القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ يحيى الهامل
باحث في القانون الإداري وعلم الإدارة
تحت عدد: 87

يتبين، من خلال الاطلاع على المبادرات المتخذة من طرف المنظمة العالمية للجمارك والعلاقات التي تربطها بباقي المنظمات والهيئات الدولية، أن موضوع الأمن أصبح يحتل مركزا محوريا في أدبياتها وأن هناك توجها متناميا لهذه المنظمة نحو تعزيز قدرات أعضائها في مجال الأمن عامة وسلامة وتأمين السلسلة اللوجستية على الخصوص، وهو الأمر الذي أفرز مجموعة من المبادرات التي تم اتخاذها والعديد من الاتفاقيات التي تم إبرامها والعديد من اللقاءات التي تم عقدها والكثير من المعايير التي تم اعتمادها. ولإلقاء الضوء بشكل جلي على مختلف هذه الجوانب، سنتطرق في ما يلي إلى البعض منها:


اعتبارا للتحديات الأمنية ولكون تعزيز أمن الحدود أضحى عاملا أساسيا من شأنه تقليص حرية حركة الإرهابيين والمجرمين ومبيضي الأموال القذرة من بلد إلى آخر، فقد أبرمت المنظمة الدولية للشرطة (الأنتربول) سنة 1998 اتفاقية تعاون مع المنظمة العالمية للجمارك من أجل تبادل المعلومات بشكل سريع ووضع مشاريع مشتركة موضع التنفيذ. وقد كان أحد أهم المظاهر الأساسية لهذه الاتفاقية هو إعطاء المنظمة العالمية للجمارك حق الولوج إلى قاعدة معطيات المنظمة الدولية للشرطة حول السيارات المسروقة.

وعلى ارتباط ببرنامج كولومبوس للمنظمة العالمية للجمارك الذي يعتبر أداة أساسية في تعزيز قدرات الإدارات الجمركية من أجل تطبيق إطار المعايير الرامية إلى تأمين السلسلة اللوجستية وتيسيرها، ساهمت المنظمة العالمية للجمارك في العديد من المهمات التي تندرج ضمن برنامج مرتبط بالأمن أقره القرار الصادر عن مجلس الأمن تحت رقم 1373 بتاريخ 28 شتنبر 2001 والذي بموجبه طلب من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تحسين أمن الحدود. ونظرا إلى المساهمة المتميزة للمنظمة العالمية للجمارك في هذه المهمات ومشاركتها الوازنة في الاجتماعات التي عقدتها لجنة محاربة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن في مارس وماي وأكتوبر من سنة 2003، فقد تم تثمين مشاركتها والتنويه بها من طرف اللجنة المذكورة. خليق بالإشارة أن لجنة محاربة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن الدولي قد حددت من ضمن المجالات التي تستفيد من المساعدة على تعزيز القدرات المؤسساتية مجال القوانين والممارسات الجمركية، ولاسيما في ما يرجع إلى سن وإعداد القوانين والتنظيمات الجمركية وتطبيق القوانين الخاصة بإرساء المراقبة في الحدود. كما تجدر الإشارة إلى أن مجموعة الثمانية الكبار، تفعيلا منها للقرار رقم 1373 المذكور، قامت بتحسيس المؤسسات المالية الدولية والمنظمات الوظيفية، كالمنظمة العالمية للجمارك ومنظمة الطيران المدني الدولية والمنظمة البحرية الدولية، بأهمية العمل على مناقشة ميادين الاهتمام المشترك وتمويل وتوفير الدعم والمساعدة اللازمة لتعزيز القدرات في مادة محاربة الإرهاب.

وفي ذات السياق، جاء في نص خطة العمل الوارد في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة A/RES/60/288 الصادر في إطار أشغال الجلسة العامة 8/99 شتنبر 2006 في شأن تدابير منع الإرهاب ومكافحته، أن الدول الأعضاء قررت "تكثيف الجهود الوطنية والتعاون الثنائي ودون الإقليمي والإقليمي والدولي، حسبما يقتضيه الأمر، من أجل تحسين مراقبة الحدود والضوابط الجمركية بغية منع وكشف تحرك الإرهابيين ومنع وكشف الاتجار غير المشروع بجملة أمور، منها الأسلحة الصغيرة والخفيفة، والذخائر والمتفجرات التقليدية، والأسلحة والمواد النووية أو الكيماوية أو البيولوجية أو الإشعاعية، مع التسليم في الوقت نفسه بأن الدول تحتاج إلى المساعدة في هذا الصدد".

ومن ناحية أخرى، فقد استضاف مقر المنظمة العالمية للجمارك اجتماعا نظم بمبادرة من المعهد بين الإقليمي للبحث حول الجريمة والعدالة التابع للأمم المتحدة في شهر نونبر 2003، على مستوى المندوبين والخبراء. وقد شاركت في هذا الاجتماع، علاوة على المعهد المنظم، منظماتٌ ووكالات دولية متعددة من بينها منظمة الشرطة الأوربية (أوروبول)، الوكالة الدولية للطاقة الذرية، منظمة منع الأسلحة الكيماوية، المنظمة العالمية للصحة، المنظمة العالمية للجمارك ومجموعة التتبع التابعة للأمم المتحدة المنبثقة عن القرار الأممي رقم 1455. وكان الهدف من وراء عقد هذا الاجتماع هو تبادل وجهات النظر حول مشروع مشترك بين المعهد الإقليمي للبحث حول الجريمة والعدالة التابع للأمم المتحدة وأوروبول وباقي المنظمات الدولية المعنية، يتعلق بموضوع محاربة أسلحة الدمار الشامل.

 وعلى صلة بمحاربة أسلحة الدمار الشامل، تجدر الإشارة إلى أن إدارة الجمارك أصبحت، بمجرد إخبارها بمضمون القرارين الصادرين عن مجلس الأمن تحت رقم 1718 و1874، معنية بتطبيق حظر تصدير المواد والمعدات والتكنولوجيات النووية المعنية بالقرارين إلى دولة كوريا الشمالية، ونفس الشيء ينطبق على تطبيق الإدارة للحظر المفروض على استيراد وتصدير المواد والمعدات والتكنولوجيات موضوع الحظر المطبق على الجمهورية الإسلامية الإيرانية تطبيقا لقراري مجلس الأمن رقم 1737 و1747.

وفي نفس الإطار، قامت سكرتارية المنظمة العالمية للجمارك في شهر مارس 2013 بإطلاق مشروع متعلق بتطبيق المراقبات على المبادلات ذات الطبيعة الاستراتيجية ACES: Projet portant sur l'Application des Contrôles aux Echanges de nature Stratégique؛ ويقصد بالأملاك الاستراتيجية، أو المبادلات ذات الطابع الاسترتيجي، هنا أسلحة الدمار الشامل، الأسلحة الاتفاقية Armes conventionnelles أو المعاهداتية والعناصر المرتبطة بها المستعملة في إعداد وإنتاج أو استخدام هذه الأسلحة. وهذا المشروع تم التنصيص فيه على ثلاثة نماذج من الأنشطة يتعين القيام بها قبل نهاية 2015؛ وتتمثل هذه الأنشطة في بلورة برنامج تكوين كامل موجه إلى الإدارات الجمركية وتنظيم دورات تدريبية للتحسيس، فضلا عن تنظيم عملية عالمية لمحاربة الغش الذي يستهدف حركة الأملاك الاستراتيجية. وفي إطار هذه الأنشطة، شاركت إدارة الجمارك المغربية إلى جانب بعض إدارات الجمارك بمنطقة مينا MENA في دورة تدريبية للتحسيس نظمت بالمملكة العربية السعودية في مارس 2014 تمت فيها مناقشة التحديات التي تعترض الإدارات الجمركية في هذا المجال وكذا الاطلاع على الممارسات الفضلى المطبقة من قبل بعض إدارات الجمارك في العالم من أجل رفع هذه التحديات.

وبهدف محاربة غسل الأموال وضبط التدفقات المالية غير المشروعة وتشديد المراقبة على غاسلي الأموال وممرريها عبر الحدود، بادرت المنظمة العالمية للجمارك إلى تنظيم المؤتمر الأول حول ممرري الأموال المتأتية من المعاملات غير المشروعة، بشراكة مع المنظمة الدولية للشرطة في مدينة ليون الفرنسية يومي 13 و14 ماي 2008، وشكل هذا المؤتمر مناسبة لتبادل الآراء بين موطفي الجمارك ورجال الأمن ومناقشة التحديات المشتركة وتسطير سبل محاربة هذه الظاهرة الإجرامية التي من شأن التراخي في التصدي لها أن يؤدي إلى استغلالها من طرف المجرمين والإرهابيين في تبييض الأموال واستعمالها في تمويل أنشطتهم الإجرامية.

وعلى علاقة بهذا الموضوع، يتعين التذكير بأن إدارة الجمارك المغربية مطالبة بإخبار وحدة معالجة المعطيات المالية بكل حالات المخالفات المرتكبة خرقا للقانون رقم 43 - 05 المتعلق بمحاربة تبييض الأموال كما تم تغييره وتتميمه بموجب القانون رقم 03 - 10 المؤرخ في 2011/01/20.

وبغية تعزيز دور الاستعلام وتبادل المعطيات بين مختلف الإدارات الجمركية لمحاربة كافة أشكال الغش والجريمة، قامت المنظمة العالمية للجمارك بإحداث مجموعة من المكاتب الجهوية للاتصال والاستعلام منذ بداية تسعينيات القرن الماضي (BRLR: Bureaux Régionaux de Liaison et de Renseignements).

كما تجدر الإشارة إلى أنه في إطار أشغال الدورة 67 للجنة السياسة العامة والدورتين 190 و120 لمجلس المنظمة العالمية للجمارك التي انعقدت ببروكسيل في الفترة الممتدة من 25 إلى 30 يونيو 2012، فقد تم التداول من بين نقاط عديدة في نقطة خاصة بأمن وسلامة الشحن الجوي. وقد شكلت هذه الدورات فرصة لبحث علاقات التعاون والعمل التي تجمع بين المنظمة العالمية للجمارك ومنظمة الطيران المدني الدولية؛ كما تم التذكير، بهذه المناسبة، بأهمية عمل مجموعة الخبراء التقنيين حول سلامة وأمن الشحن الجوي التي تم إحداثها تطبيقا لقرارات لجنة السياسة العامة للمنظمة العالمية للجمارك. وللتذكير، فإن مجموعة الخبراء المذكورة تتكون من خبراء ينتمون إلى قطاعات الجمارك والنقل والسلامة الجوية والشرطة والمصالح المكلفة بالهجرة ومصالح أخرى معنية. وتختص هذه المجموعة في البحث في الطرق والسبل الكفيلة بجعل مساهمة التدابير المتخذة من طرف الجمارك في أمن وسلامة الشحن الجوي مساهمة فعالة وناجعة. ولهذا الغرض فقد انصب عمل مجموعة الخبراء على محورين أساسيين: المحور الأول يتمثل في تحديد المعطيات التي على المصالح الجمركية أن تتوصل بها قبل شحن الإرساليات على متن الطائرات، والتي يمكن تقاسمها مع باقي المتدخلين في الأمن الجوي، وذلك من أجل استثمارها في المراقبة القبلية وتحليل المخاطر واستهداف الشحن الجوي الذي يكتسي قدرا كبيرا من المجازفة لضمان السلام الجوية؛ أما المحور الثاني فقد خصص لمقارنة برنامج الفاعل الاقتصادي المعتمد، كما هو معمول به من طرف المنظمة العالمية للجمارك، مع برنامج الأعوان المعتمدين/المرسلين المعروفين الذي تتبناه منظمة الطيران المدني الدولية. والهدف المتوخى من هذه المقارنة هو العمل على توحيد واصطفاف البرنامجين من أجل الاستفادة من قواسمهما المشتركة وتقوية الفعالية من أجل تلافي تشتيت المجهودات المبذولة من قبل المتدخلين وتقليص التكاليف التي تتحملها المقاولات المعنية.

أما في ما يتعلق بالشق المرتبط باستحضار بعض الممارسات الفضلى المعتمدة من طرف الإدارات الجمركية في بعض الدول لإبراز الدور الأمني للإدارات الجمركية، فيكفي الإشارة إلى أن بعض هذه الإدارات ذهبت، بغية تعزيز مهامها الأمنية، إلى إعادة هيكلة بنياتها من خلال دمج إداراتها الجمركية مع إدارات أمنية موازية في إطار مقاربة قوامها إرساء نظام المراقبة المندمجة والمنسقة للحدود؛ فقد ذهبت الولايات المتحدة مباشرة عقب أحداث 11 شتنبر 2001 إلى دمج إدارة الجمارك مع إدارة الأمن الداخلي. وذات الاتجاه سلكته كندا، حيث عملت على إحداث وكالة المصالح الحدودية بكندا، وهي مؤسسة أدمجت فيها مختلف المنظمات والهيئات المتدخلة في تسيير حركة البضائع والأشخاص كوكالة الجمارك والمداخيل ومصلحة الاستعلامات وهيئة المنع وتنفيذ قانون المواطنة والهجرة والمصلحة المكلفة بتفتيش الواردات بموانئ الدخول لوكالة فحص الأغذية.

بقلم ذ يحيى الهامل
باحث في القانون الإداري وعلم الإدارة
 


أعلى الصفحة