القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ عبد العزيز مفتاح عبد السلام الغافود
طالب الدراسات العليا بالأكاديمية الليبية – فرع مصراتة
تحت عدد: 715
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ، وبعد...... لا يقتصر ضرر الجريمة على تعكير امن المجتمع وسلامته أو تعريض مصالح المجتمع للخطر وإنما قد يسبب ضررا للأفراد، سواء كان هذا الضرر يتعلق بحياتهم أو مالهم

أو مشاعرهم أو غير ذلك مما يدفع المتضرر من الجريمة بالمطالبة بالتعويض عن الضرر المادي أو المعنوي الذي لحق به .
وكما هو معروف في الوقت الحاضر إن هناك دعوى عامة تهدف إلى تأمين سلامة المجتمع ومصالحه ، ودعوى خاصة تهدف إلى إصلاح الضرر الخاص الذي سببته الجريمة ، وأن كلا من الدعويين ( الجنائية والمدنية ) يمكن رفعهما أمام المحكمة الجنائية ، مع إمكانية رفع الدعوى المدنية أمام المحكمة المدنية شريطة أن تراعى الأصول التي يحددها القانون . وترتيبا لذلك تتحقق إمكانية صدور حكمين في موضوع الدعوى .

وهنا أوجد المشرع الليبي قاعدة حجية الجنائي على المدني وذلك منعا لتضارب الأحكام المدنية مع الأحكام الجنائية، ولهذا ارتضيت أن يكون عنوان هذه الورقة  أثر الحكم الجنائي على حرية القاضي المدني في التشريع الليبي. ولست أزعم أنني وفيت هذا الموضوع الهام لحقه من والتفصيل ؛ ذلك لأن استكمال هذا الموضوع من جميع الوجوه يتطلب وقت طويل ، ويقتصر موضوع هذه الورقة على بيان قوة الحكم الجنائي أمام القضاء المدني ، فلم أتعرض لحجية الحكم الجنائي على الحكم أمام القضاء الجنائي ، ولا لتأثير الحكم المدني على القضاء الجنائي ، كذلك لم أتعرض لبحث الدعوى المدنية المنظورة أمام القضاء الجنائي ، ولا لوقف إجراءات الدعوى المدنية حتى يتم الفصل في الدعوى الجنائية .

أهمية الموضوع :
إن هذا الموضوع هو من المواضيع المهمة سواء أكان لفقهاء القانون أو للقضاء أو للأشخاص أصحاب المنازعة القانونية ، خاصة وأنه يمثل تجسيدا لأحكام القانون في حالات الخصومة والمنازعة ، ويمثل ثمرة جهد الفقهاء في البحث عن حلول المسائل الواقعية المعاصرة ، وثمرة جهد الفقهاء في البحث عن حلول للمسائل الواقعية المعاصرة ، وثمرة جهد القاضي الجنائي في فهم الوقائع وتكييفها وتحديد النصوص المنطبقة عليها . وكذلك تبرز أهميته العملية بدون نكران فالحجية يمكنها أن تفعل ما لن يستطيع الاستئناف فعله وهو عدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها مثلا .

إشكالية الموضوع :
تقوم هذه الورقة على تساؤل مركزي مفاده : ما مدى حجية الحكم الجنائي أمام القضاء المدني ؟ ويندرج من هذا التساؤل عدة تساؤلات فرعية منها :
ما هي المسائل التي يتقيد بها القاضي المدني في الحكم الجنائي الصادر بالبراءة ؟ وما هي الأجزاء التي تحوز الحجية أمام القضاء المدني ؟ وما مدى حجية الأحكام الجنائية الصادرة بالإدانة أمام القاضي المدني ؟
المنهج المتبع :
اتبعت في هذه الورقة المنهج التحليلي الوصفي .
وقد قسمت هذه الورقة إلى مطلبين تناولت في الأول حجية الأحكام الجنائية الصادرة بالبراءة ، وتناولت في المطلب الثاني حجية الأحكام الجنائية الصادرة بالإدانة .

المطلب الأول حجية الأحكام الجنائية الصادرة بالبراءة أمام القضاء المدني
تتعدد حالات البراءة الحكم بالبراءة التي يمكن أن يحكم بها القاضي الجنائي ، فهل لكل منها قوة الأمر المقضي أمام القضاء المدني ؟ أم هناك حالات براءة لا يتقيد بها القاضي المدني ؟
ولهذا سنبحث في هذا الفرع على كل حالة على حدة ، فالحكم بالبراءة لعدم كفاية الأدلة يختلف لعدم العقاب على الفعل مثلا ، ولهذا سنعرض لكل حالة على حدة وذلك على الوجه الآتي :
الفرع الأول حالات البراءة التي يتقيد بها القاضي المدني
نصت المادة 417 إجراءات ليبي على أنه : " ... ويكون للحكم بالبراءة هذه القوة سواء بني على انتفاء التهمة أو على عدم كفاية الأدلة ..." . من هذا النص يتضح أن هناك حالات في حكم البراءة يتقيد بها القاضي المدني وهي كالتالي :
أولا : البراءة لانتفاء التهمة :
تنتفي التهمة إذا ثبت أنها لم تقع أصلا ، كأن يقدم متهم بتهمة القتل العمد ، ثم يثبت هذا الاتهام بوجود المجني عليه على قيد الحياة ، أو يتهم شخص بالسرقة ثم يعتر على المجني عليه على المسروقات دون أن تمسها يد ، كما تنتفي التهمة أيضا إذا وقعت الجريمة ولكنها لم تنسب إلى المتهم كأن تنسب إلى مجهول ، ومن ثم تكون منتفية في حق المتهم ، كما تنتفي التهمة أيضا إذا وقع الفعل ، ولكن لم يترتب عليه ضرر في الحالات التي يكون فيها الضرر ركنا من أركان الجريمة ، أو أنه كان هناك ضرر ولكن انتفت علاقة السببية بين السلوك والنتيجة . ( 1)

فإذا قضت المحكمة بالبراءة لانتفاء التهمة ، فإن لهذا الحكم حجيته أمام القضاء المدنية ، فطالما حكم القاضي الجنائي بانتفاء التهمة تعين الفصل في الدعوى المدنية على ضوء ذلك ، فلا يجوز للقاضي المدني معاودة البحث لمعرفة ما إذا وقعت الجريمة أم لا ، ولكن يشترط في ذلك أن يكون ذلك ما قطع به القاضي الجنائي في هذا الشأن ضروريا للفصل في الدعوى المدنية بحيث لا يعتبر تزيدا منه .(2) فمثلا إذا حكم القاضي الجنائي ببراءة مالك العقار الذي كان متهما بأنه مع علمه بوجود خلل في البلكون لم يرممه وتسبب بذلك بإصابة أحد السكان ، وكان سبب البراءة هو عدم وقوع الخطأ من جانبه ، إذ هو قام بإصلاح البلكون من جانبه فعلا ، فإن هذا الحكم يمنع القاضي المدني من أن يستمع إلى الادعاء بوقوع الخطأ الذي قضي الحكم الجنائي بانتفائه .

وتطبيقا لذلك قد قضت المحكمة العليا الليبية بأنه : " ... أما إذا صدر الحكم بالبراءة فيتقيد به القاضي المدني إذا بني على عدم وقوع الفعل أو نفى نسبته للمتهم أو بني على عدم كفاية أدلة الاتهام . أما إذا بني حكم البراءة على انتفاء القصد الجنائي أو على عدم تكوين الفعل للخطأ الجنائي فلا يتقيد به القاضي المدني ( المادتان 394 مدني , 417 إجراءات )". (3)

كما قضت محكمة النقض المصرية بأنه : " إذا حكمت المحكمة بالبراءة لعدم ثبوت الفعل المكون للجناية المرفوعة بها الدعوى عليه ، فإن أسباب البراءة في هذه الحالة تكون أسباب للحكم برفض دعوى التعويض ، أما الحكم بالتعويض مع الحكم بالبراءة فمحله أن يكون الفعل الضار قد ثبت وقوعه من المتهم المرفوعة عليه الدعوى المدنية " . (4)
ثانيا : البراءة لعدم كفاية الأدلة :
في هذه الحالة يقدم المتهم للمحاكمة الجنائية وتحاول النيابة العامة إثبات الاتهام ولكن لعدم توافر وكفاية الأدلة للإدانة تقضي المحكمة الجنائية بالبراءة للشك في ثبوت التهمة ؛ ذلك لأن الشك يؤدي إلى البراءة .
وهنا يثور التساؤل فهل يتقيد القاضي المدني بحكم البراءة الصادر من المحكمة الجنائية المؤسس على الشك وعدم كفاية الأدلة ، وبالتالي لا يستطيع أن يقضى بالتعويض ؟ أم أنه يستطيع أن يبحث الموضوع وربما ينتهي إلى أن الأدلة وما أضيف إليها من قرائن أو أقوال للشهود تكفي لأن تدخل المدعي عليه في دائرة المسؤولية المدنية التي هي أوسع من دائرة المسؤولية الجنائية ، وللإجابة على هذا التساؤل انقسم الفقه إلى اتجاهات :
الاتجاه الأول :
يرى هذا الاتجاه أن يتقيد القاضي المدني بحجية الحكم الجنائي ولا يجوز له معاودة البحث ولا يصح له أن يقضي بالتعويض ؛ لأن ذلك يتعارض مع حجية الحكم الجنائي لأن المفروض أن القاضي الجنائي لم يصدر حكمه بالبراءة إلا بعد أن يبحث أدلة الاتهام بحثا وافيا واطمأن إلى عدم كفايتها لإثبات إدانة المتهم . (5)
حيث إن المحكمة الجنائية التي خولها المشرع سلطة واسعة في التحقيق والإثبات قد قررت عدم إمكان إثبات مسؤولية المتهم فلا يجوز أن يسمح للمحكمة المدنية ذات السلطة المحدودة أن تقول بإمكان إثبات هذه المسؤولية فضلا عن ذلك إذا أبيح للمحكمة المدنية قبول أدلة أخرى والحكم بالتعويض فإن هذا يؤدي إلى إمكان إثبات جريمة دون سبيل إلى محاكمة فاعلها لسبق الحكم ببراءته في المحكمة الجنائية . (6)
ويضاف إلى ذلك أن في ذلك إهدار لحجية الجنائي على المدني وهو ما يأباه النظام العام ، وهو ما انتهى إليه المشرع الليبي حيث نصت المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية إلى أن يكون للحكم الجنائي الصادر من المحكمة الجنائية في موضوع الدعوى الجنائية بالبراءة أو الإدانة قوة الشيء المحكوم به أمام المحكمة المدنية في الدعاوى التي لم يكن قد فصل فيها نهائيا فيما يتعلق بوقوع الجريمة أو بوصفها القانوني ونسبتها إلى فاعلها ويكون للحكم بالبراءة هذه القوة سواء بني على انتفاء التهمة أو على عدم كفاية الأدلة ولا تكون له هذه القوة إذا كان مبينا على أن الفعل لا يعاقب عليه القانون .
وقد أخذ بهذا الاتجاه المحكمة العليا الليبية بهذا الاتجاه بنصها : " ... أما إذا صدر الحكم بالبراءة فيتقيد به القاضي المدني إذا بني على عدم وقوع الفعل أو نفى نسبته للمتهم أو بني على عدم كفاية أدلة الاتهام . أما إذا بني حكم البراءة على انتفاء القصد الجنائي أو على عدم تكوين الفعل للخطأ الجنائي فلا يتقيد به القاضي المدني ( المادتان 394 مدني , 417 إجراءات ) ".(7)
وقد انتقد هذا الرأي لأنه يفترض أن القاضي الجنائي قد بحث الأدلة بحثا وافيا ومستوفيا واطمأن إلى أنها غير كافية وما يحدث في الواقع العملي أن هذا الافتراض قد لا يتحقق في العديد من الأحيان وقد لا يبحث القاضي الجنائي الأدلة بحثا كافيا ويحدث الخطأ فهل نترك ما انتهى إليه هذا القاضي من حرمان المضرور من حقه في التعويض أمام المحكمة المدنية ونمنعها من بحث الموضوع لعلها تجد للمضرور سبيلا لإصلاح وجبر الأضرار التي لحقت به ، وإذا كان استئناف أحكام القاضي الجنائي سبيلا لتصحيح هذه الأحكام فإنه يبقى دائما وأبدا أخطاء لم يتم تداركها تؤدي إلى حرمان المضرور من التعويض ومهما كانت هذه الحالات قليلة فليس من العدل أن نتركها . (8)
الاتجاه الثاني :
وهو قول محكمة الاستئناف المصرية حيث ذهبت إلى أنه من الأوفق فيما يتعلق بهذه الأحكام هو عدم التثبت في صددها بقاعدة نظرية عامة تطبق في جميع الظروف والأحوال في حين أن لكل دعوى ملابساتها ولكل حكم ظروفه ووقائعه وأسبابه التي أوصت بها ، ومؤدى ذلك أن تصبح حجية الأحكام بالبراءة لعدم كفاية الأدلة مسألة موضوعية تقدرها المحكمة المدنية في حدود سلطتها ولكن على أن تراعى دائما ألا يتعارض حكمها مع الحكم الجنائي فلا ينفي واقعة أثبتها أو يثبت واقعة نفاها . (9)

الاتجاه الثالث :
يذهب أنصاره إلى أن الحكم الجنائي الذي يقضي ببراءة المتهم للشك في مسؤوليته ، أو لعدم كفاية الأدلة قبله ، فإن ذلك لا يمنع المحكمة المدنية من إعادة البحث في هذا الموضوع مرة أخرى ،(10) بمعنى انعدام حجية الحكم بالبراءة لعدم كفاية الدليل لدى القضاء المدني ، والعلة من ذلك أنه يحتمل أن يظفر المدعي بدليل يؤيد دعواه بالتعويض ؛ لأن تقرير المحكمة الجنائية أنها لم تستطع إثبات الخطأ لا يجزم بعدم وقوعه ، ولا يتعارض مع قيام المحكمة المدنية بإثباته . (11)
ونحن - نؤيد هذا الاتجاه – ذلك أن المسؤولية المدنية كما نعرف أوسع من دائرة المسؤولية الجنائية ، كما أن أساس المسؤولية المدنية ليس هو الخطأ وحده بل إن المشرع اعتد بحالات كثيرة لا يوجد فيها خطأ في حالات الخطأ المفترض والمسؤولية الناشئة عن الأشياء ، في حين أن أساس المسؤولية الجنائية هو النص الذي يجرم الفعل وبالتالي فيجوز اعتبار الإهمال والغش أساسا للمسؤولية المدنية وهذا يختلف في مجال المسؤولية الجنائية ، وبالتالي فإن إدانة المحكوم عليه أمام المحكمة المدنية لا يعني إدانته مرة أخرى أمام المحكمة الجنائية ، إذ لكل من المسؤوليتين (الجنائية والمدنية) أهدافها ووسائلها وليس في ذلك ما يضير النظام العام . (12)

كما أنه كما نعرف أن القاضي الجنائي مقيد بمبدأ الشك يفسر لمصلحة المتهم ، حيث إن الأحكام الجنائية تبنى على الجزم واليقين ولا تؤسس على الظن والاحتمال ،(13) والسماح للقاضي المدني ببحث الأدلة مرة أخرى قد ينتهي إلى تعويض المضرور فليس في ذلك ما يضير العدالة. والأمر الجدير بالذكر هنا هو أن الحكم الجنائي بالبراءة لعدم كفاية الأدلة لا يعني عدم حدوث الواقعة أو نفيها ، بل يعني إن القاضي الجنائي لم يثبت هذه الواقعة على المتهم لعدم كفاية الأدلة على هذا المتهم لمعاقبته ، ويبقى الضرر قائما ويبقى الشك قائما في ارتكاب المدعى عليه للفعل المؤثم مدنيا .

وعلى ذلك - فإنني أرى – ضرورة تدخل المشرع لحذف عبارة ( وعلى عدم كفاية الأدلة ) من نص المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية بحيث يسترد القاضي المدني حريته وسلطاته المفقودة ، ويكون له الحق في تعويض المضرور .
الفرع الثاني حالات البراءة التي لا يتقيد بها القاضي المدني
أولا : البراءة لعدم العقاب على الفعل :
ومعناه أن الفعل لا يكون جريمة تنطوي تحت نص من النصوص الجنائية ، حيث تعجز النصوص العقابية عن ملاحقة جميع الأفعال الخطرة واللاأخلاقية ، وبالتالي يعجز القاضي الجنائي عن إيجاد نص قانوني يدخل الواقعة تحته .(14)
فمثلا بعض القنوات التلفزيونية تبث إرسالها بطريقة مشفرة ، بحيث لا يستطيع التقاط هذا الإرسال إلا المشتركين الذين يقومون بسداد الاشتراكات بصفة دورية ، ويستلمون أجهزة لفك الشفرات ، وبالتالي عندما يقوم شخص بالاحتيال وفك هذه الشفرات ، فإنه لا يعد سارقا حيث إن نص السرقة لا ينطبق على هذه الحالة ، وتتعدد الأمثلة والحالات التي يعجز قانون العقوبات عن ملاحقتها ، ولهذا ستبقى نصوص القانون المدني هي الواجبة التطبيق ، ونصوص المسؤولية المدنية قد أثبتت قدرتها على مواجهة هذه الحالات حيث إنها تتسم بالمرونة والحيوية . ، فعندما يحكم القاضي الجنائي ببراءة المتهم لعدم العقاب على الفعل فإن هذا لا يمنع القاضي المدني من أن يقرر أن الواقعة في نظر القانون المدني تشكل فعلا ضارا يستوجب المسؤولية المدنية . (15)

وجاءت المحكمة العليا الليبية لتقرير هذا المبدأ وذلك في حكمها : " إنه وفقا للمادة 417 إجراءات يكون للحكم الجنائي بالبراءة أو الإدانة قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية في الدعاوى التي لم يكن قد فصل فيها نهائيا إلا أن الحكم بالبراءة لا تكون له هذه القوة إذا بني على أن الفعل لا يعاقب عليه القانون ....." (16)

وعلى ذلك يحق للقاضي المدني البحث بحرية فيما إذا كان الفعل مع تجرده من صفة الجريمة يخضع لنصوص المسؤولية المدنية ويحق له إلزام مرتكب الفعل بالتعويض .

ثانيا :البراءة لانتفاء الركن المعنوي :
تنعدم مسؤولية الشخص جنائيا إذا كان غير أهل لذلك ، بأن كان مجنونا أو معتوها أو غير مميز ، كما لو كان دون السابعة من عمره ، فهنا يثور التساؤل حول مدى تقيد القاضي المدني بالحكم الجنائي في هذا الصدد ؟

لما كان الحكم بالبراءة لامتناع المسؤولية لم ينف وقوع الخطأ ، وقد يكون المضرور فقير ، والجاني ( عديم التمييز ) ميسورا ، فينبغي لاعتبارات العدالة أن يلتزم عديم التمييز بتعويض المضرور تعويضا عادلا حيث إن عدم المساءلة الجنائية لا تمنع المساءلة المدنية ،(17) ولهذا فقد تدخل المشرع في المادة 167 من القانون المدني لينص على أنه : " ... ومع ذلك إذا وقع الضرر من شخص غير مميز ولم يكن هناك من هو مسؤول عنه أو تعذر الحصول على تعويض من المسؤول جاز للقاضي أن يلزم من وقع منه الضرر بتعويض عادل مراعيا في ذلك مركز الخصوم ".

ولكن هذا النص لا يسري على إطلاقه ، إذ كثيرا ما يكون عديم التمييز تحت رقابة من يتولى شؤونه ، وهذا المتولي للرقابة هو المسئول عن جبر الضرر الذي أصاب الغير من الأعمال غير المشروعة التي وقعت ممن هو تحت الرقابة . (18)
ثالثا : البراءة لانقضاء الدعوى :
تنقضي الدعوى الجنائية بوفاة المتهم ، فإذا كان الحكم بانقضاء الدعوى الجنائية ، فإن هذا الحكم ليس له حجية أمام القضاء المدني ، فانقضاء الدعوى الجنائية لا يعني انقضاء الدعوى المدنية وسقوط الحق في التعويض ، بل يظل الحق قائما في مواجهة الورثة . كذلك إذا سقطت العقوبة كلها أو بعضها لعفو عنها ، أو صدر قانون للعفو الشامل ممن حكم بالإدانة فإن ذلك لا يؤثر على الدعوى المدنية فيؤدي إلى سقوطها بل يظل للمجني عليه حقه في التعويض.(19)

رابعا: البراءة لانعدام الاختيار :
انعدام حرية الاختيار يعني وجود قوة قاهرة أو حادث فجائي أو إكراه مادي يقع على النشاط المادي أو العضوي للإنسان فتقود هذه القوة الإنسان إلى ارتكاب الواقعة ، وتقضي المحكمة الجنائية ببراءة المتهم لانعدام حرية اختياره ، وهنا يثور التساؤل حول حجية الحكم الجنائي الصادر بالبراءة أمام القضاء المدني ، وهل يسترد القاضي المدني حريته في البحث عن إخضاع المتسبب في المسؤولية المدنية ؟

أجابت عن هذا التساؤل المادة 171 من القانون المدني بنصها : " من سبب ضررا للغير ليتفادى ضررا أكبر محدقا به أو بغيره لا يكون ملزما إلا بالتعويض الذي يراه القاضي مناسبا". ولتطبيق هذا النص ينبغي توافر ثلاث شروط :
1.وجود خطر حال يهدد الشخص في ماله .
2.أن يكون مصدر الخطر أجنبي ، بمعنى ألا يكون للشخص فيه يدا ، أما إذا كان له يد في وجود هذا الخطر فإنه يسأل عنه وتصبح مسؤوليته كاملة .
3.أن يكون الخطر المراد دفعه وتفاديه أكبر بكثير من الضرر الذي وقع ، أما إذا كان مساويا للضرر فإنه يسأل وتصبح مسؤوليته تقصيرية وكاملة . (20)
هكذا فالمشرع الليبي لا يقيد القاضي المدني بالبراءة لانعدام حرية الاختيار لدى المتهم ؛ لأن ذلك قد يضير العدالة وبالتالي فإن المشرع يسعى دائما إلى تحقيق العدل متخذا في قاعدة حجية الحكم الجنائي أداة ووسيلة من وسائله يستخدمها متى تبين أنها تحقق العدل ، وبالتالي فإن التزام القاضي المدني بحجية الحكم الجنائي ليس هدفا في ذاتها ، بل هو أداة للوصول إلى العدالة التي ينشدها المشرع .
المطلب الثاني حجية الأحكام الجنائية الصادرة بالإدانة
سنتناول في هذا الفرع المسائل اللازمة للقاضي المدني لحكم الإدانة ، والمسائل غير اللازمة لحكم الإدانة الجنائي، ثم نتطرق إلى أجزاء في الحكم الجنائي تنال الحجية .

الفرع الأول المسائل التي يتقيد بها القاضي في حكم الإدانة الجنائي
أولا : صحة وقوع الجريمة :
إن الحكم الجنائي له حجية فيما يتعلق بثبوت وقوع الجريمة من عدمه والمقصود بوقوع الجريمة الوجود المادي والقانوني لها . بمعني أن القاضي المدني ملتزم بما ورد بالحكم الجنائي متعلقا بوقوع الفعل المادي المكون للجريمة وحدوث النتيجة غير المشروعة وعلاقة السببية بينهما. (21)
فإذا قضي الحكم الجنائي بالإدانة لوقوع الفعل من المتهم فإنه على القاضي المدني أن يلتزم بذلك فلا يعيد بحث وقوع الجريمة من المدعي عليه من عدمه ، فهذه مسألة بث فيها الحكم الجنائي ، وأصبحت ملزمة للقاضي المدني ، فالحكم الجنائي في هذا الصدد ملزم للكافة فلا تجوز إعادة مناقشة هذه المسألة ثانية . (22)

وقد قضت المحكمة العليا الليبية بأنه : " إن حجية الحكم الجنائي تكون على أمور ثلاثة وهي: وقوع الجريمة ووصفها القانوني والشخص الذي ارتكب الجريمة فإذا أثبت الحكم الجنائي أن الجريمة وقعت أو لم تقع كان ذلك ملزما للمحكمة المدنية كما أنه ليس للمحكمة أن تغير الوصف القانوني للفعل الذي صدر بشأنه الحكم الجنائي ، وبالنسبة للفاعل فإن المحكمة المدنية ليس لها أن تغير ما قررته المحكمة الجنائية في أن الشخص أرتكب الجريمة أو لم يرتكبها....".

ثانيا : الالتزام بالوصف القانوني للجريمة :
إن ظاهر نص المادة 394 من القانون المدني يفيد أن القاضي المدني لا يتقيد بتكييف الواقعة ، إذ نصت على أنه : " لا يرتبط القاضي المدني بالحكم الجنائي إلا في الوقائع التي فصل فيها هذا الحكم وكان فصله فيها ضروريا " .
ويرى الباحث أن هذا النص معيب من حيث الصياغة ؛ ذلك لأن القاضي المدني يتقيد بما يقرره الحكم الجنائي من حيث الوقائع ومن حيث التكييف القانوني لهذه الوقائع ، وهذا ما أكدته صراحة المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية بقولها إن الحكم الجنائي يحوز حجية الشيء المحكوم فيه أمام القضاء المدني فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني .
مع ملاحظ أن عبارة الوصف القانوني الواردة بالنص ينبغي تفسيرها على أن المقصود بها هو ( الوصف الجنائي ) للوقائع المطروحة أمام المحكمة الجنائية ، أي من ناحية قانون العقوبات دون غيره من القوانين . (23)
وتطبيقا لذلك فقد قررت المحكمة العليا الليبية بأنه : " إن حجية الحكم الجنائي أمام المحاكم المدنية تكون قاصرة على أمور ثلاث هي (1) وقوع الجريمة (2) وصفها القانوني (3) الشخص الذي ارتكب الجريمة , فإذا اثبت الحكم الجنائي أن جريمة ما وقعت أو لم تقع صار ذلك ملزما للمحكمة المدنية بحيث لا يمكن أن تقرر عدم وقوعها إذا ما اثبت الحكم الجنائي وقوعها , أو تقرر وقوعها إذا كان الحكم الجنائي قرر عدم وقوعها كما انه ليس للمحكمة أن تغير الوصف القانوني للفعل الذي صدر بشأن الحكم الجنائي فإذا كانت المحكمة الجنائية أدانت شخصا بأنه ارتكب جريمة خيانة أمانة فان المحكمة المدنية لا يمكنها بعد ذلك أن تغير الفعل سرقة أو نصبا وإنما هي ملزمة باعتباره خيانة أمانة وثالثا بالنسبة للفاعل فإذا اثبت الحكم الجنائي إن شخصا ارتكب أو لم يرتكب جريمة صار ذلك ملزما للمحكمة المدنية بحيث لا يمكنها أن تغير ما قررته المحكمة الجنائية " .(24)

ثالثا : الالتزام بثبوت الجريمة من قبل المتهم :
إذا ما انتهت المحكمة الجنائية من ثبوت ارتكاب المتهم للفعل الجنائي وثبوت التهمة قبله ، فإن ذلك من مستلزمات الفصل في الدعوى ، وبالتالي فهو ملزم للمحكمة المدنية ، التي عليها ألا تعيد بحث ثبوت الفعل من عدمه لتصل إلى عدم ثبوته ورفض دعوى التعويض ، فذلك أمر يتنافى مع حجية الحكم الجنائي ، ويؤدي إلى التعارض بين الحكمين .

وقد قضت محكمتا النقض الفرنسية والمصرية بأن القاضي المدني مقيد بالحكم الجنائي بالنسبة لثبوت الواقعة التي تكون أساسا مشتركا للدعويين الجنائية والمدنية ووصف الواقعة واشتراك المتهم في ارتكابها . (25)

وقد ذهبت المحكمة العليا الليبية إلى ذلك أيضا وذلك في نصها : " ... وثالثا بالنسبة للفاعل فإذا اثبت الحكم الجنائي إن شخصا ارتكب أو لم يرتكب جريمة صار ذلك ملزما للمحكمة المدنية...". (26)

رابعا : أجزاء في الحكم الجنائي تنال الحجية أمام القضاء المدني :
تتمثل أجزاء الحكم من الديباجة فالوقائع فطلبات الخصوم ومستنداتهم ، فالأسباب فالمنطوق ، ويجدر التساؤل هنا هل لهذه الأجزاء حجية أمام القضاء المدني أم لا ؟

1.منطوق الحكم :
المنطوق هو : " الجزء من الحكم الذي يفصل في الطلبات المطروحة على المحكمة ويكتب في نهاية الحكم بعد عبارة فلهذه الأسباب حكمت المحكمة ، أو أية عبارة أخرى بهذا المعنى" . (27)
وقد يفصل المنطوق في بعض وقائع النزاع بصورة صريحة، ويقصد به الفصل الصريح في طلبات الخصوم التي كانت مطروحة للمناقشة بالقبول أو الفرض مثل هذا المنطوق الصريح تثبت له الحجية فلا يجوز لأي من الطرفين إعادة طرح هذا الموضوع أمام نفس المحكمة وإنما يجوز طرحه أمام محكمة أعلى بطريق الطعن عليه . (28)
وقد ذهبت المحكمة العليا إلى أنه : " إن الأصل في الأحكام ألا ترد الحجية إلا على منطوقها ولا يمتد أثرها إلى الأسباب إلا لما كان مكملا للمنطوق ومرتبطا به ارتباطا وثيقا غير متجزئ ....". (29)
هذا فيما يتعلق بالمنطوق الصريح أما المنطوق الضمني أو الذي يشوبه الغموض فيرى البعض أنه تشمله الحجية ما دام هو النتيجة الحتمية للمنطوق الصريح . (30)
بينما ذهب البعض الآخر- وبحق - أنه ينبغي ألا يحوز المنطوق الضمني الحجية أمام القضاء المدني ولا يمنع القضاء المدني من بحث الموضوع إذ أن غموض المنطوق يعيد الحرية لصاحب الاختصاص الأصلي وهو القاضي المدني ولا يعقل أن يسلب منه الاختصاص بحجة المنطوق الضمني للحكم الجنائي ، وإن جاز أن يكون للمنطوق الضمني الحجية فذلك مشروط بأن تكون المحكمة قد قامت ببحث الأمر المتعلق بالمنطوق الضمني وكان مطروحا عليها . (31)

2.الأسباب المرتبطة ارتباطا وثيقا بالحكم الجنائي :
وهي " الأسباب التي ترتبط بالمنطوق وتكون معه وحده لا يمكن الفصل بينهما ، وأن يكون الحكم والمنطوق نتيجة لازمة لهذه الأسباب "(32) .
والفقه والقضاء في فرنسا يجمعان على ارتباط القاضي المدني بأسباب الحكم الجنائي المتصلة اتصالا وثيقا بالمنطوق ، ويستعملون في هذا الصدد عبارات مختلفة فيقولون بأن الحجية تثبت للأسباب التي هي روح وعصب الحكم I`ame et le nerf de sentence أو للأسباب التي هي دعامة ضرورية للحكم le soutien necessaire أو التي تكون مع المنطوق جسما واحدا font corps avec le dispositive . (33)

فهناك حالات لابد فيها من الرجوع إلى أسباب الحكم الجنائي لمعرفة مدى تأثيره على القضاء المدني ، كحالة الحكم بالبراءة مثلا - كما أشرنا – فيجب الرجوع إلى أسباب البراءة فإذا كان سببها عدم وقوع الفعل وجب رفض دعوى التعويض المنظورة أمام القضاء المدني ، وإذا كان سببها أن الفعل لا يعاقب عليه القانون فلا يحوز هذا الحكم أية حجية أمام القضاء المدني .

3.الوقائع :
تنص المادة 394 من القانون المدني على أنه : " لا يرتبط القاضي المدني بالحكم الجنائي إلا في الوقائع التي فصل فيها هذا الحكم وكان فصله فيها ضروريا " .
والمقصود بالوقائع الأفعال التي تشكل الركن المادي في الجريمة أو ما يطلق عليه السلوك الإجرامي وهو المظهر الخارجي لنشاط المتهم الذي يؤدي إلى ظهور الوقائع بشكل ملموس .
ولذلك فالوقائع تنقسم بهذا إلى وقائع لم تعرض على المحكمة ولم تفصل فيها وهذه لا تحوز الحجية ، ووقائع تعرض على المحكمة دون الضرورة أن تفصل فيها رغم عدم ارتباطها الوثيق بالحكم ويكون فصل المحكمة فيها ليس ضروريا فهذه أيضا لا تحوز الحجية ، أما بالنسبة للوقائع التي عرضت على المحكمة وفصلت فيها فإن الأمر لا يخرج عن الفصل بالإدانة أو البراءة ، فإذا فصلت بالإدانة فإنها تشكل الركن المادي للجريمة وتعد دعامة لهذا القضاء يلتزم بها القاضي المدني وتحد من حريته وتحوز الحجية .
أما إذا حكمت بالبراءة فإن الأمر يختلف ففي حالة تأسيس الحكم بالبراءة على أن الواقعة لا يعاقب عليها القانون فيكون للقاضي المدني الحرية وبحث ما إذا كان الفعل رغم تجرده من صفة الجريمة يشكل ويكون ركنا من أركان المسؤولية المدنية وبالتالي له أن يقضي بالتعويض . (34)
الفرع الثاني المسائل التي لا يتقيد بها القاضي في حكم الإدانة الجنائي
لا يتقيد القاضي المدني بالمسائل غير اللازمة للفصل في الدعوى الجنائية ومن هذه المسائل ما يلي :
أولا : تحديد شخصية المضرور :
يفرق جانب من الفقه بين جرائم الأشخاص وجرائم الأموال ، فإذا تعلق الأمر بالنسبة لجريمة من جرائم الأشخاص فمن الصعب فصل الضرر عن شخصية المجني عليه ، فمثلا في جرائم القتل والضرب والسب والزنا وهتك العرض لا ينفصل الضرر عن شخصية المجني عليه في هذه الجرائم وفي غيرها من جرائم الأشخاص يعد ضروريا لقيام الحكم الجنائي وبالتالي يلتزم به القاضي المدني . (35)
أما بالنسبة لجرائم الأموال ، فإن تحديد شخصية المجني عليه يعد مسألة ثانوية ، إذ يكفي أن يقرر الحكم الجنائي في هذه الجرائم أن ثمة اعتداء قد وقع على ملكية الغير ، ويترتب على ذلك أن تحديد شخصية المجني عليه في هذه الجرائم لا يتقيد به القاضي المدني . (36)
ولعل الصحيح هو أن تحديد شخصية المجني عليه لا يكون ضروريا لقيام الحكم الجنائي إلا إذا كان من شأنه أن يؤثر في التكييف الجنائي للجريمة أو في مقدار العقوبة المقررة لها .
ثانيا : تحديد مقدار الضرر :
القاعدة العامة هي أن التشريع الجنائي لا يهمه مدى الضرر الناشئ عن الجريمة ، وإنما يهمه هو جسامة الخطأ الصادر من المتهم ، فيما يقرره الحكم الجنائي بشأن مدى الضرر الناشئ عن الجريمة يعد بيانا ثانويا لا يقيد القاضي المدني . (37)
ويستثنى من ذلك الحالات التي يؤثر فيها مدى الضرر في تكييف الجريمة أو في مقدار العقوبة .
ففي بعض الجرائم يعلق المشرع التكييف الجنائي للجريمة على مدى الضرر الناشئ عنها فمثلا جريمة الضرب يعد جنحة كأصل عام ، ولكنه يتحول إلى جناية إذا نشأت عنه عاهة مستديمة يستحيل برؤها ، أو إذا أفضي إلى الموت . ففي مثل هذه الحالات يعتبر مدى الضرر دعامة ضرورية لقيام الحكم الجنائي ، ولا يملك القاضي المدني أن يجادل في شيء من ذلك .(38)

ثالثا : تشديد العقوبة وتخفيفها :
الضرر هو المناط في تقدير التعويض ، ولا شأن لتشديد العقوبة أو لتخفيفها بمقدار التعويض الذي يحكم به القاضي المدني ، فمسألة مقدار العقوبة مسألة موضوعية متروكة لسلطان قاضي الموضوع تدور بين الحدين الأدنى والأقصى ، ولا يؤثر ذلك على القاضي المدني فيما ينتهي إليه بشأن التعويض ، فلا يعني الحكم بأقصى العقوبة على المتهم أن يعني ذلك إلزام القاضي المدني بأقصى قدر من للتعويض وهو القدر الذي يطلبه المجني عليه ، ولا يعني النزول إلى الحد الأدنى التزام المحكمة بأقل قدر ممكن من التعويض ، فلا حجية لقدر العقوبة على قدر التعويض . (39)

لكن إذا كان مناط التشديد لظرف مشدد أثر على الوصف القانوني فإن لهذا التكييف أثره على القاضي المدني ، فظرف الإكراه الذي يغير وصف السرقة من الجنحة إلى الجناية ، وظرف الترصد الذي يشدد عقوبة الجناية من الظروف التي ترتبط بالفصل في الدعوى الجنائية وهو التكييف الذي يلتزم به القاضي المدني ويتعين عليه مراعاته عند الحكم بالتعويض جسامة الفعل الذي اعتمدته المحكمة الجنائية .

رابعا : المسؤولية القائمة على الخطأ المفترض :
استقرت أحكام القضاء الليبي على الأخذ بالنظرية التقليدية التي تقيم المسؤولية المدنية التقصيرية على نوعين من الخطأ : الأول هو الخطأ الواجب الإثبات ، والثاني هو الخطأ المفترض كما هو الحال بالنسبة لمسؤولية حارس الحيوان ، ومسؤولية حارس الحيوان ومسؤولية حارس الأشياء، أما المسؤولية الجنائية فالقاعدة العامة أنها مسؤولية واجبة الإثبات .

وتطبيقا لذلك قد قضت محكمة النقض المصرية بأنه : " لا يكفي لمساءلة الشخص عما يصيب الغير من الأذى بفعل حيوانه أن يثبت أن ذلك الحيوان مملوك له ، فإن ذلك إذا صح مبدئيا أن يكون سببا للمسؤولية المدنية فإنه لا يكفي في تقرير المسؤولية الجنائية التي لا يصح أن يكون لها محل إذا ثبت على المالك نوع من الخطأ في المحافظة على حيوانه ومنع أذاه عن الغير ." (40)

ويترتب على ذلك أنه إذا ما قضت المحكمة الجنائية – مثلا ببراءة المتهم من تهمة القتل الخطأ أو الإصابة الخطأ ، فلا يمنع ذلك المحكمة المدنية من إلزام المتهم بالتعويض بناء على الخطأ المفترض في جانبه ، ومن باب أولى يجوز إلزام حارس الشيء بالتعويض إذا كان غير المتهم المحكوم ببراءته . (41)
الخاتمــــة
بعد أن استكملت هذه الورقة يمكنني أن استخلص أهم ما توصلت إليه من نتائج وتوصيات :
أولا : النتائج
1.تتعدد حالات الحكم بالبراءة التي يمكن أن يحكم بها القاضي الجنائي ، ولا يتقيد القاضي المدني بها إلا إذا صدر الحكم بناءا على عدم وقوع الفعل أو نفى نسبته للمتهم أو بني على عدم كفاية أدلة الاتهام .

2.المسائل التي يتقيد بها القاضي المدني في حكم الإدانة الجنائي هي صحة وقوع الجريمة وبوصفها القانوني وبثبوت الجريمة من قبل المتهم .

ثانيا التوصيات :
1. نرى ضرورة تدخل المشرع لحذف عبارة ( وعلى عدم كفاية الأدلة ) من نص المادة 417 إجراءات ليبي بحيث يسترد القاضي المدني حريته وسلطاته المفقودة ويكون له الحق في الحكم بالتعويض ؛ وذلك لأن حكم البراءة لعدم كفاية الأدلة لا يعني عدم حدوث الواقعة من المتهم ولا يعني نفيها ، بل يعني إن القاضي الجنائي لم يثبت هذه الواقعة على المتهم لعدم كفاية الأدلة على هذا المتهم ويبقى الضرر قائما ويبقى الشك قائما في ارتكاب المدعي عليه للفعل المؤثم مدنيا ، وهذا لا يضير العدالة بقدر ما يؤذيها إفلات الجاني وبقاء المضرور بدون تعويض.

2.ضرورة قيام المشرع الليبي بوضع النصوص المتعلقة بقاعدة حجية الجنائي في قانون واحد سواء في قانون الإجراءات الجنائية أو في القانون المدني ، بدلا من تركها متناثرة بينهما فالتنسيق التشريعي يقتضي تجميع النصوص المتعلقة بهذه القاعدة في قانون واحد ، هذا فضلا على أن قواعد تطبيق النصوص الجنائية تختلف عن قواعد تطبيق النصوص المدنية، إذ لكل منهما أحكام خاصة .

قائمة المصادر والمراجع
أولا : الكتب:
1.إدوار غالي الذهيبي ، حجية الحكم الجنائي أمام القضاء المدني ، مكتبة غريب ، مصر ، (د.ت) ، (د.ط) .
2. إدوار غالي بطرس ، قوة الحكم الجنائي أمام القضاء المدني ، مجلة القانون والاقتصاد ، 1958م ، السنة 27 ، العدد الأول والثاني ، مطبعة جامعة القاهرة .
3.الهادي علي أبو حمرة ، الموجز في قانون الإجراءات الجنائية الليبي ، مكتبة طرابلس العلمية العالمية ، 2011-2012 ، د.ط .
4.سليمان مرقص ، الوافي في الالتزامات الفعل الضار والمسؤولية المدنية ، المجلد الثاني ، مصر الجديدة ، 1988 ، ط5 .
5. عبد الحكيم فودة ، الدفع بعدم جواز نظر الدعوى المدنية لسابقة الفصل فيها ( في ضوء الفقه وقضاء النقض حتى سنة 2005 ) ، منشأة دار المعارف ، الإسكندرية –مصر ، 2007 .
6.عبد الحميد الشواربي ، حجية الأحكام المدنية والجنائية في ضوء القضاء والفقه ، منشأة المعارف ، الإسكندرية – مصر ، 1990 ، ( د.ط ) .
7. عبد الرزاق السنهوري ، الوسيط في شرح القانون المدني – مصادر الالتزام ، المجلد الثاني.
8.عصام أحمد عطية البهجي ، الحكم الجنائي وأثره في الحد من حرية القاضي المدني ، دار الجامعة الجديدة ، الإسكندرية – مصر ، 2005
9.مأمون سلامة ، الإجراءات الجنائية في التشريع الليبي ، الجزء الأول ، منشورات المكتبة الجامعية ، الزاوية- ليبيا ، 1424ه -2000م .
ثانيا : الرسائل الجامعية :
1.عليوش زكريا ، الحكم الجنائي وحجيته أمام القضاء المدني ، رسالة ماجستير غير منشورة ، جامعة قسطنطينة–كلية الحقوق ، سنة 2014 .
ثالثا : المجلات والأحكام القضائية :
1.مجلة القانون والاقتصاد ، السنة 27 ، العدد الأول والثاني ، مطبعة جامعة القاهرة ، 1958م.
2.مجموعة أحكام المحكمة العليا الليبية
3.مجموعة أحكام محكمة النقض المصرية .
1.() ينظر إلى : عبد الحكيم فودة ، الدفع بعدم جواز نظر الدعوى المدنية لسابقة الفصل فيها ( في ضوء الفقه وقضاء النقض حتى سنة 2005 ) ، منشأة المعارف ، الإسكندرية –مصر ، 2007 ، ص 457 .
2.()ينظر إلى : سليمان مرقص ، الوافي في الالتزامات الفعل الضار والمسؤولية المدنية ، المجلد الثاني ، مصر الجديدة ، 1988 ، ط5 ، ص 620 .
3.() طعن مدني ، مبادئ المحكمة العليا الليبية ، جلسة بتاريخ 21/12/1971 ، رقم الطعن 3/18 ق ، سنة 8/2- ، ص 35 .
4.() طعن جنائي ، جلسة 8/10/1945 ، المحاماة ، السنة 27 ، رقم 322 ، ص 767 .
5.()عصام أحمد عطية البهجي ، الحكم الجنائي وأثره في الحد من حرية القاضي المدني ، دار الجامعة الجديدة ، الإسكندرية – مصر ، 2005 ، ص 71 .
6.() ينظر إلى : عبد الحكيم فودة ، مرجع سابق ، ص 461 .
7.() طعن مدني ، مجلة المحكمة العليا الليبية ، جلسة بتاريخ 21/12/1971 ، رقم الطعن 3/18 ق ، سنة 8/2- ، ص 35 .
8.() ينظر إلى : عصام أحمد عطية البهجي ، مرجع سابق ، ص 73 .
9.()ينظر إلى : إدوار غالي الذهبي ، حجية الحكم الجنائي أمام القضاء المدني ، مكتبة غريب ، مصر ، ( د.ت) ، (د.ط) ، ص 49.
10.() ينظر إلى : عليوش زكريا ، الحكم الجنائي وحجيته أمام القضاء المدني ، رسالة ماجستير غير منشورة ، جامعة قسطنطينة–كلية الحقوق ، سنة 2014 ، ص 62 .
11.() ينظر إلى : عبد الحكيم فودة ، مرجع سابق ، ص 460 .
12.() ينظر إلى : عصام أحمد عطية البهجي ، مرجع سابق ، ص 74 .
13.() ينظر إلى : طعن جنائي ، مبادئ المحكمة العليا الليبية ، جلسة بتاريخ 28-12-2005 ، رقم الطعن 963/51 ق ، سنة 40/4-3 ، ص 220 .
14.() ينظر إلى : عصام أحمد عطية البهجي ، مرجع سابق ، ص 78 .
15.() ينظر إلى : عبد الحكيم فودة ، مرجع سابق ، ص 463-464 .
16.() طعن مدني ، مبادئ المحكمة العليا الليبية ، جلسة بتاريخ 9/02/1977 ، رقم الطعن 111/22 ق ، سنة 14/1- ، ص 197 .
17.() ينظر إلى : عبد الحميد الشواربي ، حجية الأحكام المدنية والجنائية في ضوء القضاء والفقه ، منشأة المعارف ، الإسكندرية – مصر ، 1990 ، ( د.ط ) ، ص 393 .
18.() ينظر إلى : عبد الحكيم فودة ، مرجع سابق ، ص 469 .
19.() ينظر إلى : الهادي علي أبو حمرة ، الموجز في قانون الإجراءات الجنائية الليبي ، مكتبة طرابلس العلمية العالمية ، 2011-2012 ، د.ط ، ص 80-81 .
20.() عبد الرزاق السنهوري ، الوسيط في شرح القانون المدني – مصادر الالتزام ، المجلد الثاني ، ص 1105 .
21.()مأمون سلامة ، الإجراءات الجنائية في التشريع الليبي ، الجزء الأول ، منشورات المكتبة الجامعية ، الزاوية- ليبيا ، 1424ه -2000م ، ص 423 .
22.() ينظر إلى : عبد الحكيم فودة ، مرجع سابق ، ص 422 .
23.() ينظر إلى : إدوار غالي الذهبي ، مرجع سابق ، ص 279 .
24.() طعن مدني ، مبادئ المحكمة العليا الليبية ، جلسة بتاريخ 17/6/1967 ، رقم الطعن 6/14 ق ، سنة 4/1- ، ص 27 .
25.() عبد الحكيم فودة ، مرجع سابق ، ص 426 .
26.() طعن مدني ، مبادئ المحكمة العليا الليبية ، جلسة بتاريخ 17/6/1967 ، رقم الطعن 6/14 ق ، سنة 4/1- ، ص 27 .
27.() إدوار غالي الذهبي ، مرجع سابق ، ص 219 .
28.()ينظر إلى : عصام أحمد عطية البهجي ، مرجع سابق ، ص 130 .
29.() طعن مدني ، مبادئ المحكمة العليا الليبية ، جلسة بتاريخ 17/6/1967 ، رقم الطعن 6/14 ق ، سنة 4/1- ، ص 27 .
30.() ينظر إلى : إدوار غالي الذهبي ، مرجع سابق ، ص 263 .
31.() ينظر إلى : عصام أحمد عطية البهجي ، مرجع سابق ، ص 131 .
32.() المرجع السابق ذاته ، ص 132 .
33.() ينظر إلى : إدوار غالي بطرس إدوار غالي بطرس ، قوة الحكم الجنائي أمام القضاء المدني ، مجلة القانون والاقتصاد ، 1958م ، السنة 27 ، العدد الأول والثاني ، مطبعة جامعة القاهرة ، ص 53 .
34.() ينظر إلى : عصام أحمد عطية البهجي ، مرجع سابق ، ص 135-136 .
35.() ينظر إلى : إدوار غالي الذهبي ، مرجع سابق ، ص 295 .
36.() ينظر إلى : عبد الحكيم فودة ، مرجع سابق ، ص 430 .
37.() ينظر إلى : إدوار غالي الذهبي ، مرجع سابق ، ص 300 .
38.() إدوار غالي الذهبي ، مرجع سابق ، ص 301 .
39.() عبد الحكيم فودة ، مرجع سابق ، ص 434 .
40.() نقض مدني ، 14 فبراير ، سنة 1952 ، مجموعة الأحكام في 25 سنة ، ج 2 ، ص 974 ، رقم 44 .
41.()ينظر إلى : عصام أحمد عطية البهجي ، مرجع سابق ، ص 114-115 .

بقلم ذ عبد العزيز مفتاح عبد السلام الغافود
طالب الدراسات العليا بالأكاديمية الليبية – فرع مصراتة