القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ نجيب بُحاجة
طالب باحث
تحت عدد: 765
جاء دستور صيف 2011 بمجموعة من المستجدات ذات الصلة بحقوق الإنسان، جعلت المغرب يساير إلى حد بعيد المشهد الحقوقي داخل المنتظم الدولي، ويبقى من أهم هذه المستجدات التأكيد

على الحق في الحصول على المعلومة، باعتباره حقا أساسيا وضروري يسهل الوصول إلى الحقوق الأخرى، فجل الحقوق المنصوص عليها في ثنايا دستور 2011 لا يمكن بأي حال الحديث عنها في غياب تفعيل حقيقي وفعال لحق الحصول على المعلومة، ذلك أن هذا الحق هو الذي يتيح للمواطنين السؤال عن كل معلومة توجد بحوزة الإدارة العمومية وتلقي الإجابة عنها، وهو أبعد من ذلك حق يجسد مدى ارتقاء المجتمع على المستوى الحقوقي ومدى مدنيته وحضارته، وكذا مقياس لسمو الديمقراطية التشاركية التي ترمي إلى دمج الأفراد وإشراكهم في الأدوار والمسؤوليات.

كما أن حق الحصول على المعلومة لا ينفك عن مبدأ أساسي وهو الشفافية، فهو الأداة الأساسية والعملية الإجرائية لتخليق الحياة العامة، لا يفوتنا القول كذلك أن هذا الحق ذو بعد دولي فقد تم التنصيص عليه في مواثيق دولية عديدة كقرار 1946 من الأمم المتحدة، والعهد الخاص للحقوق المدنية والسياسية، وكذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948، بالإضافة إلى اتفاقية الأمم المتحدة حول مكافحة الرشوة والفساد و اتفاقية الاتحاد الإفريقي الذي أصبح المغرب الآن عضو فيه.

وفي المغرب وإلى غاية 12 مارس من هذه السنة لم يكن المقتضى الدستوري الذي يجسد الحق في الحصول على المعلومة المنصوص عليه في الفصل 27 من دستور المملكة أي تطبيق فعلي، فقد ظل بمعية بعض الحقوق دون أي بلورة واقعية في غياب تأطير قانوني يخرجه من حدود الدسترة، فبعد حوالي 8 سنوات طالب من خلالها العديد من الفاعلين خصوصا منهم الإعلاميين على اعتبار أنهم أكثر الأطراف المعنيين بالحصول على المعلومة ، ظل هذا الحق دون أي قانون تنظيمي يبين كيفية الاستئثار به، استبشر الرأي العام يوم 12 مارس 2019 بدخول القانون 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومة حيز التنفيذ، حيث نُشر بالجريدة الرسمية عدد 6655 – بتاريخ 23 جمادى الآخرة 1439 ( 12 مارس 2019 (
وكقراءة في السياق الذي صدر فيه هذا القانون، نرى أنه جاء كإجابة قانونية وواقعية حول الإشكال المرتبط بالحق في الحصول على المعلومة الذي ظل حبيس الدستور، ومن هنا يُطرح السؤال الذي يفرض نفسه إلــــى أي حد كان المشرع موفقاً في تجسيد مبدأ الحق في الحصول على المعلومة من خلال القانون 31.13 ؟.
وبعيداً عن الخروج باستنتاجات مرتجلة ومستعجلة وإصدار أحكام قيمة على نصوص قانونية لا زالت في بدايات تطبيقها ولم تكشف الممارسة عن شوائبها ومحاسنها، فإننا سنقتصر في الوقت الحالي على إعطاء فكرة عامة على القانون المذكور بموضوعية تبعدنا عن أحكام المجاملات والتهليل المفرط أو القدف، ذلك أن النصوص القانونية لا تبرز حقيقتها إلا بعد تنزيلها في الواقع.
ومحاولة منا لمقاربة الإشكالية المطروحة سلفاً ولو في شقها النظري المرتبط بتحليل نصوص هذا القانون، سنعمل على قراءته وتمحيصه وفق لما اعتمده المشرع في تبويبه لهذا القانون.
فبداية المشرع في الباب الأول من هذا القانون كانت وكعادته مرتبطة بالأحكام العام، بالإشارة إلى الفصل 27 من الدستور الذي يعتبر مرجع هذا القانون وسنده، وكذا بتعريف المعلومة في مدلول القانون 31.13، حيث عرفها على أنها المعطيات والإحصائيات المعبر عنها في شكل أرقام أو أحرف أو رسوم أو نصوص أو تسجيل سمعي بصري، مضيفا في الأخير عبارة " أو بأي شكل آخر " تفادي لترك صيغ من المعلومة دون الخضوع لأحكام هذا القانون، كما عدد المشرع بعد ذلك المؤسسات والهيئات المعنية.
وقد حسن فعلا المشرع عندما أدخل في صلب المؤسسات المعنية هيئات الحكامة المنصوص عليها في الباب الثاني عشر من الدستور، لكونها تعتبر من بين المؤسسات الهادفة إلى تكريس مبدأ حماية حقوق الأفراد وإشراكهم في الشأن العام، كما أن المشرع كان صائباً حين نص صراحة على أن الحصول على المعلومة يكون مجاني، وكذا حق كل أجنبي مقيم بالمغرب في الحصول على المعلومة.
في الاستثناءات الواردة على الحق في الحصول على المعلومة
نص المشرع في خضم الباب الثاني من هذا القانون على مجموعة من الاستثناءات، حيث استثنى من الحق في الحصول على المعلومة، كل المعلومات المتعلقة بالدفاع الوطني وبأمن الدولة الداخلي والخارجي وتلك المتعلقة بالحياة الخاصة للأفراد التي تكتسي طابع المعطيات الشخصية، أشار كذلك إلى المعلومات التي يؤدي الكشف عنها إلى إلحاق الضرر كالمعلومات المرتبطة بالعلاقة مع دولة أخرى أو منظمة دولية أو حكومية والسياسة النقدية أو الاقتصادية أو المالية للدولة وغيرها ...، ونظرا لأهمية هذه الاستثناءات فقد نص المشرع في الباب السادس المتعلق بالعقوبات إلى أن مخالفة المقتضيات الواردة في المادة 7 المتعلقة بالاستثناءات تعتبر جريمة إفشاء السر المهني .

ونحن نعتقد أن هذه الاستثناءات تصادف الصواب خصوصا ما يتعلق منها بالمعطيات الشخصية للأفراد في ظل سؤال التوافق بين الحق في الحصول على المعلومة وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، حيث إن القول بالحق في الحصول على المعلومة على إطلاقه لا يستقيم ومنطق الحياة الشخصية للأفراد والحق في التمتع بسرية تامة في استعمال المعطيات الشخصية والتي تعتبر جزءا من الحياة الخاصة للأفراد التي يحميها الدستور في الفصل 24 .

أهمية النشر الإستباقي في تسهيل الاستفادة من الحق في الحصول على المعلومة
خصص المشرع الباب الثالث من القانون 31.13 لمسألة النشر الإستباقي للمعلومة وعنون الباب بـ تدابير النشر الإستباقي، حيث ألزم المؤسسات والهيئات المعنية المذكورة آنفاً وذلك كل في حدود اختصاصاته أن تقوم في حدود الإمكان بنشر الحد الأقصى من المعلومات التي في حوزتها، و لا تندرج ضمن الاستثناءات الواردة في الباب الثاني بواسطة وسائل النشر المتاحة خاصة الإلكترونية منها، وهنا تجدر الإشارة إلى دور الإدارة الإلكترونية في تعزيز النشر الإستباقي وتحقيق السرعة في ذلك، وهو ما يفرض بالضرورة الانكباب على النهوض بالتفعيل الحقيقي للإدارة الإلكترونية في كل المؤسسات المعنية بالنشر، خاصة ما يتعلق بمشاريع القوانين وشروط منح التراخيص والأذونات وشروط منح رخص الاستغلال...، وكذا الجماعات الترابية والقوائم المحاسبية والمالية المتعلقة بتسيير هذه الجماعات وبوضعيتها المالية ، لما لها من دور في تعزيز الشفافية والمحاسبة وحق الفرد في الاطلاع على أدوار الفاعلين في بلورة السياسات العمومية وبتتبع تقييم العمل، والمشاركة في بناء القرارات الهادفة إلى التنمية وتقديم العرائض، وهذه الأمور تظل مكفولة بموجب الدستور.

وما يعزز أهمية النشر الإستباقي في هذا الجانب هو ما جاءت به المادة 12 من هذا القانون حيث أكدت على أنه يتوجب على كل هيئة معنية أن تعين شخصا أو أشخاصا مكلفين تعهد إليهم بمهمة تلقي طلبات الحصول على المعلومات ودراستها وتقديمها، كما تحدد المادة 13 كيفية أداء هؤلاء الأشخاص لمهامهم وكذا التوجيهات اللازمة من أجل التقييد بأحكام هذا القانون.

في الآجال المرتبطة بإجراءات الحصول على المعلومة ومدى سهولة المسطرة المتبعة
بخصوص الإجراءات المتبعة من أجل الحصول على المعلومة، خصص المشرع باباً كاملا لها، استهله بالتنصيص على أن الحصول على المعلومة يتم عن طريق طلب يقدمه المعني بالأمر وفق نموذج تحدده لجنة الحق في الحصول على المعلومة، هذا الطلب يجب أن يتضمن لزوماً البيانات المتعلقة بالطالب والمعلومة المراد الحصول عليها، لكن ما يثير الانتباه في هذا الباب هو الآجال المرتبطة بالإجراءات المتبعة والتي حددتها المادة 16 في 20 يوما كآجل رد الهيئة أو المؤسسة على طلب الحصول على المعلومة، وهي في نظرنا مدة طويلة لا ترقى إلى حماية مبدأ الاستفادة من المعلومة في وقت معقول.

فإذا كان الحصول على المعلومة أمراً مهماً فإن الاستفادة منها في وقت قصير – أقل من عشرين يوماً – أمر أكثر أهمية ومن شأنه أن يضمن الاستفادة القصوى للمواطنين من المعلومات المراد الحصول عليها، وما يزيد الأمر تعقيداً هو إمكانية تمديد الأجل لمدة مماثلة إذا لم تتمكن المؤسسة أو الهيئة المعنية من الاستجابة كليا أو جزئيا لطلب المعني.
كما أن إشعار الطالب بهذا التمديد يظل مقتضى غير فعال خصوصا وأن الفقرة الأخيرة من المادة 16 تنص على طريق واحد من طرق تبليغ هذا الإشعار وهو البريد الإلكتروني،فكان يجب إضافة طرق أخرى للتبليغ أكثر فاعلية كالبريد المضمون مثلاً.
أما بخصوص الحالات المستعجلة للحصول على المعلومة، التي قلص فيها المشرع من مدة الرد إلى ثلاثة أيام مع إمكانية التمديد على نحو الحالات العادية، فإننا نعتقد أن المشرع كان عليه أن يحدد ولو على سبيل المثال الحالات الممكن اعتبارها مستعجلة دون الاكتفاء بربطها بضرورة حماية الحياة وسلامة الحرية، وذلك حتى يتأتى القياس عليها.
لأن الأمر والحالة هذه يكرس سلطة تتسم بالهيمنة في تكييف الإدارة للحالات حسب ما تعتبره مستعجلاً أو عادياً، مما يؤدي إلى تضييع حقوق الأفراد الملزمين والمضطرين أحياناً للحصول على المعلومات في وقت ضيق. خاصة إذا كان الغرض من الحصول على المعلومة هو استعمالها في إجراءات ومساطر تفرض هي الأخرى أجال مسقطة للحق.
كما ينبغي الإشارة إلى أن الهيئة التي ترفض تقديم المعلومة المطلوبة كتابة كلياً أو جزئياً ملزمة بتعليل رفضها هذا، والإشارة إلى حق المعني بالأمر في تقديم شكاية إلى رئيس المؤسسة أو الهيئة المعنية بذلك في غضون 20 يوما من تاريخ انقضاء الأجل القانوني المخصص للرد على الطلب أو تاريخ التوصل بالرد.
كما يتعين على الرئيس دراسة الشكاية والرد عليها خلال خمسة عشر يوماً ابتداء من تاريخ التوصل بها.
غير أن المادة 20 جاءت بضمانة مهمة تعطي الحق لطالب المعلومة في تقديم شكاية إلى لجنة الحق في الحصول على المعلومة داخل أجل لا يتعدى ثلاثين يوما الموالية لانصرام الأجل القانوني المخصص للرد على الشكاية الموجهة إلى رئيس المؤسسة أو الهيئة أو من تاريخ التوصل بالرد.
بالإضافة إلى كل ما سبق يحق لطالب المعلومة الطعن في قرار الرفض أمام المحكمة الإدارية المختصة داخل أجل 60 يوماً من تاريخ التوصل بجواب لجنة الحق في الحصول على المعلومة، أو من تاريخ انصرام الأجل القانوني المخصص للرد على هذه الشكاية، وإلى ذلك أشارت المادة 21 من القانون 31.13، وفي اعتقادنا يوفر هذا المقتضى ضمانات جد مهمة لطالب المعلومة كونها تخول له طرق الطعن الكفيلة بإيصاله إلى حقه، رغم ما يعاب على مسطرة الطعن هذه من تعقيد وطول في الآجال.
مؤسسة لجنة الحق في الحصول على المعلومة
يقتضي منا الحديث عن هذه اللجنة النظر في تكوينها و الاختصاصات الموكولة إليها-
1-تكوين اللجنة
تتكون لجنة الحق في الحصول على المعلومة من رئيس وهو رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.
ممثلين اثنين من الإدارات العمومية يعينهما رئيس المحكمة
عضو يعينه رئيس مجلس النواب
عضو يعينه رئيس مجلس المستشارين
ممثل عن الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها
ممثل عن مؤسسة أرشيف المغرب
ممثل عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان
ممثل عن الوسيط
ممثل عن إحدى الجمعيات العاملة في مجال الحق في الحصول على المعلومة، يعينه رئيس الحكومة. كما يمكن لرئيس اللجنة أن يدعو على سبيل الاستشارة كل شخص او هيئة لحضور اجتماعات اللجنة والاستعانة بخبرته.
وتحدد مدة العضوية في اللجنة في خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.
تجدر الإشارة إلى أن تعيين رئيس اللجنة بالشكل الوارد أعلاه له دلالة رمزية على رغبة المشرع في تحقيق التوافق بين الحق في الحصول على المعلومة وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.
اختصاصات اللجنة
تختص لجنة الحق في الحصول على المعلومة بما يلي:
السهر على ضمان حسن ممارسة الحق في الحصول على المعلومات
تقديم الاستشارة والخبرة للهيئات المعنية حول آليات تطبيق أحكام هذا القانون، وكذا النشر الاستباقي للمعلومات التي بحوزتها
تلقي الشكايات المقدمة من طالبي الحصول على المعلومات،
والقيام بكل ما يلزم للبت فيها، بما في ذلك البحث والتحري،
وإصدار توصيات بشأنها
التحسيس بأهمية توفير المعلومات وتسهيل الحصول عليها، ولا سيما عن طريق تنظيم دورات تكوينية لفائدة أطر الهيئات المعنية
إصدار توصيات واقتراحات لتحسين جودة مساطر الحصول على المعلومات
تقديم كل اقتراح للحكومة من أجل ملاءمة النصوص
التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل مع مبدأ الحق في
الحصول على المعلومات
إبداء الرأي في مشاريع النصوص التشريعية و التنظيمية التي
تعرضها عليها الحكومة
إعداد تقرير سنوي حول حصيلة أنشطتها في مجال الحق
في الحصول على المعلومات، يتضمن بصفة خاصة تقييما
لحصيلة إعمال هذا المبدأ.
وفي سياق الحديث عن لجنة الحق في الحصول على المعلومة، يُذكر أن رئيس الحكومة استقبل بتاريخ 15 مارس 2019 أعضاء هذه اللجنة، وبالنظر إلى التنوع الذي تمتاز به تركيبة هذه اللجنة والتي تعكس بشكل كبير بعد الدمقراطية التشاركية يبدو أنه من شأنها أن تعمل على تكريس وبكل قوة وفاعلية مبدأ الحق في الحصول على المعلومة .
وفي الأخير نشيـــر إلى أن مبدأ الحق في الحصول على المعلومة لن يتأتى إلا من خلال تعزيز أداء الإدارة العمومية، بإدماج كل ما هو إلكتروني يحقق السرعة والنجاعة في عملية ترتيب المعلومات وكذا تقديمها لطالبها، وبالتــالي المساهمة في دمقرطة الإدارة ومحاربة الإفلات من العقاب وتأكيد الحق في المعرفة. فالمعلومة هي أوكسجين الديمقراطية، على اعتبار أنها تحفز المواطن على المشاركة في مسلسل اتخاذ وتتبع القرار العمومي وتقييمه، كما تؤمن انفتاح الفاعل العمومي على محيطه وتكرس الشفافية من خلال سيادة منطق المساءلة.

بقلم ذ نجيب بُحاجة
طالب باحث