القانون الدستوري

بقلم ذ رشيد المدور
عضو المجلس الدستوري للمملكة المغربية سابقا-أستاذ القانون الدستوري بكلية الحقوق المحمدية بجامعة الحسن الثاني.
تحت عدد: 776
استلهاما من تجربة "مجلس الشيوخ الحامي للدستور" الفرنسي Le Sénat conservateur de la Constitution، المحدث في نطاق دستور السنة الثامنة لإعلان

الجمهورية الفرنسية سنة 1799 خلال عهد نابليون الأول(1) ، بدأ التفكير في إقرار شكل مبسط للعدالة الدستورية أول مرة بالمغرب في مشروع دستور 1908(2).
وهكذا، أسندت المادة 54 من هذا المشروع لـ "مجلس الشرفاء" (مجلس المستشارين)، وهو أحد مجلسي "منتدى الشورى" (البرلمان)، صلاحية مراقبة جميع الأعمال الصادرة عن "مجلس الأمة" (مجلس النواب)، وله أن يرفضها رفضا قطعيا، مع إظهار الأسباب الداعية إلى ذلك، أو أن يعلق المصادقة عليها بوجوب إصلاحها وتصحيحها في ضوء قراره.

غير أن دسترة هذه الفكرة وتنفيذها لم يتحقق إلا مع أول دستور يضعه المغرب بعد الاستقلال سنة 1962، وذلك بإحداثه لغرفة دستورية في حظيرة المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا)، أسند إليها صلاحية البت في صحة انتخاب أعضاء البرلمان واختصاصات محدودة جدا في مجال الرقابة الدستورية؛ وهو ما تم تكريسه، بعد ذلك، نطاقا وحدودا، في دستوري 1970 و1972.

ومع دستور 1992، ستعرف مؤسسة القضاء الدستوري تطورا ملحوظا، تمثل في إسنادها إلى هيئة مركزية مستقلة عن التنظيم القضائي العادي هي: المجلس الدستوري، وفي توسيع مجال مراقبة الدستورية، وهو ما تم تكريسه، بعد ذلك، في دستور 1996م.
ومع دستور 2011، الذي جاء بمستجدات نوعية تخص القضاء عموما، الذي تم الارتقاء به إلى سلطة مستقلة، وتتعلق بالقضاء الدستوري خصوصا، الذي تم تحويل مؤسسته من مجرد مجلس دستوري إلى محكمة الدستورية، بعد أن زيد في اختصاصاته، يمكن القول: أن قوام العدالة قد اكتمل ونضج.
والحاصل، أن العدالة الدستورية متحت من العمر في المغرب باعتبارها فكرة قرنا من الزمن، وعمليا نصف قرن، بمعنى أن الولوج إليها تأخر أكثر من خمس وخمسين سنة.
وحيث إن مبدأ الولوج إلى العدالة عموما (3) ، والعدالة الدستورية خصوصا، أصبح أكثر وضوحا مع الدستور الحالي مقارنة مع سابقيه، فإن السؤال عن هذا المبدأ ومراحل تطوره، سواء على مستوى النصوص الناظمة أو على مستوى الممارسة المتمثلة في اجتهادات القضاء الدستوري ومناهج عمله، يستمد مشروعيته وراهنيته، وهو ما ستسعى هذه الدراسة إلى مقاربته نظريا في ضوء مستجدات الدستور والقوانين التنظيمية المنبثقة عنه، وتطبيقيا من خلال العمل القضائي الدستوري في مختلف مراحله.

المبحث الأول توسيع مجال الرقابة الدستورية وتسهيل الولوج إليها
كانت الرقابة الدستورية في نطاق الدساتير الثلاثة الأولى للمملكة 1962 و1970 و1972 مقتصرة على الرقابة الدستورية القبلية الواجبة ولم تتح إمكانية الرقابة الدستورية القبلية الاختيارية للقوانين العادية إلا في نطاق الدستور الرابع للمملكة سنة 1992، وهو ما كرسه بعد ذلك دستور 1996، ثم جاء دستور 2011(4)
فوسع من مجال كل من الرقابتين الدستوريتين الواجبة والاختيارية، وخفض من نصاب هذه الأخيرة عندما تكون بإحالة من أعضاء مجلس النواب، وأكثر من ذلك، أضاف إمكانية الرقابة الدستورية البعدية.

المطلب الأول: توسيع مجال الرقابة الدستورية بإحالة إجبارية
كانت الرقابة الدستورية التي تتم بإحالة وجوبية في نطاق الدستور السابق مقتصرة وخاصة بنوعي من التشريعات هما: القوانين التنظيمية والأنظمة الداخلية، أما في ظل الدستور الحالي، فإنها وإن لم تتسع من حيث النوع؛ إذ ظلت مقتصرة على النوعين المذكورين، إلا أنها اتسعت اتساعا كبيرا من حيث مجالها، سواء على مستوى مجال القوانين التنظيمية أو على مستوى مجال الأنظمة الداخلية كما يلي:
أ- اتساع مجال القوانين التنظيمية:
كان عدد القوانين التنظيمية في نطاق دستور 1996 لا يتجاوز عدد تسعة قوانين تنظيمية، ثم تضاعف عدد موادها بنسبة 100% في نطاق الدستور الحالي؛ إذ انتقل إلى 19 مادة، تمت ترجمتها عمليا إلى 22 قانونا تنظيميا:
سبعة من هذه القوانين التنظيمية جديدة تحدث موادها لأول مرة بموجب فصول الدستور الحالي، ويتعلق الأمر بالقانون التنظيمي المحدد لمراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وكيفيات إدماجها في مجال التعليم (الفصل 5)، والقانون التنظيمي المحدد لصلاحيات وتركيبة وكيفية سير المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية (الفصل 5)، والقانون التنظيمي المحدد لشروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديم الملتمسات في مجال التشريع (الفصل 14)، والقانون التنظيمي المحدد لكيفيات ممارسة الحق في تقديم العرائض إلى السلطات العمومية (الفصل 15)، والقانون التنظيمي المتعلق بالتعيين في المناصب العليا (الفصلان 49 و92)، والقانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها (الفصل 87)، ثم القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم دستورية قانون (الفصل 133).

وسبعة قوانين تنظيمية أخرى كانت موادها، في نطاق الدستور السابق، منظمة فقط بموجب قوانين عادية وتشريعات لا تخضع للرقابة الدستورية الواجبة ثم صارت خاضعة بعد أن صدرت في شكل قوانين تنظيمية، ويتعلق الأمر بالقانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية (الفصل 7)، والقانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، (الفصل 112)، والقانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية (الفصل 116)، والقانون التنظيمي المتعلق بالجهات (الفصل 146)، والقانون التنظيمي المتعلق بالجماعات الترابية (الفصل 146)، والقانون التنظيمي المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية (الفصل 146)، ثم القانون التنظيمي المتعلق بالعمالات والأقاليم (الفصل 146).
أما ثمانية القوانين التنظيمية الباقية، فقد كانت مقررة في الدستور السابق.
وهكذا، وبعد أن كان الولوج الإجباري للرقابة الدستورية معنيا فقط بتسعة قوانين تنظيمية، اتسع مجاله ونطاقه، فأصبح يهم 22 قانونا تنظيميا لا يمكن إصدار الأمر بتنفيذها، بموجب الفقرة الأخيرة من الفصل 85 من الدستور، إلا بعد أن تصرح المحكمة الدستورية بمطابقتها للدستور.
ب- اتساع مجال الأنظمة الداخلية الخاضعة وجوبا للرقابة الدستورية:
كانت الأنظمة الداخلية التي تحال قبل الشروع في العمل بها وجوبا على الرقابة الدستورية محدودة في ثلاثة فقط، ثم اتسع مجالها ليصبح، بموجب الفقرة الأخيرة من المادة 22 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية يشمل، إضافة إلى ذلك، جميع الأنظمة الداخلية للمجالس المنظمة بموجب قوانين تنظيمية. والحاصل، أن الأنظمة الداخلية التي أصبحت معنية عمليا بمراقبة الدستورية القبلية الوجوبية هي: النظام الداخلي لمجلس النواب والنظام الداخلي لمجلس المستشارين، طبقا للفقرة الثانية من الفصل 132 من الدستور(5) ، والنظام الداخلي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، طبقا للفقرة الأولى من المادة 37 من القانون التنظيمي لهذا المجلس، التي تنص على أن هذا النظام الداخلي يحال إلى المحكمة الدستورية للبت في مطابقته لأحكام الدستور والقانون التنظيمي المذكور(6) . والنظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، طبقا للفقرة الأولى من المادة 49 من القانون التنظيمي لهذا المجلس التي تنص على أن النظام الداخلي لهذا المجلس بعد وضعه وقبل الشروع في تطبيقه يحال إلى المحكمة الدستورية للبت في مطابقته لأحكام الدستور وهذا القانون التنظيمي وكذا أحكام القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة (7).
المطلب الثاني: توسيع مجال الرقابة الدستورية القبلية بإحالة اختيارية
كانت الرقابة الدستورية القبلية التي تمارس بإحالة اختيارية من جهات سياسية محددة، في نطاق دستوري 1992 و1996 خاصة بالقوانين العادية، ثم أضحت، في نطاق الدستور الحالي، تشمل إضافة إلى ذلك، الالتزامات الدولية قبل المصادقة عليها.
وهكذا أصبح في إمكان الملك، أو رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو سدس أعضاء مجلس النواب، أو ربع أعضاء مجلس المستشارين، كما تدل على ذلك الفقرة الأخيرة من الفصل 55 من الدستور، أن يحيلوا إلى المحكمة الدستورية التزاما دوليا قبل المصادقة عليه لتبت في مطابقته لأحكام الدستور (8).
وتجدر الإشارة إلى أن إخضاع المعاهدات الدولية للرقابة الدستورية كان طموحا يتطلع إليه البرلمانيون منذ تأسيس أول برلمان في المغرب سنة 1963، وحري بنا، في هذا السياق، أن نتذكر عندما حاول مجلس النواب، في نطاق الدستور الأول للمملكة المغربية سنة 1962، أنْ يسند للغرفة الدستورية، من خلال قانونه الداخلي، اختصاص مراقبة دستورية المعاهدات الدولية، إلا أن هذه الغرفة، وفي أول مقرر لها بشأن القانون الداخلي المذكور بتاريخ 31 ديسمبر 1963، صرحت بأن هذا الإسناد غير مطابق للدستور.
وقد عللت الغرفة الدستورية ذلك في حيثيات هذا المقرر فقالت: إن ما ورد في الفقرات الثانية والثالثة والرابعة من الفصل 111 من القانون الداخلي لمجلس النواب، من أنه "إذا ما كُلفت الغرفة الدستورية بالبحث فيما إذا كانت المعاهدة مع دولة ما تحمل شرطا مناقضا للدستور، فإن مشروع القانون الذي يأذن بالمصادقة على هذه المعاهدة وقبولها لا تمكن مناقشته"، ومن أنه "إذا ما تمت الإحالة على الغرفة الدستورية خلال جلسة تشريعية فإن هذه الجلسة تؤجل النظر في المعاهدة المعنية بالأمر، ومن أنه لا يمكن "استئناف مناقشة المعاهدات والاتفاقات الدولية، إلا بعد أن تنشر الغرفة الدستورية في الجريدة الرسمية بيانا يؤكد أن المعاهدة لا تتضمن أي شرط مناقض للدستور" كله غير مطابق للدستور. وعللت الغرفة الدستورية ذلك بكون الفصل 103 من الدستور ينص في فقرته الأولى على أن الغرفة الدستورية تمارس الاختصاصات المسندة إليها بفصول الدستور، وحيث إن فصول الدستور عدد 43 و50 وعدد 56 وعدد 63 والفصل 103 في فقرته الثانية، وهي الفصول التي حددت اختصاصات الغرفة الدستورية، لم تسند للغرفة الدستورية أي اختصاص في موضوع المعاهدات والاتفاقات الدولية" (9).

وها نحن اليوم، وبعد مرور ما يقرب من نصف قرن من الزمن الدستوري، يقر المشرع الدستوري في دستور 29 يوليو 2011 بإمكانية إحالة بنود أي اتفاقية دولية وافق عليها البرلمان بقانون على المحكمة الدستورية لتبت في مطابقتها لأحكام الدستور.
وتزداد أهمية إتاحة هذه الإمكانية مع التطور الذي حصل على مستوى المعاهدات والاتفاقيات التي تعرض على البرلمان للموافقة بقانون؛ إذ كانت تقتصر، بموجب الفقرة الثانية من الفصل 31 من الدستور السابق، على المعاهدات التي تترتب عليها تكاليف تلزم مالية الدولة، ثم أضحت، بموجب الفقرة الثانية من الفصل 55 من الدستور الحالي، تشمل، إضافة إلى ذلك، معاهدات السِّلم أو الاتحاد، أو التي تهم رسم الحدود، ومعاهدات التجارة، أو تلك التي يستلزم تطبيقها اتخاذ تدابير تشريعية، أو تتعلق بحقوق وحريات المواطنات والمواطنين، العامة أو الخاصة. وإضافة إلى الأنواع المذكورة، نصت الفقرة الثالثة من الفصل 55 نفسه، على أنّ "للملك أنْ يعرض على البرلمان كل معاهدة أو اتفاقية أخرى قبل المصادقة عليها".

المطلب الثالث: تسهيل ممارسة أعضاء مجلس النواب حق إحالة القوانين على الرقابة الدستورية
كان الشرط لممارسة حق الإحالة الاختيارية للقوانين العادية على الرقابة الدستورية القبلية، في نطاق دستوري 1992 و1996، التي تكون بمبادرة من البرلمانيين هو أن يتوفر لها نصاب ربع الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس الذين هم أعضاء فيه. وهكذا، كانت الفقرة الثالثة من دستور 1996 تنص على أنه "للملك أو الوزير الأول أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين أو ربع أعضاء مجلس النواب أو أعضاء مجلس المستشارين أن يحيلوا القوانين قبل إصدار الأمر بتنفيذها إلى المجلس الدستوري ليبت في مطابقتها للدستور.
أما الدستور الحالي، فقد خفض هذا النصاب، بالنسبة لأعضاء مجلس النواب، من الربع إلى الخمس فقط، وأصبح بالنسبة لأعضاء مجلس المستشارين محددا في أربعين عضوا بغض النظر عن العدد يتألف منه هذا المجلس والذي يتراوح بين 90 و120 عضوا (10) ، طبقا للفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور التي تنص على أنه "يمكن للملك، وكذا لكل من رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو خُمس أعضاء مجلس النواب، أو أربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين ، أنْ يحيلوا القوانين، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، إلى المحكمة الدستورية، لتبت في مطابقتها للدستور.

المطلب الرابع: إتاحة إمكانية ولوج المواطنين إلى العدالة الدستورية
أتاح المشرع الدستوري لكل مواطن طرف في نزاع معروض على المحكمة إمكانية الدفع بعدم الدستورية القانون الذي سيطبق في النزاع إذا كان ذلك يمس بالحقوق والحريات التي ضمنها الدستور، وذلك بموجب الفصل 133 من الدستور الذي نص على أن تختص المحكمة الدستورية بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون، أثير أثناء النظر في قضية، وذلك إذا دفع أحد الأطراف بأن القانون، الذي سيطبق في النزاع، يمس بالحقوق وبالحريات التي يضمنها الدستور، ونص الفصل 134 من الدستور على أن كل مقتضى تم التصريح بعدم دستوريته على أساس الفصل 133 من الدستور، ينسخ ابتداء من التاريخ الذي حددته المحكمة الدستورية في قرارها.
وهكذا نسجل كيف جمع الدستور الحالي، في حدود الشروط المذكورة، بين أسلوب الرقابة السياسية الوقائية القبلية وبين الرقابة القضائية البعدية، وكل ذلك، يدل على إرادة المشرع الدستوري في تسهيل الولوج إلى العدالة الدستورية.
المبحث الثاني تسهيل الولوج إلى العدالة في مادة المنازعات الانتخابية التشريعية
المطلب الأول تحديد أجلِ سَنة للبت في الطعون المتعلقة بالانتخابات البرلمانية
من مستجدات الدستور الحالي التي تندرج في مبدإ تسهيل الولوج إلى العدالة الدستورية أنه نص، ولأول مرة، عن الأجل الذي يجب أن تبت خلاله المحكمة الدستورية في مجموع الطعون الانتخابية المرفوعة إليها على إثر اقتراع عام.

وهكذا، نص في الفقرة الأخيرة من فصله 132 على أن بتَّ المحكمة الدستورية في الطعون المتعلقة بانتخاب أعضاء البرلمان يكون داخل أجل سنة، ابتداء من تاريخ انقضاء أجل تقديم الطعون إليها. وأن للمحكمة تجاوز هذا الأجل بموجب قرار معلل، إذا استوجب ذلك عدد الطعون المرفوعة إليها، أو استلزم ذلك الطعن المقدم إليها. وقامت المادة 33 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية بإعادة ذكر هذه الأحكام نفسها.
ولا ريب أن المراد بمقتضى هذا الفصل هو مجموع الطعون المتعلقة بانتخاب أعضاء البرلمان التي ترفع إلى المحكمة الدستورية بعد كل اقتراع عام مباشر أو غير مباشر جرى على المستوى الوطني، وهو الذي يقع كل خمس سنوات بالنسبة لمجلس النواب، وكل ست سنوات بالنسبة لمجلس المستشارين؛ لأن الطعون التي ترفع إلى المحكمة الدستورية على إثر هذا النوع من الاقتراعات من حيث كثرتها هي التي يكون لها تأثير على استقرار التوازنات السياسية داخل البرلمان؛ وهذه الكثرة هي التي يناسبها منح المحكمة الدستورية أجل سنة كاملة، باعتبارها أجلا أصليا، للبت في جميع الطعون المتعلقة به. أما الطعون المتعلقة بالانتخابات الجزئية، فإن الأجل الذي ينبغي للمحكمة الدستورية البت خلاله فيها يبقى هو ما نصت عليه المادة 38 من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية من أنه عندما تكون القضية جاهزة تبت فيها المحكمة الدستورية بعد الاستماع إلى تقرير المقرر داخل أجل ستين 60 يوما. وهذه المادة، وإن لم تحدد مدة معينة تكون فيها القضية جاهزة، فإن هذه المدة تظل، مراعاة لأجل سنة المقرر لمجموع الطعون الانتخابية، بموجب الفصل 132 من الدستور، مقيدة بالأصل العام، المقرر في الفصل 120 من الدستور الذي ينص على أن "لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول". والأجل المعقول، في هذا السياق، هو الأجل المتناسب مع عدد الطعون وتعقدها ملفاتها.
وأهمية تحديد أجل بت المحكمة الدستورية في الطعون المتعلقة بانتخاب أعضاء البرلمان المرفوعة إليها في سنة واحدة يكمن في تفادي التراخي في البت في تلك الطعون الانتخابية الذي كان قبل دستور 2011؛ حيث كان يستغرق الفترة التشريعية كلها، أما بعد هذا التحديد، فإن المشهد البرلماني سيشهد استقرارا على مستوى بنيته السياسية على أبعد تقدير بعد سنة واحدة من إجراء الانتخابات العامة.

المطلب الثاني: حق الناخب في الطعن في نتائج الانتخابات لدى المحكمة الدستورية ومجانية الدعوى
ومن تجليات تسهيل الولوج إلى العدالة الدستورية أن المشرع لم يقصر حق الطعن في نتائج الانتخابات البرلمانية على المترشحين وممثل السلطة المحلية وإنما أتاحها أيضا لكل ناخب معني، بل إنه بدأ به وجعله أول الذين لهم حق الطعن في تلك النتائج، وبموازاة مع ذلك أقر مبدأ مجانية الدعوى الدستورية.
أ- إتاحة حق الطعن في نتائج الانتخابات لدى المحكمة الدستورية للناخبين
وهكذا، نصت المادة 88 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب على أنه "يمكن الطعن في القرارات التي تتخذها مكاتب التصويت والمكاتب المركزية ولجان الإحصاء التابعة للعمالات أو الأقاليم أو عمالات المقاطعات واللجنة الوطنية للإحصاء من لدن الناخبين والمترشحين المعنيين بالأمر أمام المحكمة الدستورية"، وعلى أنه "يخول كذلك للعمال، ولكاتب اللجنة الوطنية للإحصاء الحق في تقديم الطعن، كل فيما يخصه".
وهذا الأمر ذاته ينطبق أيضا على الناخبين بالنسبة للانتخابات المتعلقة بأعضاء مجلس المستشارين بمقتضى المادة 89 من القانون التنظيمي المتعلق بهذا المجلس.
ب- مجانية دعوى الطعن في نتائج الانتخابات البرلمانية لدى المحكمة الدستورية
ومن مظاهر تسهيل الولوج إلى العدالة الدستورية أن المشرع نص على مجانية دعوى الطعن في نتائج الانتخابات البرلمانية؛ حيث نص في المادة 35 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية على أن عرائض الطعن في نتائج الانتخابات البرلمانية التي ترفع إلى المحكمة الدستورية "معفاة من الرسم القضائي وجميع رسوم الدمغة والتسجيل".
المطلب الثالث: توسيع الأجل الذي يتم داخله الطعن من 15 إلى 30 يوما
من مستجدات القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية ذات الصلة بتسهيل الولوج إلى العدالة الدستورية، توسيع الأجل الذي يتم داخله الطعن في نتائج الانتخابات البرلمانية.
ذلك، أن الأجل الذي كان يتم داخله الطعن في انتخاب أعضاء البرلمان أمام الغرفة الدستورية، بموجب جميع قوانينها التنظيمية، هو 15 يوما، وهو الأجل ذاته الذي تم تكريسه بعد ذلك، بموجب المادة 29 من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الدستوري السابق.
أما بموجب المادة 32 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية، فقد انتقل هذا الأجل من مدة 15 يوما إلى مدة 30 يوما، تبتدئ من اليوم الموالي لتاريخ الإعلان عن نتيجة الاقتراع المتعلق بالدائرة الانتخابية المتعلق بها الطعن.
وذلك مع ملاحظة، أن هذا الأجل هو أجل كامل، طبقا للمادة 47 من نفس القانون التنظيمي المذكور، أي: أن أجل 30 يوما المنصوص عليها يسقط من حساب عدد أيامها اليوم الذي يبتدئ الأجل منه واليوم الأخير الذي ينتهي فيه، وإذا صادف هذا اليوم الأخير يوم عطلة رسمية امتد الأجل إلى أول يوم عمل بعده.
المطلب الرابع: تقريب جهات إيداع عرائض الطعن في الانتخابات البرلمانية
وفي سياق العمل على تسهيل الولوج إلى العدالة الدستورية لم يحصر المشرع إيداع الطعون، سواء تلك التي يتقدم بها الناخبون أو المترشحون، لدى الأمانة العامة للمحكمة الدستورية التي في العاصمة الرباط، وإنما وسع الأمر وفتح أمام الطاعنين إمكانية إيداعها لدى مقر والي أو عامل العمالة والإقليم الذي جرت فيه العمليات الانتخابية أو لدى رئيس كتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية التي يجري الانتخاب بدائرتها، ولا ريب أن كل ذلك يندرج في نطاق تقريب جهات الإيداع من الطاعنين تسهيلا على الطاعنين الذين يقطنون في مناطق نائية عن المركز، والانتقال من تلك المناطق البعيدة إلى مقر المحكمة الدستورية بالرباط يأخذ من الوقت الذي سيقتطع حتما من الأجل الذي يجوز خلاله تقديم الطعن في الانتخابات البرلمانية.

وبناء عليه، نصت المادة 34 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية على أن النزاع المتعلق بانتخاب أعضاء البرلمان يحال إلى هذه المحكمة بعريضة مكتوبة تودع لدى أمانتها العامة أو لدى والي الجهة أو عامل العمالة أو الإقليم الذي جرت فيه العمليات الانتخابية أو لدى رئيس كتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية التي يجري الانتخاب بدائرتها، وذلك مقابل وصل يحمل تاريخ إيداع الطعن ويتضمن قائمة الوثائق والمستندات المقدمة من طرف الطاعن تعزيزا لطعنه. وعلى أنْ يشعر والي الجهة أو العامل أو رئيس كتابة الضبط، بكل وسيلة تواصل معمول بها، بما في ذلك البريد الإلكتروني، الأمانة العامة للمحكمة الدستورية ويوجه إليها العرائض التي تلقاها. وعلى أن تسجل العرائض بالأمانة العامة للمحكمة الدستورية بحسب ترتيب وصولها، وأنه، فيما يخص العرائض الواردة من ولاة الجهات أو عمال العمالات أو الأقاليم أو من رؤساء كتابة الضبط بالمحاكم الابتدائية، يشار في تسجيلها بالأمانة العامة للمحكمة الدستورية إلى تاريخ تسليمها إلى الجهة أو العمالة أو الإقليم أو إلى كتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية.
المطلب الخامس: منع إلزامية الاستعانة بمحام لرفع الدعوى والتخفيف من الشروط الشكلية
أتيحت للمجلس الدستوري فرصة تكريس مبدأ تيسير الولوج إلى العدالة الدستورية من خلال تصريحه بعدم دستورية(11) مقتضيين اثنين وردا في المادة 35 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية(12) المحال إلى المجلس الدستوري للبت في مطابقته للدستور.
حيث نصت الفقرة الأولى من هذه المادة على أنه من بين الشروط المطلوب توافرها في العرائض التي تقدم إلى المحكمة الدستورية في مجال المنازعات في انتخاب أعضاء البرلمان:
1.أنْ تُقَدَّمَ هذه العرائض من طرف محام مسجل في جدول إحدى هيئات المحامين بالمغرب؛
2.أن تتضمن عنوان المنتخب أو المنتخبين المنازع في انتخابهم.
وقد استند المجلس الدستوري في تصريحه بعدم دستورية هذين المقتضيين إلى ما نصّ عليه الدستور مِنْ:
أنّ الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي(13) ؛
وأنّ الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها(14) ؛
وأنّ لكل مواطنة ومواطن الحق في التصويت وفي الترشح للانتخابات(15).
وتأسيسا على هذه الأحكام، استخلص المجلس الدستوري أن إرادة المشرع الدستوري صريحة وواضحة في أن الانتخابات، بما في ذلك الحق في الطعن في صحتها أمام، يجب أنْ تحاط بالضمانات الكافية، وأنْ لا تقَيَّد إلا في أضيق الحدود.
أ- اشتراط تقديم عرائض الطعن بواسطة محام:
ولأجل ذلك، لاحظ المجلس الدستوري أن اشتراط تقديم العرائض الرامية إلى المنازعة في انتخاب أعضاء مجلسي البرلمان وجوبا من قبل محام، من شأنه ثني بعض الناخبين، وحتى بعض المرشحين، الذين يجدون في هذا الوجوب تكليفا ماديا معوقا، عن اللجوء إلى المحكمة الدستورية للطعن في صحة الانتخاب. وإضافة إلى ذلك، بين المجلس الدستوري أن حقوق الدفاع ستظل مكفولة إذا ما تم الإبقاء على الاستعانة بمحام كإمكانية متاحة أمام الطاعنين الذين يرغبون فيها، كما يجري به العمل حاليا.
وتأسيسا عليه، صرح بأن إلزام الطاعنين بتقديم عرائض الطعن بواسطة محام مخالف للدستور.
وتتأكد أهمية هذا الاختيار في ظل عدم تبني المشرع، بالنسبة للقضاء الدستوري، أي نظام للمساعدة القضائية، المعمول به في بعض تطبيقات القضاء الدستوري المقارن.

ب- اشتراط تضمين عرائض الطعن عنوان المنتخب أو المنتخبين المنازع في انتخابهم.
أما بالنسبة للشرط الآخر، فقد لاحظ المجلس الدستوري أن اشتراط تضمين عريضة الطعن عنوان المنتخَب أو المنتخَبين المنازَع في انتخابهم من شأنه أنْ يشكل صعوبة أمام الناخبين الراغبين، وحتى أمام بعض المرشحين، في المنازعة في انتخاب أعضاء مجلسي البرلمان، مما قد يحول دون ممارسة حقهم في التقاضي.
وإضافة إلى ذلك، نبه إلى أن حقوق الدفاع ستظل مكفولة بالنظر إلى ما أقره المشرع(16) من أنه في حالة عدم التوفر على عنوان الأطراف، يعتبر مقر العمالة التي توجد بها الدائرة الانتخابية موطنهم القانوني.
وتأسيسا عليه، يكون اشتراط تضمين عرائض الطعن العناوين الخاصة بالمنتخَبين المنازع في انتخابهم مخالفا للدستور.
وهكذا نلاحظ في الحالتين معا، كيف اجتهد القضاء الدستوري في التوفيق بين مبدأ حقوق الدفاع ومبدأ تيسير الولوج إلى العدالة الدستورية.
المبحث الثالث الولوج إلى العدالة ومسألة التنازل عن الدعوى
سنميز في هذا المبحث بين التنازل في دعوى المنازعات الانتخابية والتنازل في دعوى الرقابة الدستورية.
أ- التنازل في دعوى المنازعات الانتخابية:
مرّ اجتهاد القضاء الدستوري المغربي في مسألة طلب التنازل في دعوى المنازعات الانتخابية، إلى تاريخه، من ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى، وهي التي ظل فيها اجتهاده، في غياب أي نص قانوني صريح، مستقرا على أن دعوى المنازعات الانتخابية دعوى شخصية يمكن التنازل عنها في أي وقت قبل البت فيها، ولم يكن يشترط لقبول طلب التنازل عنها سوى أن يكون صريحا ويتأكد من صدوره عن الطاعن نفسه(17).
المرحلة الثانية، طوَّر فيها المجلس الدستوري اجتهاده، فأضاف إلى شروط قبول التنازل شرطا آخر هو: أن يتأكد من مدى توفر المطعون في انتخابه على الأهلية المثارة في عريضة الطعن المتنازل عنها. وذلك للاعتبارين اثنين هما:
أن الأهلية من صميم النظام العام، ويمكن إثارتها تلقائيا،
أن الأهلية تعد شرطا جوهريا سواء للترشح في الانتخابات أو الاستمرار في تمثيل الأمة.
وتأسيسا عليه، ذهب المجلس الدستوري إلى أنه لا يمكن التقيد فيها بالإرادة المنفردة للطاعن.
وإعمالا لهذه القناعة، ذهب المجلس الدستوري في مناسبة، إلى قبول طلب صريح يرمي إلى التنازل عن طعن أثيرت فيه مسألة الأهلية، بعد أن تأكد مِن توفر المطعون في انتخابه على الأهلية(18) ؛
وفي مناسبة أخرى، ذهب إلى عدم الاستجابة لطلب التنازل حين تأكد من أن المطعون في انتخابه أصبح فاقدا للأهلية، مما يترتب عنه بطلان انتخابه عضوا بمجلس النواب(19).
المرحلة الثالثة، ابتدأت مع إقرار الدستور الجديد سنة 2011 الذي نص على أن الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي(20).
وبناء عليه، زاد المجلس الدستوري لبنة أخرى في اجتهاده، فقرر عدم الاستجابة إلى طلب التنازل عن عريضة طعن إذا كانت تثير مآخذ من شأنها، في حال ثبوتها، النيل من حرية ونزاهة وشفافية الانتخاب، مما يجعلها مآخذ تستدعي التحقيق والتمحيص(21).
وما زال التفكير مستمرا في إشكالية التنازل، لما تشكله من تعارض مع ما يجب أن تكون عليه عرائض الطعن من جدية.
ب- التنازل في دعوى الدستورية:
منذ كان، والقضاء الدستوري المغربي يعتبر دعوى الدستورية دعوى مجردة، بغض النظر عن الجهة التي أحالتها؛ لأنها تمارس في غياب أي نزاع، بمعنى أن دعوى الدستورية لا تهدف إلى البت في خلاف بين أطراف متنازعة، والطعن فيها يكون موجها بالأساس إلى العمل القانوني، بهدف ضمان احترام أحكام الدستور.

ولم تتح الفرصة للمجلس الدستوري للتعبير عن قناعته بهذا الخصوص إلا بمناسبة إحالةٍ، طلبَ بمقتضاها 41 عضوا من أعضاء مجلس المستشارين(22) التصريح بعدم مطابقة قانون عادي(23) للدستور. حيث إنه، وقبل أن يبت في الإحالة المذكورة عليه، توصل(24) بطلب التنازل عن الإحالة من لدن رئيس الفريق الذي ينتمي إليه الموقعون عليها.
أولاً - نبه المجلس الدستوري من أن طلب التنازل يفتقد عنصر التوازي في الشكل؛ لأنه جاء موقعا من قِبَلِ شخص واحد فقط، وليس من طرف جميع الأعضاء الموقعين على الإحالة.
ثانيا- صرح(25) برَفْض التنازل، وعلل ذلك، بكون إحالة القوانين على القضاء الدستوري -بغض النظر عن قبولها أو عدم قبولها- لا ترمي إلى تحقيق مصلحة خاصة بالجهة المُحيلة للقانون، بل تروم ضمان احترام مبدإ سمو الدستور.
وتبعا لذلك، فإن مآل القوانين المحالة إلى القضاء الدستوري لا يمكن التقيد فيه بالإرادة المنفردة للجهة المحيلة للقانون.
المبحث الرابع تعميم المسطرة التواجهية
كانت المسطرة التواجهية الكتابية بين الأطراف خاصة ببعض الدعاوى مثل دعاوى المنازعات الانتخابية، ودعاوى الدستورية الخاصة بالقوانين العادية التي تحال بطريقة اختيارية، ثم أصبحت في سياق تسهيل الولوج إلى العدالة الدستورية، وبموجب المادة 25 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية، عامة تشمل جميع الدعاوى.
وهكذا، نصت الفقرة الأخيرة من هذه المادة على أن "لرئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين وأعضاء المجلسين أن يدلوا إلى المحكمة الدستورية بما يبدو لهم من ملاحظات كتابية في شأن القضية المعروضة عليها".
وأهمية هذه المسطرة بالنسبة للقضاء الدستوري تتجلى في أنها تمكنه من الاطلاع على وجهة نظر باقي الأطراف.
وتتأكد هذه الأهمية بشكل أكبر عندما يتعلق الأمر بالأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان التي لا تشارك الحكومة في إعدادها ومناقشتها. فقد أظهرت الممارسة أن بعض المقتضيات في ظاهرها لا تشكل أي مخالفة للدستور، لكن الممارسة تُحَولها بسبب التجاوزات إلى مخالفة له، وحينئذ يكون من المهم جدا اطلاع القضاء الدستوري على ملاحظات جميع الأطراف المعنية:
الحكومة فيما يعنيها من الحفاظ على حقوقها الدستورية في علاقتها مع البرلمان،
ورئيس المجلس البرلماني الآخر، فيما يعنيه مما يجب أن يكون بين نظامي المجلسين من تناسق وتكامل، والأقلية البرلمانية فيما يحميها من تسلط واستقواء الأغلبية بقوتها العددية للمصادقة على النصوص.
ومما لا ريب فيه، أنه في حال اقتناع القضاء الدستوري بتلك الملاحظات، فإنه سيأخذ بها إما للتصريح بعدم مطابقة المقتضيات المعنية للدستور، وإما للتحفظ والتصريح بالمطابقة المشروطة بتفسير أو تطبيقٍ مُعَيَّنٍ يحول دون اتخاذ تلك المقتضيات ذريعة لمجاوزة أحكام الدستور والإخلال بمبدأ التوازن المقرر دستوريا،
وهنا ينتقل القضاء الدستوري من مجرد فحص عبارات النص وألفاظه إلى فحص النص في لحظة حياته وممارسته الفعلية، أي في حالة سريانه وتطبيقه.
إن إيمان القضاء الدستوري بأهمية وحيوية المسطرة التواجهية جعلته يفعلها في بعض الحالات حتى وإن لم ينص المشرع على ذلك صراحة(26).
وإضافة إلى ذلك، نص هذا القانون التنظيمي على أنه يجوز للمحكمة الدستورية، إذا اقتضى الأمر ذلك، الاستماع إلى المعنيين بالأمر بحضور دفاعهم أو إلى أي شخص من ذوي الخبرة في القضية المعروضة على المحكمة(27).
وهكذا، فإن المسطرة المتبعة أمام القضاء الدستوري، خاصة بعد تحول المجلس الدستوري إلى محكمة دستورية، تقترب يوما بعد يوم إلى المساطر المعمول بها لدى المحاكم لقضائية.
المبحث الخامس الأجل في حالة الاستعجال
مما نص عليه المشرع في سياق مبدأ تسهيل الولوج إلى العدالة الدستورية أنه نص في الفصل 132 من الدستور في فقرته الرابعة على أن أجل شهر المقرر لبت المحكمة الدستورية في مراقبة الدستورية "يخفض في حالة الاستعجال إلى ثمانية أيام، بطلب من الحكومة".
ويتبين من قراءة هذا المقطع، أنه لكي يتم تخفيض أجل شهر إلى ثمانية أيام لا بد من تحقق شرطين اثنين: أن تطلبه الحكومة، وأن تكون هناك حالة استعجال.
كان القضاء الدستوري يكتفي بالإعلان في ديباجة قراراته عن أن إحالة الحكومة طلب البت في مطابقة القانون المحال للدستور كانت مقرونة بطلب الاستعجال، ولم يكن يعقب على هذا الطلب.
غير أنه ابتداء من القرار رقم 11-820 الصادر في 18 نوفمبر 2011(28) بشأن القانون التنظيمي رقم 28-11 المتعلق بمجلس المستشارين، بدأ يُعقب، بعد الإشارة إلى طلب الحكومة البت في دستورية القانون على وجه الاستعجال، بعبارة "وهو ما استجاب له المجلس الدستوري".
وهذا التعقيب معناه، أن المجلس الدستوري لم ير مانعا من الاستجابة لطلب الاستعجال، وفيه دلالة ضمنية على أنه لو وَجَد المجلس مانعا في الاستجابة لطلب الاستعجال فإنه لن يلتزم له.
حيث إنه، من الناحية النظرية، يمكن للمجلس الدستوري، بالنظر إلى عدد من الاعتبارات الموضوعية، المتعلقة بتوافر شروط الجودة في قراره، ومنها الأجل المعقول لحسن فحص ودراسة النص المعروض على القضاء الدستوري، التي يفرضها حجم النص، ومدى تعقد ودقة مقتضياته، أن يتعدى حدود الأجل المنصوص عليه.
وقد جاء دستور 2011 ليؤكد هذا المعنى، حيث نص في الفقرة الأخيرة من الفصل 132 من الدستور، أنه يمكن للمحكمة الدستورية تجاوز أجل سنة، المقرر للبت في الطعون المتعلقة بانتخاب أعضاء البرلمان، بموجب قرار معلل، إذا استوجب ذلك عدد الطعون المرفوعة إليها، أو استلزم ذلك الطعن المقدم إليها.
وتكريسا لهذا التوجه، صرح المجلس الدستوري بعدم دستورية ما أضافته الفقرة الأخيرة من المادة 33 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية من اشتراط أن لا تتجاوز المحكمة الدستورية في جميع الأحوال "مدة ستة (6) أشهر إضافية"، بالنسبة للإمكانية المتاحة أمامها لتجاوز أجل سنة بقرار معلل، المذكور سابقا، وهو ما اعتبره المجلس الدستوري زيادة غير مشروعة على الدستور الذي أجاز للقضاء الدستوري - دون تحديد للمدة- تجاوز أجل السنة المحدد لها للبت في الطعون المتعلقة بانتخاب أعضاء البرلمان، ويأتي على القاعدة الدستورية بالإبطال.
الأمر الذي يستخلص منه، أن الآجال المنصوص عليها للبت في القضايا المعروضة هي آجال موَجِّهة، يمكن للقضاء الدستوري مجاوزتها إذا اقتضت ذلك ظروف موضوعية، وفي هذه الحالة، يكون القضاء الدستوري ملزما بتبرير وتعليل هذا التجاوز في صلب قراره.
وتجدر الإشارة، في هذا الصدد، أن المجلس الدستوري ظل دوما محترما للآجال المقررة دستورية ولم يضطر بعدُ إلى عدم احترامها.

1() نصت المادة 21 من دستور السنة الثامنة لإعلان الجمهورية الفرنسية سنة 1799 على أن "مجلس الشيوخ الحامي للدستور" يُبقِي أو يُلغِي جميع الأعمال التي يَطعن بعدم دستوريتها أمامه كلٌّ من المجلس النيابي أو الحكومة. [www.conseil-constitutionnel.fr. . La Constitution du 13 décembre 1799]
2() ينظر نص مشروع دستور 1908 في: التطور الدستوري والنيابي بالمغرب، عبد الكريم غلاب، الدار البيضاء 1988م، الصفحات من 294 إلى 309.
3 () ينص الدستور في فصوله 118 و121 و120 و126 على أنّ "حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون"، وأن "لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول"، وأن "حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم". وعلى أنْ "يكون التقاضي مجانيا في الحالات المنصوص عليها قانونا لمن لا يتوفر على موارد كافية للتقاضي". وأنه "يجب على السلطات العمومية تقديم المساعدة اللازمة أثناء المحاكمة، إذا صدر الأمر إليها بذلك، ويجب عليها المساعدة على تنفيذ الأحكام". [الصادر الأمر بتنفيذه بموجب الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 27 من شعبان 1432 (29 يوليو2011)، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 30 يونيو 2011، ص3600].

4() الصادر الأمر بتنفيذه بموجب الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 27 من شعبان 1432 (29 يوليو2011)، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 30 يونيو 2011، ص3600.
5() بلغ عدد القرارات الصادرة عن القضاء الدستوري المغربي، المتعلقة بالأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان، اثنين وأربعين (42) قرارا، منذ سنة 1963 إلى غاية 30 أكتوبر 2017 تاريخ صدور آخر قرار للمحكمة الدستورية بهذا الشأن، خمسة عشر (15) مقررا أصدرتها الغرفة الدستورية، وخمسا وعشرين (25) قرارا أصدرها المجلس الدستوري، وقرارين اثنين (2) أصدرتهما المحكمة الدستورية.
تنظر القرارات التي صدرت في عهدي الغرفة الدستورية والمجلس الدستوري مجموعة ومرتبة وموثقة في كتابنا: القضاء الدستوري والأنظمة الداخلية للبرلمان: 1963-2016.
6() صدرت في مجال الرقابة على دستورية النظام الداخلي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أربعة (4) قرارات، كلها صادرة عن المجلس الدستوري، الأولان منها، في نطاق دستور 1996، هما: القراران رقم 811 و814، الصادران على التوالي بتاريخ 4 مايو وفاتح يونيو 2011، والآخران في نطاق الدستور الحالي، وهما القراران 954 و957، الصادران بالتتابع بتاريخ 2 مارس و13 أبريل 2015.
7() صدر عن المحكمة الدستورية في مجال الرقابة على دستورية النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ثلاثة (3) قرارات، هي: القرار رقم 31، الصادر بتاريخ 27 يوليو 2017، والقرار رقم 38، الصادر بتاريخ 13 سبتمبر 2017، والقرار رقم 55، الصادر بتاريخ 16 أكتوبر 2017.
8() نص الفصل 55 من الدستور على أن الملك لا يصادق على معاهدات السلم أو الاتحاد، أو التي تهم رسم الحدود، ومعاهدات التجارة، أو تلك التي تترتب عليها تكاليف تلزم مالية الدولة، أو يستلزم تطبيقها اتخاذ تدابير تشريعية، أو تتعلق بحقوق وحريات المواطنات والمواطنين، العامة أو الخاصة، إلا بعد الموافقة عليها بقانون. وأن للملك أن يعرض على البرلمان كل معاهدة أو اتفاقية أخرى قبل المصادقة عليها. وأنه إذا صرحت المحكمة الدستورية، إثر إحالة الملك، أو رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو سدس أعضاء المجلس الأول، أو ربع أعضاء المجلس الثاني، الأمر إليها، أن التزاما دوليا يتضمن بندا يخالف الدستور، فإن المصادقة على هذا الالتزام لا تقع إلا بعد مراجعة الدستور.
9() الغرفة الدستورية، المقرر عدد 1 صادر في 31 ديسمبر 1963. الجريدة الرسمية، عدد 2672، 10 يناير 1964، ص50.
10- الفصل 63 من الدستور: "يتكون مجلس المستشارين من 90 عضوا على الأقل، و 120 عضوا على الأكثر..".
11() المجلس الدستوري، القرار رقم 943.14 بتاريخ 27 من رمضان 1435ه (25 يوليو 2014).
12() القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية، المحال إلى المجلس الدستوري بتاريخ 4 يوليو 2014.
13() الفقرة الأولى من الفصل 11 من الدستور.
14() الفقرة الأولى من الفصل 47 من الدستور.
15() الفقرة الأولى من الفصل 30 من الدستور.
16() الفقرة الأخيرة من المادة 38 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية.
17() على سبيل المثال، قرار المجلس الدستوري رقم 759.09 بتاريخ 07 مايو 2009.
18() قرار المجلس الدستوري رقم 790.10 بتاريخ 18 مارس 2010.
19() قرار المجلس الدستوري رقم 762.99 بتاريخ 2 يونيو 1999.
20() الفقرة الأولى من الفصل 11 من الدستور.
21() قرار ات المجلس الدستوري رقم 12/859 م.إ بتاريخ 13 يونيو 2012، ورقم 12/874 م.إ بتاريخ 6 سبتمبر 2012، ورقم: 13/ 915 م.إ بتاريخ 7 مايو2013.
22() بتاريخ 16 مايو 2014.
23() القانون رقم 115.13 القاضي بحل المجلسين الجهويين لصيادلة الشمال والجنوب وإحداث لجنة خاصة مؤقتة.
24() بتاريخ 21 مايو 2014.
25() قرار المجلس الدستوري رقم 14/937 م.د. بتاريخ 29 مـــايـــو 2014
26() وإنما استفاده مما قرره المشرع من أن المحكمة الدستورية معنية بتحديد أجل لتقديم الملاحظات في حالة الدفع بعدم قبول اقتراح يرى أحد الأطراف أنه لا يدخل في مجال القانون. الفقرة الأخيرة من المادة 30 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية.

27() المادة 18 من القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية.
28() المجلس الدستوري، القرار رقم 11-820، الصادر في 18 نوفمبر 2011، الجريدة الرسمية عدد: 5997 مكرر، بتاريخ 22 نوفمبر 2011، ص5563.

بقلم ذ رشيد المدور
عضو المجلس الدستوري للمملكة المغربية سابقا-أستاذ القانون الدستوري بكلية الحقوق المحمدية بجامعة الحسن الثاني.