القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ سفيان الكمري
باحث في سلك ماستر المجتمع المدني والديمقراطية التشاركية , سطات
تحت عدد: 460
الفصل 1 : الجمعية هي إتفاق لتحقيق تعاون مستمر بين شخصين أو عدة أشخاص لاستخدام معلوماتهم أو نشاطهم لغاية غير توزيع الأرباح فيما بينهم
وتجري عليها فيما يرجع لصحتها القواعد القانونية العامة المطبقة على العقود والالتزامات

المقدمة :

يندرج الفصل أعلاه موضوع التعليق والتحليل في إطار الفصل الأول من الظهير الشريف رقم 1.58.376 الخاص بضبط حق تأسيس الجمعيات , وهو فصل ورد في إطار الفرع الأول المعنون ب " تأسيس الجمعيات " والمتكون من ثماني فصول , كما أن هذا الفصل محل الدراسة يتكون من فقرتين , هذا فيما يخص السياق المادي للنص , أما السياق التحريري فيمكن القول أن النص أعلاه لم يخضع مند وضعه سنة 1958 لأي تعديل أو تغيير , وهو نص تعود جذوره إلى القانون الفرنسي الخاص بالجمعيات الصادر سنة 1901 , وكذا ظهير 24 ماي 1914 الذي كان معمولا به في عهد الحماية ... إن الفترة التي صدر فيها هذا النص ومعه ظهير الحريات العامة تميزت  بهاجس قيام دولة الاستقلال , حيث طرح نقاش كبير من ذي قبل حول شكل الدولة وتوجهاتها ونمط مؤسساتها ليتم الحسم في النقاش بتبني التوجه الليبرالي , وظهير الحريات العامة أنموذج يصلح للاستدلال والاحتجاج به في هذا الإطار , كما اتسمت المرحلة بظهور صراع قوي بين السلطة والمعارضة من أجل فرض الهيمنة سواء الأيديولوجية أو السياسية أو التفافية . 

أما فيما يخص السياق التوظيفي لهذا النص محل الدراسة فقد كان هذا النص محوريا في بناء مجموعة من المبادئ الفقهية المغربية , حيث اعتنى فقهاء الحريات العامة بهذا النص أيما اعتناء , فقد فسروه واستنبطوا منه أحكاما وقواعد تهم العمل الجمعوي . أما الاجتهاد القضائي فقد اعتمد عليه هو الأخر في بناء الاجتهادات القضائية سواء الإدارية أو الابتدائية . 

إن النص أعلاه يتكون من فقرتين : الأولى تهم مفهوم الجمعية مما يطرح سؤال الماهية ؟ ويطرح سؤال مدى كفاية النص السابق في بناء مفهوم الجمعية ؟ ومدى توفق المشرع المغربي في التعريف ؟ ... أما الفقرة الثانية من النص فتهم الإحالة على القواعد العامة للالتزامات والعقود فيما يخص صحة اتفاق الجمعية , وهو ما يطرح سؤال طبيعة الجمعية , هل هي عقد أم نظام ؟ كما يطرح سؤال كيفية تطبيق القواعد القانونية العامة للالتزامات والعقود على اتفاق الجمعية ؟ ومدى تكامل أو تعارض النظامين ؟

من هذا المنظور يمكن الإجابة على ما سبق من خلال التصميم التالي : 

أولا : في ماهية الجمعية .

1 ) . مفهوم الجمعية في ضوء الفصل 1 من ظهير تأسيس الجمعيات  .

2) . تمييز الجمعية عن ما يشابهها في ضوء الفصل 1 من ظهيرتأسيس الجمعيات .


ثانيا : في انطباق القواعد العامة للعقود والالتزامات على الجمعية .

1 ) . الجمعية بين مبدأ سلطان الإرادة وفكرة النظام العام .

2 ) . الأركان العامة للعقود ومبطلاتها في ضوء اتفاق الجمعية .


أولا : في ماهية الجمعية ...


نبدأ بتحليل مفهوم الجمعية الوارد في الفصل الأول من ظهير تأسيس الجمعيات , تم نمر إلى تمييز الجمعية عما يشابهها . 

1 ) . مفهوم الجمعية في ضوء الفصل 1 من ظهير تأسيس الجمعيات .

 

تتعدد التعريفات التي تعطى للجمعيات بحسب الزاوية التي ينظر منها للأخيرة , فالجمعية وفق المفهوم السوسيولوجي / الواسع تحيل إلى تكوين مجموعة من الأفراد لتنظيم إرادي مشروع يتوخى القيام بعمل جماعي ومستمر بغض النظر عن إطاره وموضوع عمله وهدفه , ومن ثم يصبح وفق هذا المعنى كل عمل جماعي منظم ومشروع كالحزب السياسي والنقابة والتعاونية بمثابة جمعية .

 أما وفق المفهوم القانوني / الضيق فتعرف الجمعية بأنها عقد إرادي ينشأ بين طرفين أو أكثر لتحقيق أهداف مختلفة ومتنوعة تدخل في نطاق القانون , من غير توزيع الربح بين أعضاء مجلس إدارتها , هذا المفهوم هو الذي تبناه الفصل 1 من ظهير الحريات العامة موضوع التعليق والتحليل عندما نص في فقرته الأولى على أن " الجمعية هي اتفاق لتحقيق تعاون مستمر بين شخصين أو عدة أشخاص لاستخدام معلوماتهم أو نشاطهم غير توزيع الربح فيما بينهم " , إن هذا التعريف مستمد من القانون الفرنسي الخاص بالجمعيات والصادر في فاتح يوليوز 1901 , كما نجد نفس التعريف وبشكل حرفي في ظهير 24 ماي 1914 والذي كان معمولا به في المغرب قبل صدور ظهير 1958 .

يتبين إذن من نص الفقرة الأولى من الفصل الأول أن الجمعية تقوم على مجموعة من العناصر المؤسسة لمفهومها , ويمكن إجمالها في أربع عناصر , وهي : 

أ ) . الاتفاق : يعني الاشتراك في الاعتقاد والقول والعمل , فلا يكون الاتفاق بالقول فقط , وبالتالي يلتزم أعضاء الجمعية بالعمل بصفة جماعية تشاركية تجعل الفرد يخرج من فردانيته لينضم إلى الفعل الجماعي , وهو المبتغى الرئيسي من العمل الجمعوي , ومن تم فالاتفاق يلزم أعضاء الجمعية , فيكون عنصر التراضي بينهم هو التزامهم بالقانون الأساسي الذي صادقوا عليه  , فنستنتج إذن من القراءة الأولية لهذا العنصر أنه يصبغ صفة اتفاق تعاقدي عبره يقوم شخصان أو أكثر بتعاون مستمر لاستخدام معلومتهم أو نشاطهم  .

ب) . التطوع : وهو عمل غير ربحي لا يقدم نظير أجر معلوم , وقد عرف أيضا بأنه " المجهود الذي يقوم به الفرد بصفة اختيارية عن طريق المساهمة بتقديم خدمة دون مقابل من أي نوع , وهو المعنى المشار إليه في الفصل الأول محل الدراسة .

ج) . الاستمرارية : يمنح هذا العنصر للجمعية الطابع العضوي أي وجود مؤسسة ينتمي إليها الأعضاء بصفة قانونية , وهذه الصفة تحددها القوانين الأساسية والداخلية للجمعية. وبفضل هذا العنصر نستطيع التمييز بين الجمعية والاجتماع العمومي , من هذا المنطلق ذهب الفقيه بوردو إلى القول بأن " القيام باجتماع ما لا يهدف سوى إلى التنوير والتفكير جماعة , بينما يتوخى من تأسيس جمعية معينة التشاور والعمل المشترك " .

د) . الهدف : حدد الفصل أعلاه الهدف والغاية من الجمعية في بعدين :

-  تعاون مشترك بين مجموعة الأشخاص لاستخدامهم معلوماتهم أو نشاطاتهم .

- استبعاد أو نفي توزيع الأرباح بين الأشخاص .

تظهر أهمية هذا العنصر – علاوة على انه فيصل في التمييز بين الجمعية والنقابة من جهة , والجمعية والشركة من جهة ثانية – في كونه ضابط رئيسي لإبطال الجمعيات التي يكون هدفها غير مشروع أو يمس بالدين الإسلامي أو بوحدة التراب الوطني أو بالنظام الملكي أو يكون هدفها الدعوة إلى كافة أشكال التمييز .

2) . تمييز الجمعية عن ما يشابهها في ضوء الفصل 1 من ظهير تأسيس الجمعيات  .

إنه بناء على تعريف الفصل الأول للجمعية يتبين أن الأخيرة تتميز بعديد من سمات رئيسية تجعل تفترق عن مجموعة من التنظيمات الأخرى التي تشترك معها في الطابع الجماعي وربما الإنساني , يتعلق الأمر بكل من النقابة والحزب السياسي والشركة , وفيما يلي بيان لأهم الفروق بينهما :

 

أ‌)       . النقابة : هي كيان قانوني يتكون من عدة أشخاص يتعاطون مهنة واحدة يشبه بعضها بعضا أو حرفا يرتبط بعضها ببعض ومعدة لصنع مواد معينة أو يتعاطون مهنة حرة واحدة , والقصد الوحيد من النقابة هو الدرس والدفاع عن المصالح الاقتصادية والتجارية والفلاحية الخاصة بالمنخرطين فيها  , انطلاقا من هذا التعريف القانوني يمكن القول أن الجمعية تختلف عن النقابة في كون المشرع سمح للأولى باختيار هدفها أو غايتها شريطة أن يتم التنصيص عليها في قانونها الأساسي بشرط ألا تكون غايتها متعارضة مع مقتضيات الفصل 3 , أما النقابة فهي شخص معنوي خاضع لقاعدة التخصيص وذلك باستعمال المشرع في ظهير الحريات العامة لكلمة قصد عوض الغاية , مما يعني أن هدف الجمعية أوسع من هدف النقابة فهاته الأخيرة تتمثل في الدود والدفاع عن المصالح الاقتصادية والصناعية والفلاحية والتجارية الخاصة بالمنخرطين فيها . أما عن نقاط التقارب بين الهيئتين فتظهر في أن كل من الجمعية والنقابة شخصين معنويين يمكن الانخراط فيهما بكل حرية لمن تتوفر فيه شروط الانخراط , وكذلك كل من الجمعية والنقابة لا يمكن أن يصبح لهما وجود قانوني إلا بعد القيام بإجراءات قانونية محددة  .

 

ب‌)   . الحزب السياسي : يمكن تعريفه بأنه الإطار أو الجهاز أو التنظيم الذي يضم في عضويته أشخاصا يحملون أفكارا وقناعات متقاربة ومشتركة بشأن قضايا المجتمع الذي ينتمون إليه , ويعملون بقصد التعريف بها والنضال من أجل انتصارها وتطبيقها في حالة حيازتهم على السلطة . يظهر الاختلاف بين الكيانين إذن من خلال أن الحزب له هدف سياسي يهدف أعضاؤه إلى ممارسة السلطة السياسية عكس الجمعيات التي لا تسعى إلى ذلك , كذلك إذا كان الإمكان انخراط أشخاص أجانب بالجمعية أو إنشاء جمعيات أجنبية فإن الأمر غير ممكن بالنسبة للحزب  .

 

ت‌)   . الشركة : ينطبق نفس تعريف الجمعية على الشركة باستثناء الشطر الأخير إذ يقال لغاية غير توزيع الأرباح فيما بينهم , هكذا تتدرج الشركات ضمن المجموعات الهادفة للربح وتوزيعه بين المساهمين , بينما لا تتوخى الجمعيات توزيع الأرباح ولو كانت تجني بعض المنافع المادية التي لها طابع ثانوي وتبعي مقارنة مع العمل الأصلي الذي أسست من أجله ولا توزع بين الأعضاء بل ترصد فقط لغرضها  . 

ثانيا : في انطباق القواعد العامة للعقود والالتزامات على الجمعية .

نخصص النقطة الأولى للحديث عن " موقعة " بين إحدى المبدأين التاليين : مبدأ سلطان الإرادة  ومبدأ النظام العام , ثم نمر من بعد ذلك إلى الحديث عن لأحكام أركان اتفاق الجمعية ومبطلاتها .

1 ) . الجمعية بين مبدأ سلطان الإرادة وفكرة النظام العام .

 

تعتبر إشكالية الأولوية بين مبدأ سلطان الإرادة وفكرة النظام العام واحدة من أهم الإشكاليات التي يطرحها فقهاء القانون المدني , وقبل الوقوف عند هاته الإشكالية يجدر بنا تعريف كلا النظامين أو كلا المبدأين إن صح التعبير, وذلك على الشكل التالي :

 

-         مبدأ سلطان الإرادة : هو مبدأ ترجع جذوره إلى الفلسفة الفردية الليبرالية التي ظهرت إبان عصر الأنوار , ويدور حول فكرة أن الإرادة بمقدورها إقرار القانون الخاص بها , أي أنه بإمكان الأفراد عن طريق التقاء إرادتهم من إقرار قانون خاص بهم . ويترتب عن هذا المبدأ مجموعة من النتائج القانونية يمكن اختزالها في كل من : 1 . الحرية التعاقدية 2 . القوة الملزمة للعقد 3 . نسبية أثار العقد  . 

 

-        فكرة النظام العام : عرف الأستاذ عبد الرزاق السنهوري النظام العام بأنه : مجموعة القواعد القانونية التي يقصد بها تحقيق مصلحة عامة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية تتعلق بنظام المجتمع الأعلى وتعلو على مصلحة الأشخاص ولا يجوز لهم أن يناهضوها باتفاقات فيما بينهم حتى لو حققت لهم هذه الاتفاقات مصالح فردية , فالمصالح الفردية لا تقوم أمام المصلحة العامة "  .

 

إن السؤال الذي يطرح هنا انطلاقا من مقتضيات الفصل 1 هو إلى أي مدى كرس المشرع المغربي مبدأ سلطان الإرادة في اتفاق الجمعية ؟ وكيف يمكن التوفيق بين ذلك المبدأ وفكرة النظام العام انطلاقا من الفصل 1 وباقي الفصول ذات الصلة ؟

 

إن مفهوم الاتفاق الوارد في الفصل 1 يستعمل رديفا { بإجماع الفقه المدني المغربي } للعقد عكس فرنسا التي ظهر فيها التفريق بين المصطلحين عند جانب من فقهاء القانون المدني , وذلك على أساس أن الاتفاق يشمل إنشاء التزام أو نقله أو تعديله أو إنهائه أما العقد فلا يشمل إلا إنشاء التزام أو نقله , فيكون والحال هذا الاتفاق أعم من العقد , والعقد أخص من الاتفاق .

وسواء تعلق الأمر بعقد أو اتفاق فإن الفقه نجده ينتقد التوجه الذي سار فيه المشرع في تعريفه للجمعية حينما سمى بالجمعية إلى مستوى العقد , حيث لا ينص سوى على التصرف القانوني للأشخاص باستخدامهم لمعلوماتهم أو نشاطهم المشترك , في حين يتجاهل نتيجة اتفاق الإرادة هذا , أي المؤسسة التي خولها الاتفاق شهادة ميلادها , كما وقف الفقه على إشكالية أن وحدة الهدف المنشود من اتفاق الجمعية , ذلك أنه إذا كان في كل عقد تظهر أهداف متباينة لمتعاقديه , وأن العقد ينتج وضعيات مختلفة –  دائن ومدين -  فإن جميع أعضاء الجمعية ينشدون نفس الهدف , والاتفاق الذي أبرموه بينهم ينتج نفس الحقوق ونفس الالتزامات للجميع  .

لكن ما سبق لا يعني أن المشرع انطلاقا من الفصل 1 أهمل فكرة النظام العام وغلب فكرة الاتفاق أو العقد , بدليل أن الفصول الموالية { الفصل 5 } اشترطت مجموعة من الشروط الشكلية لتأسيس الجمعية , حيث لا تنعقد الجمعية إلا إذا توفرت تلك الشكليات { شكلية الانعقاد } , وهذا يعني أن المشرع المغربي قد سار في اتجاه خلق التكامل بين المفهومين , وهو اتجاه أصبح سائدا في جل القوانين المقارنة حيث اتجهت إلى التضييق من سيادة مبدأ الحرية التعاقدية من خلال مفهوم النظام العام والمصلحة العامة , إذ في السابق كان مفهوم النظام العام يحمل بعدا سلبيا من خلال اكتفاء المشرع بمنع بعض العقود أو فرض مجموعة من الشروط , أما الآن فقد أصبح النظام العام يحمل مفهوما إيجابيا , حيث أصبح المشرع يتدخل في فرض بعض الشروط المحددة لمضمون العقد  .

2 ) . الأركان العامة للعقود ومبطلاتها في ضوء اتفاق الجمعية .

إن التفسير الحرفي للفقرة الثانية من الفصل 1 من ظهير الحريات العامة توحي بأن الجمعيات تخضع لجميع ما ينطبق على باقي العقود من أحكام سواء من حيث قيامها أو من حيث اضمحلالها وانقضائها , هكذا نلاحظ أن الجمعيات تسري عليها الأركان العامة للعقود وكذا أحكام البطلان :

-         الأركان العامة للعقود : نص الفصل الثاني من ظهير الالتزامات والعقود المغربي على ما يلي : " الأركان اللازمة لصحة الالتزامات الناشئة عن التعبير عن الإرادة هي : 1 . الأهلية للالتزام 2 . تعبير صحيح عن الإرادة يقع على العناصر الأساسية للالتزام , 3 . شيء محقق يصلح لأن يكون محلا للالتزام , 4 . سبب مشروع للالتزام " . غير أن أغلب الفقهاء يتبنون التقسيم الثلاثي للأركان عن طريق ضم الأهلية إلى عنصر التراضي لتصبح الأركان العامة للعقود والاتفاقات هي : 1 . التراضي , 2 . السبب , 3. المحل , وأما عن كيفية انطباق هاته الأركان على اتفاق الجمعية , فيمكن القول أن ركن التراضي يتحقق عندما تلتقي إرادات مؤسسي الجمعية أو ما يعبر عنه بالإيجاب والقبول , كما يتحقق التراضي عندما يعبر عنه من هو أهل له بأن لا يكون فاقدا للأهلية لجنون أو لانعدام التمييز , أما المحل  فيتحقق في اتفاق الجمعية المنصوص عليه في الفصل الأول  عندما يتفق شخصين أو أكثر لتحقيق تعاون مستمر من أجل استخدام معلوماتهم أو نشاطهم , إن هذا الأثر القانوني الذي يراد تحقيقه من وراء الجمعية قد تضمنه الفصل الأول صراحة , أما السبب  فيكون صحيحا بالنسبة لاتفاق الجمعية عندما لا يمس بالنظام العام ولا الأخلاق الحميدة , وهو ما نجده صراحة في الفصل الثالث من ظهير الحريات العامة عندما نص على أنه " كل جمعية تؤسس لغاية أو لهدف غير مشروع يتنافى مع القوانين أو الآداب العامة أو قد تهدف إلى المس بالدين الإسلامي أو بوحدة التراب الوطني أو بالنظام الملكي أو تدعو إلى كافة أشكال التمييز تكون باطلة " .

 

-         أحكام البطلان : تعددت تعريفات البطلان من طرف فقهاء القانون المدني , حيث عرفه عبد الرزاق السنهوري بأنه " الجزاء القانوني على عدم استجماع العقد لأركانه كاملة مستوفية لشروطها " , وهو نفس التعريف الذي ذهب إليه كل من الفقيهين أوبري و ورو , غير أن هذا التعريف تعرض لانتقاد شديد لكونه يخلط بين الجزاء والبطلان , ويبقى أدق تعريف في هذا الإطار ذاك الذي ذهب إليه شكري السباعي عندما عرفه بأنه " وصف يلحق التصرف القانوني لعيب فيه ويحرمه من أثاره " , ويتم التمييز عادة بين البطلان الذي يكون عندما يتخلف ركن من أركان العقد  أو ينص القانون على ذلك فيكون العقد والحالة هاته كأن لم يكن . والإبطال الذي يتحقق عندما يكون العقد مشوبا بعيب من عيوب الرضا أو مبرما من قبل قاصر , مما يجعل العقد يدور بين الحياة والموت , أي قابلا للإبطال , وفي الوقت ذاته قابلا للتصحيح . إن تطبيق هاته الأحكام على اتفاق الجمعية يجعل الأخير باطلا بطلانا مطلقا كلما افتقد عنصر التراضي كأن يكره مؤسسي الجمعية على إبرام الاتفاق بغير إرادتهم , وكذلك الأمر بالنسبة للمحل إذا كان غير مشروع كأن يكون محل الجمعية الاتجار في البشر أو تنفيذ عمليات إرهابية , أما تخلف السبب في اتفاق الجمعية فيظهر عندما يكون الباعث الدافع لتأسيس الجمعية أمر غير مشروع مخالف للنظام العام والأخلاق الحميدة , وهو ما نص عليه الفصل الثالث من ظهير الحريات العامة المشار إليه أنفا , هذا واعتمادا على مقتضيات الفصل 7 من ظهير الحريات العامة تبقى المحكمة الابتدائية هي المختصة عمليا بالنظر في طلب التصريح بهذا البطلان, ويكون حكم المحكمة هنا منشئا لواقعة قانونية وليس كاشفا لها , مما يعني أن السلطة ليس لها الحق في تقرير بطلان جمعية ما حتى ولو ظهر انها تخالف النظام العام او أسست لهدف غير مشروع .

 

ختاما :

 

يتبين مما سبق أن الفصل الأول رغم جرأته فيما يخص تعريف الجمعية وإحالته على القواعد القانونية العامة للعقود والالتزامات , غير انه وقع من حيث لا يدري في منزلق التضارب  بين المبادئ العامة للالتزامات التي تغلب مفاهيم سلطان الإرادة والحرية التعاقدية , وبين طبيعة الجمعية المتسم بتدخل المشرع في مضمونها عن طريق تحديد شروطها الشكلية والموضوعية , وكذا تحديد إجراءات حلها , وهو ما يعني أن الجمعية اتفاق من نوع خاص .

لائحة المراجع :

{1} . عبد العزيز مياج , قانون الحريات العامة بالمغرب : قراءة نقدية من أجل تغيير ظهير 15 نونبر 1958 كما تم تعديله { الجمعيات , التجمعات العمومية , الصحافة } , مطبعة فضالة – المحمدية , الطبعة الثانية : 2005 .  

{2} . يمينة هكو , محاضرات حول قانون الجمعيات , مكتبة الشيخ حسن – القدس – وجدة , الطبعة الأولى : يونيو 2010 .

{3} . عبد الواحد القريشي , حرية تأسيس الجمعيات بين القانون والممارسة , رحاب المحاكم , العدد : 5 , أبريل 2010 .

{4} . عبد الرحمان الشرقاوي , القانون المدني : دراسة حديثة للنظرية العامة للالتزام على ضوء تأثرها بالمفاهيم الجديدة للقانون الاقتصادي , دار أبي رقراق للطباعة والنشر , الرباط , الطبعة الأولى : 2012 .

{5} . عبدالرزاق أحمد السنهوري , الوسيط في شرح القانون المدني الجديد : نظرية الالتزام بوجه عام – مصادر الالتزام – { العقد , العمل غير المشروع , الإثراء بلا سبب , القانون } الجزء الاول , دار إحياء التراث العربي , بيروت – لبنان , أبريل سنة 1952 .

 

بقلم ذ سفيان الكمري
باحث في سلك ماستر المجتمع المدني والديمقراطية التشاركية , سطات
 


أعلى الصفحة