النيابة العامة، وكذا بالأحكام الصادرة في حق المشغلين المخالفين، إذ أن إحاطة المفتش علما بمال محاضره من شأنه أن يشعره بأهمية دوره الرقابي المنوط به ويبرز فاعليته، ويحفزه على الاستمرار في العمل الجاد وهو مطمئن لوجود جهاز قضائي فعال لن يتوانى في متابعة المخالف لقانون الشغل، ولكن أمام غياب نص قانوني يلزم بإشعار مفتش الشغل بمصير محاضره يبقى هذا الأخير على غير علم بقرار قاضي الموضوع بشأن متابعة المخالف، ذلك أن صلة مفتش الشغل بالمحضر تنقطع عند إحالته، فلا يعلم بعد ذلك بمآله وما إذ تمت متابعة المشغل المخالف أم لا، وفي حالة المتابعة لا يعلم بمضمون الحكم، ولا يعلم سبب عدم المتابعة في حالة تحققها.

   أما على مستوى  تعدد وتنوع مهام مفتشي الشغل، فإن مهمة السهر على تطبيق قانون الشغل، ومراقبته، تعتبر الوظيفة الأساسية والتقليدية لجهاز مفتشية الشغل، غير أن ما يلاحظ أن هذا الجهاز أصبح يضطلع بعدد كبير ومتنوع من المهام والاختصاصات، الخارجة عن نطاق دوره الرقابي، فأصبح تدخله يكاد يكون شاملا لكل جوانب الحياة القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يمكن أن يؤثر سلبا على نجاعة دوره الرقابي، خاصة بعد أن كرست مدونة الشغل اختصاص هيئة تفتيش الشغل بالمصالحة في نزاعات الشغل الفردية والجماعية، بعد أن كان اختصاصا واقعياً.

                    الوظيفة الرقابية لمفتش الشغل

       مقدمة

أولا : نطاق رقابة مفتش الشغل :

1.    المقاولات الخاضعة لرقابة مفتشية الشغل :

2.    القطاعات الخاضعة لمراقبة خاصة :

أ- تفتيش الشغل بالقطاع المنجمي:

ب- تفتيش الشغل بقطاع الملاحة البحرية.

ثانيا: مجال الرقابة من حيث النصوص القانونية.

1.    مراقبة تطبيق الأحكام التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالشغل:

2.    مراقبة تطبيق مقتضيات اتفاقية الشغل الجماعية.

ثالثا : صور الوظيفة الرقابية:

1. الرقابة القانونية والتقنية :

أ- الرقابة القانونية :

                ب - الرقابة التقنية.

2.    الرقابة الإدارية :

رابعا : الآليات القانونية لممارسة الوظيفة الرقابية :

1.    زيارات التفتيش :

أ- الأساس القانوني لزيارات التفتيش:

ب- البحث والتحري داخل أماكن العمل.

2. توجيه الإنذارات .

       3. تحرير المحضر.

خاتمة :

 

 



[1]- Jean Pelissier, Alinsuporot, Antoine Jemmand-drot de travail, Dalloz 20éme édition 200 – p : 874.

[2]- محمد الكشبور، نظام التفتيش الشغل الواقع وآفاق المستقبل، الطبعة الأولى 1997، ص 35. 

[3]- المادة الاولى من مدونة الشغل ، قانون رقم 99-65 .

[4]- عبد العزيز العتيقي – محمد الشرقاني – محمد القوري اليوسفي، مدونة الشغل قانون رقم 99-65 مع تحليل لأهم المستجدات، طبع توزيع مكتبة سجلماسة مكناس، يناير 2004، ص:15.

[5]- عبد الكريم غالي، تقييم منهجي لمدونة الشغل، تقييم على ضوء المنهج النظامي، مقال منشور بمجلة REMALD العدد 66-67 يناير – ابريل 2006، ص : 155.

[6]- الاتفاقية رقم 81 المتعلقة بتفتيش العمل و التي صادق عليها المغرب في 14/03/1958 تبنها مدونة الشغل في المادة 530 إذ عهدت تفتيش الشغل لمفتشي ومراقبي الشغل والشؤون الاجتماعية ويراقبون مدى تطبيق القانون خارج و داخل المؤسسة الشغلية.

 

[7]- الحاج الكوري، القانون الاجتماعي المغربي، طبعة أولى سنة 1999، ص 7 وما بعدها.

[8]- محمد سعيد بناني، قانون الشغل بالمغرب في ضوء مدونة الشغل، علاقات الشغل الجماعية، الجزء الرابع المجلد الأول، مكتبة دار السلام، الطبعة الأولى 2011، ص: 410 وما بعدها.

[9]- محمد سعيد بناني، قانون الشغل بالمغرب في ضوء مدونة الشغل، علاقات الشغل الجماعية، الجزء الرابع المجلد الأول، مكتبة دار السلام، الطبعة الأولى 2011، ص:  459 وما بعدها.

 

[10]- محمد سعيد بناني، قانون الشغل بالمغرب في ضوء مدونة الشغل، علاقات الشغل الجماعية، اتفاقية الشغل الجماعية، الجزء الرابع المجلد الثاني، مكتبة دار السلام، الطبعة الاولى 2011، ص: 780 وما بعدها.

 

[11]- عبد العزيز العتيقي – محمد الشرقاني – محمد القوري اليوسفي، مدونة الشغل قانون رقم 99-65 مع تحليل لأهم المستجدات، مرجع سابق، ص:48 وما بعدها.

[12]- عبد اللطيف خالفي، حوادث الشغل والامراض المهنية، المطبعة والوراقة الوطنية مراكش، طبعة 2003، ص: 40-42.

[13]- وذلك ينطبق مع ما تنص عليه مقتضيات الاتفاقيتان الدوليتان رقم 81 و 129، عندما أسندتا إلى مفتش الشغل مراقبة التجهيزات والمواد والمنتجات وأساليب الإنتاج المستعملة، ومراقبة نظافة أماكن العمل.

[14]- عبد اللطيف خالفي، الوسيط في مدونة الشغل، الجزء الأول، علاقات الشغل الفردية، الطبعة الأولى 2004، ص: 134-135.

 

[15]-الحاج الكوري، رهانات تفعيل مدونة الغشل، مقال منشور بمجلة القانون المغربي، العدد 10، شتنبر 2006، ص:33.

 

[16]- دليل المنهجي لزيارات التفتيش، وزارة التشغيل والتكوين المهني .......

 

[17]- عبد اللطيف خالفي، الوسيط في مدونة الشغل، الجزء الأول علاقات الشغل الفردية، مرجع سابق، ص 73.

[18]- بلال العشري، المدخل لدراسة القانون الاجتماعي المغربي، بدون دار نشر، سنة 2006، ص: 57.

[19]- المادة 17 من الاتفاقية رقم 81 المتعلقة بتفتيش العمل في الصناعة والتجارة.

 

[20]- محمد سعيد بناني،قانون الشغل بالمغرب في ضوء مدونة الشغل، الجزء الاول، مطبعة النجاح الجديد، الطبعة الاولى 2005، ص: 167.

 

[21]- دليل المنهجي لزيارات التفتيش، وزارة التشغيل والتكوين المهني .......

 

بقلم ذ محمد طارق
أستاذ بكلية الحقوق المحمدية
 


أعلى الصفحة