القانون الدولي

بقلم ذ طيرا الحنفي
كاتب ومحام مغربي بهيئة اكادير
تحت عدد: 699
مؤسسة ضبط تجاوز الحدود او المدافع عن الشعب ,تختلف تسمياتها وفق البيئات السياسية والاجتماعية والدينية المغرب منذ 17مارس 2011عرف الميلاد التشريعي لمؤسسة الوسيط ,ونظم تلك المؤسسة في ثمانية ابواب و54مادة

ديباجة ذلك التشريع يشير لتحديثها لانهاكانت تاريخيا موجودة ,وربطها بالسلطان مباشرة أي سريا على مسارها الخليفي لغاية الخليفة العباسي المهدي,ومهام تحديث هذه المؤسسة تشير لها الفقرة التالية من الديباجة المذكورة ** وعملا على تحديث مؤسسة ديوان المظالم، من خلال ترسيخ عملها كمؤسسة وطنية مستقلة ومتخصصة تحمل اسم "الوسيط"، توطيدا لما حققته من مكتسبات، وتأهيلا لها للنهوض بمهام موسعة وهيكلة جديدة، لمواكبة الإصلاح المؤسسي العميق الذي تعرفه بلادنا، والانسجام مع المعايير الدولية**

وتشير الديباجة ايضا الى مواكبة مؤسسة الوسيط المغربية لعمل نظيراتها بالدول الديموقراطية الملتزمة بحقوق الانسان
واقتناعا منا بضرورة الارتقاء بهذه المؤسسة إلى مصاف الهيآت المماثلة، العاملة بالدول المتطورة في مجال الديمقراطية والحكامة في ميدان الحقوق**
ومن خلال الطواف بالممارسة التاريخية لعمل هذه المؤسسة يمكن القول
انها في اوربيا وامريكيا تسمى بمؤسسة المدافع عن الشعب او محامي الشعب او الوسيط,بينما اسلاميا تنعت في الثقافة الاسلامية بولاية المظالم ومتوليها ينعت بوالي المظالم اي دافع المظلمة عن المظلومين من عسف الظالمين

هي مؤسسة تتوخى اقامة العدل بشكل يحول دون تجاوز الاختصاصات والحدود فهي ليست بمهمة قضائية, انما عملها شبيه بعمل القضاء فما تزجر عليه التشريعات الزجرية في نطاق ما يسمى باستغلال النفوذ يعتبر في مفهوم ولاية المظالم برد المظلمة وعدم تجاوز الحدود والتجربة الدستورية الاسبانية دسترت هذه المؤسسة ونظمتها بقانون تنظيمي
بينما التجربة الاسلامية تغترف من تاريخ ولاية المظالم, وسوف نعرض اراء ابن خلدون في الموضوع مع التحفظ حيال تلك الاراء لان ابن خلدون يعطي مفهوما واسعا للمظلمة, بحيث تشمل حتى تعاطي السلطان للعمل التجاري واعتباره اياه حالة تنافي مع منصب رئاسة الدولة
لعل السبب في هذا راجع الى المفهوم الصارم للعدل عند ابن خلدون كاحد القضاة الاندلسيين الذين تشبعوا بمفهوم العدالة بشكلها الصارم
ترى الباحثة الادارية بلعسري فائزة في دراسة لها حول ولاية المظالم والقضاء الاداري, انه في الوقت الذي لم تعرف فيه الدول الحديثة القضاء الاداري الا في مرحلة ما بعد الثورات الكبرى , فان الدولة الاسلامية عرفته من خلال ولاية المظالم بسبق قرابة الف سنة,مع تاكيد ما اشار اليه ابن خلدون مع فكها بالشرق الارتباط بالخليفة منذ زمن المهدي العباسي ,لكن التشريع المغربي سرى على نهج الطالبيين بالغرب الاسلامي وابقى على الارتباط بين المؤسسة والخليفة او الملك او السلطان

يمكن اذن القول على ان ولاية المظالم سمحت بظهور القضاء الاداري ,لكن لايجب ان نفهم مع الباحثة السابقة الاستاذة فائزة , مصادرة الحق الوجودي لولاية المظالم مع ظهور المهمة القضائية الادارية العصرية, لان القضاء الاداري قام بتغطية شطط الادارة وجبر اضرارها بتعويضات مساوية لحجم الضرر الحال بالاغيار

اما باقي المظالم الاخرى فلم تتم تغطيتها الشيئ, الذي يمكن الاستنتاج معه كون ولاية المظالم لها فضل على تطور فروع القضاء اي انه قطاع تنافسي شريف لمؤسسة القضاء,بل التشريع المغربي جعلها مستقلة عن كل السلط بما فيها القضائية

بل ان اغلب ولاة المظالم هم بالاصل قضاة,وحينما اسندت المهمة لفزارة بالاندلس قال ابن شهيد ** من المظالم ان تتولى المظالم يافزارة **فهي اذن مهمة لاتخطا صاحبها
المادة الاولى بالتشريع المغربي الخاص بهذه المؤسسة تشير للفلسفة العميقة لهذه المادة كما يلي **
تعتبر "مؤسسة الوسيط" مؤسسة وطنية مستقلة ومتخصصة تتولى، في نطاق العلاقة بين الإدارة والمرتفقين، مهمة الدفاع عن الحقوق، والإسهام في ترسيخ سيادة القانون، وإشاعة مبادئ العدل والإنصاف، والعمل على نشر قيم التخليق والشفافية في تدبير المرافق العمومية، والسهر على تنمية تواصل فعال بين الأشخاص، ذاتيين أو اعتباريين، مغاربة أو أجانب، فرادى أو جماعات، وبين الإدارات العمومية والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية والهيآت التي تمارس صلاحيات السلطة العمومية وباقي المنشآت والهيآت الأخرى الخاضعة للمراقبة المالية للدولة، والتي يشار إليها في هذا الظهير الشريف باسم"الإدارة".

تجري على مؤسسة"الوسيط" أحكام هذا الظهير الشريف، وأحكام نظامها الداخلي ،والنصوص المتخذة لتطبيقهما عند الاقتضاء.**

ومنذ انشاء هذه المؤسسة تعاقب عليها الوكيل العام مولاي سليمان العلوي وكذلك الاستاذ النقيب بنزاكور ,وتحدد المادة الثانية شروط الاختيار كما يلي ** يعين "الوسيط" بظهير شريف لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.

ويختار من بين الشخصيات المشهود لها بالنزاهة والكفاءة والتجرد والتشبث بسيادة القانون وبمبادئ العدل والإنصاف.
ويعهد إليه بممارسة الاختصاصات المسندة لمؤسسة الوسيط.**
ولوضع الفلسفة الحقوقية للبلد تحت مجهر الالمام بمجاريات الامور ,فقد اسندت المادة الرابعة العضوية الاتوماتيكية ,للوسيط بالمجلس الاستشاري لحقوق الانسان
يتضح اذن من خلال المهام الموكولة مغربيا لهذه المؤسسة ,انها تنجز في مجلدات التقرير السنوي الادبي لاشتغال مؤسسات الحكم,على غرار مؤسسة المجلس الاعلى للحسابات التي تنجز التقارير المالية السنوية في قضية المظالم يصح ماردده دوما ابن مسكويه **ان الانسان استشكل عليه الانسان**فالمظالم ترد والنزاعات تحسم ,فالحسم النزاعاتي عمل قضائي ,ورد المظالم ومعالجتها عمل مؤسساتي اعتباري

لهذا مثل تلك المؤسسة اذا حظيت بالقبول العام فهي تشفي حاجة الفاعلين السياسيين حزبيين وحكوميين وبرلمانيين وجمعويين وكذلك الافراد ,لكن ولاية المظالم تعطى فيها الاولوية للافراد وطالما ان الاحزاب كما الجمعيات ,ليست ضمن المؤسسات التي تتنازع امام المحاكم الدستورية, فمن حقها ان تكون لها اولوية معالجة مشاكلها وكذلك رد مظالمها ,ومستقبلا ستتجمع كل هذه المؤسسات في محاكم محلية مجسدة لصورة مصغرة لمحكمة حقوق الانسان الاوربية بستراسبورغ

لنا في قاضي عمر ابن الخطاب ادريس الخولاني الذي تولى ولاية المظالم نموذجا واضحا فيما بين القضاء وولاية المظالم من اتصال, مع فارق واحد, هو ان والي المظالم يكون رجل حنكة وعدالة, اما القاضي كما هو مشاع فان الايام ومثابرة المنازعات هي التي تصنعه

فابن خلدون يعتبر ولاية المظالم اختصاصا ولائيا محضا يتفرد به الخلفاء كاختصاص محفوظ لهم, لغاية ايام المهدي العباسي
فهذه الوظيفة حسب ابن خلدون في المقدمة دائما *هي وظيفة ممتزجة من سطوة السلطنة ونصفة القضاء, وتحتاج الى علو يد وعظيم رهبة تقمع الظالم من الخصمين, وتزجر المعتدي باعتماد الامارات والقرائن لاستجلاء الحق ,وحمل الخصمين على الصلح واستحلاف الشهود وذلك اوسع من نظر القاضي*
فهي اذن ولاية رد واسعة, وليست ولاية حسم محدودة,وهذا طبيعي لانه تدخل في المجال المحفوظ للخليفة او السلطان على غرار المجالين الاخرين المحفوظين لرئيس الدولة من ديبلوماسية ودفاع ,محفوظة لان تقاليد الانتخابات السرية او الاقتراع السري الذي تمخض عن الحرب العالمية الثانية ,شاءت الفلسفة الدستورانية الاحقة عليه السري على هكذا درب ,فليس واقع اليوم هو مطمح الغد المامول وهذا امر معروف

التابث اذن من مقولة ابن خلدون ان ولاية المظالم هي الية مراقبة مستقلة خارج اطار الاختصاص القضائي فهي مهمة غير قضائية ,وان كانت تقوم بوظائف شبيهة بوظائف القضاء, مثل انصاف المظلومين من عسف الحاكمين, فهي من خلال مراقبتها للحاكمية فهي بذلك تضمن للامة اشتغال جميع الوظائف وفق ضوابط القانون ,فهي مؤسسة لحماية المظلوم عبر الاقتصاص له من الظا لم

مؤسسة رد المظالم لاتراجع اختصاصات احد, بل تقوم باختصاصها المتمثلة في حماية الضعيف من بطش القوي
كما اسلفت حول ابن خلدون فهو له مفهوم صارم للعدل والمظلمة واهمية المال, فابن خلدون يعتبر العدل* ميزان نصبه الرب بين الخليقة وجعل له قيما وهو الملك* وحظر ابن خلدون على السلطان التعاطي للتجارة لانها مضرة بالرعايا ومفسدة للجباية, لان ابن خلدون يقرا الامور بنتائجها العكسية اي ان تعاطي التجارة من السلطان تذهب امل الناس في الكسب والتحصيل وتنقبض ايديهم عن السعي

ابن خلدون كما اسلفت هو رجل سوسيولوجيا العدالة, يقر بشكل صارم بمبدا التنافي المطلق بين السلطة والمال, لكن دنيا الناس التي يبرق فيها الذهب في كل عين بتعبير امل دنقل , لاتترك المجال للناس ليشعروا ان الدنيا مثل الحية ناعم ملسها كما هو شائع

ابن خلدون كمجرب للحياة وعكسيات نتائجها ,امن دوما بمستقر العادة حيث لاينقلب الملس الناعم لتلك الحية الى لسعة مميتة

لكن طال الزمان ام قصر, سوف تصل البشرية ذات يوم الى صوابية الراي الفاصل بشكل مطلق بين السلطة والتجارة ,وبين الحاكمية والمال لان نبل خلق مجتمع الانصاف حيث يستوي الوزير والغفير غاية تتجاوز الامال الذاتية لاي كان,كما ان تخصيص مرتب مالي لرئيس الدولة يغنيه عن البحث عن التوازنات المالية الشخصية ,رغم ان المثل يقول بان الاسما ك تكبر بكبر عمق تجوف بحارها,لذلك تجشم ابن المقفع عناء فصل عوام السوقة عن الحكام ,فخصص للاولين الادب الصغير وللاخرين الادب الكبير

مؤسسة المدافع عن الشعب اوربيا, هي ذات تقاليد اسكندنافية اي الامة الوطنية السكندنافية التي تتكون حاليا من دول النرويج والسويد والدانمارك ,وهي جميعها وطنيات لها تقاليد موحدة,توحدها ديانة الفيغاس , وتوحدها المطامح السياسية التي شتتها في الكثير من الاحايين ,شان ماجرى به العمل بالملكيات الاوربية التي يوحدها الخطر الداهم

دولة النرويج عرفت تاريخا, كانت فيه ردحا من الزمن, موالية للدانمارك ,وحينا اخر للسويد
فدولة السويد عرفت الامبيدسمان منذ سنة 1713وفق الدستور السويدي الحالي كمدافع عن الشعب, واختلفت عليه التسميات الاوربية بين التسمية البريطانية ,البرلمنتون والكوميسيونير, او مؤسسة الوسيط,الميدياتور , كما عند فرنسا حيث يوجد بنفس الصيغة لدى الدانمارك والمانيا وبعض الولايات المتحدة الامريكية,وربما حسب ما ترشح به فلوغات المهاجرين من مخاوف الطرد الفردي والجماعي ,بسبب نشاطهم اليوتوبي ,فان الكثير من المهاجرين قد يلجئون لهذه المؤسسات لرد أي تعسفات ترجع بنا الى ظروف مقتها فولتير اوربيا في زمنه

بالنسبة للتجربة الاسبانيةحيال مؤسسة المدافع عن الشعب, قامت بدسترت مؤسسته في مادته54 الذي يشير الى اصدار قانون تنظيمي لتحديد اختصاصات مؤسسة المدافع عن الشعب كمندوب سامي للكورتيس العام, اي البرلمان الاسباني بغرفتيه الشيوخ والنواب, وهو الذي يعينه للدفاع عن الحقوق الدستورية, بتتبع ومراقبة اعمال الادارة واحاطة الكورتيس, اي البرلمان بنتائج عمله

فالمهمة الكبرى للمدافع عن الشعب هو ضمان المساواة على مدار فترة ولايته المحددة في خمس سنوات, يكون خلالها محصنا من كل تطاول غوغائي يستهدف شخصه, كما يحرم عليه في نفس الوقت تعاطي اي نشاط سياسي سواء كان حزبيا او جمعياتيا او اي نشاط اخر تجاري او حرفي او مهني, اي بتعبير اخر يكون في وضعية تفرغ تام لمهمته تلك التي يمارسها بكل استقلالية,وتحت مراقبة ضميره بشكل لايتلقى معه اية تعليمات من اي كان

التشكي امام المدافع عن الشعب يتم بشكاية عادية متضمنة لهوية اطرافها من مشتكي ومشتكى به, ويجب ان تنصب على مجال اختصاصه حتى لايكون مالها عدم الاختصاص , ان تعلق الامر بخرق حق دستوري محمي من الحقوق الواردة بالمادة 14وما بعدها من الدستور الاسباني ,وان الشكاية تكون ذات صلة بعمل الادارة وموظفيها

المادة التاسعة من التشريع المغربي الخاص بتلقي الوسيط شكايات ,تنص على مايلي =
**توجه الشكايات والتظلمات إلى الوسيط أو إلى الوسطاء الجهويين بصفة مباشرة من طرف المشتكي، أو بواسطة من ينيبهعنه من أجل ذلك.
ويشترط لقبول الشكايات والتظلمات:
- أن تكون مكتوبة، وإذا تعذر تقديمها كتابة، فإن للمشتكي أو المتظلم أن يقدمها شفويا. وفي هذه الحالة، يتعين تدوينها وتسجيلها من قبل المصالح المختصة لمؤسسة الوسيط وتسلم نسخة منها للمعنيين بالأمر؛
- أن تكون موقعة من صاحب الملتمس شخصيا، أو من ينيبه عنه من أجل ذلك؛
- أن تكون مدعومة بالحجج والوثائق المبررة لها، إن كانت متوفرة لدى المشتكي أو المتظلم؛
- أن توضح ما يكون قد قام به المشتكي أو المتظلم من مساع لدى الإدارة المعنية، قصد الاستجابة لمطالبه، عند الاقتضاء.**
مؤسسسة الوسيط تشريعها كان طامحا للحصول على المساعدة القضائية ,لكن تلك الامكانية لم تعطه لحد الان
الخلاصة الاساسية مما سبق, ان مؤسسة ضبط تجاوز الحدود هي مؤسسة حقوقية ديموقراطية فعلية, من شان التفعيل الجيد لها اعطاء المسؤولية مفهوما تكليفيا غير تشريفي, ومن شان تعميم ثقافتها خلق تسامح انساني يقي الضعيف من سطوة القوي, اي بالمحصلة مؤسسة حقوقية تنمي قيم الانصاف المجتمعية
تطوير عمل المؤسسات والممارسة السياسية ,هي مسيرة ابدية دائمة ,تكتنفها صعاب و مشاق سواء كان الذي يتحمل عبئها ,من داخل المؤسسات او من خارجها

بقلم ذ طيرا الحنفي
كاتب ومحام مغربي بهيئة اكادير
 


أعلى الصفحة