القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ عبد العزيز فجال
باحث في العلوم القانونية
تحت عدد: 416
قراءة دستورية وقانونية في الفصل 47

من الدستور المغربي(1)

 تقديم:

كثر القيل والقال وكثرة السجال بين أهل السياسة ورجال القانون، و"كتبة"(2) بعض الأحزاب حول البدائل الممكنة والسيناريوهات المحتملة لتشكيل الحكومة، بعد فشل رئيس الحكومة المعين بموجب الظهير رقم 1.16.160 الصادر في 17 أكتوبر 2016 بتعيين السيد عبد الإله ابن كيران رئيسا للحكومة، تفعيلا لأحكام الفصل 47 من الظهير الشريف رقم 1.11.91 صادر في 27 من شعبان 1432 (29 يوليو 2011) بتنفيذ نص الدستور.

 

وذهب فريق منهم، إلى القول بضرورة الرجوع إلى صناديق الاقتراع(3) وفق ما تقتضيه "المنهجية الديمقراطية"، في حين رآى آخرون أن "التأويل الديمقراطي" للدستور يستدعي تكليف الحزب الذي احتل المرتبة الثانية بتشكيل الحكومة(4)، بينما ذهب فريق ثالث(5) إلى القول بإمكانية تشكيل حكومة ائتلاف وطني لتفادي الانسداد الذي يعرفه المشهد السياسي المغربي.

والواقع، أن كل هاته السيناريوهات والبدائل تبدو جائزة وممكنة، وتنطوي على بعض الحقيقة. لكنها، مع ذلك، تعاكس فحوى النص الدستوري وتتناقض مع المبادئ العامة الموجهة للوثيقة الدستورية باعتبارها أسمى وثيقة في الهرم القانوني للدولة.

فالسيناريوهات والبدائل المطروحة، هي في واقع الأمر، "مطالب" ضمنية للهيئات الحزبية قصد مراجعة أحكام الفصل 47 من الدستور. لكنها، عن غير قصد، لم تأخذ بعين الاعتبار تجاوزها الصريح للاختصاصات الحصرية والرمزية المحفوظة للملك، فضلا عن خروجها عن الثوابت والمرتكزات المنصوص عليها في الفصل الأول، من الباب الأول للدستور، الذي يؤكد أن "نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية، يقوم على أساس الديمقراطية المواطنة والتشاركية"، وتستند الأمة في حياتها العامة على ثوابت جامعة، لا محيد عنها، تتمثل في الدين الإسلامي السمح، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية، والاختيار الديمقراطي الذي يسهر على صيانته الملك، وفق مضمون الفصل 42 من الدستور، باعتباره رئيسا الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، والساهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية.

 

فالتجربة المغربية، تختلف كليا عن التجارب الدستورية العربية والملكيات الغربية التي يريد البعض محاولة فرضها وإلصاقها عنوة بالنموذج المغربي القائم على "الإصلاح في ظل الاستمرارية"، والتي تكرس "قدسية الثوابت، التي هي محط إجماع وطني، وهي الإسلام كدين للدولة، الضامنة لحرية ممارسة الشعائر الدينية، وإمارة المؤمنين، والنظام الملكي، والوحدة الوطنية والترابية، والخيار الديمقراطي، الضمان القوي، والأساس المتين، لتوافق تاريخي، يشكل ميثاقا جديدا بين العرش والشعب"(6).

لذلك، تبقى هذه السجالات مجرد تأويلات تبريرية لمصالح حزبية ضيقة، تنأى عن الفهم والإدراك السليم لمضامين الوثيقة الدستورية، وتتجاوز أحيانا تبريراتها بتغليفها بمزاعم المصلحة العليا للوطن والحفاظ على استقرار الدولة في تناقض صريح مع الوظائف المسندة للأحزاب السياسية بموجب الفصل السابع من الدستور. وهو ما حذر منه الخطاب الملكي الموجه إلى الأمة بمناسبة الذكرى 17 لعيد العرش يوم الأربعاء 27 مارس 2013، " أقول للجميع أغلبية ومعارضة: كفى من الركوب على الوطن، لتصفية حسابات شخصية، أو لتحقيق أغراض حزبية ضيقة".

1.                السياق العام لمنطوق الفصل 47 في الوثيقة الدستورية.

 

قبليا، لا بد من التأكيد أن الفهم السليم والصحيح للفصل 47 من الدستور لن يتأتى إلا بوضعه في السياق العام للوثيقة الدستورية، باعتبار أن مضامين فصول الدستور ترتبط وتكمل بعضها البعض، في تناسق وانسجام مع هوية وخصوصية نظام الحكم في المغرب؛ وكذا من خلال الإحالات الصريحة والضمنية التي تتضمنها بعض أحكامه في تناسق وانسجام مع الثوابت والمرتكزات والخلفيات التي حكمت منهجية وضع وصياغة الدستور.

 ومن هذا المنطلق، فإن الفصل 47 من الدستور، بالرغم من تنصيصه على تعيين الملك لرئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر نتائج انتخابات أعضاء مجلس النواب، خلافا لما كان عليه الأمر في دستور 1996، يظل نصا مقيدا بفصول أخرى، تندرج ضمن الثوابت والمرتكزات التي تؤطر الهندسة الدستورية المغربية، حيث يمكن التأكيد، بما لا يدع مجالا للشك، أن المشرع المغربي تعمد ترك فراغات دستورية في ثنايا هذا الفصل (7)  حتى تنسجم مع طبيعة النسق الدستوري المغربي، حيث الملك يسود ويحكم، وأيضا لتتماهى مع أحكام الفصل الأول "نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية"، والفصل 43 الذي يكمل منطوق الفصل الأول، وكذا الفصول من 41 إلى 59 من الباب الثالث المتعلق بالملكية، والفصول من 95 إلى 106 من الباب السادس المتعلق بالعلاقات بين السلط، لا سيما العلاقة بين الملك والسلطة التشريعية.

 

ومن أجل توضيح سياق المقاربة الدستورية والقانونية التي اعتمدناها في تأويل منطوق الفصل 47 من الدستور، سنحاول توضيح عمق ارتباط المتن الدستوري بالثوابت والمرتكزات التي تؤطر نظام الحكم بالمغرب، وفق بناء هندسي يكرس رمزية وهيمنة المؤسسة الملكية على باقي السلطات، كما نروم من خلال تأويلنا التقيد بالنص الدستوري، والنأي عن الاعتبارات السياسية والحزبية الضيقة التي أطرت مجمل النقاشات والسجالات.

 

الثابت الأول: مقومات الدين الإسلامي.

المملكة المغربية، وفق ما تم التنصيص عليه في ديباجة الدستور، هي دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم مقومات هويتها الوطنية، التي تتميز بتبوئ الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها، وذلك في ظل تشبث الشعب المغربي بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية.

 

وفي ذات المنحى، ينص الفصل الأول من الدستور على أن "الأمة تستند في حياتها العامة على ثوابت جامعة، تتمثل في الدين الإسلامي السمح، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية، والاختيار الديمقراطي". كما أن مضمون الفصل الثالث من الدستور يقرر بأن "الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية".

 

وكان من الطبيعي، أن يجسد المشرع هذه القناعة في رصيد المملكة الدستوري من خلال الفقرة الثانية من الفصل الرابع التي تنص على أن شعار المملكة هو "الله، الوطن، الملك"

 

وضمن نفس السياق، منع الدستور المغربي، في فقرته الرابعة من الفصل السابع، تأسيس الأحزاب السياسية، باعتبارها هيئات تسعى للمشاركة في ممارسة السلطة على أساس التعددية والتناوب وفي نطاق المؤسسات الدستورية، على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي. كما أن الفقرة الخامسة، من نفس الفصل، تنص على أنه لا يجوز أن يكون هدف الأحزاب السياسية المساس بالدين الإسلامي، أو بالنظام الملكي، أو بالمبادئ الدستورية، أو بالأسس الديمقراطية، أو بالوحدة الوطنية أو الترابية للمملكة.

 

واعتبارا لمكانة الملك الدينية في النظام الدستوري المغربي، فقد نص الفصل 41 من الدستور على أن الملك، هو أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية. ويرأس المجلس العلمي الأعلى، الذي يتولى دراسة القضايا التي يعرضها عليه.  ويعتبر المجلس الجهة الوحيدة المؤهلة لإصدار الفتاوى المعتمدة رسميا، استنادا إلى مبادئ وأحكام الدين الإسلامي الحنيف، ومقاصده السمحة. ويمارس الملك الصلاحيات الدينية المتعلقة بإمارة المؤمنين، والمخولة له حصريا، بواسطة ظهائر لا توقع بالعطف من طرف رئيس الحكومة.

 

وبالرغم من التنصيص المطلق، في الفصل 25 من الدستور، على أن حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها؛ فإن الفصل 64 من الدستور، يقر بمتابعة أي عضو من أعضاء البرلمان، إذا كان الرأي المعبر عنه يجادل في النظام الملكي أو الدين الإسلامي، أو يتضمن ما يخل بالاحترام الواجب للملك.

 

وعليه، ومن أجل تأكيد الترابط والانسجام بين مختلف فصول وأبواب الوثيقة الدستورية، فقد نص المشرع الدستوري صراحة، في الفصل 175، على أن الأحكام المتعلقة بالدين الإسلامي، وبالنظام الملكي للدولة، وباختيارها الديمقراطي، وبالمكتسبات في مجال الحريات والحقوق الأساسية لا يمكن أن تتناول المراجعة.

 

الثابت الثاني: النظام الملكي.

نص الفصل الأول من الدستور على أن "نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية"، كما حدد الفصل 43 نمط الحكم في المغرب، باعتباره نظاما ملكيا وراثيا، حيث ينتقل عرش المغرب وحقوقه الدستورية بالوراثة، ما عدا إذا عين الملك قيد حياته خلفا له ولدا آخر من أبنائه غير الولد الأكبر سنا.

 

ويمنح الدستور المغربي للملك سلطات وصلاحيات واسعة، نابعة من شرعيته الدينية ورمزيته التاريخية، تتجاوز أحيانا المنطوق الدستوري، ويحتل دورا محوريا وفاعلا في الدستور المغربي؛ فشخص الملك لا تنتهك حرمته، وله واجب التوقير والاحترام بمقتضى الفصل 46، كما يتوفر على قائمة مدنية بموجب الفصل 45. والملك، طبقا لأحكام الفصل 42 من الدستور، هو رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، والساهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة. وهو ضامن استقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة. ويمارس الملك هذه الصلاحيات، بمقتضى ظهائر، من خلال السلطات المخولة له صراحة بنص الدستور.

 

وباعتباره رئيسا للدولة، فإن الملك له صلاحية تعيين رئيس الحكومة، وفق أحكام الفصل 47، من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. كما يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. ويمكنه، بمبادرة منه، بعد استشارة رئيس الحكومة، أن يعفي عضوا أو أكثر من أعضاء الحكومة من مهامهم. ويرأس المجلس الوزاري، بمقتضى الفصل 48، الذي يتداول في كل القضايا والتوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة؛ وله سلطة التعيين بموجب ظهير في المناصب السامية بالمؤسسات والمقاولات العمومية الاستراتيجية، المشار إليها في الملحق رقم 1(أ) والملحق رقم 1 (ب) من القانون التنظيمي رقم 12-02 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا، تطبيقا لأحكام الفصلين 49 و92 من الدستور، وله حق اتخاذ قرار إشهار الحرب، بموجب الفصل 99، بعد إحاطة البرلمان علما بذلك.

 

ويصدر الملك الأمر بتنفيذ القانون، بمقتضى الفصل 50، خلال الثلاثين يوما التالية لإحالته إلى الحكومة بعد تمام الموافقة عليه. ويمكنه تطبيقا للفصل 95، أن يطلب من كلا مجلسي البرلمان أن يقرأ قراءة جديدة كل مشروع أو مقترح قانون. وتُطلب القراءة الجديدة بخطاب، ولا يمكن أن ترفض هذه القراءة الجديدة.

 

 وضمن نفس السياق، ينص الفصل 52، على أن الملك يمكن أن يوجه خطابا إلى الأمة والبرلمان، ويتلى خطابه أمام كلا المجلسين، ولا يمكن أن يكون مضمونه موضوع أي نقاش داخلهما. كما يتوفر الملك، أيضا، على سلطة حل مجلسي البرلمان أو أحدهما بظهير، بمقتضى الفصل 51 من الدستور.

 

ويمكن للملك، أيضا، بناء على أحكام الفصل 96، أن يحل بظهير المجلسين معا أو أحدهما، بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية وإخبار رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، ويقع الحل بعد خطاب يوجهه الملك إلى الأمة. وله صلاحية الإعلان حالة الاستثناء بظهير، بموجب الفصل 59 من الدستور، إذا كانت حوزة التراب الوطني مهددة، أو وقع من الأحداث ما يعرقل السير العادي للمؤسسات الدستورية، وذلك بعد استشارة كل من رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، ورئيس المحكمة الدستورية، وتوجيه خطاب إلى الأمة. ويُخول الملك بذلك صلاحية اتخاذ الإجراءات، التي يفرضها الدفاع عن الوحدة الترابية، ويقتضيها الرجوع، في أقرب الآجال، إلى السير العادي للمؤسسات الدستورية.

 

وبموجب الفصل 53، يعتبر الملك هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية. وله حق التعيين في الوظائف العسكرية، كما له أن يفوض لغيره ممارسة هذا الحق. ويرأس المجلس الأعلى للأمن بمقتضى الفصل 54 من الدستور. ويعتمد، بناء على أحكام الفصل 55، السفراء لدى الدول الأجنبية والمنظمات الدولية، ولديه يُعتمد السفراء، وممثلو المنظمات الدولية. ويوقع الملك على المعاهدات ويصادق عليها.

 

وفي مجال السلطة القضائية، يعتبر الملك الضامن لاستقلال السلطة القضائية بموجب الفصل 107 من الدستور، ويوافق الملك بظهير على تعيين القضاة من قبل المجلس الأعلى للسلطة القضائية طبقا لمضمون الفصل 57، وتصدر الأحكام وتنفذ باسم الملك وفق أحكام الفصل 124، ويرأس الملك المجلس الأعلى للسلطة القضائية طبقا للفصل 56، ويعين خمس شخصيات في هذا المجلس بموجب الفصل 115، ويمارس الملك حق العفو بمقتضى الفصل 58، ويعين الملك ستة أعضاء من بين 12 عضوا من المحكمة الدستورية، كما يعين رئيس المحكمة الدستورية من بين الأعضاء الذين تتألف منهم بموجب الفصل 130، ويمكن للملك، أن يحيل القوانين أو الاتفاقيات الدولية، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، أو قبل المصادقة عليها، إلى المحكمة الدستورية، لتبت في مطابقتها للدستور بموجب الفصل 132.

 

وفيما يخص مراجعة الدستور، فيمكن للملك، بموجب أحكام الفصل 173، حق اتخاذ المبادرة قصد مراجعة الدستور. وللملك أن يعرض مباشرة على الاستفتاء، المشروع الذي اتخذ المبادرة بشأنه. وتُعرض مشاريع ومقترحات مراجعة الدستور، بمقتضى ظهير على الشعب قصد الاستفتاء. وتكون المراجعة نهائية بعد إقرارها بالاستفتاء، كما يمكن للملك، بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية، أن يعرض بظهير، على البرلمان، مشروع مراجعة بعض مقتضيات الدستور، طبقا للفصل 174.

 

وعموما، لا يمكن أن تتناول المراجعة، حسب منطوق الفصل 175 من الدستور، "الأحكام المتعلقة بالدين الإسلامي، وبالنظام الملكي للدولة، وباختيارها الديمقراطي، وبالمكتسبات في مجال الحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور". 

 

وخلاصة القول، فإن الدستور المغربي يمنح الملك اختصاصات وسلطات استثنائية تتناسب مع المرجعية الدينية والتاريخية التي تكرس سمو الملكية في علاقاتها مع المؤسسات الأخرى، حيث أن الملك لا يخضع لمبدأ فصل السلط، وسلطته تعلو فوق جميع السلط، كما أن التعليميات والتوجيهات المتضمنة في الخطب الملكية تعتبر أوامر ملزمة لجميع السلطات، ولا تخضع لأي نقاش أو رد.

 

الثابت الثالث: الاختيار الديمقراطي.

نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية، وفق ما تم التنصيص عليه في الفصل الأول من الدستور، وهو خيار لا رجعة فيه، وفق ما جاء في ديباجة الدستور، من أجل بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، وترتكز على المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة، وإرساء دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ومقومات العيش الكريم، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة.  والجميع، أشخاصا ذاتيين واعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له، كما تعتبر دستورية القواعد القانونية، وتراتبيتها، ووجوب نشرها، مبادئ ملزمة، بموجب الفصل السادس من الدستور.

 

وخصص الدستور، الباب الثاني، في الفصول من 19 إلى 40 للتنصيص على الحريات والحقوق الأساسية التي لا يجوز المس بها، خاصة المجالات المتعلقة بتكريس مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء (الفصل 19)، الحق في الحياة (الفصل 20)، الحق في سلامة شخص الإنسان وأقربائه، وحماية ممتلكاته (الفصل 21)، عدم المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية واعتبار التعذيب بكافة أشكاله، جريمة يعاقب عليها القانون (الفصل 22)، تكريس قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة، منع الاعتقال التعسفي أو السري والاختفاء القسري والتحريض على العنصرية أو الكراهية أو العنف وجريمة الإبادة (الفصل 23)، الحق في حماية الحياة الخاصة لكل شخص، وحرمة منزله، وسرية الاتصالات الشخصية وحرية التنقل (الفصل 24)، حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها (الفصل 25)، دعم السلطات العمومية لمجالات تنمية الإبداع الثقافي والفني، والبحث العلمي والتقني والنهوض بالرياضة (الفصل 26)، حق الحصول على المعلومات (الفصل 27)، ضمان حرية الصحافة (الفصل 28)، ضمان حرية الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي، وتأسيس الجمعيات، والانتماء النقابي والسياسي، والحق في الإضراب (الفصل 29)، الحق في التصويت، وفي الترشح للانتخابات، وتشجيع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في ولوج الوظائف الانتخابية (الفصل 30)، الحق في العلاج والعناية الصحية والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، والتضامن التعاضدي، والحصول على تعليم ، والتنشئة على التشبث بالهوية المغربية، والثوابت الوطنية الراسخة ، والتكوين المهني والاستفادة من التربية البدنية والفنية، والحق في السكن اللائق والشغل، والولوج الوظائف العمومية حسب الاستحقاق ، و الحصول على الماء  

والعيش في بيئة سليمة، والتنمية المستدامة (الفصل 31)، ضمان الحماية الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية للأسرة، والحماية القانونية والاعتبار الاجتماعي والمعنوي لجميع الأطفال (الفصل 32)، توسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد، ومساعدتهم على الاندماج في الحياة النشيطة والجمعوية وتيسير ولوجهم لمجالات الثقافة والعلم والتكنولوجيا، والفن والرياضة والأنشطة الترفيهية (الفصل 33)، وضع وتفعيل سياسات موجهة إلى الأشخاص والفئات من ذوي الاحتياجات الخاصة، ومعالجة الأوضاع الهشة لفئات من النساء والأمهات، وللأطفال والأشخاص المسنين ، وإعادة تأهيل الأشخاص الذين يعانون من إعاقة جسدية، أو حسية حركية، أو عقلية، وإدماجهم في الحياة الاجتماعية والمدنية، وتيسير تمتعهم بالحقوق والحريات المعترف بها للجميع (الفصل 34)، ضمان حق الملكية، وحرية المبادرة والمقاولة، والتنافس الحر (الفصل 35)، حظر المخالفات المتعلقة بحالات تنازع المصالح، واستغلال التسريبات المخلة بالتنافس النزيه، وكل مخالفة ذات طابع مالي، ومنع كل أشكال الانحراف المرتبطة بنشاط الإدارات والهيئات العمومية، وباستعمال الأموال الموجودة تحت تصرفها، وبإبرام الصفقات العمومية وتدبيرها، والشطط في استغلال مواقع النفوذ والامتياز، ووضعيات الاحتكار والهيمنة (الفصل 36)، واجب احترام الدستور والتقيد بالقانون، وممارسة الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور بروح المسؤولية والمواطنة الملتزمة، التي تتلازم فيها ممارسة الحقوق بالنهوض بأداء الواجبات (الفصل 37)، واجب الدفاع عن الوطن ووحدته الترابية تجاه أي عدوان أو تهديد(الفصل 38)، واجب تحمل التكاليف العمومية (الفصل 39)، المساهمة في التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد، وكذا تلك الناتجة عن الأعباء الناجمة عن الآفات والكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد (الفصل 40).

 

وتهدف الأحزاب السياسية، باعتبارها هيئات تسعى إلى المشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية، حسب منطوق الفصل السابع من الدستور، عن طريق انتخابات حرة ونزيهة وشفافة، هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي، وفق أحكام الفصل 11؛ وبالمقابل، منح الدستور، بموجب الفصل العاشر، لأحزاب المعارضة حقوقا تمكنها من النهوض بمهامها، على الوجه الأكمل، في العمل البرلماني والحياة السياسية. كما منح الدستور لجميع المواطنين والمواطنات الحق في تقديم اقتراحات في مجال التشريع، بموجب (الفصل 14)؛ وكذا الحق في تقديم عرائض إلى السلطات العمومية (الفصل 15).

 

وعليه، يمكن القول، أن الاختيار الديمقراطي، كإحدى الثوابت التي لا تقبل المراجعة الدستورية، تتماهى وتتفاعل في مجملها مع الثوابت والمرتكزات الأخرى، الهادفة إلى ضبط وتقنين مجال تدخل جميع الفاعلين السياسيين والمدنيين؛ بما يحفظ للمؤسسة الملكية سموها وهيمنتها على باقي السلط، وتفردها بإمارة المؤمنين وضمان دوام الدولة واستمرارها، والسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات.


2. قراءة دستورية لمنطوق الفصل 47 من الوثيقة الدستورية.

إن الحديث عن الثوابت والمرتكزات التي تؤطر الوثيقة الدستورية ليس حديثا مجانيا أو اعتباطيا، بل هو جزء من لحمة الضبط النسقي والسياسي لمكونات الهندسة الدستورية التي رسمها المشرع المغربي، وفق بنية متحركة تتفاعل فيها مضامين ومعاني الوثيقة الدستورية، من خلال الترابط والتكامل القائم بينها، والإحالات، الضمنية والصريحة، التي تؤطرها وتخضع لها.

 

وعليه، فإن أي تأويل أو تفسير للقاعدة الدستورية خارج هذا السياق، لا يمكن الاعتداد به، ويبقى فهما سطحيا وجافا غير مستوف للقراءة الدستورية الموضوعية، بعيدا عن أية مزايدات أو تبريرات انتهازية. فمثلا، ينص منطوق الفصل 25، من الباب الثاني المتعلق بالحريات والحقوق الأساسية، على أن "حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها"؛ لكنه لم يفصح أو يحدد هامش ممارسة حرية الرأي والفكر، لأنه تحصيل حاصل، أي ما دامت لا تتعارض مع الثوابت والمرتكزات المنصوص عليها في الفصل الأول من الدستور. ونفس الأمر، بالنسبة لمضمون الفصل 28 الذي ينص على أن "حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية"،  

 

ومن هذا المنطلق، لا يمكن مقاربة أو تأويل الفصل 47 من الدستور المغربي بمعزل عن هذا النسق المتحرك والمتفاعل ضمن شبكة معقدة تتغيا التموضع ضمن ثوابت ومرتكزات جامعة ومطلقة.

 

فالفصل 47 من الدستور ينص بوضوح، في فقرته الأولى، على أن "الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها".

 

فالنص الدستوري، يتحدث عن الحزب المتصدر، أي الحزب الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد، وليس شخص معين بذاته، كالأمين العام للحزب، أو أي شخص بصفته النيابية، أو أي شخص آخر قد يقع عليه الاختيار من طرف الحزب.

 

ولعل حكمة المشرع من هذا التنصيص، هو تفادي الدخول في الصراعات والتوترات التي قد تحدث داخل الحزب، وهذا محتمل، حول رئاسة الحكومة؛ وكذا افتراض وقوع انشقاق داخل الحزب الذي تصدر نتائج الانتخابات بمجرد الإعلان عن نتائجها. كما أن هذا التنصيص يفسح المجال للملك، بموجب الفصلين 41 و42 من الدستور، لاختيار من يراه مناسبا لرئاسة الحكومة، خاصة إذا ثبت أن الأمين العام للحزب المتصدر، صدر في حقه حكم، قبل أو بعد استصدار النتائج، بسبب الأفعال أو الحالات المنصوص عليها في الفصل 22 من القانون رقم 06-62 بتاريخ 23 مارس 2007 بتغيير وتتميم الظهير الشريف رقم 250-58-1 بتاريخ 19 شتنبر 1958 بسن قانون الجنسية المغربية، وكذا إمكانية مخالفة أحكام الفصل 31 من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، وأيضا احتمال التورط أو التعبير أو التصريح عن آراء تعاكس "قدسية الثوابت الوطنية"، كما جاء في خطاب الملك ليوم الأربعاء 9 مارس 2011 حول الجهوية الموسعة، والإعلان عن تكوين لجنة خاصة لمراجعة الدستور.

 

وهذا التأويل، يفيد أن الملك، يمكن أن يعين شخصا آخر من الحزب المتصدر، غير الأمين العام للحزب، ولا يمكن أن يرفض هذا التعيين، لأن قرارات الملك تكتسي طابعا نهائيا لا يجوز مناقشتها أو الطعن فيها.

 

لذلك، يمكن التأكيد، أن الصياغة اللفظية للمقطع الأول من الفقرة الأولى جاءت دقيقة وواضحة ومنسجمة، مع المقطع الثاني من نفس الفقرة التي تنص " وعلى أساس نتائجها"، التي تفيد إمكانية تعيين الحزب الذي حل ثانيا، في حالة فشل الحزب المتصدر في تشكيل الحكومة. وهو افتراض جائز وممكن، تبرره الإحالة المنصوص عليها في الفصل 98 من الدستور، التي ربطت حل مجلس النواب بعدم التوفر على أغلبية حكومية، ولم تتحدث عن فشل الحزب الأول أو عدم قدرته على تكوين أغلبية حكومية.

 

وهذا الطرح، يجد سنده، ضمنيا، في نص الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الحادية والأربعين للمسيرة الخضراء بتاريخ 06 نوفمبر 2016، حيث أكد الملك أن " الحكومة المقبلة، لا ينبغي أن تكون مسألة حسابية، تتعلق بإرضاء رغبات أحزاب سياسية، وتكوين أغلبية عددية، وكأن الأمر يتعلق بتقسيم غنيمة انتخابية. بل الحكومة هي برنامج واضح، وأولويات محددة، للقضايا الداخلية والخارجية، وعلى رأسها إفريقيا".

 

ويمكن، أيضا، طرح احتمال تشكيل حكومة ائتلاف وطني أو اعتماد خيار اللجوء إلى الفصل 59 من الدستور، أي الإعلان عن حالة الاستثناء، لاستيفاء الشرط المتعلق بوجود خلل في السير العادي للمؤسسات الدستورية، منذ ما يربو على الخمسة أشهر، فضلا عن الانزلاقات والمزايدات الرخيصة التي طفت مؤخرا على الساحة السياسية الوطنية، فضلا عن المستجدات التي يعرفها المحيط الدولي.

وبالرغم من تنصيص الفقرة الثانية من الفصل 47 من الدستور، على أن الملك يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيس الحكومة، فإن الملك بموجب السلطات والصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها، خارج أحكام الدستور، يمكنه رفض تعيين عضو من الأعضاء المقترحين للإستوزار، كما يمكنه المبادرة بتعيين أعضاء في الحكومة المرتقبة، دون أن يرفض طلبه، خاصة في قطاعات الداخلية والخارجية وإدارة الدفاع الوطني؛ هذا فضلا عن أن الأمانة العامة للحكومة ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تخرج عن دائرة اقتراحات رئيس الحكومة، بالرغم من وجودهم ضمن التشكيلة الحكومية المعينة من طرف الملك(7). لذلك، فاقتراحات رئيس الحكومة، وفق ما جاء في الفقرة الثانية، من الفصل 47 من الدستور، لا يمكن أن نجزم بأنها تطبيق سليم للدستور، إذا لم نضعها في السياق والمقاربة التي اعتمدناها لتأويل مضامين الدستور المغربي.

وذهب بعض رجال القانون(8) إلى القول بإمكانية حل مجلس النواب من طرف رئيس الحكومة، بموجب الفصل 104 من الدستور الذي ينص على أنه "يمكن لرئيس الحكومة حل مجلس النواب، بعد استشارة الملك ورئيس المجلس، ورئيس المحكمة الدستورية، بمرسوم يتخذ في مجلس وزاري. ويقدم رئيس الحكومة أمام مجلس النواب تصريحا يتضمن، بصفة خاصة، دوافع قرار الحل وأهدافه". والحقيقة، أن هذا الرأي يتسم بالغرابة والتهور، إن لم أقل الخرف الدستوري؛ لأن رئيس الحكومة المعين من طرف الملك بموجب الظهير رقم 1.16.160 الصادر في 17 أكتوبر 2016 بتعيين السيد عبد الإله ابن كيران رئيسا للحكومة، تفعيلا لأحكام الفصل 47 من الدستور، تنحصر اختصاصاته، وفق مضمون المادة 38 من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، في ممارسة المهام التالية:

ü                إعداد البرنامج الحكومي الذي يعتزم رئيس الحكومة عرضه أمام البرلمان؛

ü                إصدار قرارات تفويض الاختصاص أو الإمضاء اللازمة لضمان استمرارية المرافق العمومية؛

ü                اتخاذ المراسيم والقرارات والمقررات الإدارية الضرورية والتدابير المستعجلة اللازمة لضمان استمرارية عمل مصالح الدولة ومؤسساتها، وضمان انتظام سير المرافق العمومية.

فالتعيين الوارد في الفصل 47، بتسمية رئيس الحكومة من الحزب المتصدر، يبقى تعيينا شكليا (9)، لأن الحكومة المعينة من طرف الملك لا تستكمل وجودها القانوني والفعلي إلا بعد حصولها على التنصيب البرلماني، وفق ما نصت عليه الفقرة الثالثة من الفصل 88 من الدستور التي تنص صراحة على أن " الحكومة تعتبر منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، لصالح برنامج الحكومة".  كما تجب الإشارة، إلى أهمية الحذف الذي طال الفقرة الأولى من الفصل 60 من دستور 1996، الذي يقابله الفصل 88 من دستور 2001، والتي كانت تنص على أن "الحكومة مسؤولة أمام الملك وأمام البرلمان"، يتماشى مع المنطق الدستوري في توسيع اختصاصات البرلمان في مجال التشريع(10).

وبالرجوع إلى دساتير بعض الدول، نجد أنها نصت على كلمة "اقتراح" أو "تكليف" عوض "تعيين"، لما له من دلالة قانونية وحمولة قوية، إذ أن "التعيين" بمفهومه القانوني لا يكتمل، في حالتنا، إلا بعد التنصيب البرلماني. فالدستور الإسباني لسنة 1978، مثلا، ينص في فقرته الأولى من الفصل 99 على أن "الملك يقترح لرئاسة الحكومة، في كل مرة ينتخب فيها مجلس نواب جديد، وفي باقي الحالات المماثلة التي ينص عليها الدستور، بعد أن يكون قد أجرى مشاورات مسبقة مع الممثلين الذين تعينهم الأحزاب الممثلة في البرلمان، ويقترح الملك مرشحا عن طريق رئيس مجلس النواب". وتنص الفقرة الثالثة من نفس الفصل، على أنه "إذا منح مجلس النواب ثقته بتصويت الأغلبية المطلقة لأعضائه للمرشح المذكور، يعينه الملك رئيسا للحكومة". وهو نفس التنصيص، الذي تبناه دستور الجمهورية التونسية لسنة 2014، في مادته 89 التي تنص في فقرتها الثانية على أن" رئيس الجمهورية يكلف مرشح الحزب أو الائتلاف الانتخابي المتحصل على أكبر عدد من المقاعد بمجلس نواب الشعب، بتكوين الحكومة خلال شهر يجدّد مرة واحدة".  كما تنص الفقرة الخامسة، من ذات الفصل، على أن "الحكومة تعرض موجز برنامج عملها على مجلس نواب الشعب لنيل ثقة المجلس بالأغلبية المطلقة لأعضائه. عند نيل الحكومة ثقة المجلس يتولى رئيس الجمهورية فورا تعيين رئيس الحكومة وأعضائها".

 

أما فيما يتعلق، بالرأي القائل بإعادة الانتخابات والعودة إلى صناديق الاقتراع، فهو طرح ساذج ينم عن قصور واضح في فهم وإدراك مضامين الوثيقة الدستورية المغربية، لأنه يخرج عن السياق الذي تحدثنا عنه، ولا يستقيم مع التأويل الذي يكرسه الفصلين 41 و42 من الدستور، فضلا عن تكلفته السياسية والاجتماعية، خاصة وأن العودة إلى صناديق الاقتراع لن تفرز أغلبية واضحة، لأن خيار التعددية الحزبية، الذي اختاره المغرب كمبدأ موجه لإرساء دعائم الدولة، والنظام الانتخابي القائم على نمط الاقتراع النسبي باللائحة يضمن تمثيلية جميع الأحزاب المشاركة في عملية الانتخابات، بما يخلق التوازن والتحكم في الخريطة الحزبية. فالانتخابات، "ليست غاية في حد ذاتها"(11)، وإنما هي وسيلة لمشاركة الأحزاب السياسية في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية، طبقا لمضمون الفصل السابع من الدستور.


   ووفقا لذلك، فكيفما كان التأويل الذي سيعتمده الملك، باعتباره رئيسا للدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، والساهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وكذا باعتباره أميرا للمؤمنين، لأن إمارة المؤمنين لا تحيل فقط إلى تدبير الأمور الدينية، بل تشمل أيضا تدبير الأمور الدنيوية، لأن أحكام بيعة أمير المؤمنين، كقاعدة دستورية غير مكتوبة، بمثابة "الرابط الأسمى بين الملك والشعب، تجمع الحاكم بالمحكومين، وتنظم العلاقة بينهم في إطار تعاقدي متبادل، يضمن استمرارية وديمومة الدولة المغربية، وفق ثوابتها الشرعية، ويحفظ للشعب المغربي كرامته ووحدته وسيادته على أراضيه"(12)؛ فإنه سيشكل ممارسة وعرف دستوري لتحصين منطوق الفصل 47 من التأويلات الخاطئة والضيقة التي لا تنسجم مع جوهر مضامين الوثيقة الدستورية والثوابت التي تؤطرها وتخضع لها.

 

استنتاجات:

كما سبق أن أوضحنا، يمكن التأكيد، أن المشرع الدستوري، عند صياغته لمضمون الفصل 47 من الدستور، كان واعيا وملما ومحيطا بحدود وهامش الصياغة القانونية التي يمكن أن تتعارض أو تتجاوز حدود المبادئ والثوابت والمرتكزات التي يتأسس عليها جوهر نظام الحكم في المغرب. لذلك، تعمد ترك فراغات في ثنايا الفصل 47 من الدستور، ليس لجهله أو عدم إلمامه بحيثيات الإشكالية، بل لمعرفته العليمة أن الخوض في هذه المجالات يعتبر تجاوزا وتدخلا في الاختصاصات الحصرية المحفوظة للملك باعتباره "يسود ويحكم"، اللذان يؤطران الهندسة الدستورية المغربية.

والحالة هاته، فنحن لا نتفق مع آراء أغلبية الفقهاء الدستوريين الذين رأوا أن هذا الفصل أغفل التنصيص على بعض المقتضيات، أو أن المشرع الدستوري لم ينتبه إلى هذه الإشكالية، وإنما المغزى والحكمة من هذا التنصيص المتسم بالإطلاق والعمومية، هو الالتزام بقواعد الصياغة القانونية التي تؤطرها مرجعية الثوابت والمرتكزات، التي حكمت منهجية وضع الدستور المغربي، باعتباره أساس التعاقد السياسي والاجتماعي.

 

إن المطالبة بتعديل الفصل 47 من الدستور، لاسيما في الشق المتعلق بحالة عدم قدرة الحزب المتصدر على تشكيل الحكومة، لن تستقيم بدون مراجعة الفصلين 41 و42، وكذا مضامين الفصول المرتبطة باختصاصات الملك. لذلك، فمطالبة بعض الهيئات الحزبية ورجال القانون بهذه المراجعة، عن غير قصد أو جهل، هو أمر مرفوض لمخالفته منطوق الفصل 75 من الدستور.

والجدير بالإشارة، أن أغلبية الدساتير الديمقراطية في العالم تنص، فور "تنصيب" الحكومة، على تأدية القسم أو اليمين الدستورية أمام مجلس النواب، في حين أن الحكومة في المغرب، ونظرا للاعتبار المحوري والفاعل للملك في النظام الدستوري المغربي، فإن الحكومة المعينة، قبل حصولها على التنصيب البرلماني، تقدم اليمين الدستورية أمام الملك (13). وهو ما يجعلها تحت سلطته بالرغم من بعض الاختصاصات الحصرية المسندة إليها بموجب الدستور؛ كما يطرح، أيضا، سؤال الجدوى من التنصيص على مبدإ " التنصيب البرلماني" بموجب الفقرة الثالثة من الفصل 88 التي تنص على أن "الحكومة تعتبر منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، لصالح برنامج الحكومة". هذا، فضلا عن أن الدستور المغربي لا ينص على تقديم الملك عند توليه العرش لليمين الدستورية أمام البرلمان، مثل دساتير أغلبية الأنظمة الملكية، كالدستور الكويتي، مثلا، لسنة 1962 الذي ينص في المادة 60 على " الأمير يؤدي قبل ممارسة صلاحياته، في جلسة خاصة لمجلس الأمة، اليمين الدستورية الآتية: " أقسم بالله العظيم أن أحترم الدستور وقوانين الدولة، وأذوذ عن حريات الشعب ومصالحه وأمواله وأصون استقلال الوطن وسلامة أراضيه"، وهو نفس التنصيص الوارد في المادة السابعة من الدستور العماني؛ كما ينص الدستور الأردني لسنة 2011 في مادته 29 على أن الملك "يقسم إثر تبوئه العرش، أمام مجلس الأمة الذي يلتئم برئاسة رئيس مجلس الأعيان، أن يحافظ على الدستور وأن يخلص للأمة".

وعموما، فالقرار الذي سيتخذه الملك، حتى عن طريق "التحكيم"، ولو أن الأمر يخرج عن هذا الإطار، سيشكل مخرجا وممارسة دستورية ذات طابع ملزم لجميع الفاعلين والنخب السياسية، بما يتناسب ودرجة نضج مسار الانتقال الديمقراطي(14) ورهانات السياق الوطني والدولي.

 ذ. عبد العزيز فجال

 الهوامش:

(1)           ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 من شعبان 1432 (29 يوليو 2011) بتنفيذ نص الدستور.

(2)            أي الذين يضعون المصلحة الضيقة للحزب فوق الاعتبارات الدستورية، ويحاولون تفسير وتأويل النص الدستوري وفق أغراض حزبية ضيقة.

(3)           حوار مع مصطفى السحيمي في جريدة "أخبار اليوم"، العدد 2275 بتاريخ 12 مارس 2017؛ عبد العالي حامي الدين، جريدة "القدس العربي" بتاريخ 25 نونبر 2016.

(4)           عبد اللطيف وهبي: "خيارات دستورية للملك تواجه أزمة تشكيل حكومة بنكيران" منشور بموقع هسبريس ليوم الثلاثاء 13 دجنبر 2016.

(5)           وجهة نظر بعض الأحزاب والفاعلين السياسيين ورجال القانون.

(6)           الخطاب الملكي ليوم الأربعاء 9 مارس 2011 حول إعلان الملك عن تكوين لجنة خاصة لمراجعة الدستور.

(7)           بعض القطاعات الحكومية الأخرى أيضا، لم تخضع لاقتراح رئيس الحكومة، منها على الخصوص قطاع التربية الوطنية والتكوين المهني، قطاع الصناعة والتجارة والاستثمار والاقتصاد الرقمي، الوزارة المنتدبة لدى وزير الداخلية.

(8)           حوار مع بن يونس المرزوقي، جريدة "الأيام الأسبوعية"، العدد 747 بتاريخ 23 فبراير 2017.

(9)           عبد العزيز فجال: الثابت والمتحول في الدستور الجديد، قراءة في مسارات التطبيق، (محاولة قانونية لفهم معنى "التعيين" و"التنصيب" في الدستور الجديد)، مجلة رهانات، العدد 23، صيف 2012.

(10)     نفس المرجع.

(11)     الخطاب الذي ألقاه الملك، أمام البرلمان، يوم الجمعة 09 أكتوبر 2015، في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية التاسعة.

(12)     كتاب "البيعة ميثاق مستمر بين الملك والشعب" 2011، بهيجة سيمو، مديرية الوثائق الملكية بالرباط.

(13)     اليمين الدستورية للحكومة بالمغرب أمام الملك: " أقسم بالله العظيم، أن أكون مخلصا لدينيي ولملكي ولوطني، وأن أدي مهمتي بصدق وأمانة، وأن أخدم الصالح العام، ساهرا على سيادة المغرب ووحدة ترابه".

(14)     الانتقال الديمقراطي، Maud Navaro مجلة "sciences humaines» العدد 280 أبريل 2016 ترجمة عبد العزيز فجال، مجلة رهانات، العدد 38، 2016.


بقلم ذ عبد العزيز فجال
باحث في العلوم القانونية
 


أعلى الصفحة