القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ جمال العزوزي
باحث في مجال القضاء الإداري حاصل على شهادة الماستر في القانون العام وحدة : قانون المنازعات العمومية كلية الحقوق – فاس
تحت عدد: 401
تعليق على حكم المحكمة الإدارية بالرباط

                     رقم :251، بتاريخ :2014/01/23

                        ملف رقم : 2010/12/807. 

القاعدة

تحمل الدولة للتعويض عن الأضرار المترتبة عن الفيضانات-قوة قاهرة-لا-تشطير المسؤولية- نعم.

الأمطار الغزيرة و الاستثنائية المسببة للفيضان لا تشكل قوة قاهرة و إنما قرينة على ترتب المسؤولية، لكون وقوعها في فصل الشتاء من الأمور المتوقعة وليست قوة قاهرة أو سببا أجنبيا للإعفاء من المسؤولية، مما يعطي للقوة القاهرة في حقل القانون و القضاء الإداري مفهوما متميزا و خاصا يتلاءم و طبيعة روابط القانون العام تتحمل آثاره الدولة عن القانون المدني الذي يتحمل آثاره الدائن.

المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي مسؤول بحكم مهامه عن تأمين مرفق تصريف المياه لدرء الخطر عن أراضي المواطنين الفلاحين، و مسؤول عما تحدثه من أضرار للغير،وهذه المسؤولية موضوعية مبناها الضرر طبقا لقواعد العدالة و الإنصاف، و الموجبات الإنسانية المبنية على التضامن الوطني الذي تتكفل دول المعمور بموجبه وعلى سبيل الإسعاف و المساعدة، وفي حدود الإمكان بصرف تعويضات لكل متضرر كلما وقعت أضرار بيئية خطيرة، و المغرب بدوره لم يحد عن هذه القاعدة بصرفه مبالغ محددة من الميزانية العامة لفائدة ضحايا الكوارث"صندوق الكوارث"، وهو ما يبرر بالقياس وفي إطار المعاملة بالمثل تعويض المدعي المضرور في هذه النازلة في نفس الاتجاه.

انطلاقا من المبدأ الدستوري القاضي بلزوم تحمل الدولة و المواطنين بصفة تضامنية،وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها، التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد، وكذا تلك الناتجة عن الأعباء الناجمة عن الآفات و الكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد، "الفصل 40 من الدستور، ورعيا لما للمحكمة من سلطة تقديرية في تحديد التعويض استنادا إلى الأضرار المادية اللاحقة بالمدعي وتبعا لتقرير الخبرة و إعمالا لتشطير المسؤولية التي تفرضها قواعد التضامن قررت تحديد التعويض المستحق له في القدر الوارد بمنطوق الحكم.

الوقائع

بناء على المقال الافتتاحي الذي تقدم به المدعون بواسطة نائبهم إلى كتابة الضبط بهذه المحكمة و المسجل بها بتاريخ 30/12/2010 و المؤدا عنه الرسوم القضائية و الذين يعرضون فيه أنهم يحوزون و يتصرفون بموجب عقد كراء طويل الأمد من الدولة المغربية الملك الخاص في الأملاك المسجلة بكناش المحتويات بدائرة الأملاك المخزنية.

وأنه بسبب تقصير و عدم قيام المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي بوضع بوابات القناة التي أنجزها المرتبطة بواد سبو و التي دورها تفادي دخول مياه واد سبو لضيعة المدعين بسبب ذلك، ونظرا لما عرفته المنطقة في السنة المنصرمة من فيضانات أصبحت القناة التي توضع أبوابها فرعا من واد سبو، مما ترتب عنه غمر مياه الضيعة، وهو ما نتج عنه الإتلاف الكلي لمساحة 60 هكتار من القمح و إتلاف غلة 90.22 هكتارا من القمح، و أن الخبير قد عاين الوضعية و أكد أن آثار المياه التي غمرت الضيعة يستمر الضرر المترتب عنها إلى غاية 2012، و اقترح تعويضا عن الضرر الخاص بموسم 2009و2010 حدده في مبلغ 9994494 درهم،وعليه يلتمسون الحكم على المدعى عليهم متضامنين فيما بينهم بأدائهم لهم تعويضا مسبقا قدره 2000000.00درهم مع شموله بالنفاذ المعجل مع الحكم تمهيديا بانتداب خبير مختص في الفرش و الفلاحة يعهد إليهما بما يلي:

-         تقدير الضرر الكلي الذي أصاب ضيعة المدعين و تحديد أمده و تحديد تكلفة إعادة تشجير المساحة المشجرة المتضررة.

-         تحديد تكلفة تجهيزات السقي العصري التي تضررت بسبب الفيضانات مع حفظ حقهم في تقديم مطالبهم النهائية بعد الخبرة مع تحميل المدعى عليه الصائر.

وبناء على المذكرة الجوابية المقدمة من طرف نائب المدعى عليهم و الذي أكد أن الأضرار البسيطة التي لحقت بالمدعين بالمقارنة مع بقية الضيعات مردها للفيضانات التي وقعت لثلث السنة، و أن الدعوى لا سند لها لكون فيضانات 2009و 2010 المعروفة للجميع أتلفت ليس ضيعة المدعين ولكن منطقة الغرب بني حسن بكاملها بما فيها الطرق الوطنية الثانوية و الإقليمية، وعليه يلتمس الحكم برفض الطلب مع حفظ حقها لإدخال الشركة التي قامت بمشروع وضع قنوات الصرف.

وبناء على المذكرة الجوابية المقدمة من طرف الوكيل القضائي للمملكة و المودعة بكتابة ضبط هذه المحكمة بتاريخ 2012/02/15 و التي يلتمس فيها إخراج الإدارات المعنية من الدعوى لكون النزاع ينحصر بين المدعين و المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي المتمتع بالشخصية المعنوية و الاستقلال المالي و الإداري، و أن التضامن غير مؤسس لأن الإدارة لم يصدر عنها أي فعل يعتبر مساهمة منها في حدوث فعل ضار.

وبناء على الحكم التمهيدي عدد 794 الصادر بتاريخ 25/06/2012 و القاضي بإجراء خبرة، أكد تقرير الخبرة المقدم من طرف نائب المكتب المدعى عليه على كون المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي ليس مسئولا عن مستوى صبيب واد سبو لكون المياه تأتي من عدة مناطق والتمس بالتالي رفض الدعوى.

في حين التمس المدعون بناء على مستنتجات الخبرة المقدمة منهم تحميل الطرف المدعى عليه المسؤولية كاملة عن الأضرار التي لحقت بالضيعة و بأدائهم مبلغ 6.423.000 درهم كتعويض، مع النفاذ المعجل ولو في حدود النصف مع الصائر.

التعليل:

وبعد المداولة و طبقا للقانون.

من حيث الشكل :

حيث قدم الطلب وفق الشروط الشكلية المتطلبة قانونا مما يتعين معه قبوله شكلا.

من حيث الموضوع :

حيث يهدف الطلب إلى الحكم بتحميل الطرف المدعى عليه المسؤولية كاملة عن الأضرار التي لحقت بضيعة المدعين نتيجة التقصير في الحماية ضد مياه الفيضانات و بأدائهم لفائدتهم مبلغ 6.423.000 درهم كتعويض عن الخسائر مع النفاذ المعجل ولو  في حدود النصف مع الصائر.

حيث دفع المكتب المدعى عليه بانعدام  مسؤوليته عن الأضرار غير المتوقعة وفقا لتقرير الخبرة،حيث خلص التقرير لتعرض الضيعة لفيضانات غير عادية تسببت في أضرار للأشجار و الأغراس، اقتلاع أغراس الحوامض في 42.84 هكتار و أغراس الحوامض في حالة ضعيفة في 24.67 هكتار، و إتلاف كلي لزراعة القمح في 9.55 هكتار و الأشجار المقلوعة 15000 هكتار و نقص في الغلة لسنتين بالنسبة للأغراس القديمة المتضررة 30000 درهم في الهكتار مقدرة في 6.423.000.00 درهم لا يمثل دور المكتب الجهوي في التحكم في صبيب وادي سبو أو في مستوى الماء، حيث تأتي المياه من مناطق أخرى من خارج سهل الغرب، فضلا عن أن البقع الفلاحية المتضررة معرضة دوما لخطر الفيضانات كلما فاض الوادي عن فرشته.

وحيث أن للمحكمة سلطة تقديرية في تقدير أعمال الخبراء و تقييم مستنتجاتهم و الأخذ بتعليمات و مشاهدات و معاينات الخبرة دون نتائجها متى لم تتوافق مع صحيح القانون،لكون تحديد المسؤولية من مهام القاضي لا الخبير لتعلقها بالقانون.

المنطوق:

وتطبيقا للفصول 40 و 110 و 117 و 118 من الدستور، و مقتضيات القانون 90/41 المنشأة بموجبه محاكم إدارية،و مقتضيات قانون المسطرة المدنية و مقتضيات المرسوم رقم: 190/65/2 بتاريخ 7 ماي 1965 بإحداث مكتب الاستثمار الفلاحي.

لهذه الأسباب:

حكمت المحكمة الإدارية علنيا ابتدائيا و حضوريا :

في الشكل : بقبول الطلب

في الموضوع : بأداء الدولة وزارة الفلاحة، المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي للغرب، في شخص ممثلها القانوني لفائدة المدعين  تعويضا عن الأضرار المترتبة عن الفيضانات و قدره 1000000000 درهم هكذا مليون درهم مع الصائر ورفض باقي الطلب.

 

التعليـــــــق

يثير حكم المحكمة الإدارية بالرباط [1] الذي بين أيدينا إشكالية مدى إمكانية تطبيق قواعد قانون الالتزامات و العقود في المنازعات الإدارية، و ما يمكن أن يضفيه القضاء الإداري على قواعد القانون المدني و جعل هذه الأخيرة أكثر مرونة بحيث تنسجم و تتلاءم مع خصوصيات و مبادئ القانون العام.

حيث يستند المدعى عليهم في هذا الحكم على نظرية القوة القاهرة المنظمة من خلال فصول قانون الالتزامات و العقود لنفي المسؤولية، باعتبار الفيضانات التي وقعت تعتبر أمرا خارجا عن نطاق قدرتهم ولا يمكن بالتالي تفاديه، وقد عرفت هذه النظرية في القانون المدني بكونها تسعف في إعفاء المدين من تنفيذ التزامه، لكونها أمرا يأتي من الخارج، ولا يد للمدين في حدوثه، لكن القانون قيد استفادة المدين من هذه النظرية للتحلل من التزامه  بمجموعة من الشروط، والتي عمل القاضي الإداري من خلال الحكم الذي بين أيدينا على فحصها و القياس عليها من خلال مقارنتها بالوقائع للتأكد من مدى توفرها ، و بالتالي توفر عناصر القوة القاهرة في النازلة، بحث  أنزل المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي وكذلك الدولة في القضية موضوع الحكم منزلة المدين في القانون المدني دون التقيد المطلق بقواعد القانون الخاص لكون القاضي الإداري يبقى دائما ملتزما بمبادئ القانون العام في فصله في المنازعات التي تجمع بين الإدارة و الأفراد كقضاء متفرد طالما اعتمد على قواعده الخاصة التي تنبع من وظيفته الأساسية المرتبطة بحماية الحقوق و الحريات.

فكيف يمكن للقاضي الإداري الاستناد على نظرية القوة القاهرة المستمدة من قانون الالتزامات والعقود و المنظمة بموجب مقتضياته لتنسجم مع خصوصيات المنازعات الإدارية، في القانون العام؟

لمحاولة الإحاطة بالموضوع سنعمل على التطرق لنظرية القوة القاهرة كما نظمها المشرع داخل نصوص قانون الالتزامات و العقود، على أن نحاول بعد ذلك رصد خصوصيات تطبيق النظرية في القضاء الإداري بشكل عام، وفي حكم المحكمة الإدارية الذي بين أيدينا بشكل خاص.

1- مفهوم القوة القاهرة في القانون المدني.

في محاولة لتحديد مفهوم القوة القاهرة ميز القانون المدني بين القوة القاهرة و الحادث الفجائي، حيث لئن كانت القوة القاهرة و الحادث الفجائي يتفقان من حيث أن كلا منهما حادث لا يد للإنسان فيه، ويستحيل دفعه ولا يمكن توقعه، إلا أنهما يختلفان من حيث أن القوة القاهرة حادث يأتي من الخارج ولا يتصل بنشاط المدين، كعاصفة أو زلزال أو فيضان أو حالة الحرب أو الثورة أو أمر إداري، في حين أن الحدث الفجائي حادث يأتي من الداخل فيكون متصلا بنشاط المدين بحيث ينجم عن الشيء الذي تتحقق به المسؤولية، كانفجار آلة أو احتراق مادة أو انزلاق سيارة، وهم يضيفون أن القوة القاهرة وحدها تحول دون قيام المسؤولية، أما الحادث الفجائي فلا يمنع من تحققها[2].

ولم يقم المشرع المغربي بالتفريق بين القوة القاهرة و الحادث الفجائي واعتبرهما على حد سواء من حيث عدم ترتيب المسؤولية، إذ جاء في المادة 95 من قانون الالتزامات و العقود " لا محل للمسؤولية المدنية إذا كان الضرر قد نتج عن حادث فجائي أو قوة قاهرة لم يسبقها أو يصاحبها فعل يؤاخذ به المدعى عليه"[3].

وقد حدد المشرع مجموعة من الشروط التي يجب توفرها في القوة القاهرة أو الحادث الفجائي ليتم نفي المسؤولية التقصيرية وهي:

الشرط الأول : يجب أن يكون الحادث أمرا لا يمكن توقعه فإذا أمكن توقعه كفيضان نهر يحصل في أوقات دورية، فلا يشكل قوة قاهرة أو حادثا فجائيا حتى ولو استحال دفعه.

الشرط الثاني : يجب أن يكون الحادث مما يجعل تفادي الضرر أمرا مستحيلا لا يستطاع دفعه، ويقصد بالاستحالة هنا ليس فقط بالنسبة للشخص المسؤول فحسب بل تلك التي تكون بالنسبة إلى أي شخص يوجد في موقفه، وإن كان تفادي الضرر ممكنا مع اتسام عملية تفاديه بالمشقة البالغة فلا نكون هنا أمام القوة القاهرة التي تنتفي معها المسؤولية التقصيرية.

الشرط الثالث: يجب أن لا يكون هناك خطأ من جانب المسؤول أدى إلى وقوع الحادث، إذ أن هذا الخطأ يفقد الحادث وصف القوة القاهرة أو الحدث الفجائي[4].

وينتج عن القوة القاهرة انتفاء العلاقة السببية بين الخطأ و الضرر في حالة كانت القوة القاهرة أو الحادث الفجائي السبب الوحيد في وقوع الضرر، وبالتالي تنتفي المسؤولية التقصيرية، كما لو هبت عاصفة قوية وقلبت سيارة، ونتج عن ذلك ضرر أصاب أحد المارة.

2- نظرية القوة القاهرة في القانون العام.

لم يخرج تعريف القوة القاهرة في العقد الإداري عن مفهومه في العقد المدني، فعرف الفقه الإداري الفرنسي القوة القاهرة "بأنها الحادث الخارج عن إرادة الأطراف المتعاقدة، وغير المتوقع و غير المرتقب، و الذي يستحيل دفعه، ويؤدي إلى استحالة تنفيذ الالتزامات التعاقدية".[5]

لكن رغم هذا الاتفاق في تعريف القوة القاهرة بين القانون الإداري و القانون المدني فإن ذلك لم يمنع القضاء الإداري من محاولة تطويع هذه النظرية، لجعلها تتلاءم بشكل أكثر مع  خصوصياته، لانفتاحه المستمر على التغيرات التي يعرفها المجتمع، وكذلك ضرورة مراعاة اعتبارات المصلحة العامة.

فإلى جانب القوة القاهرة التقليدية توصل الفقه و الاجتهاد الحديثان إلى قوة قاهرة من نوع خاص، تقوم على طارئ غير متوقع وتخل بالتوازن المالي للعقد الإداري، وتجيز للمتعاقد مع الإدارة طلب فسخ هذا العقد، حتى ولو كان التنفيذ غير مستحيل[6]، خروجا عن الأصل في قواعد القانون المدني، التي لا تجيز التذرع بالقوة القاهرة كسبب لفسخ العقد إلى إذا كان التنفيذ مستحيلا.

 وقد ظهر تبني الاجتهاد القضائي الإداري الفرنسي لهذه الفكرة الجديدة للقوة القاهرة من خلال قضية "ترام شيربورج"، وتتلخص وقائع هذه القضية في أن ملتزم نقل الركاب بالترام واجه اختلالا جسيما في المشروع ابتداء من عام 1916، بسبب انتشار وسائل النقل السريعة و المتطورة، فهذه الأخيرة نافست المشروع منافسة قوية حتى انصرف سكان مدينة "شيربورج" عن استعمال الترام مفضلين عليها وسائل النقل الحديثة، وتبين أن لا أمل في عودة المشروع إلى توازنه الاقتصادي الذي اختل بالرغم من رفع تسعيرة كلفة النقل، وبالرغم من منح ترخيص لشركة الترام بتحديد السعر الذي تراه مناسبا لمواجهة الخسائر التي منيت بها،ورغم كل هذه الإجراءات فقد بات المشروع لا يغطي تكاليف الاستثمار، بدون إعانة دائمة من جهة الإدارة،و عندما عرض الأمر على مجلس الدولة عمل هذا الأخير على إقرار مبادئ جديدة بوضع حد لتطبيق نظرية القوة القاهرة وتحرير الإدارة من التزامها بدفع التعويض، على أساس أن هذه النظرية يمكن أن تقوم على أساس فكرة قلب اقتصاديات العقد ذات الطبيعة المؤقتة، فإذا اختل توازن عقد الالتزام نهائيا فإنه يجب البحث عن حل آخر[7].

إذ أن تجاوز الضرر الذي سببته القوة القاهرة هنا ليس مستحيلا و إنما هو مرهق لجهة الإدارة ومخل بالتوازن المالي للعقد، إذ يحمل أحد طرفي العقد و هو الإدارة أعباء مالية كبيرة، ولمدة غير محددة، لذلك فقد عمل الاجتهاد القضائي هنا على التخلي عن شرط استحالة تنفيذ الالتزام كشرط أساسي يجب توفره للقول بوجود القوة القاهرة، و بالتالي التحلل من الالتزام، وبذلك فقد أضاف مجلس الدولة الفرنسي لفكرة القوة القاهرة تطبيقا جديدا ليس من بين عناصره الشرط الخاص باستحالة التنفيذ، وهذا التوسع الجديد الذي أقدم عليه المجلس هو الذي دعا البعض إلى نعت هذا المفهوم الجديد بالقوة القاهرة الإدارية، وذلك تمييزا لها عن المفهوم التقليدي للقوة القاهرة[8].

والقوة القاهرة الإدارية لا تعفي المتعاقد من التزاماته في التنفيذ، وإنما تسمح له بأن يطلب من القاضي فسخ العقد، فهي تعد مبررا للفسخ القضائي، وليست عذرا للإعفاء من التنفيذ كحالة القوة القاهرة التقليدية.

ومن الجدير بالذكر أنه رغم هذا التطور الذي عرفته نظرية القوة القاهرة في القضاء الإداري الفرنسي فإن هذا الأخير ظل متشددا في تقديره لوجودها، لذلك فمجلس الدولة الفرنسي لم يعتبر الهواء العاصف بسرعة كبيرة تصل إلى مئة كيلومتر في الساعة قوة قاهرة، أو الفيضان الذي وقع نظير له من قبل، بينما اعتبر الإعصار الذي على درجة من الخطورة غير المألوفة و أيضا الأمطار التي أدت إلى سيول هائلة بلغ ارتفاعها أربعين سنتيمتر خلال ساعتين قوة قاهرة[9].

فإذا وجدت القوة القاهرة انعدمت العلاقة السببية،ولا تتحقق مسؤولية الإدارة لأن مسؤولية الإدارة حتى في غياب عنصر الخطأ، أي المسؤولية المبنية على أساس نظرية المخاطر،ترجع إلى أن الضرر الذي يصيب الأفراد، يرجع إلى نشاط إداري معروف للمرفق العام، أو مترتب على شيء محدد تملكه الإدارة، لذا يلزم وجود علاقة بين النشاط الإداري أو الشيء المملوك للإدارة و بين الضرر الذي يصيب الأفراد، فإذا اتضح أن الضرر ناشئ عن أمر خارج عن نشاط الإدارة أو ما تملكه، فإن ذلك يعد قوة قاهرة تحول دون مسؤولية الإدارة، بشرط أن لا تكون الإدارة متوقعة له، ويستحيل عليها دفعه أو تفادي نتائجه[10].

3- تطبيقات نظرية القوة القاهرة في القضاء الإداري المغربي من خلال حكم إدارية الرباط.

بالرجوع لحكم المحكمة الإدارية بالرباط الذي بين أيدينا، يتضح أن المحكمة قد حملت الدولة مسؤولية التعويض عن الأضرار التي أصابت المدعين الناتجة عن الفيضانات، وذلك في إطار المسؤولية الإدارية المبنية على الخطأ المرتكب من طرف المركز الجهوي للاستثمار الفلاحي، وكذلك في إطار المسؤولية الموضوعية أي المترتبة حتى في غياب عنصر الخطأ، بناء على مبدأ التضامن الوطني ومقتضيات الدستور.

أ‌-    مسؤولية الدولة بناء على الخطأ المرتكب.

ذهبت المحكمة من خلال تعليلها للحكم إلى أن الأمطار الغزيرة المسببة للفيضانات لا تشكل قوة قاهرة، وإنما قرينة على ترتب المسؤولية لكون وقوعها في فصل الشتاء من الأمور المتوقعة و ليست قوة قاهرة أو سببا أجنبيا للإعفاء من المسؤولية، كما ذهبت إلى أن المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي مسؤول بحكم مهامه عن تأمين مرفق تصريف المياه لدرء الخطر عن أراضي المواطنين الفلاحين، كما جاء في المقال الافتتاحي المقدم من طرف المدعين أن المكتب لم يعمل على وضع بوابات للقنوات التي أنجزها والمرتبطة بوادي سبو و التي دورها منع قيام دخول مياهه لضيعة المدعين.

و يتضح جليا أن مسؤولية الدولة من خلال هذا التعليل هي مسؤولية بناء على وجود خطأ تتحمله الدولة، من خلال إهمال المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي وضع بوابات للقنوات التي أنجزها، ثم عدم اتخاذه الاحتياطات اللازمة لمواجهة الفيضانات، لكونها متوقعة في فصل الشتاء، لذلك فإن المدعى عليه هنا لا يمكنه التذرع بوجود القوة القاهرة لكون شروطها قد اختلت في هذه النازلة، وهي شرط عدم التوقع و شرط استحالة الدفع، كما ينظمهما القانون المدني، و الذين عرضناهما سابقا، إذ من خلال وقائع الحكم الذي بين أيدينا لا يمكن الجزم بإمكانية القدرة على دفع الضرر أم لا، لكون الإهمال في اتخاذ الاحتياطات اللازمة لمواجهة الضرر يقوم كسبب كافي ليختل أحد شروط القوة القاهرة، كما أن المتمسك بالقوة القاهرة كسبب لإعفائه من المسؤولية يجب أن يشترط فيه عدم مساهمته بخطئه الشخصي في حدوث الضرر، وهو ما لا يمكن إثباته من خلال وقائع الحكم لكون المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي قد ارتكب خطأ بامتناعه عن وضع البوابات للقنوات المخصصة لتفادي دخول المياه لضيعة المدعين.

 ولم يكتف القاضي الإداري من خلال هذا الحكم بالمسؤولية بناء على الخطأ ليرتب مسؤولية الدولة عن الأضرار التي سببتها الفيضانات للمدعين،بل اعتمد على المسؤولية الموضوعية أي المسؤولية التي تقوم حتى عند غياب عنصر الخطأ.

ب- المسؤولية الموضوعية.

ذهبت المحكمة في تعليلها إلى كون المسؤولية هنا مسؤولية موضوعية مبناها الضرر طبقا لقواعد العدالة و الإنصاف و الموجبات الإنسانية المبنية على التضامن الوطني، و المساعدة التي درجت الدول على تقديمها في حالة وقوع أضرار بيئية خطيرة،  كما أنه طبقا للفصل 40 من الدستور تتحمل الدولة و المواطنين على قدم المساواة الأضرار الناتجة عن الكوارث.

و بملاحظة التعليل المقدم من طرف المحكمة، فمسؤولية الدولة هنا عن الأضرار التي تسببها الفيضانات مسؤولية موضوعية، لا تتطلب وجود الخطأ لإمكانية إثارتها و إنما

تنبني على أساس التضامن الوطني، الذي بموجبه تعمل الدول على مساعدة مواطنيها في حالة الكوارث الطبيعية، وهو مبدأ كرسه الدستور من خلال الفصل 40.

 وهنا ينبغي التنبيه إلى كون المسؤولية التي يريد أن يؤسس لها الحكم القضائي هنا هي ليست المسؤولية الإدارية بناء على المخاطر، إذ أن هذه المسؤولية تنبني على وجود علاقة سببية واضحة بين نشاط الإدارة و الضرر الذي وقع على الأفراد،و بالتالي يتم تعويضهم عند تعذر إثبات خطأ الإدارة، لكن بالمقابل فإن المسؤولية التي يريد الحكم القضائي أن يؤسس لها هي مسؤولية من نوع خاص، إذ تكون قائمة حتى عند غياب أي نشاط للإدارة، وهي مسؤولية منسجمة مع مضمون الفصل 40 من دستور 2011، إذ تتحمل الدولة و المواطنين بصفة تضامنية و بشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها الأضرار الناتجة عن الكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد،وهذا التحليل يدفعنا إلى التساؤل عن مدى أحقية كل من تضرر من الكوارث الطبيعية و الآفات في الاستفادة من تعويض تتحمله الدولة، دون الحاجة لإثبات خطأ أو تقصير من الدولة، أو وجود نشاط إداري ارتبطت به الأضرار بموجب علاقة سببية مع تعذر إثبات خطأ الدولة، بمعنى آخر هل كان يمكن بالنسبة للمدعين في الحكم الذي بين أيدينا الاكتفاء بمطالبة الدولة بالتعويض عن الأضرار التي سببتها الفيضانات، دون الإتيان على ذكر المركز الجهوي للاستثمار الفلاحي، وذكر المهام الموكولة إليه التي أخل بها، وذلك اعتمادا فقط على مبدأ التضامن الوطني الذي أسس له الفصل 40 من دستور 2011،فإذا كان القاضي الإداري بتبنيه لنظرية القوة القاهرة يبقى قضاء منفتحا على قواعد القانون الخاص فإن ذلك لا يعني بقائه حبيسا  لجميع مقتضيات هذه القواعد بحيث في الغالب تطفو على السطح الفلسفة العامة و المبادئ الأساسية التي تأسس عليها هذا القضاء باعتباره قضاء متفردا يشكل الحصن الحصين لحقوق و حريات الأفراد.

 

 

 

 



[1] - حكم المحكمة الإدارية بالرباط رقم 251، بتاريخ :2014/1/23، ملف رقم : 2010/12/807، حكم منشور ضمن اجتهادات المحكمة الإدارية بالرباط ، موقع العلوم القانونية، marocdroit .com

[2] - مأمون الكزبري، نظرية الإلتزامات في ضوء قانون الإلتزامات و العقود المغربي، الجزء الأول، مصادر الإلتزامات،مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص: 416.

[3] - مأمون الكزبري، مرجع سابق،ص : 416.

[4] - مأمون الكزبري، مرجع سابق،ص :418.

[5] - علي عبد الأمير قبلان،أثر القانون الخاص على العقد الإداري،الجزء الثاني،الطبعة الأولى 2011،مكتبة زين الحقوقية و الأدبية،ش.م.م، بيروت،لبنان، ص : 17.

[6] - علي عبد الأمير قبلان، مرجع سابق، ص :42.

[7] - علي عبد الأمير قبلان، مرجع سابق، ص :44.

[8] - علي عبد الأمير قبلان، مرجع سابق، ص : 47.

[9] - محمد ماهر أبو العينين،التعويض عن أعمال السلطات العامة،التعويض عن أعمال السلطة التنفيذية وفقا لقضاء محاكم النقض و الدستورية و الإدارية العليا،دراسة تحليلية و فقهية، الكتاب الأول،الطبعة الأولى 2013،المركز القومي للإصدارات القانونية،القاهرة،ص :855.

[10] - محمد ماهر أبو العينين،مرجع سابق، ص : 856.

بقلم ذ جمال العزوزي
باحث في مجال القضاء الإداري حاصل على شهادة الماستر في القانون العام وحدة : قانون المنازعات العمومية كلية الحقوق – فاس
 


أعلى الصفحة