القانون المدني- المسطرة المدنية

بقلم ذ ياسين بنقدور
باحث بماستر القانون و الممارسة القضائية بالرباط
تحت عدد: 794
يشكل التبادل التجاري ركيزة أساسية لا يمكن للإنسان أن يستغني عنها فهو قديم قدم الزمان و لكن لم يكن معروفا بطريقة

البيع التي نعيشها حاليا، بل سبقته المقايضة إذ كان الناس يتبادلون سلعة بسلعة إلا أن هذا النظام لا يصلح إلا للجماعة البشرية الأولى. وفي الوقت الذي تقدمت فيه المجتمعات و كثرت فيه المأرب و الحاجيات، أصبحت طريقة المقايضة كوسيلة من وسائل التبادل العسيرة، وتفاديا لهذه الصعوبة ظهرت النقود كوسيلة لتحقيق العدالة بين البائع و المشتري، و أصبحت تتحكم في لعبة العرض والطلب ونتيجة لذلك ظهرت معها أصناف أخرى من العقود حلت محل المقايضة ومن بين هذه العقود المستحدثة عقد البيع الذي يعتبر أبا روحيا لكل العقود المسماة الأخر ، لذلك خصته معظم التشريعات المدنية المعاصرة بأحكام و قواعد مستقلة تتناسب مع حجم و الأهمية التي يمتاز بها هذا العقد عن غيره من العقود الأخرى. وتأكيدا لهذه الأهمية أفرد له قانون الالتزامات و العقود القسم الأول من الكتاب الثاني في الفصول من 478 إلى 584 حيث عرفه في الفصل 478 بأنه " عقد بمقتضاه ينقل أحد المتعاقدين للأخر ملكية شيء أو حق في مقابل ثمن يلتزم هذا الأخر بدفعه له" . أما التقنين المدني المصري فقد عرفه في المادة 408 على أنه "عقد يلتزم به البائع، على أن ينقل للمشتري ملكية شيء أو حق مالي أخر في مقابل ثمن نقدي" . في حين أورد التقنين المدني العراقي تعريف البيع في المادة 506 بنصه " البيع مبادلة مال بمال" .

و فضلا عن ذلك نصت المادة 1582 من القانون المدني الفرنسي على أن " البيع عقد يلتزم به احد الطرفين بتسليم شيء ويلتزم الأخر بدفع الثمن ويجوز أن يتم بعقد رسمي أو عرفي " . وإذا كان قانون الالتزامات و العقود قد حدد الإطار العام لعقد البيع ، في الفصول من 478 إلى 584 فان ذلك لا يعني أنه حصره في شكل محدد و إنما سمح بإبرام بيوع تعتبر خاصة و قد نص عليه في الباب الثالث من الكتاب الثاني تحت عنوان " في بعض أنواع خاصة من البيوع" وتشمل تلك البيوع بيع السلم، بيع الخيار، و بيع الثنيا.
وفي بحثنا هذا لن نتناول بالدراسة و التحليل إلا نوعا واحدا من هذه البيوع الخاصة أو الموصوفة، ألا وهو بيع الثنيا.
فهذا النوع من البيوع كان أول ظهور له في العصر الخامس و السادس في ديار بخارى و يرجع أصله أن تلك الديار تراكمت فيها الديون على أصحاب العقارات بدرجة كادت تذهب بها. و ذكر العلامة الشيخ مصطفى الزرقا في بحثه "بيع الوفاء و عقد الرهن" أن أول ظهور له و تعامل الناس به كان في القرن الخامس هجري في مدينة بلخ. و سمي لدى الرومان بالفيدوشيا . أما في فرنسا فلا يمكن الحديث عن ظهور بيع الثنيا إلا من خلال الحديث عن الرهن الميت. ففي البداية كان التعامل جاريا بالرهن الميت الذي يتميز بخاصيتين:
الأولى : أنه يسمح فيه للدائن باستخلاص ثمار الشيء المرهون دون المس برأس المال.
الثانية : فان المقترض فيه لا يمكنه ممارسة حقه في الاسترداد قبل انقضاء مدة معينة تكون في مصلحة الدائن، وقد تم اعتبار الخاصيتين مؤشرات دالة على الطابع الربوي للرهن الميت، لذلك تم تحريمه من طرف البابا الإسكندر الثالث في أوساط القرن 12م، وبصدور مدونة نابليون تم تنظيم بيع الثنيا في الفصول من 1659 إلى 1678 مدني فرنسي.
وبيع الثنيا كما عرفه الفقيه المغربي الدكتور حسن بلحساني: " ...المعبر عنه أيضا ببيع الوفاء هو الذي يحتفظ فيه البائع بحقه في استرداد المبيع خلال مدة معينة مقابل رد المصاريف و أداء المصروفات النافعة " .
ومن منظور أخر عرفه الأستاذ جميل صبحي برسوم "بيع الثنيا أو ما يسمى في القوانين الأخرى ببيع الوفاء la vente a réméré أو البيع مع خيار الاسترداد الذي يحتفظ فيه البائع بحقه في أن يسترد المبيع... خلال أجل معين مقابل رد الثمن و المصروفات التي أنفقها المشتري على الشيء المبيع" . ولكي نفهم تقنيات هذا الصنف من البيوع الخاصة كمؤسسة قانونية قائمة الذات فإننا ارتأينا بحث هذا العقد كما يلي :
اولا : الأحكام العامة لبيع الثنيا
بيع الثنيا يعد نوعا خاصا من البيوع يتعهد بموجبه المشتري بان يرد المبيع إلى البائع، فيما لو رد هذا الأخير الثمن خلال مدة معينة . ويسمى هذا البيع أيضا ببيع الوفاء ، ووجه تسميته بدلك أن فيه وعدا بالوفاء من المشتري بان يرد المبيع للبائع حين رد الثمن ، فقد نصت المادة 118 من مجلة الأحكام العدلية على أن " بيع الوفاء هو البيع بشرط أن البائع متى رد الثمن يرد المشتري إليه المبيع ..."
ويعد بيع الثنيا من البيوع الموصوفة التي وضع لها ق.ل.م أحكاما خاصة تميزها عن باقي أنواع البيوع الأخرى. ويقصد بالبيوع الموصوفة تلك البيوع التي يقترن فيها الالتزام بأحد الأوصاف كالشرط أو الأجل فيكون تنفيذ أو انقضاء هذا الالتزام معلقا على شرط أو مقترنا بأجل وقد حضي بيع الثنيا بتعريفات كثيرة ومتعددة سواء من قبل المقنن المغربي أو الفرنسي أو المصري والتي و إن كانت مختلفة من حيث الأساس فإنها تكاد تتشابه من حيث المعنى، وهو ما سنسعى لتوضيحه كما يلي :
1- يعرف الفقيه الفرنسي Jean-Louis Falcous بيع الثنيا : "بأنه أداة قرض تسمح لأي مالك للأموال خصوصا العقارات بأن يحصل على الأموال التي هو في حاجة لها مع إمكانية أن يصبح مالكا..."
ولعل الحاجة التي تدعو إلى تكرار القول بأن بيع الثنيا يحظى بعدة تسميات حسب نوع التقنين وتبعا لهذا يطلق عليه باللغة الانجليزية sale with right option of repruchase_ _ وباللغة الفرنسية _la vente à réméré_ نجد مصطلح _réméré_ مشتق من كلمة اللاتينية_ redimerie_ والتي تعني إعادة الشراء أي _le rachat.
2- في حين عرفه الفقه المغربي بأنه " هو الذي يتحفظ فيه البائع بحقه في أن يسترد المبيع خلال أجل معين مقابل رد الثمن و المصروفات النافعة التي أنفقها المشتري على الشيء المبيع".
في حين يرى الدكتور عبد السلام أحمد فيغو " بأن بيع الثنيا تعتبر من قبيل الرهن ويصدق عليها أنها بيع وإقالة...حيث عبروا عنه ثارة بالثنيا وأخرى بالبيع والإقالة وهو تحايل على انتفاع المرتهن بغلة الرهن وسد الباب أمام محاولة رجوع الراهن عليه أو تحايل على إسقاط حيازة الرهن الذي لم تشترط فيه المنفعة " .
3- وفي المقابل يذهب الدكتور عبد الرزاق السنهوري إلى القول :
" أن بيع الوفاء هو بيع باطل بطلاناً مطلقاً لا تخلفه الإجازة اللاحقة ولا يسري عليه التقادم ويجوز أن يتمسك به كل من له مصلحة فيه ويجوز للمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها "
وفي تعريف أخر للدكتور مأمون الكزبري :
" ليس بيعا بالمعنى المألوف للكلمة بل هو نوع من الضمانات العقارية يقوم على اعتبار المبيع في يد المشتري كالرهن في يد المرتهن يخوله في حالة عدم دفع البائع الدين ملاحقة بيع العقار موضوع الضمانة واستيفاء دينه من ثمنه ".
ثانيا : موقف القانون المغربي من بيع الثنيا
ساير القانون المغربي، القانون الفرنسي، في إباحته التعامل ببيع الثنيا sale with right option of repruchase ، نظرا لما رآه من اعتبارات عملية تدعو لتنظيم أحكام هذا البيع الخاص فوضع في الفصول من 585 الى 600 من ظهير الالتزامات والعقود _ أحكاما خاصة لبيع الثنيا .
و لا يفوتنا أن نذكر أن القانون المغربي كان حريصا في علاجه لقواعد هذا البيع على تلافي ما قد يحدث من تلاعب و استغلال من جانب المشتري، purchaser فنص في الفصل 600 على ما يلي :
وعلى هذا فإذا كان بيع الثنيا قد اتخذه المتعاقدان ستارا لإخفاء عقد الرهن فان أحكام عقد الرهن هي التي تطبق عليه وليس أحكام بيع الثنيا . بل انه يشترط لكي ينتج العقد أثاره في مواجهة الغير أن يستكمل الشكل المطلوب لهذا الرهن، وتحاشيا من الوقوع في الربا فقد اشترط لصحته أن يكون رد المبيع مقيدا بمدة معلومة (الفصل 586) و المنافع والفوائد تبقى للبائع في مدة الشرط (الفصل 588) وليس لأي منهما أن يتصرف في البيع إلا برضا الطرف الأخر هذا بالإضافة إلى أن لقانون المغربي قد حرص أيضا على وضع قيود على القواعد خاصة ببيع الثنيا كما أسلفنا . ونستغل الفرصة في هذا المقام لطرح تساؤل حول موقف التشريعات المقارنة من هذا البيع ؟
بالرجوع إلى القانون المدني الفرنسي نجده يعرف بيع الثنيا في الفصل 1659 بقوله :
« La faculté de rachat est un pacte par lequel le vendeur se réserve de reprendre la chose vendue, moyennant la restitution du prix principal et le remboursement dont il est parlé à l'article 1673 . »
و نفس التعريف أورده التقنين المدني المصري سابقا في المادة 338 التي جاء جاء فيها :
»حق استرداد المبيع أو الشرط الوفائي هو شرط يحفظ به البائع لنفسه حق استرداد العين المبيعة في مقابلة المبالغ المنصوص عليها في المادة 344 في الميعاد المتفق عليه « ولا يخفى أن هذا القانون عرف تعديلا جوهريا بمقتضى قانون 149-50 والذي أعرب في المادة 456 عن موقفه من بيع الوفاء قائلا :
»إذا احتفظ البائع عند لبيع بحق استرداد المبيع خلال مدة معينة وقع البيع باطلا «. ومما ينبغي الالتفات إليه أن المشرع الأردني لم يتطرق لحكم بيع الوفاء . وعليه ينبغي الرجوع إلى مجلة الأحكام العدلية التي تعد جزءا لا يتجزأ من القانون المدني الأردني.وهذا يعني أن كل مسألة لم يرد بها نص في القانون المدني الأردني يجب الرجوع إلى مجلة الأحكام العدلية لذلك فموقف المشرع الأردني من بيع الوفاء توضحه المادة 118 من المجلة العدلية »بيع الوفاء: هو البيع بشرط أن البائع متى رد الثمن يرد المشتري إليه المبيع، وهو في حكم البيع الجائز بالنظر إلى انتفاع المشتري به، وفي حكم البيع الفاسد بالنظر إلى كون كل من الطرفين مقتدراً على الفسخ، وفي حكم الرهن بالنظر إلى أن المشتري لا يقدر على بيعه إلى الغير « يتضح لنا من هذا لنص أن المشرع الأردني قد اعترف ببيع الوفاء فلم يبطله ولم يجعله في حكم لرهن وإنما اعتبره عقدا صحيحا مركبا من ثلاث عقود . ويبدو من هذا الموقف أن المشرع الأردني قد راعى حاجة الناس لهذا البيع كبديل عن الربا الذي منعه .
ثالثا : موقف المذهب المالكي بيع الثنيا
بيع الثنيا أو الوفاء كما تسميه الحنفية في الغالب، هو ما عبرت عنه المادة 118 من المجلة العثمانية بقولها " بيع الوفاء هو بيع المال بشرط أن البائع متى رد الثمن يرد المشتري إليه المبيع"
قال ابن عابدين " وصورته أن يبيع العين بألف على انه إذا رد عليه الثمن رد عليه العين . وسماه الشافعية بالرهن المعاد، ويسمى بمصر بيع الأمانة، وبالشام بيع الإطاعة، وبعض الفقهاء يسميه البيع الجائز وبعضهم يسميه بيع المعاملة ، قال ابن عابدين " هو أن يقول البائع للمشتري بعت منك هذا العين بمالك على من الدين على أني متى قضيته فهو لي، أو أن يقول " بعت منك على أن تبيعه مني متى جئت بالثمن " قال ابن عابدين : فهذا البيع باطل وهو رهن وحكمه حكم الرهن وهو الصحيح.
واقتداءا بهذا المنوال يقول أبو حنيفة : البيع فاسد والشرط فاسد. وحجته في ذلك ما يلي :
1-ما رواه عن أن الرسول صلى الله عليه وسلم " نهى عن بيع وشرط "
2- لعموم نهيه صلى الله عليه وسلم عن الثنيا في حديث جابر الذي جاء فيه " نهى رسول (ص) عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة والمعاومة والثنيا ورخص في العرايا "
ورغم ما ذهب إليه أبو حنيفة فان بعض الفقهاء الحنفية أفتوا بجوازه على سبيل الاستثناء من القاعدة العامة وهم أبو شجاع ، و علي السعدي، وأبو الحسن الماتريدي، .. وقد استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة منها :
1- أن عادة الناس جرت بالتعامل بهذا البيع، واشتهر عندهم ذلك. والعادة محكمة في الشرع والقواعد الشرعية قد تترك بالتعامل كما هو في عقد الإستصناع. فيكون بيع الوفاء جائزا .
2- أن حاجة الناس داعية إلى إجازة مثل هذا البيع فرارا من الوقوع في الربا والحاجة معتبرة في الشرع " وما ضاق على الناس أمر إلا اتسع حكمه "
3- أن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني فالبائع لما شرط على المشتري اخذ المبيع عند قضاء الدين أتى بمعنى الرهن.والرهن جائز
وإذا كانت المادة 118 من المجلة العثمانية قد تعرضت لمفهوم بيع الوفاء بالإضافة إلى ما عرف به ابن عابدين كما أسلفا، فإن الفقهاء المالكية تطرقوا لمفهوم هذا البيع بلفظي الوفاء أو الثنيا ،وقد عرفه صاحب مواهب الجليل بقوله " من ابتاع سلعة على أن البائع متى ما رد الثمن فالسلعة له "
وعرفه الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير بأنه " أن يشترط البائع على المشتري انه متى أتى له بالثمن رد المبيع له " وفيه يقول الجرجاني " أن يقول البائع للمشتري بعت منك هذا العين . بمالك علي من الدين على أني متى قضيت الدين فهو لي "
وفي نفس المعنى يقول ابن عاصم :
والشرح للثنيا رجوع ملك من ****** باع إليه عند إحضار الثمن .
وهو ما قصده المولى عبد الحفيظ بقوله :
والبيع للثنيا اشتراط من يبع ****** إرجاعه متى أحب ذا المبيع
وهو ما تطرق إليه ابن عرف بقوله " من ابتاع سلعة على أن البائع متى رد الثمن فالسلعة له".
وإذا كان فقهاء الأحناف قد تباينت مواقفهم حول الطبيعة الشرعية لبيع الوفاء .فان المذهب المالكي هو الأخر لم يسلم من هذه الازدواجية .فإبن عاصم ذهب إلى أن بيع الثنيا نوع البيوع إلا انه تارة يكون جائزا حينما يأتي الطوع بعد انعقاد العقد وهو ما عبر عنه ابن عاصم بقولة :
وجاز إن وقع بعد العقد ****** طوعا بحد وبغير حد
وتارة يكون فاسدا لاقتران العقد بالشرط وهو ما عبر عنه بنظمه :
والبيع بالثنيا لفسخ داع ****** والخرج بالضمان للمبتاع
ففي الشطر الأول من هذا البيت (والبيع بالثنيا الفسخ داع) يتضح أن ابن عاصم ذهب إلى أن بيع الثنيا بيع ولكنه فاسد والقاعدة " أن الفاسد لا يترتب عليه اثر " لذلك كان مآله الفسخ" .وفي الشطر الثاني يزيد الأمر اتضاحا بان بيع الثنيا من جنس البيع .
يقول الفقه التسولي في شرح البهجة وهو يشرح قول ابن عاصم ( والخرج بالضمان للمبتاع ) أي الغلة فيه للمشتري لأنه بيع فاسد، ثم قال مستأنفا كلامه في شرح البيت الثاني :
ولا كراء فيه هبه لأجل ******* أولا ذا الذي جرى به العمل .
أي كونه لا كراء ولا غلة فيه للبائع على المشتري مطلقا هو المشهور، لأنه لو كان الأمر كذلك كان المطبق هو الرهن وأحكامه، وهو ما رجحه التسولي خلافا لابن عاصم حيث قال : " ومقابله انه رهن لأنه سلف بمنفعة فالغلة للبائع لا للمبتاع قاله الشيخ احمد زروق وهو المشهور." فظهر بهذا أن ما رجحه الإمام التسولي في شرح التحفة من كون الغلة في بيع الثنيا للبائع مخالف لما رجحه المتأخرون كلهم فلا عبر به "
ثم اختلفوا في تعليل منع بيع الثنيا . المعروف من ذلك علة مشهورة في الذهب لمالكي:
الحالة لأولى : انه بيع وسلف وهو بيع فاسد وهذه العلة هي التي استند عليها ابن القاسم في تعليل منع هذا النوع من البيوع.
الحالة الثانية : انه سلف جر منفعة وهو فائد لأنه ربا وهذه العلة هي التي علل بها الإمام سحنون المنع وقد ذكر القولان المبنيان على العلتين المذكورتين في بيوع الأجل في المدونة فقد ورد في المدونة " أرأيت أن رجل اشترى جارية على أن البائع متى جاء بالثمن فهو أحق بالجارية . أيجوز هذا في قول مالك ؟ قال : لا . قلت : لم ؟ قال : لان هذا يصير كأنه بيع وسلف "
وقد رجحوا قول ابن القاسم في تعليله للمنع بأنه بيع وسلف أما قول سحنون بان العلة كونه سلف جر منفعة, فهو قول ضعيف المضمون. وسندنا في ذلك أن السلف قد لا يرد. وهو بهذا ليس كالسلف الجار نفعا .
والذي يظهر جليا أن الاختلافات الفقهية حول طبيعة بيع الثنيا في الذهب المالكي سادت بين القدامى فيما بينهم من جهة . وخاصة المناطق البربرية السوسية في فيافي الأطلس " فبعد أن أفتى القاضي أبو عثمان سعيد ابن علي الهوازلي بمنع التعامل ببيع الثنيا اعتمادا على القول الضعيف في المذهب وهو رأي الإمام سحنون وابن الماجشون المالكي واصدر منشورا إلى جميع القبائل السوسية وأمر بالتبريح في الأسواق والمساجد من اجل منع بيع الثنيا في بلاد سوس " . إلا انه " بعد عهد القاضي الهوزالي رجع بيع الثنيا إلى الظهور وظل يتأرجح بين اعتباره بيع الثنيا واعتباره رهنا عرفيا وانقسم الفقهاء حول طبيعته إلى طائفتين :

الطائفة الأولى : ترى انه رهن .إنما تحايل الناس و الموثقين فأطلقوا عليه وصف البيع في العقد لما راوي إن القرض الذي يجر منفعة للمقرض حرام .
الطائفة الثانية : ترى أن الرهن الجاري به العمل في العرف السوسي ما هو إلا بيع الثنيا المعروف في الفقه المالكي .لان مقصود ومبتغى الناس إنما بيع الثنيا وليس الرهن . وهذه الطائفة تشبثت بما يكتبه الموثقون والواقع انه لا ذكر للرهن في وثائقهم .
وقبل ختم هذا العنوان أرى ضرورة الإشارة لبعض النتائج التي استخلصتها من خلال تمحيصي لبعض الكتب المالكية مفادها :
1_ أن بيع الثنيا يكون صحيحا إذا كان بشرط واحد . وهو مذهب الإمام احمد بن حنبل وعليه صار الخرقي حيث قال " والبيع لا يبطله شرط واحد " .
2_ أن بيع الثنيا يكون فاسدا استنادا إلى نهي الرسول صلى الله عليه عن بيع شرط. وهو مذهب أبي حنيفة و الشافعية .
3_ أن بيع الثنيا يعد رهنا لا بيعا، لان البيع كما يقول العلامة شمس الدين الزركشي " مبادلة المال المتقوم بالمال المتقوم تمليكا وتملكا ". والتمليك الذي هو أساس الانتفاع بالشيء لا يتحقق من إبرام بيع الثنيا بالاستمرارية المعروفة في البيع البات .
وفي التفاتة أخيرة ؛سواء كانت طبيعة هذا النوع من البيوع بيعا أو سلفا أو رهنا فان الحكم هو الفسخ ، لأن لكل عقد من هذه العقود علة أو علل تؤول به إلى الفسخ .
وهكذا رأينا أن المشرع المغربي كان حريصا على تنظيم أحكام عقد بيع الثنيا ، ووضع له قواعد تتفق مع طبيعته الخاصة التي تميزه عن باقي العقود بصفة عامة، وعن باقي أنواع البيع بصفة خاصة .
ولاحظنا ، من خلال استعراضنا لأحكام هذا العقد ، مدى عناية المشرع بالجوانب المختلفة في بيع الوفاء ( الثنيا) ومدى حرصه على عدم التضحية بمصلحة طرف على حساب الطرف الأخر ، حتى لا يتخذ هذا البيع وسيلة للإضرار بأحد طرفيه.
ولا شك أن القانون المغربي ، وهو يسير على هذا النهج ، قد حاول تفادي ما رأيناه من عيوب لبيع الثنيا ، أو على الأقل حاول التقليل من مخاطره ، حتى لا يكون ستارا لأي تلاعب أو استغلال أو غبن .

بقلم ذ ياسين بنقدور
باحث بماستر القانون و الممارسة القضائية بالرباط