//

 
القانون التجاري

بقلم ذ عبد القادر بنعدو
قاض بالمحكمة التجارية بفاس
تحت عدد: 370
مقدمة : بعد رقوده لأكثر من ثمان سنوات تحت قبة البرلمان ، تم الإفراج عن ق 16 – 49

المتعلق بكراء العقارات أو المحلات المخصصة للإستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي ، وذلك بعد سنوات من الدراسة والنقاش وأخد ورد بين الجهات المعنية بالتشريع، حيث إن أول من تقدم بمقترح القانون المذكور هو الفريق الإشتراكي الذي حدد أهداف المتوخاة من مقترحه في إعادة النظر في كثير من المفاهيم بخصوص الكراء التجاري وتبسيط المسطرة وتجاوز التعقيد ، وتكريس بعض القواعد التي كرسها الإجتهاد القضائي .

وقت تمت إحالة المقترح بداية على لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بتاريخ 19 / 01 / 2008 وتمت المصادقة عليه بمجلس النواب بالإجماع بتاريخ 20 / 04 / 2010 بعد تعديل مجموعة من المواد ، لتتم إحالته بعد ذلك إلى نظر مجلس المستشارين بتاريخ 21 / 04 / 2010 ، حيث تم تنظيم يوم دراسي حول موضوع مقترح القانون مدى إمكانية خضوع محلات المراكز التجارية لمقتضيات هذا القانون ، وتم عقد لقاءات مع السادة المسؤولين القضائيين بالمحاكم التجارية حول النص المقترح و، وتكوين لجان مشتركة مع كل من وزارة التجارة والصناعة والإقتصاد الرقمي ومجلس المستشارين والأمانة العام للحكومة لتدارس مقتضياته .

وقد جاء القانون الجديد ليخلصنا من الكوارث التي خلفها تطبيق ظهير 1955 خاصة فيما يتعلق بتضارب الإجتهادات بين مختلف محاكم المملكة ، هذا القانون الذي ما فتئ أن نعت في أكثر من مناسبة بالقانون الذي لا تنقضي عجائبه نظرا للإشكالات الكثيرة التي كان يفرزها بين الفينة والأخرى عند تطبيقه .

 

أهداف القانون الجديد :

1 – إيجاد حلول للإشكاليات التي كان يطرحها تطبيق ظهير 24 ماي 1955 .

2 – تجاوز الصياغة المعيبة لنص ظهير 1955 واعتماد صيغة مبسطة وواضحة لإزالة اللبس على بعض المفاهيم من قبل ( الملاكين ، الحاكم .....) .

3 – تحقيق الإنسجام مع بعض النصوص القانونية الأخرى .

4 – تجاوز المبالغة والإغراق في الشكليات التي كان يطرحها ظهير 1955 والتي كانت تؤدي إلى ضياع الكثير من حقوق المكترين ( لا سيما المتعلقة بالإنذار وشكلياته ، والآجال المرتبطة بممارسة دعوى الصلح ، ودعوى المناعة في أساب الإنذار ... ) .

5 – إيجاد نوع من التوازن في العلاقة بين المكري والمكتري من خلال تحقيق الاستقرار وحماية الملكية العقارية .

6 – تحقيق الأمن القانون والقضائي ( تجاوز التضارب في توجهات المحاكم )  .

7 – تكريس بعض الإجتهادات القضائية التي أفرزها تطبيق ظهير 1955 .

*النقطة الأولى : مستجدات فيما يتعلق بشروط تطبيق ق 16 – 49 :

لقد ورد في الباب الأولى من هذا القانون بعنوان شروط التطبيق ، وهي ثلاثة شروط يؤدي إلى تخلف أحدها عدم سريان مقتضيات هذا القانون وهي :

1-الشرط المتعلق بمجال التطبيق : الملاحظ هو أن المشرع من خلال القانون الجديد حاول تدارك الصيغة المعيبة الواردة في النسخة العربية من ظهير 1955 التي لم تكن تشترط التمتع بالحماية الكرائية إلا ممارسة الأعمال التجارية المنصوص عليها بمقتضى المادة 6 من مدونة التجارة ، بخلاف الصيغة الفرنسية التي اشترطت استغلال أصل تجاري بالمحل أو العقار كمعيار لتطبيق القانون ( وهو ما ورد في البنذ الأول من المادة 1 من ق 16 – 49 ) .

-أول ما يمكن ملاحظته أيضا هو التفرقة التي وردت في ق 16 – 49  بخصوص مجال التطبيق بين أولا وثانيا الواردة بالمادة الأولى ( لاحظ أن العقار أو المحلات المكتراة التي يسري عليها القانون والواردة في ثانيا هي كلها أماكن قد تمارس فيها أنشطة غير تجارية ولا تدخل  ضمن نطاق التطبيق لذلك ألحقها المشرع بنطاق تطبيق القانون لكونها تمارس فيها في الأصل أعمال إنسانية لا تستهدف تحقيق الربح ) .

-التنصيص على كون القانون يسري على كراء العقارات أو المحلات التي تمارس فيها مؤسسات التعليم الخصوصي نشاطها : وقد سبق لمحكمة النقض وقد كرست هذا التوجه من خلال قرارها عدد 515 الصادر بتاريخ 20 / 2 / 2001 والذي اعتبر أن الكتائب القرآنية تخظع لمقتضيات ظهير 1955 .

- التنصيص على كون العقارات او المحلات التي تمارس فيها التعاونيات نشاطا تجاريا( وينبغي الرجوع للقانون المنظم للتعاونيات لمعرفية مفهومها والمقصود بالتعاونية).

-عقود كراء العقارات أو المحلات التي تمارس فيها المصحات و المؤسسات المماثلة لها نشاطها: ورد ذلك ذلك في القانون رقم 13 – 131 المتعلق بمزاولة مهنة الطب وخاصة المادة 59 منه التي عرفت المصحات بأنها سواء كان الغرض منها تحقيق الربح أم لا : كل مؤسسة صحية خاصة تهدف إلى تقديم خدمات التشخيص والعلاج للمرضى والجرحى والنساء الحوامل أو بالمخاض في إطار الإستشفاء طوال المدة التي تستدعيها حالتهم الصحية أو تقوم بتقديم خدمات تتعلق بإعادة تأهيليهم .....أما المؤسسات المماثلة فهي باقي المراكز الخاصة للإستشفاء ذات التخصصات المختلفة كمراكز تصفية الدم والعلاج الإشعاعي ... وغيرها .

-عقود كراء العقارات أو المحلات التي يمارس فيها النشاط الصيدلي والمختبرات الخاصة للتحاليل البيولوجية الطبية وعيادات الفحص بالأشعة : ورد نص صريح في القانون المنظم لمهنة الأدوية والصيدلة رقم 04 – 17 بتاريخ 22 نونبر 2006 وهي المادة 61 التي جاء فيها " يخضع كراء المحلات التي تقام بها الصيدليات لأحكام ظهير 24 ماي 1955 وهو القانون الجديد ، ولكن ينبغي البحث عما يسمى بالصيدلية  وخاصة المادة 55 التي حددت أماكن مزاولة مهنة الصيدلة في الصيدليات ومخزونات الأدوية : إذن حتى أماكن تخزين الأدوية تخضع لمقتضيات ق 16-49 .

لاحظ أن الفقرة الأخيرة من المادة 61 من مدونة الأدوية والصيدلة استثنت من شرط المدة ( أي سنتين ) لسريان القانون فبمجرد الصيدلة تخضع لهذا القانون ولا حاجة لإنتظار مرور أجل السنتين .

-التمييز في القانون الجديد بين الملك الخاص للدولة ( المنظم بمقتضى ظهير 1916 ) والملك العام للدولة ( المنظم بمقتضى ظهير 1914 ) وأصبح يسري القانون الجديد فقط على عقود كراء العقارات أو المحلات التي تدخل في نطاق الملك الخاص للدولة وأصبح الملك العام والملك الخاص المرصود لمنفعة عامة مستثنى من تطبيق القانون الجديد .

في حين احتفظت باقي المجالات الأخرى بالحماية القانونية للنص الجديد مع إدخال بعض التعديلات خاصة فيما يتعلق بملحقات المحل التجاري : أصبح حق الإفراغ مقصور على الجزء المتعلق بالسكن .

-       -استثناء المراكز التجارية الكبرى من نطاق تطبيق القانون ( الفقرة 5 من المادة 2 ) : لإفتقاد المحلات الموجدة بهذه المراكز لزبناء خاصين بها وتسيير مستقل عن المركز ككل .

وقد كان الإجتهاد القضائي سباقا إلى الأخد بهذه النظرية لا سيما بالنسبة للفنادق ، إذ اعتبرت المحكمة التجارية بالرباط ( حكم رقم 1603 بتاريخ 6 / 2 / 2001 ملف رقم 4 / 2001 / 677 منشور بسلسلة القانون والممارسة عدد 2 سنة 2004 ص 131 ) " إنه لما كان المحل يوجد داخل فندق ، فإنه يعتبر تابعا للأصل التجاري لهذا الفندق ، وتبعا لذلك ليمكن اعتباره محلا للتجارة بالمفهوم المنصوص عليه في ظهير 24 ماي 1955 وبالتالي فإن المدعى عليه ليمكنه أن يستفيذ من هذ الظهير " .

واعتبرت محكمة الإستئناف بالدار البيضاء في قرارها الصادر بتاريخ 20 / 3 / 1984 ، منشور بالمجلة المغربية للقانون العدد 85 / 2 الصفحة  " 131 أن واجهة زجاجية مكراة لعرض منتوج داخل بهو فندق ليست محلا تجاريا ولا محلا تابعا للأصل التجاري "  .

وقرار آخر لنفس المحكمة اعتبر أن المحل المكرى الموجود داخل فندق لا يمكن اعتباره محلا معدا للتجارة بمفهوم الظهير ( قرار عدد 2073 بتاريخ 24 / 12 / 1985 منشور بمجلة القضاء والقانون العدد 138 ص 312 ) .

-       وكذلك الشأن بالنسبة للمراكز التجارية ذات المساحات الكبرى ، وكذا بعض المرافق العمومية التي يوجد بها نشاط تجاري كالمطارات ومحطات السكك الحديدية والطرقية والمركبات السياحية والرياضية والأندية الترفيهية ، إذ اعتبر حكم ابتدائية مراكش أن مكتري فضاء داخل قرية سياحية لا يعتبر مالكا للأصل التجاري لإفتقاره لعنصر زبناء ذاتيين يرتبطون بالخدمات التي يقدمها ( حكم 27 / 7 / 1998 عدد 98 / 47 منشور بمجلة المحامي العدد 34 ص 175 ) .

2-الشرط المتعلق بالكتابة : أصبحت الكتابة مفروضة بمقتضى القانون الجديد تحت طائلة عدم خضوع النزاعات المتعلقة بالأكرية لهذا القانون بل لقانون الالتزامات والعقود : قارن بين المادة 3 والفقرة الأولى من المادة 37 وكذا الفقرة ما قبل الأخيرة من نفس المادة ( هناك تناقض ) .

3- الشرط المتعلق بالمدة : المادة 4 : يستفيذ المكتري من تجديد العقد متى أثبت انتفاعه بالمحل بصفة مستمرة لمدة سنتين على الأقل .

هناك استثناءين فقط : - من قدم مبلغا ماليا مقابل الحق في الكراء ويجب توثيق المبلغ كتابة

-بمجرد فتح الصيدلية تخضع لمقتضيات القانون : الفقرة الأخيرة من المادة 61 من مدونة الأدوية والصيدلة .

إذن مرور سنتين من تاريخ الإنتفاع وليس من تاريخ إبرام عقد الكراء .

*النقطة الثانية : مستجدات فيما يتعلق بتحديد الوجيبة الكرائية ومعيار تحديد التعويض وحالات الإعفاء من التعويض :

1-فيما يتعلق بالوجيبة الكرائية : اعتماد مبدأ الرضائية العقدية بخصوص تحديد الوجيبة الكرائية وكافة التحملات .

واعتبار السكوت عن ذلك من مشولات الوجيبة الكرائية : نحن نعلم أن العمل القضائي اعتبر أن المكتري هو الذي يتحمل ضريبة النظافة شريطة أن يدلي المكري للمحكمة بما يثبث أدائها نيابة عنه ، أما في ضل القانون الجديد إذا لم يتحملها المكتري بمقتضى العقد فهي من مشولات الوجيبة الكرائية ، بالإضافة إلى باقي التحملات الأخرى بما في ذلك ضريبة رسم الخدمات الجماعية وواجبات السنديك .... إلى غير ذلك ؟

= لاحظ أن المادة 5 ورد فيها خطأ إذ تم إقحام القانون المتعلق بمراجعة أثمان كراء المحلات المعدة للسكنى أو الإستعمال المهني رغم أن المادة 75 من ق المتعلق بتنظيم العلاقة التعاقدية بخصوصو المحلات المعدة للسكنى والإستعمال المهني نسختها ( قانون صادر بتاريخ 30 نونبر 2013 ) .

-المحاكم ذهبت على اعتبار أن السبب المبني على الزيادة في السومة الكرائية ليس سببا موجبا للإفراغ ، ما دام أن المكري لم يسلك مسطرة الزيادة في السومة الكرائية التي هي من اختصاص المحاكم الإبتدائية ) .

2-فيما يتعلق بمعايير تحديد التعويض : المغالات في تحديد التعويض والتي كانت تخضع لسلطة الخبراء والذين كانوا يضمنون تقاريرهم ما شاءو من مبالغ التعويض ، الآن أصبحت معايير تحديد التعويض واضحة استنادا على التصريحات الضريبية لأربع سنوات الأخيرة ، وما أنفقه المكتري من تحسينات وإصلاحات وما فقده من عناصر الأصل التجاري ومصاريف الإنتقال من المحل ( لكن الملاحظ أنه دائما تبقى المحاكم في حاجة إلى اللجوء إلى خبرة ). ، لا يمكن أن يقل التعويض عن مقابل الحق في الكراء .

=الإشكال الذي سوف يطرح هو غياب هذه التصريحات الضريبة أو أن المكتري ضل بالمحل لمدة لم تتجاوز بعد أربع سنوات والنص يشير إلى ضرورة الإدلاء بالتصريحات الضريبية للأربع سنوات الأخيرة : إذن ما العمل ؟ .

3-فيما يتعلق بحالات الإعفاء من التعويض : أصبحت حالات الإعفاء واضحة وهي سبع حالات ، مع اعتبار أن التماطل في أداء الكراء الموجب للإفراغ هو 3 أشهر على الأقل.

الحالة التي سوف تطرح نقاشا أمام المحاكم هي حالة اندثار الأصل التجاري بسبب الإغلاق : لكن الإغلاق كما يمكن أن يكون اختياريا قد يكون جبريا عن طريق الإدارة ، نعتقد أن النص جاء على إطلاقه ولا يستحق المكتري أي تعويض سواء كان الإغلاق اختياريا أو جبريا .

=يجب الإشارة إلى نقطة جد هامة هي المتعلقة التي كانت تسير فيها محكمة النقض رغم أنها لم تكن صائبة فيها ، وهي إذا ثبت للمحكمة أن السبب غير صحيح كانت تدهب إلى التعويض الكامل وهذا فيه إضرار كبير للمكري الذي ضمن إنذاره سببا كان يعتقد في نضره أنه صحيح في حين تبين للمحكمة أنه ليس صحيحا ، فلا يمكن أن نحمله ما لا يطاق وهو التعويض الكامل ، الآن أصبحت المحاكم ملزمة برفض الطلب إذا تبين لها أن السبب غير صحيح .

-مستجد متعلق باعتماد الرسمية في تفويت الحق في الكراء ( بمحرر رسمي أو عرفي المادة 25).

- مستجد متعلق بضرورة إيداع التعويض داخل أجل 3 أشهر من صيرورة الحكم نافذا احت طائلة اعتبار المكري متنازلا عن التنفيذ .

- مستجد متعلق بضرورة إشعار الدائنين المقيدين أو الإداء بشهادة من كتابة الضبط تثبت خلو الأصل التجاري من أي تقييدات .

- التنصيص بصفة صريحة على أن الإختصاص يرجع للمحاكم التجارة ( المادة 35 )

-التنصيص على أن الإنذارات والإشعارات وغيرها من الإجراءات المنجز في إطار هذا القانون تتم بواسطة مفوض قضائي أو طبق إجراءات ق م م ( المادة 34 ) .

التنصيص على أن القانون يسري بمجرد دخوله حيز التطبيق على عقود الكراء الجارية وعلى  القضايا الغير الجاهزة  للبث فيها : وتبقى القضايا الجاهزة خاضعة لظهير 1955 .

-الاعتداد برخصة البناء طيلة سريان المسطرة ( المادة 18 ) .

-التنصيص على أن تولية الكراء ( الكراء من الباطن ) جائز في ضل القانون الجديد ما لم يوجد شرط في العقد بخلاف ظهير 1955 الملغى .

-التنصيص على إن إفراغ المحل الملحق لا يقتصر إلا على الجزء المخصص للسكن دون المحل التجاري ولو كان هناك احتياج شخصي للسكن فيه .

 

خاتمة :

يمكن القول إن المشرع حرص من خلال القانون رقم 16 – 49 على أن يتم تنظيم العلاقة القائمة بين المكري والمكتري بخصوص العقارات والمحلات المخصصة للإستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي بصورة تضمن الحماية والتوازن في المصالح والمراكز القانونية لجميع الأطراف المعنية ، وتتجاوز عيوب النص المنسوخ ، وتجيب على الإشكاليات العملية المطروحة على القضاء .

ومع ذلك ومهما كانت المقاربة التشاركية التي اعتمادها في صياغة هذا النص القانوني واسعة ، إذ عكست انفتاحا كبيرا على كل الفاعلين والمتدخلين في مادة الكراء التجاري والصناعي والحرفي ، ومهما سما التشريع في تنظيم كل الجوانب المرتبطة بموضوع ما ، فإن المحك الحقيقي للقاعدة القانونية هو تنزيلها على أرض الواقع التنزيل الأمثل من خلال التطبيق الحسن ، والإجتهاد الصائب في سد تغراتها ، واستكمال أوجه الفراغ أو النقص فيها .  

 

بقلم ذ عبد القادر بنعدو
قاض بالمحكمة التجارية بفاس
 


أعلى الصفحة