القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ سفيان الكمري
باحث في سلك ماستر المجتمع المدني والديمقراطية التشاركية , سطات
تحت عدد: 460
تعليق على القرار رقم 1362 الصادر عن المحكمة الإداريةالاستئنافية بمراكش -
نشر الأستاذ محمد الأزهر في كتابه " الحريات العامة في القضاء المغربي " {1} , سنة 2002 , الصفحات : من 24 إلى 39 , قرارا لمحكمة الاستئناف الإدارية بمراكش

, يحمل رقم 1362 بتاريخ 25 / 11 / 2009 ملف رقم 419 / 5 / 2009 -1
وبالنظر إلى أهمية الموضوع الذي يناقشه القرار , والإشكالات القانونية التي يطرحها , والحلول التي يبدعها ويبتكرها , فقد ارتأينا الاشتغال على هذا القرار الذي يعتبر بحق اجتهاد قضائي منتج , لا مجرد عمل قضائي كما سيتبين عند تحليله وتفكيك بنيته
ومن باب ملامسة موضوع النزاع الذي يعالجه هذا القرار , فإنه يمكن بداية تقديم فكرة عامة وموجزة عن النزاع , ثم من بعد ذلك بحث أهم الإشكالات القانونية التي يطرحها , وأخيرا الحلول القانونية التي خلص إليها القرار في سبيل حل النزاع الذي يشكل موضوعه
أولا : وقائع النزاع والإشكالات القانونية المثارة
1 . وقائع النزاع والأحكام الصادرة بشأنه
تتصل وقائع النزاع التي صدر في شأنها القرار محل التعليق أنه بتاريخ 22 شتنبر 2008 تم إغلاق دار القرآن التابعة لجمعية الدعوة إلى القرآن والسنة من طرف قائد رئيس الملحقة الإدارية أسيل بمراكش التابعة لولاية مراكش بدعوى مخالفة النظام العام وخلق البلبلة والفتنة وتبني أفكار تتعارض مع توجهات المملكة المغربية , وعلى إثر ذلك قامت الجمعية المذكورة سلفا بتقديم مقال افتتاحي إلى المحكمة الإدارية بمراكش تدعي فيه سوء تطبيق الفصل 7 من ظهير الحريات العامة من طرف الإدارة , معتبرة أن إغلاق مقرات الجمعيات من اختصاص القضاء لا الإدارة , وهو ما يعني في نظر الجمعية أن قرار السلطات المحلية مشوب بعيب الانحراف والشطط في استعمال السلطة , ملتمسة في الأخير الحكم بإلغاء قرار الإدارة واعتباره كأن لم يكن ... أما الوكيل القضائي كنائب عن كل من وزير الداخلية ووالي جهة مراكش تانسيفت الحوز وعامل عمالة مراكش فقد اعتبر أن قرار الإدارة بغلق دار القران التابعة للجمعية المذكورة سلفا سديدا وحكيما وذلك لسببين : الأول أن دور القران التابعة للجمعية الطاعنة تستغل مركزها في الدعوة إلى أفكار تتناقض مع ثوابت الأمة , والسبب الثاني يتمثل في تورط رواد دور القران التابعة للجمعية الطاعنة في قضايا الإرهاب , داعيا في النهاية إلى تزكية توجه الإدارة من طرف المحكمة واعتباره عملا من أعمال الضبط الإداري المشروعة , وبعد إدلاء كل طرف بحججه وقناعاته , وبعد تبادل المستنتجات والردود , تقرر في القضية :ما يلي
:الحكم الابتدائي أصدرت المحكمة الابتدائية حكمها القاضي بإغلاق دار القران التابعة لجمعية الدعوة إلى القران والسنة

:القرار الإستئنافي استأنف السيد الوكيل القضائي الحكم الابتدائي , وبعد إدلاء كل طرف بمستنتجاته وحججه وردوده , قضت المحكمة بإلغاء الحكم المستأنف والحكم تصديا برفض الطعن , وذلك بتاريخ 25 / 11 / 2009

2 الإشكالات القانونية التي يثيرها القرار
:يطرح القرار محل التعليق جملة من الإشكالات القانونية التي تتمثل فيما يلي
مدى صلاحية الإدارة قانونيا لإغلاق دور القرآن انطلاقا من مقتضيات الفصل 7 من ظهير الحريات العامة
مدى أحقية الإدارة وجدية حججها فيما يخص التذرع بالنظام العام , أو بمعنى أخر مدى ملائمة الظروف الواقعية التي تدعيها الإدارة مع القرار المتخذ في هذا الإطار , وهنا يطرح إشكال مدى كفاية الاعتماد على أراء فقهية غير ملزمة يتبناها بعض أعضاء الجمعية في تعليل حكم الإدارة القاضي بإغلاق دار القران

إشكالية مدى توفق الإدارة في التوفيق بين حماية النظام العام وحماية الحقوق والحريات الأساسية , ولا سيما حرية المعتقد والفكر , وهنا تطرح على الخصوص إشكالية الحمولة التي تعطيها الإدارة لمفاهيم النظام العام والأمن العام , ومدى صحة التكييف والحجج القانونية المقدمة في هذا الإطار

ثانيا : التعليق على الحلول القانونية الواردة بالقرار
1 . فيما يخص تفسير مقتضيات الفصل 7 من ظهير الحريات العامة
نلاحظ في هذا الشق الأول أن القرار محل التعليق اعتمد على ثلاث حجج رئيسية , وفيما يلي كل حجة على حدا :مرفوقة بتعليق شخصي عليها

أ). مناقشة الحجة الأولى { المواثيق الدولية وتقييد حرية الجمعيات } :
تم هنا الاستدلال بالمواثيق الدولية والمقتضيات القانونية الوطنية { وبخاصة المادة 2 من القانون المتعلق باختصاصات العامل } , وكذا الاجتهادات القضائية الدولية والإقليمية والوطنية , والتي تجيز جميعها حق تقييد حرية الجمعيات . إن هذا ما نلمسه مثلا في المادة 22 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي نصت على ما يلي :" لا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم" :استخلص الفقه من هاته المادة ما يلي
يفهم من عبارة " لا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك " أن هناك مبدأ عام يقضي بأن الحق في تأسيس الجمعيات وفي أعمالها هو القاعدة , والقيد عليه هو الإستتناء , {2} وهذا هو الاتجاه الذي سار عليه المقرر الخاص بالحق في حرية التجمع وحرية تأسيس الجمعيات حينما أكد على أن حرية التجمع السلمي وتشكيل الجمعيات هي القاعدة العامة والتقييد هو الاستثناء {3}

في مقابل القيود المسموح بها للدولة هناك قيود أخرى على الدولة نفسها , وهذا ما يسمى عند البعض بالقيود على القيود {4} , أهمها وجوب كونها منصوص عليها في القانون ؛ أي من خلال قانون يسنه البرلمان أو قاعدة عرفية مماثلة من القانون العام، مما يعني أن القيد لا يكون جائزا إذا تم عن طريق مرسوم حكومي أو أوامر إدارية مماثلة . {5} وفي هذا الإطار اعتبرت المقررة الخاصة بالمدافعين عن حقوق الإنسان أن المخاوف تثار عندما تكون هناك إشكالية في القوانينُ التي تتسم بالغموض وتحتوي على تعاريف فضفاضة مما يجعلها تتعرض بسهولة لسوء التفسير أو سوء الاستخدام {6} . كما يجب أن يكون القيد ضروريا وفي مجتمع ديمقراطي لتحقيق هذه الأهداف. ويجب على الدولة أن تبين أن القيود المفروضة ضرورية لتفادي خطر حقيقي وليس افتراضي فقط على الأمن الوطني أو النظام الديمقراطي وأن التدابير الأقل تدخلا لم تكن كافية لتحقيق ذلك الهدف {7} , وفي هذا الإطار تؤكد المقررة الخاصة المعنية بالمدافعين عن حقوق الإنسان بأن شرط " الضرورة في مجتمع ديمقراطي " يتطلَّبُ ضمانات لعمل "عدد من الجمعيات، بما فيها تلك التي تعمل سلميا لنشر أفكار لا تلائم رؤية الحكومة أو أغلبية السكان ... وأنَّ حظر تكوين الجمعيات والمحاكمة الجنائية للأفراد بسبب عضويتهم في تلك المنظمات كان ضروريا لتفادي خطر حقيقي وليس افتراضيا فقط على الأمن الوطني أو النظام الديمقراطي وأن التدابير الأقل تدخلا لم تكن كافية لتحقيق ذلك الهدف {8} يشترط في القيود السابقة أن يكون فرضها لمصلحة الأمن الوطني العام {9} أو السلامة العامة، أو النظام العام {10} ، أو لحماية الصحة العامة {11} والأخلاق أو لحماية حقوق وحريات الآخرين , غير أن مفاهيم النظام العام والأمن العام والصحة العامة والآداب العامة مفاهيم نسبية ذات طابع مرن , فهي تختلف باختلاف الزمان والمكان وتبعا للأفكار أو الاتجاه والمذهب المعتمد داخل الدولة فما يعتبر من النظام العام وفقا للمذهب الفردي قد لا يعتبر من النظام العام وفقا للمذهب الاشتراكي{12} . وتطبيقا لذلك فيمكن أن يسمح في دولة ما بوجود جمعية للشواذ جنسيا , ويمكن في دولة أخرى أن تمنع , لكن المفهوم في حد ذاته ليس جامدا بل يعرف تطورا حسب ضرورة المجتمع . {13}

وأضاف الاجتهاد القضائي قيدا أخر على القيود المسموح بها للدولة يتمثل في وجوب خضوع فرض القيود لتحكيم القضاء , إذ قد يترتب عن منح سلطة تكييف القيد بأنه ضروري للسلطة التنفيذية مما قد يترتب عنه تنازع سواء في التأويل أو التطبيق , ومن تم تظهر أهمية إسناد مهمة تكييف القيد بأنه ضروري أو لا للقضاء باعتباره سلطة تلعب دور الحكم في تطبيق القانون . {14}

ونعتقد أن القرار كان صائبا في إدراج هاته الحجة , ذلك أن المنطق يقضي بعدم وجود حقوق وحريات مطلقة , بل من باب التنظيم وحماية المصلحة العامة تخضع تلك الحقوق للتقييد , والتقييد لا يعني البتة التضييق , إذ أن ما سبق إدراجه أعلاه يجعل من التقييد خاضعا للتقييد في الوقت ذاته , والقرار محل التعليق قد سار في هذا التوجه ولم يخرج عن المألوف

:ب). مناقشة الحجة الثانية { القرارات الإدارية صنوف متعددة }
تم الاحتجاج هنا بالتمييز بين القرارات الإدارية التي تستهدف حفظ النظام العام وتدخل في مجال الضبط الإداري , وبين القرارات التي تستهدف حفظ النظام العام ولكنها لا تدخل في مجال الضبط الإداري , معتبرا أن القرار المطعون فيه داخل ضمن الفئة الأولى , وفي نظر القرار محل التعليق فعدم التمييز بين الفئتين السابقتين من القرارات الإدارية هو الذي جعل الطاعنة { أي الجمعية } تستبعد تطبيق فكرة الضبط الإداري على الجمعيات والعمل الجمعوي
إنه بالرجوع إلى التفصيلات الفقهية الواردة في كتب القانون الإداري حول نظرية القرارات الإدارية نجد التفريق قائما بين النوعين السابقين من القرارات الإدارية المشار إليها في القرار , حيث يتم التمييز بين القرارات الإدارية الضبطية التي تصدر في إطار سلطة الضبط الإداري كامتياز للإدارة تستخدمه فيما يحفظ النظام بمدلولاته الثلاثة : الأمن العام والسكينة العامة والصحة العامة مع الحفاظ على البيئة , هذا النوع من القرارات يضع بطبيعته قيودا على حقوق وحريات الأفراد بالقدر الذي يضمن الحفاظ على النظام العام , وهي قيود قد تتسع وقد تضيق{15} , ثم هناك النوع الثاني من القرارات الإدارية التي تستهدف الحفاظ على النظام العام , لكن مع تجردها من صفة الضبط الإداري أو الشرطة الإدارية , حيث إما أن تكون تنفيذية أو تنظيمية أو تفويضية أو مراسيم للضرورة أو مراسيم للقوانين{16}

وبما أن النوع الأول من القرارات الإدارية يستهدف الحفاظ على النظام العام عن طريق توظيف آلية الضبط الإداري , ومادام أن تطبيقها يعني تقييد الحقوق والحريات , وبما أن حرية العمل الجمعوي غير مستثناة تشريعا وفقها وقضاء من باقي الحريات العامة , فإنه انطلاقا مما سبق نسير في اتجاه تأييد القرار محل التعليق في هاته الحجة , ونعتبر التمييز السابق قد حالفه الصواب

:ج). مناقشة الحجة الثالثة { حل الجمعية وإبطالها شيء , وإيقاف بعض أنشطتها شيء أخر }
ذهب القرار في اتجاه التمييز بين حل الجمعية أو إبطالها , وبين إغلاق دار القران التابعة للجمعية , واعتبار الحالة الأولى من اختصاص القضاء تطبيقا للفصل 7 من ظهير الحريات العامة , والحالة الثانية من اختصاص السلطات الإدارية في إطار الشرطة الإدارية وامتياز التنفيذ المباشر{17} الممنوح للإدارة , وفي هذا الإطار اعتبر أن الحل يقتضي إزالة الجمعية من الوجود أما القرار الإداري محل الطعن بالاستئناف فلا يعدو أن يكون موجها لإيقاف تنفيذ أنشطة الجمعية مع بقاء صفتها القانونية قائمة , كما ذهب القرار في هذا الإطار إلى تفسير ضيق لمقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 7 التي تنص على أنه " للمحكمة بالرغم من كل وسائل الطعن أن تأمر ضمن الإجراءات التحفظية بإغلاق الأماكن ومنع كل اجتماع لأعضاء الجمعية " ,حيث تم تفسير هاته الفقرة بأن اختصاص المحكمة في تقرير الإجراءات التحفظية يكون في إطار دعوى قائمة وليس بشكل مستقل

الملاحظ أن هاته الحجة هي بمثابة تحصيل حاصل , إذ بعدما قرر القرار في الحجتين السابقتين المقدمة الكبرى والصغرى , يصل هنا إلى النتيجة النهائية فيما يخص تطبيق مقتضيات الفصل 7 , ومن تم دحض تفسيرات الطاعنة ودفعها

2). فيما يخص رفع وصفي الشطط والانحراف في استعمال السلطة عن عمل الإدارة
:أ). مناقشة الحجة الأولى { تبني أعضاء الجمعية لأفكار خطيرة }
بنى القرار هنا حجته الأولى - في سبيل إبطال إدعاء الطاعنة باتصاف القرار بالشطط والانحراف في استعمال السلطة – على كون أعضاء الجمعية يتبنون أفكار خطيرة من شأنها خلق البلبلة , وضرب ثوابت الأمة التي منها النظام الملكي والمذهب المالكي , وهنا يطرح سؤال عريض بخصوص صلاحية الإدارة للتدخل في التوجه الفكري لأعضاء الجمعية ؟ وهل مجرد إتباع مذهب فقهي مغاير لمذهب أهل البلد يعتبر سببا مشروعا يبرر لجوء الإدارة لهكذا قرارات ؟

إنه بالرجوع للاجتهاد القضائي المقارن نجد أن المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان , في قرارها الصادر في 10 يوليوز 1998 في إطار ما يسمى بقضية " جمعية دار الحضارة المقدونية " , ذهبت إلى اعتبار أن المحكمة الوطنية لا يمكنها أن تبني قناعتها بأن الجمعية المعنية ستعمل على معارضة الهوية والوطنية والوحدة الترابية لليونان لمجرد الوضعية التي كان يعرفها البلقان في ذلك الوقت , لتخلص في النهاية إلى أن " قرارات المحكمة الوطنية مادام انها مرتكزة على التشكيك فقط فرفضها لقبول تسجيل الجمعية المعنية يشكل مخالفة للاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان . " {18}
أما فيما يخص الاجتهاد القضائي المغربي فيمكن هنا إدراج حكم فريد من نوعه , يتعلق بحل الحزب الشيوعي المغربي الذي تأسس سنة 1943 , وعاش فترة طويلة في ظل السرية , غير أن النيابة العامة سنة 1959 ستطلب من المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء الحكم بحله بدعوى تعارض مبادئه المادية مع الإسلام , لكن المحكمة سترفض ملتمس النيابة العامة , ومن تم رفض حله , حيث اعتبرت المحكمة أن مسألة تعارض إيديولوجيته المادية مع الإسلام تتجاوز اختصاص المحكمة , كما أن ظهير 1958 لا ينص على حل الهيئات ذات الإيديولوجية المادية التي قد تتعارض مع الدين الإسلامي{19} , وفي حكم لابتدائية القنيطرة سنة 2009 اعتبرت أن الفتوى تعبر عن رأي صاحبها , وليست لها قوة إلزامية , ولا يمكن بأي حال أن يكون إصدار الفتوى سببا لجعل الجمعية في وضعية مخالفة للقانون {20}

:نستنتج من مجموع هاته الاجتهادات القضائية الوطنية منها والدولية ما يلي
أن مجرد اعتناق أعضاء الجمعية لتوجهات فكرية معينة لا يعتبر سببا لمنع الجمعية من ممارسة أنشطتها بكل حرية
ضرورة الربط بين اعتناق فكر معين ومخالفة النظام العام بشكل جازم , لا مجرد الشك والافتراض
أن اعتناق أعضاء الجمعية لمذهب فقهي معين لا يشكل بأي حال سببا لجعل الجمعية في وضعية مخالفة للقانون
أن مسألة تكييف التوجهات الفكرية لأعضاء الجمعية بأنها مخالفة للدين الإسلامي وثوابت الأمة ليس من اختصاص القضاء
أن ظهير 1958 لم يتضمن نصا يبيح للإدارة منع الجمعيات الإيديولوجية من ممارسة أنشطتها
إن ما سبق يطرح سؤال علاقة حرية الجمعيات بحرية المعتقد والفكر ؟ كما يطرح من جهة أخرى سؤال حدود حرية المعتقد ؟ , وهو ما سيكون موضوع النقطة الموالية

:ب). مناقشة الحجة الثانية { حرية المعتقد والفكر مضمونتين }
لقد انطلق القرار هنا - وحتى لا يساء فهمه – من اعتبار حرية المعتقد والفكر{21}, وحرية ممارستهما أمرا مشروعا , لكن في نطاق القانون , وتحقيقا للاستقرار , وضمانا لحقوق الأفراد وحرياتهم
تنص في هذا الإطار جميع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان على حرية العقيدة والفكر والضمير , ويشمل هذا الحق حرية تغيير الديانة أو العقيدة , وكذلك حرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها , سواء أكان ذلك سرا أم مع الجماعة , ولا يجوز إخضاع أي شخص للإكراه الذي من شأنه أن يعطل حريته في الانتماء إلى أحد الأديان أو العقائد التي يختارها , وفي هذا المضمار يمكن أن تخضع حرية الفرد في التعبير عن ديانته أو معتقداته فقط للقيود المنصوص عليها في القانون , والتي تستوجبها السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الأخلاق أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية باحترام حرية الآباء والأمهات والأوصياء القانونيين عند إمكانية تطبيق ذلك في تأمين التعليم الديني أو الأخلاقي لأطفالهم تماشيا مع معتقداتهم الخاصة {22} , إن ما سبق تم تجسيده في كل من المادة 18 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية , والمادة 9 من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان , والمادة 2 من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان

إن ما سبق يعني أن حرية العقيدة والفكر ليست حرية مطلقة وإنما تخضع للتقييد , بحيث أنه وحتى لا يساء فهم هاته الحرية خصوصا الفهم الذي يجعلها متجردة من أي نوع من الرقابة وذلك انطلاقا من فهم عامي دارج للرقابة يجعل الأخيرة في تعارض مع هذا النوع من الحريات , ودرءا لهاته النظرة المفرطة في التبسيط {23} يلزم :ممارس هاته الحرية بعدم تجاوز مجموعة من الخطوط الحمراء حتى لا يضر

بحقوق وسمعة الآخرين
بالأمن العام
بالنظام العام
بالصحة العامة
بالأخلاق
ومن باب منع السلطة من الإساءة إلى هاته المفاهيم عن طريق سوء استخدامها , أوجبت المواثيق الدولية أن تحدد هاته القيود بنصوص القانون وفي حدود الضرورة . وهذا يعني ألا تكون السلطة متعسفة في تحديد هاته القيود بمفهوم أن يكون القانون المحدد لها مرتكزا على المفهوم الديمقراطي . {24}

إن القرار محل التعليق يبدو من هاته الناحية – أي جعل حرية العقيدة والفكر حقا مع تجويز تقييدها – منسجما مع نفسه , ومع ما تنص عليه المواثيق الدولية
:ج). مناقشة الحجة الثالثة { الانحراف لا يفترض , بل يجب إقامة الدليل عليه }
تم هنا , تبني حجة اعتبار إدعاء الانحراف من قبل الطاعنة { الجمعية } يستلزم البينة والإثبات لا مجرد الزعم بوجوده , فهو غير مفترض , مما يعني من ناحية أولى أن إغلاق دار القرآن من طرف الإدارة إنما تم بغاية حفظ للأمن لا لغاية أخرى , ومن ناحية ثانية اعتبار ملائمة الأسباب القانونية التي تدعيها الإدارة للظروف الواقعية التي اتخذ فيها القرار

يلاحظ أن القرار انصب في هاته الحجة الثالثة على مناقشة ركن الغاية في القرار الإداري , حيث زعمت الجمعية أن الإدارة لما اتخذت القرار القاضي بغلق دار القرآن , إنما من باب تعطيل أنشطة الجمعية ومن تم حلها وإزالتها , ومن تم اعتبار القرار الإداري السابق تم لغاية غير حفظ الأمن والنظام العامين ., مما يعني أنه مشوب بالانحراف , لكن ما المقصود بالانحراف ؟

يعرف الفقيه " ميشيل روسي " الانحراف بأنه " تسخير سلطة لتحقيق غاية تختلف عن الغاية التي منحت من أجلها هذه السلطة للمسؤول الإداري " , كما عرفه الطماوي بأنه " استعمال رجل الإدارة سلطته التقديرية لتحقيق غرض غير معترف له به " , من هذين التعريفين يمكن استخلاص عنصرين أساسيين يقوم عليهما مفهوم الانحراف , وهما :

الأول : عنصر سلبي , حيث أن القرار الإداري المنحرف في استعمال السلطة عمل إداري قد سلمت جميع أركانه الأخرى , مع عدم نفي إمكانية قيامه في ركن المحل والسبب والاختصاص ...
الثاني : عنصر إيجابي , مقتضاه أن ركن الغاية والغرض في القرار هو المعيب{25
إنه بالرجوع إلى الفقه الإداري نلاحظ أنه يفرق بين ثلاث صور من الانحراف في الغاية : 1. الانحراف عن المصلحة العامة , 2. الانحراف في الغاية المحددة أو المخصصة , 3. الانحراف في الإجراءات أو المسطرة , والجمعية الطاعنة إنما تزعم الصورة الثانية حيث تنازع الإدارة في الغاية التي ادعتها , غير أن الملاحظ هو أنها لم تقم الحجة على زعمها , وفي مثل هذا دهب المجلس الأعلى في قراره رقم 65 بتاريخ 12 ماي 1967 والذي جاء فيه : " وحيث يستخلص من مجموع المقتضيات المشار إليها أعلاه , أن الإدارة تملك حق تقدير أهلية المرشحين وكفاءاتهم من الناحية الفنية والمالية , وأن الغرض من منح هذه السلطة هو تمكينها من إقصاء المرشحين الذين لا تتوفر فيهم الشروط المشار إليها أعلاه , وحيث لم يثبت من أوراق الملف أن الإدارة استعملت هذا الحق لغير هذا الغرض , فإن دعوى الانحراف في استعمال السلطة التي تمسك بها الطالبون لا ترتكز على أساس " {26}

من هنا يتضح أن القرار القضائي محل التعليق كان موفقا في هذا الشق من الرد على مزاعم الجمعية , وذلك لسببين :

الأول : أن الانحراف في الغاية المحددة من طرف الإدارة يبنى على الإثبات واليقين لا الشك والافتراض , لأن الأصل في فلسفة القانون الوضعي هو محاكمة السلوكيات الخارجية للأفراد والجماعات لا النيات , وهذا ما عجزت الجمعية عن إثباته , ذلك أن المستقر عليه فقها وقضاء هو إقامة قرينة بسيطة قابلة للإثبات العكسي على صحة الأهداف التي تتوخاها الإدارة فيما تصدر من قرارات , وعلى الطاعن إثبات عيب الانحراف في استعمال السلطة {27}

الثاني : أن الحل يفترض إزالة الجمعية من الوجود لا مجرد إيقاف تنفيذ أنشطتها , وهو ما يعني عدم توفق الجمعية في مسألة تكييف إغلاق دار القرآن بأنه حل

الثاني : أن الحل يفترض إزالة الجمعية من الوجود لا مجرد إيقاف تنفيذ أنشطتها , وهو ما يعني عدم توفق الجمعية في مسألة تكييف إغلاق دار القرآن بأنه حل

في المحصلة فإن القرار محل التعليق يمكن اعتباره " مرجعا هاما " في مجال التأطير القانوني والقضائي لحرية العمل الجمعوي
:الهوامش
{1} . محمد الازهر , الحريات العامة في القضاء المغربي , مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء , الطبعة الأولى : 2012
{2} . مرفت رشماوي , حرية تكوين الجمعيات في البلدان العربية , دليل إرشادي , شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية
{3} . كلمة المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي والحق في حرية تكوين الجمعيات امام الجلسة 20 لمجلس حقوق الانسان،
20 حزيران 2012
{4} . عبدالعزيز النويضي , المعايير الدولية للعمل الجمعوي , ندو مهداة إلى روح فقيدي الجمعية والحركة التطوعية السي محمد الحيحي والسي محمد السملالي بعنوان : العمل الجمعوي بالمغرب التاريخ والهوية , منشورات الجمعية المغربية لتربية الشبيبة , الرباط : 2004
{5} . المقرر الخاص المعني بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان، التقرير للجمعية العمومية { A/64/226 } 4 أب اغسطس 2009 ,
{6} . مليكة الصروخ , العمل الإداري , مطبعة النجاح الجديدة , الدار البيضاء , الطبعة الأولى : 2012 , ص : 113
{7} . عبدالرزاق أحمد السنهوري , الوسيط في شرح القانون المدني الجديد : نظرية الالتزام بوجه عام – مصادر الالتزام – { العقد , العمل غير المشروع , الإثراء بلا سبب , القانون } الجزء الاول , دار إحياء التراث العربي , بيروت – لبنان , أبريل سنة : 1952
{8} . محمد المقريني , المدخل لدراسة القانون الوضعي : نظرية القانون , نظرية الحق , الطبعة الثانية 2013 , دار أبي رقراق للطباعة والنشر الرباط
{9} . عمر بندورو , حقوق الإنسان والحريات الأساسية , سلسلة القانون العام , الطبعة : 2007
{10} . ليون إي . أيريش و أخرون , دليل القوانين المؤترة في منظمات المجتمع المدني , ترجمة محمد أحمد شومان , من إعداد معهد المجتمع المدني المنفتح بالتعاون مع المركز الدولي لقانون المنظمات غير الهادفة للربح
{11} . عبد العزيز مياج , قانون الحريات العامة بالمغرب : قراءة نقدية من أجل تغيير ظهير 15 نونبر 1958 كما تم تعديله { الجمعيات , التجمعات العمومية , الصحافة } , مطبعة فضالة – المحمدية , الطبعة الثانية : 2005
{12} . غازي حسن صباريني , الوجيز في حقوق الانسان وحرياته الأساسية , دار الثقافة للنشر والتوزيع , عمان الأردن , الطبعة الرابعة : 2015
{13} . موريس كرنستون , حقوق الانسان ماهي ؟ , دار النهار للنشر , بيروت , 1974
{14} . الشافعي محمد بشير , قانون حقوق الانسان مصادره وتطبيقاته الوطنية والدولية , منشأة المعارف , جلال حزى وشركائه , الإسكندرية , الطبعة الثالثة : 2004
{15} . عفاف ملوك , عيب الانحراف في استعمال السلطة في ضوء الاجتهاد القضائي الإداري المغربي , المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية , سلسلة مواضيع الساعة , عدد 55 , 2007
بقلم ذ سفيان الكمري
باحث في سلك ماستر المجتمع المدني والديمقراطية التشاركية , سطات
 


أعلى الصفحة