القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ سعيد بـجـو
كاتب عام بجماعة ترابي باحث في الشأن العام المحلي
تحت عدد: 522
شهدت الشهور الاخيرة تزايد عدد المتابعات في حق مسؤولي

الجماعات، سواء على اثر عمليات التفتيش والمراقبة التي خضعت لها هذه الأخيرة من طرف المجالس الجهوية للحسابات و من طرف المفتشية العامة للإدارة الترابية التابعة مباشرة لوزير الداخلية، أو من طرف الفرقة الوطنيةالأبحاث القضائية التابعة للدرك الملكيأو الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، أو من طرف الغرف الاربعة لجرائم الاموال التابعة لمحاكم الاستئناف. ويأتي تكثيف عمليات التفتيش والمراقبة بعد تعيين رجل صارم على رأس وزارة الداخلية، وتعيين مرأة حديدية على راس المفتشية العامة للإدارة الترابية.

ولئن كانت هذه العملياتتعد بحد ذاتها عملا محمودا لا يسعنا الا ان نصفق لها ونتمنى ان تتوسع لتشمل مزيدا من الادارات والمؤسسات العمومية، فحري بالاشارة الى انه لتجنب عدد من تبعاتها السلبية، والمساهمة في نفس الوقت في وضع الآليات القمينة بتوزيع دقيق للمسؤوليات الادارية وإجلاء لمهام كل المتدخلين في التسيير الاداري للجماعات، موظفين ومنتخبين، لابد من التعبير عن بعض الانتظارات الاساسية التي تقع مسؤولية الاستجابة لها على عاتق وزارة الداخلية في أقرب وقت ممكن لطابعها الاستعجالي، لاسيما ان جزءا منها كان يندرج تنزيله ضمن المخطط التشريعي لحكومة عبد الاله بنكيران المنتهية ولايتها، كما ان بعضا من هذه الانتظارات يدخل ضمن النصوص التطبيقية المنصوص على استصدارها داخل أجل 30 شهرا ابتداء من تاريخ صدور القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات في الجريدة الرسمية حيث مرت لحد الآن 26 شهرا على صدوره.

من هذه الانتظارات، أذكر ما يلي:

 

أولا- الإسراع بإصدار مرسوم يحدد شروط التعيين في المناصب العليا بما فيها منصبي مدير المصالح الجماعية والمدير العام للجماعة.

 

فبالرغم من صدور منشور السيد وزير الداخلية رقم 43 بتاريخ 28-7-2016 المتعلق بالهيكل التنظيمي للجماعات والذي اقترح من خلاله ثلاثة نماذج للهيكل التنظيمي للجماعات تتوزع حسب عدد سكان الجماعةوالذي لايمكن اغفال أهميته الحيوية، فان القرارات التنظيمية الصادرة بهذا الشأن من لدن رؤساء الجماعات لم تكن متجانسة فيما بينها بخصوص تحديد مهام واختصاصات مختلف الاقسام والمصالح الجماعية، مما يتطلب في نظرنا اصدار قرار لوزير الداخلية يتخذ كمرجع موحد يحدد بدقة هذه الاختصاصات لتفادي عدم التجانس في عمل الجماعات في المساطر الادارية المعتمدة ،وتجنب التداخل في المهام بين بعض المصالح الادارية داخل نفس الجماعة، كالتداخل بين مصلحة التعمير والمصلحة التقنية، وبين هذه الاخيرة ومصلحة حفظ الصحة..الخ.

ولاشك ان عدم صدور مرسوم لحد الآن يحدد شروط ولوج مناصب المسؤولية بالجماعات، جعل تلك المقررات الصادرة عن المجالس الجماعية المتعلقة بتنظيم إداراتها حبرا على ورق، حيث أن تفعيلها على أرض الواقع يتطلب اتخاذ قرارات تعيين رؤساء الاقسام والمصالح وإرسالها للوزارة قصد التأشير عليها لتصبح مستوفية للشروط القانونية يمكن العمل بها.

ثانيا: تفعيل المواكبة التقنية لوزارة الداخلية لعمل الجماعات حتى تتمكن من تحديث وعقلنة عملها من خلال وضع نماذج لما يلي:

- دليل تحديد المهام التفصيلية ووضع دلائل موحدةوبسيطة للمساطر المتعلقة بالأنشطة والمهام المنوطة بإدارة الجماعة وبأجهزتها التنفيذية والتدبيرية؛

- كتاب القواعد المتعلقة بتبني نظام التدبير بحسب الأهداف GAR؛

-منظومة لتتبع المشاريع والبرامج تحدد فيها الأهداف المراد بلوغها ومؤشرات الفعالية المتعلقة بها.

ومن شأن اخراج هذه النصوص التنظيمية والدلائل العملية تعزيز عمل الجماعات لتصبح في مصاف الادارات الحديثة والفعالة والناجعة، وتجنب والارتجال والاتكالية التي أصبحت مستشرية في السنوات الاخيرة، كما أن من شأن تحديد المهام بدقة تيسير عملية ترتيب المسؤولية، سواء كانت ادارية أو مدنية أو جنائية، كما يعتبر مدخلا من مداخل الحكامة الجيدة التي كرسها دستور 2011 ،وتم تنزيلها في اطار القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات، ولاسيما ماورد في قسمه الثامن، حيث اعتبر ان من بين مبادئ الحكامة الجيدة تكريس قيم الديمقراطية والشفافية والمحاسبة والمسؤولية.

ولقد لوحظ من خلال عمليات التحقيق التي تجريها الجهات المختصة في تجاوزات بعض الجماعات، تبادل الاتهامات بين مختلف المتدخلين الجماعيين حيث كل طرف يحمل مسؤولية ارتكاب تلك التجاوزات للطرف الآخر، في غياب شبه تام لما يسمى "أثر العملالاداري traçabilité"، مما قد ينجم عنه "جرجرة" بعض الابرياء لأيام طويلة أمام المحاكم، وتأخير في البث في الملفات المعروضة على القضاء.

ثالثا: إحداث تعويض عن تولي مناصب المسؤولية وإخراج قانون الوظيفة الترابية لحيز الوجود.

رغم ان التعويض عن تولى مناصب المسؤولية بالادارة المركزية قد أحدث منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، وبعدما اصبح مسؤولوا الادارات اللاممركزة يستفيدون بدورهم من هذاالتعويض، بما في ذلك المصالح الخارجية لوزارة الداخلية،ورغم أن ميزانية بعض الجماعات تتجاوز ميزانية العديد من الوزارات، فان الجماعات ظلت وحدها محرومة من هذا الحق إلى الآن دون مبرر يذكر، مقابل ذلك كان السخاء جليا بخصوص الزيادات الأخيرة في تعويضات المنتخبين.

كمقارنة بسيطة ودون الحديث عن التعويضات المخصصة للمديرين المركزيين عن منصب المسؤولية، نلاحظ أن ميزانية وزارة الشؤون العامة والحكامة وصلت إلى 62 مليون و105 ألف درهم سنة 2017،  ووزارة السياحة: 695 مليون و819 ألف درهم،وميزانية وزارة الاتصال: مليار و680 مليون و7 آلاف درهم،ووزارة الاقتصاد والمالية: 2 مليار و746 مليون و297 ألف درهم، ووزارة العدل : 4 مليار و420 مليون و177 ألف درهم ،. فين حين وصلت ميزانية جماعة طنجةبرسم نفس السنة 875.141.017 درهم، وجماعة فاس 720 مليون درهم، وبالنسبة لجماعة الرباطفقد بلغت ميزانيتها 950 مليون درهم ، وبلغت ميزانية جماعة مراكش ما يناهز مليار ونصف درهم أو بالضبط:1 401 501 071,00درهم، فيما وصلت ميزانيةالدار البيضاء 3 مليار و75 مليون درهم.

 ويتقاضى المدير العام للجماعة تعويضا عن المسؤولية يصل خمسمائة(500) درهمفي الشهر خاضع للاقتطاع برسم الضريبة العامة على الدخل! وهوتعويض يقل مرتين مقارنة مثلا مع  تعويض مدير مدرسة ابتدائية! ورغم ما يتحمله موظفواالجماعات من مسؤولية في تحصيل تلك المداخيل الضخمة، فليس هناك أي تعويض عنها، اضافة الى غياب تأمين عن حفظ ونقل الأموال والقيم المالية، باستثناء ووجود تعويض مخصص لشسيعي المداخيل régisseur des recettesيبلغ سقفه ستمائة(600) درهم في السنة !

فالمساواة في الحقوق كمبدإ دستوري، وكمبدأ مركزي في النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، لا ينطبق على موظفي الجماعات، لاسيما في شقه المتعلق بالعدالة الاجرية المنصوص عليها بوضوح ،كذلك، في القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، ولاسيما من خلال المادة 129 التي تتحدث عن وضع قانون اساسي لموظفي الادارة الترابية يحدد:" حقوق وواجبات الموظفين بإدارة الجماعة ومؤسسات التعاون بين الجماعات ومجموعات الجماعات الترابية والقواعد المطبقة على وضعيتهم النظامية ونظام أجورهم، على غرار ما هو معمول به في النظام الأساسي للوظيفة العمومية."

فمن المأمول اذن ان يتضمن هذا القانون المرتقب إنصافا لهذه الشريحة الواسعة من موظفي الجماعات، والتي تضم أكبر عدد من الموظفين والأعوان بعد وزارة التربية الوطنية،وكذا إعادة النظر كذلك في التعويض عن الأخطار المهنية ، والتنصيص على حق السكن الاداري لبعض العاملين بهذه الجماعات، وإخراج جمعية الأعمال الاجتماعية لموظفيها الى الوجود.

دون ذلك، سيظل هؤلاء ينظرون الى الوضع على أنه ضرب من الحيف الواضح، مما يساهم في تكريس الشعور بالاحباط في ظل غياب التحفيزالمادي وعدم وجود ظروف مناسبة للعمل.

لا غروإذن أن كل هذه الاسباب والعوامل المذكورة تؤثر بشكل ملموس على مردودية الموظف الجماعي ومردودية المرفق العمومي الجماعي بشكل عام، وتنتقص من  جودة خدماته، ولاتساعد البتة على إبراز الكفاءات، وتحرير الطاقات، وانبثاق التنافس الخلاق. 

بقلم ذ سعيد بـجـو
كاتب عام بجماعة ترابي باحث في الشأن العام المحلي
 


أعلى الصفحة