//

 
قانون الأسرة

بقلم ذ صابر محمد
رئيس جمعية عـدول استئنافيــة الـدارالبيضاء، رئيس لجنة البحوث العلمية والكفاءات المهنية بالنقابة الوطنية لعدول المغرب « سنام «
تحت عدد: 148
جاء في المادة 16 من قانون مدونة الأسرة رقم 70.03 (تعتبر وثيقة عقد الزواج الوثيقة المقبولة لإثبات الزواج...)، وجاء في الفقرة 3 من: المادة 65 من المدونة نفسها (يأذن قاضي الأسرة ( ضمن وثيقة موقعة من طرفه) للعدلين بتوثيق عقد الزواج)، وجاء في المادة 404 من (ق.ع.ل):(وسائل الإثبات التي يقررها القانون هي:1) إقرار الخصم، 2) الحجة الكتابية، 3) شهادة الشهود، 4) القرينة، 5) اليمين والنكول عنها)، وجاء في مختصر الشيخ خليل في الفقه الإسلامي، في بيان أحكام تنازع الزوجين: ( إذا تنازعا في الزوجية ثبتت ببينة ولو بالسماع بالدف والدخان) وجاء في القاعدة القانونية المشهورة: (أن الوقائع المادية، يمكن إثباتها بجميع وسائل الإثبات )

يتضح من نصي  المدونة أعلاه، أن وثيقة عقد الزواج، المنصوص على حكمها، وعلى إجراءاتها المسطرية في هذه المادة، هي الوثيقة الوحيدة المعتبرة قانونيا، في إثبات الزواج، وبالمفهوم المخالف، فإن ما سواها، لا يثبت به زواج، ولو كان قراءة فاتحة، أو حفلة زفاف مصور، أو بينة شرعية، مثل ثبوت الزوجية، التي كان العمل جاريا بها في السابق، وكانت من اختصاصات العدول، اعتمادا على نصوص الفقه الإسلامي، والضوابط التوثيقية، كما في مختصر الشيخ خليل أعلاه.

وتبعا لنص قانون مدونة الأسرة أعلاه، فإنه ليس من حق المقبلين، على توثيق الزواج أمام العدول، أن يعمدوا إلى طلب ذلك من العدول، قبل حصولهم على الإذن به، موقعا في شكل وثيقة خاصة، مدموغة من طرف قاضي الأسرة المكلف بالزواج، منصوص عليها، في المادة  65 نفسها أعلاه، نظرا لأن القانون لا يسمح بتوثيقه قبل التوفر على الإذن به، ولا يسمح للعدول الحقيقيين، أساسا، بمباشرته، ولا الانصياع للتواطؤ على خرق قانونه، لأن القانون، يحتم منع ذلك، ويحتم على السادة العدول الحقيقيين: ( التحلي بالأمانة والوقار والحفاظ على شرف المهنة، وأسرار المتعاقدين) طبقا للمادة 2 من قانون مهنة العدالة بالمغرب رقم 16.03.
كما أن تجاوز هذه النصوص الآمرة، بأي شكل من الأشكال، وبأي مبرر من المبررات، ومن أي طرف كان، يعد خرقا للقانون، ونصبا على الغير، وخيانة أمانة، وتآمرا على تجاوز القانون، في معالجته للمصالح العامة، واستتباب الأمان التعاقدي، درءا للمضار، وجلبا للمصالح في الوسط الاجتماعي، كما هي طبيعة القوانين الآمرة.

وإذا علمنا أن ثمة فرقا، في الإثبات المعتبر أمام القضاء، ما بين وثيقة عقد الزواج المنصوص عليها في المادة 16 من قانون مدونة الأسرة، وبين وسائل الإثبات الأخرى، وعلى رأسها بينة ثبوت الزوجية، التي كان العمل جاريا بها، على الشاكلة المتعارفة في أوساط العدول، منذ أن جرى العمل بثبوت البينة، باللفيف، أواخر القرن الثامن الهجري، على خلاف في عددأفراد اللفيف بين العلماء في الفقه الإسلامي آنذاك، وعلى خلاف في من أصل للخلاف في  عدد أفراد اللفيف، بحصول العلم الضروري، ولو بأربعة مثلا: راجع الصفحة 8 من كتاب (شهادة اللفيف) للشيخ محمد بن العربي الفاسي، إذا علمنا الفرق في الإثبات هذا،  أدركنا مدى الصعوبات والخطورة، التي تنتظر المجازفين بالميول عن الوثيقة المعتبرة أمام القضاء، وأدركنا كذلك، مدى ما يتكبده العديد من المغامرين، وكذا المتحايلين على القانون، وما يكبدونه لغيرهم، ممن لا يفقهون في الأمر شيئا، أولا يريدون أن يفقهوا، مع أنهم لا مكان لهم جميعا، في رحمة القانون بهم.
وهنا نسوق واقعة إنسانية، صادمة، دفعتنا إلى هذه الدراسة، حيث، طالعتنا «الصباح» في عددها 4559 ليومي:  13 و14 دجنبر الجاري بخبر مفاده: أن أستاذة بآسفي، أودعت السجن، بتهمة (الفساد) نتيجة اكتشافها أنها مجرد عشيقة، بعد مضي سنوات من الزواج، تقول الجريدة.

بطل هذه الواقعة رجل متزوج، أنكر علاقة الزواج مع الزوجة الأستاذة، مفاجئا إياها بأنها مجرد عشيقة، رغم اعترافه أمام الدرك المحلي، بأنه كان يساكنها، ويعيش معها في بيت واحد، معد من طرفه لذلك، أمام الجيران الذين اعترف، وأقرلهم، وعرفهم، بأنها زوجته، وبعد أن أحضر عدلين مزورين في البداية. أدلى لهما بوثائق للكتابة بينهما، فوقعا أمامهما على سجل خاص بيد العدلين المزورين، ورغم ادعائه بأن هذين العدلين زوجا له العديد من الأزواج بهذه الطريقة، الشيء الذي طمأن به الزوجة الأستاذة وأقاربها، وكسب به ثقتها البالغة، وجعلها تذعن له، وتقبل شروطه، بما فيها تقديم استقالتها عن العمل وإقامة حفل زواج بسيط احتراما لزوجته الأولى، التي ادعى أنها مريضة، ميؤوس من صحتها.

بقلم ذ صابر محمد
رئيس جمعية عـدول استئنافيــة الـدارالبيضاء، رئيس لجنة البحوث العلمية والكفاءات المهنية بالنقابة الوطنية لعدول المغرب « سنام «
 


أعلى الصفحة