القانون العام

بقلم ذ مصطفى المنوزي
محام رئيس منتدى الحقيقة والإنصاف
تحت عدد: 83

بمجرد أن انطلق العد العكسي لاقتراب مأسسة استقلال القضاء كسلطة دستورية من خلال تشكيل المجلس الأعلى للسلطة القضائية بصلاحيات جديدة وقوية ،بدأت أنواع مختلفة من ردود الفعل تتبلور باسم حفظ التوازنات وتكريس ضمانات وحقوق مكتسبة ،وفي هذا السياق نطرح لماذا لجأت إدارة الدفاع الوطني في شخص الوزير المنتدب الذي أعد مشروع القانون رقم 12/01 وعرضه على أول مجلس وزاري برئاسة الملك للمصادقة عليه قبل عرضه على السلطة التشريعية ،والذي –في نظري- لا يمكن فهم سياقاته فقط من زاوية التحليل السياسي المحض ،وإن كان منهج علم الإجتماع القانوني يعطي الأولوية لهذا التحليل لفهم الخلفيات الحقيقية في ظل تحولات مجتمعية مكثفة إثر ربيع الدمقراطية المغربي ،وبالتالي فلزاوية التحليل القانوني أهميته البينة ؛ ذلك أن متطلبات الإصلاح الدستوري والتشريعي والمؤسساتي هي التي فرضت حضور المقاربة القانونية والحقوقية في عملية التأسيس للانتقال التدريجي نحو دولة الحق والقانون .


إن مثار بسط هذا التمييز هو أن مقترح مسودة هذا القانون قد تعمد إقحام مقتضيات جنائية فردية خاصة بالعسكريين ضمن ستة عشر مادة تبدو في مجملها وكأنها تروم تسوية وتحسين وضعية إجتماعية وإنسانية مرتبطة بالوضعية الفردية المادية والمعنوية مقرونة بضمان الحقوق والحريات المتعلقة بالتعبير والتنظيم والتقاعد ،هذا التماهي الذي أسس عن وعي أو عن غير وعي لمفارقة خطيرة تتجلى تداعياتها في تكريس مفترض لمواطنة إمتيازية ؛فإذا كان من الثابت أن الحكومة هي المؤهلة بإعداد السياسة الجنائية وكذا السياسة الإجتماعية في إطار تسطير سياساتها العمومية ؛فإنه ينبغي ملاحظة حكمة المشرع الكوني /المقارن في اعتبار كل ما يتعلق بالشأن العمومي يجب أن يحاط بعناية خاصة ،على الخصوص فيما يخص النظام العام والمصلحة العمومية،الشيء الذي يرتب شمول المواطنات والمواطنين بحماية خاصة كمعنيين ومستهدفين بالحقوق المقررة دستوريا ،وبالتالي فالسياسة العمومية التي تترجم إرادة الدولة في تلبية حاجيات المجتمع في الأمن والصحة والتعليم والشغل ،أي في كل ما يتعلق بالحقوق المدنية والسياسية والثقافية والإجتماعية والإقتصادية، من المفروض أن ينتبه إزاءها المشرع الى هذه السياقات التي تروم مزيدا من الحريات وصون الحقوق باعتبار الحاجة الى توسيع فئة الأشخاص المحتمل متابعتهم بالجرائم الماسة بالإدارة العمومية من خلال اعتماد مفهوم الأشخاص المؤتمنين على السلطة العامة أو المكلفين بمهمة مرفق عام، وذلك بالنظر الى إرادة التاسيس للمخالفات والجرائم أو لتشديد العقوبات عنها ،ففي هذا الصدد يركز فقهاء القانون الجنائي على أن الدولة ،بواسطة المنظومة الجنائية، إن كانت تسمح لموظفيها أو من في حكمهم بممارسة جزء من سلطتها مع ما يتطلب ذلك من تقليص لفضاء الحريات والحقوق، فمهندسوها يعون جيدا بأن نجاح ذلك لا يمكن أن يتم إطلاقا على حساب المغالاة في التمسك بمنطق حماية المصلحة العامة ،مما يستدعي لديهم استحضار كثير من الاعتبارات وان كان يصعب التوفيق فيما بينها من أجل خلق مفهوم شمولي للموظف يكشف عن القاعدة الجنائية دورها الأصلي والثابت في مكافحة ظاهرة التعسف والجريمة في مجال الشأن العام ،بغض النظر عن استمرار فكرة " هيبة الدولة "كمظهر للتوقير ورمز للسلطة العليا  وكمبرر أساسي لمنطق التجريم والعقاب ،في مواجهة أشكال الانحراف والشطط الذي قد تفسر امتدادا لتعسف الدولة عبر موظفيها ومن في ركبهم.من هنا تأتي أهمية إعادة النظر في مفهوم النظام العام الذي لم يعد يواكب التحولات العالمية في مجال حقوق الإنسان ، بحيث ينبغي أن يلاءم مع مفهوم "دولة المجتمع " بدل المفهوم التقليدي السابق " مجتمع الدولة " ،فلم يعد مجديا ربط مفهوم سلطة الدولة بالنظام العام بل يقتضي الأمر ربط هيبة الدولة وقوة سلطتها بمدى حرية المجتمع التي تضمنها في منأى عن تعسف وشطط موظفيها كامتداد لسلطتها .

فكيف رخص المشرع /الوزير المنتدب المكلف بالدفاع لنفسه أن يشذ عن سياق فلسفة المشرع الجنائي خارج خصائص القاعدة القانونية التي تصر على اعتبار اجتماعيتها وعموميتها وتجريدها ؟

انطلاقا من وعي الدولة بأن الموظف ليس امتدادا لسلطتها سوى فيما هو مشروع وخاضع لضوابط القانون ،فإنه من الناحية المنطقية لا يمكنها إلا أن تسمح له بممارسة جزء من سلطتها في سياق ضبط علاقتها بالمواطنين بما يعني ذلك من حفظ النظام وتأمين الاستقرار وتحصين الحقوق والحريات العامة مقابل احترام الجميع للسلطة العامة  والحق العام ، أليس القانون الجنائي هو الضابط لهذه العلاقة ؟ فمن الذي دفع ادارة الدفاع الى الحلول محل وزارة العدل والحريات ،باعتبار أن هذه الأخيرة هي المكلفة دستوريا وقانونيا بالتشريع في مجال السياسة الجنائية ؟

نطرح هذه التساؤلات من زاوية افتراض الشرعية الوهمية  في ممارسات الموظفين الذين يعتقدون  بأن من شأن تعسفهم وبطشهم في حق المواطنين ،تقوية وتعزيز موقعهم داخل هرم السلطة بعلة أن امتياز السلطة العامة يمر عبرهم ،نطرحها لكي نخلص الى أن المساواة أمام القانون يفرض نفسه وبالتالي فأي موظف تحول الى مجرم يفقد حمايته التي كانت توفرها له السلطة العامة التي يعتقد أنه يمثلها أو هو امتداد لها في العلاقة مع المجتمع .ولقد خاضت الحركة الحقوقية معركة قانونية في مواجهة مشروع القانون 12/01 مطالبة بسحبه لعدم دستوريته وعدم ملاءمته للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان ،ولكن أساسا لأنه يورط الدولة باعتبار الحماية الموفرة للمرؤوسين تعني تبني الرؤساء للجرائم والانتهاكات المقترفة كعنوان لامتداد للسلطة العمومية ، هذا التبني الذي يثير مسؤولية أعظم وتحرج البلاد والعباد ، ودون أن نتغافل أن مقتضيات القانون الجنائية وعلى الخصوص المواد 6 و 7 و 8  تروم في عمقها ليس فقط الافلات من العقاب ولكن في العمق الإفلات من الخضوع لرقابة القضاء نجح المغاربة في تحقيق استقلالها وتمكينها دستوريا من استحقاقها التاريخي لكيانها كسلطة مستقلة بقراراتها وقضاتها .

ويبدو كخلاصة أن التشريع لكل ما يتعلق بالموظفين ينبغي أن يكون محط اهتمام الجميع سواء من جهة اسباغ العناية الكاملة لوضعهم الأسري والإجتماعي وحماية حقوقهم الفردية والجماعية أو سواء فيما يخصهم كإداريين وعسكريين يجسدون امتداد للسلطة العمومية ،وبالتالي على الحكومة والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية والجهوية أن تتخذ ما يلزم من تدابير في العلاقة مع تنفيذ وتفعيل السياسات العمومية وانفاذ القوانين ،وفي هذا نحيل الى ما سطرته منظمة العفو الدولية كاستئناس مفيد للموظفين المكلفين بتنفيذ القوانين ،عبر عشرة معايير أساسية لحقوق الإنسان وفق مايلي ،وذلك في أفق تأسيس مجلس الدولة الذي من المفترض فيه أن يؤسس للتوازنات بين حفظ النظام كسلطة عامة وحق عام وبين اقرار الحريات والحقوق كحق مجتمعي مستغرق للأول ضمن رقابة المشروعية وفحص الشرعية  :1 ـ من حق كل إنسان أن يتمتع بحماية القانون ، على قدم المساواة، ودون تمييز على اي أسس، وخصوصا الحماية من العنف أو التهديد. ويجب السهر بصفة خاصة على حماية الجماعات التي تتعرض للأذى دون سواها مثل الأطفال والمسنين والنساء واللاجئين والنازحين وأفراد الأقليات.

2 ـ يجب عدم استعمال القوة إلا في حالة الضرورة القصوى، والى أدنى حد تقتضيه الظروف.

4 ـ يجب تحاشي استخدام القوة عند مراقبة الشرطة للتجمعات غير المشروعة والتي لا يلجأ المجتمعون فيها إلى العنف ، فإذا لجأوا إلى العنف، فيجب على الشرطة ألا تستعمل في تفريقهم إلا أدنى حد ممكن من القوة.

5 ـ يجب عدم استخدام القوة المفضية إلى الموت إلا حين يكون ذلك محتوما بصورة صارمة إما للدفاع عن النفس أو حماية الأرواح الآخرين.

6 ـ يجب ألا يقبض على أي شخص إلا إذا توافرت الأسباب القانونية للقبض عليه، ويجب أن يكون إلقاء القبض عليه وفقا للإجراءات القانونية للقبض على الأشخاص.

7 ـ يجب ضمان تمكين جميع المحتجزين من الاتصال فورا عقب القبض عليهم بأفراد أسرتهم وممثليهم القانونيين والانتفاع بأي مساعدات طبية قد يحتاجون إليها.

8 ـ يجب معاملة جميع المحتجزين معاملة إنسانية .

9 ـ يجب حظر إعدام اي شخص خارج نطاق القضاء أو " إخفائه"، او إصدار الأمر بهذا او ذاك، أو التستر على أيهما، ويجب رفض إطاعة الأمر بفعل هذا أو ذاك.

10 ـ يجب على كل مرؤوس أن يبلغ رئيسه والنيابة العامة عن اي انتهاك لهذه المبادئ الأساسية، وان يبذل قصارى جهده ليكفل اتخاذ الخطوات اللازمة للتحقيق في هذه الانتهاكات.

والسؤال الذي سيظل مفتوحا على كافة الآفاق :هو لماذا يصر المشرع العسكري على استثناء العاملين العسكريين من  إلزامية خضوعهم للقانون ولوجوب إخضاع كل المسؤوليات أيا كانت للمحاسبة ،خلافا للدستور المغربي الذي جرم العديد من الممارسات التي يرجح إتيانها أثناء القيام ب " عمليات عسكرية داخل الوطن " من قبيل الاعتقال التعسفي والإختفاء القسري والتعذيب والقتل خارج نطاق القانون والقضاء وذلك في الفصول 20 وما بعده ،وقد أحاط هذا التجريم بمزيد من التقييد عندما أقر في الفصل 59 على عدم إمكانية تعليق الحقوق الدستورية بما في ذلك أثناء الاضطرار اللجوء الى إعلان حالة الإستثناء " تبقى الحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور مضمونة " ثم إن صيغة الفقرة الأخيرة من الفصل السادس صريحة في :" تعتبر دستورية القواعد القانونية ، وتراتبيتها ، ووجوب نشرها ،مبادئ ملزمة واضحة و لايقبل معها إمكانية إصدار قانون مخالف للقواعد الدستورية والتي في مقدمتها " سواسية أمام القانون " .وبغض النظر عن ذلك فقد نص القانون العسكري الساري المفعول في الفقرة الرابعة : "و يجب أن تنفذ الأوامر بكل إخلاص وذكاء وتقع تبعة الأوامر ومسؤوليتها على الذين أصدروها وعلى الذين يتولون تنفيذها " كما نصت الفقرة الثالثة من الفصل 11 على " يكتسي الاحترام الدقيق لقواعد نظام التسلسل والمأمورية أهمية أساسية لأنه يحدد مسؤولية كل واحد فيما يتعلق بحقوقه وواجباته تحديدا يمتنع معه الشطط في استعمال السلطة " كما يقرر الفصل 16 في فقرته الأولى :" واجبات العسكريين هي نفس واجبات جميع المواطنين" . كما ينص في الفقرة الثانية :" يتحمل العسكريون في كل زمان ومكان مسؤولية فردية بسبب أعمالهم ولا سيما بسبب كل إخلال بواجباتهم ،و يتحمل الشخص الذي أصدر الأمر مسؤولية هذا الأمر كم ا يتحمل الشخص المعهود له بالتنفيذ مسؤولية التنفيذ أو عدم التنفيذ "،أما الفصل 20 فإنه يشدد على أن المأمور الذي يتلقى أمرا يشكل خرقا صريحا للقسم الذي أداه ويمكن أن يمس بالمؤسسات الدستورية وقوانين الأمة وأنظمتها يجب عليه الامتناع عن تنفيذ هذا الأمر وتبليغ ذلك على الفور وبجميع الوسائل إلى القائد الأعلى للقوات المسلحة ." لذلك نتساءل عن سبب الرغبة في إلغاء هذه المقتضيات ونسخها ضدا على روح الدستور الجديد الذي أكد مقتضيات الفصل 21 من نفس القانون المستدل به من خلال مبدأ ربط الممارسة بالمحاسبة وكان ولازال هذا الفصل حاسما وصريحا في :" اعتبار المأمور مسؤولا عن تنفيذ الأمر الصادر له بصفة قانونية كما يعد مسؤولا بصفة شخصية عن كل إخلال بواجباته وهو مسؤول بصفة شخصية عن تنفيذ الأوامر المنافية للقوانين وعن الأعمال التي سيقوم بها خلال تنفيذ المهام المسندة إليه ".وحتى نختم هذه التأملات نحيل إلى ما سبق أن افتخر به الأمين العام للحكومة الحالية وهو المؤهل الأول لمراجعة هذا المشروع ، وذلك بمناسبة إفتتاح السنة القضائية ل 2001 المدشنة للمفهوم الجديد للسلطة والعهد الجديد للأمن القانوني والقضائي ،عندما كان رئيسا أول للمجلس الأعلى  ورئيسا للمجلس الاستشاري  لحقوق الإنسان حيث قال :" بالنسبة للاتفاقات التي تصون حقوق الإنسان وتنميتها يميل القضاء في العديد من الدول نحو سمو هذه الاتفاقيات عن القوانين الداخلية " .

فهل سيسير قضاؤنا في هذا الاجتهاد سواء تلقائيا أو بناء على دفع بعدم دستورية الفصول المراد تطبيقها في العلاقة مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان ؟؟

ملحوظة : والمجلة تحت الطبع ،صادق مجلس النواب على مشروع القانون موضوع المقالة ، مع تعديل للمادة السابعة دون  غيرها من المواد،فاستبدلت عبارة  "لا يسأل جنائيا " بعبارة " يتمتع بحماية الدولة " ،حيث صارت كالآتي :يتمتع بحماية الدولة العسكريون بالقوات المسلحة الملكية الذين يقومون٬ تنفيذا للأوامر التي تلقوها من رؤسائهم التسلسليين٬ بالمهام القانونية المنوطة بهم داخل التراب الوطني٬ وفق الأحكام التشريعية السارية المفعول. وطبقا للأحكام التشريعية الجاري بها العمل٬ يتمتع العسكريون بنفس الحماية مما قد يتعرضون إليه٬ من تهديدات أو متابعات أو تهجمات، أو ضرب أو سب أو قذف أو إهانة٬ بمناسبة مزاولة مهامهم أو أثناء القيام بها أو بعدها".

 " يتمتع أيضا بحماية الدولة العسكريون الذين يقومون بعملية عسكرية خارج التراب الوطني في إطار مأمورية انتدبوا من أجلها٬ وذلك مع احترام قواعد القانون الدولي الإنساني. ويستفيد أزواج واولاد وآباء وأمهات العسكريين من نفس حماية الدولة٬ عندما يتعرضون٬ بحكم مهام هؤلاء٬ إلى التهديدات أو التهجمات أو الضرب أو السب أو القذف أو الإهانة".".

 

                                                                                   

بقلم ذ مصطفى المنوزي
محام رئيس منتدى الحقيقة والإنصاف
 


أعلى الصفحة