القانون التجاري

بقلم ذ مولاي حفيظ علوي قاديري
دكتور في القانون الخاص تخصص قانون الأعمال أستاذ بكلية الحقوق مراكش
تحت عدد: 355
تعليق على قرار رقم: 1145/2008 بتاريخ: 04/03/2008 صادر عن: محكمة الاستئناف التجارية بالدارالبيضاء

 

القاعدة

-         الشركات – وجود الشريكين في مواقف مختلفة وصلت إلى حد تغيير الأقفال وعدم توفر أحدهما على نسخة من المفاتيح، فإن طلب حل الشركة مبرر لأنه يستحيل مواصلة إدارة الشركة وتسيير شؤونها وبالتالي لا يمكن تحقيق مصالح الشركاء (نعم).

ملخص الوقائع:                                                       

تتلخص القضية في نشوب نزاعات وخلافات خطيرة بين شريكين في شركة ذات مسؤولية محدودة، الأمر الذي أدى معه إلى إعمال مقتضياتا الفصل 1056 من ق ل ع والحكم بالتالي بحلّ الشركة وتصفية موجوداتها.

وتعود وقائع القضية إلى سنة 2006 تاريخ تأسيس شركة ذات مسؤولية محدودة تحت اسم شركة "فورست كريم"، بين السيد "مصطفى" أسس بمعية السيد "خالد" مملوكة منافصة بينهما بحصة 1000/500 لكل واحد منهما، مقيدة بالسجل التجاري بالمحكمة الابتدائية بسلا تحت عدد 7383، الكائن مقرها برقم 1234 رقم 2 الحي الصناعي سكتور E حي الرحمة سلا. ويتجلى نشاطها الأساسي في إنتاج وتسويق مادتي "الجبن والقشدة الطرية".

ومنذ تأسيس الشركة والعلاقة سليمة بين الشركاء، إلا أنه في الآونة الأخيرة، بدأ الشريك الأول السيد "مصطفى" يتعرض لمضايقات من شريكه الثاني السيد "خالد" وصلت حد منعه من ولوج مقر الشركة وتغيير الأقفال وعدم تمكينه من نسخة من المفاتيح، ورفض إعطاء أي توضيح بخصوص رقم معاملات الشركة مصرّحا بأنها أصبحت تعرف خسائر.  وهو ما اعتبره الطرف الأول إجراء ينتقص من الثقة بينه وبينه شريكه، مما جعله يتقدم بمقال إلى المحكمة التجارية بالرباط يطلب من خلاله حلّ الشركة طبقا للفصل 1056 من ق ل ع الذي يعطي للشريك امكانية طلب حلّ الشركة ولو قبل انقضاء المدة المحددة لها إذا وجدت لذلك أسباب معتبرة كالخلافات الخطيرة الحاصلة بين الشركاء والاخلالات الواقعة من واحد أو أكثر منهم بالالتزامات الناشئة من العقد واستحالة قيامهم بأداء هذه الالتزامات الناشئة من العقد. وتبعا لذلك تعيين مصف لتدبير أمورها مؤقتا في انتظار تصفية موجوداتها وأداء ديونها وإفراز نصيب كل منهما مع النفاذ المعجل. معزّزا طلبه بصورة طبق الأصل للقانون الأساسي للشركة ونموذج "7" ومحضر معاينة واستجواب منجز من طرف المفوض القضائي.

فأدلى المدعى عليه السيد "حسن" بواسطة نائبه، بمذكرة جوابية جاء فيها من، حيث الشكل فإن حلّ الشركة يخضع لمقتضيات الفصل 86 من القانون المنظم للشركة ذات المسؤولية المحدودة وليس لمقتضيات قانون الالتزامات والعقود باعتبار أن القانون الخاص مقدّم في التطبيق على القانون العام. وفي الموضوع أنه إذا كانت له مآخذ على التسيير فهناك وسائل قانونية للمحاسبة لا المطالبة بحلّ الشركة ملتمسا أساسا الحكم بعدم قبول الدعوى واحتياطيا برفض الطلب.

كما أدلى بمقال مضاد من طرف نائبه جاء فيه أن المدعي بعدما وقّع وشهد بصحة الجرد المتعلق بالمداخيل رفض تقديم أي حساب عن الأرباح زاعما بأن الدفاتر المحاسبية الممسوكة من قبله قد ضاعت، لذا يلتمس الحكم له بتعويض عن الأضرار التي لحقته من جراء إخفاءه حقيقة الأرباح التي حققتها الشركة يحدده في مبلغ 10.000.00 درهم والأمر تمهيديا بإجراء خبرة حسابية لتحديد رقم الأرباح. و أرفق المقال بإشهادين ولوائح تخص كمية الحليب وثمن الشراء.

وبناء على إدراج الملف بجلسة 3/1/2007 حضر نائبا الطرفين وأسندا النظر وتخلفت المدعى عليها الثانية رغم سابق التوصل، فتقرر حجز الملف للنطق بالحكم لجلسة 10/1/2007. وبنفس الجلسة صدر الحكم عن التجارية بالرباط والقاضي في الشكل بقبول الطلبين الأصلي والمضاد وفي الموضوع في الطلب الأصلي بحلّ شركة "فورست كريم" وبتعيين خبير مصفّ للشركة تحدد أتعابه في مبلغ 5000 درهم تستخلص من منتوج التصفية وبجعل الصوائر امتيازية وتحميل المدعى عليه الصائر وبرفض الباقي وفي الطلب المضاد برفضه وجعل الصائر على رافعه.

فاستأنف السيد "خالد" بواسطة نائبه حكم المحكمة التجارية بالرباط أمام محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء، فحكمت هذه الأخيرة بردّه وأيّدت الحكم المستأنف وحمّلت المستأنف الصائر.

مناقشة رأي المحكمة:

إن مناقشة رأي المحكمة فيما ذهبت إليه، يفرض وضع خط مميّز بين ما وارد من دفوع على أساسها بني الحكم في مستوى المرحلة الابتدائية، وما تمت مناقشته على مستوى مرحلة الاستئناف.

وإذا كان كلا الحكمين فيما ذهبا إليه، صائبين، وذلك بغية تجاوز مسألة تخطيء أو تصويب هيئة الحكم كما هو شأن متن العديد من تعليقات الأحكام.

فإننا بتجاوزنا لهذه النقطة الحكمية، نودّ الخوض في تفصيلات أكثر حيوية ودينامية قانونية نحسّ معها بذلك الدسم القانوني الذي نستطعمه ونحن بصدد طرح بعض الأحكام المهمة للقضاء المغربي.

وبالتالي فتحليل عناصر القرار، على ضوء العمل الفقهي أو الاجتهاد القضائي الموازي في الموضوع، سوف يتم على مستوى استحضار فكرتين مركزيتين أثارتهما وقائع القضية وناقشهما منطوق القرار، مع إسقاط زمني لهاته المناقشة على مرحلتين اثنتين: مرحلة أولية، نناقش من خلالها ما توصل إليه منطوق الحكم الابتدائي. ثم مرحلة لاحقة نقف من خلالها على ما أضيف من تعقيب على مستوى مرحلة الاستئناف.

-          الفكرة الأولى، تركز على مدى جواز الاعتماد على فكرة وجود خلافات بين الشركاء كسبب لحلّ الشركة كيفما كان نوعها. أم أن هذا المقتضى يشمل فقط نوعا معينا وخطيرا، ولا يشمل بالتالي باقي الأنواع الأخرى؟

-          الفكرة الثانية، ما هو الأثر القانوني المترتب عن منافسة الشريك وقيامه بأعمال شبيهة بأعمال الشركة، أم أنه يحق لأي من الشركاء ممارسة النشاط الذي يتقنه ومنه يعيل نفسه وعائلته؟

أولا: وجود خلافات خطيرة ومعتبرة بين الشركاء

سطّر المشرع المغربي في الفصل 1052 من ق ل ع أسباب حلّ الشركة، في حالات تشكل مجتمعة ثلاثة فرضيات لانتهاء حياة الشركة. وهي إما: فرضية الحلّ القانوني، أو فرضية الحلّ الاتفاقي، وأخيرا، فرضية الحلّ القضائي. وطبقا للفقرة الثامنة من الفصل المذكور، تنتهي الشركة بحكم القضاء في الأحوال المنصوص عليها في القانون.

أما أسباب الحل القضائي فهي تختلف بحسب الظروف، وأمر تقديرها يعود للقاضي، وقد تكون هذه الأسباب راجعة لإرادة الشركاء كسوء التفاهم والاختلافات المستحكمة بين الشركاء. وهناك من الأسباب ما يرجع إلى خطأ الشريك، كإخلاله بالتزاماته، أو خطأ جسيم صادر عنه، أو خداعه.

ومن تطبيقات ذلك، ما نصّت عليه الفقرة الأولى من الفصل 1056 من ق ل ع صراحة، من أنه: "يسوغ لكل شريك أن يطلب حلّ الشركة، ولو قبل انقضاء المدة المقررة لها، إذا وجدت لذلك أسباب معتبرة كالخلافات الخطيرة الحاصلة بين الشركاء والإخلال الواقع من واحد أو أكثر منهم بالالتزامات الناشئة من العقد، واستحالة قيامهم بأداء هذه الالتزامات".

وهو ما اعتمد عليه الحكم الابتدائي، الصادر عن المحكمة التجارية بالرباط، فيما قضى به. معتبرة، أي هيئة المحكمة، أن نازلة الحال فتندرج ضمن الحل القضائي الذي يبقى لكل شريك الحق في المطالبة به إذا ما وجدت أسباب مشروعة ومعتبرة عملا بالفقرة 8 من الفصل 1051 من ق ل ع التي تنص على أنه تنتهي الشركة بحكم القضاء في الأحوال المنصوص عليها في القانون.

وأن واقعة تغيير الأقفال وعدم توفر المدعي على نسخة من المفاتيح تعتبر دليلا كافيا على وجود خلافات بين هذا الأخير والمدعى عليه، من شأنها التأثير سلبا على السير العادي للشركة، مما تبقى معه مقتضيات الفصل 1056 من ق ل ع المؤسّس عليها متوفرة، الأمر الذي يبرّر الاستجابة لطلب حل الشركة وتصفيتها.

وهو ما تمت تزكيته على مستوى المرحلة الثانية من التقاضي، بعد استئناف الحكم لدى محكمة الاستئناف، حيث اعتمد الطاعن على أسباب استئناف عديدة، من بينها: أن الحكم المستأنف لم يكن مؤسّسا ولا يستند على أي أساس من الواقع أو القانون. وأن الثابت من تعليلات المحكمة أنها بنت قرار حل الشركة على المعطيات الواردة بمحضر المعاينة. وأن ما دوّن بهذا المحضر لا يرقى إلى مستوى القول بوجود خلافات خطيرة بالمفهوم الذي تطرق إليه الفصل 1056 من ق ل ع.

لكن محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء أيّدت، وعن صواب، ما ذهب إليه الحكم الابتدائي في منطوقه. موردة الحيثية التالية: " وحيث أنه بالرجوع إلى وثائق الملف وخاصة محضر المعاينة والاستجواب أفاد الطاعن، أثناء تصريحه المدوّن بالمحضر، أنه غيّر أقفال الشركة مضيفا بأن المستأنف عليه لا يتوفر على نسخة من المفاتيح.

وحيث أنه أمام هذا الوضع الذي يوجد فيه الشريكين في مواقف مختلفة وصلت إلى حدّ تغيير الأقفال وعدم توفر المستأنف عليه على نسخة من المفاتيح فإن طلب الحلّ مبرر لأنه يستحيل مواصلة إدارة الشركة وتسيير شؤونها وبالتالي فإنه لا يمكن تحقيق مصالح الشركاء لذلك فإن تعليل المحكمة الذي اعتبر الطلب مؤسّس جاء مسايرا لوثائق الملف ولم يخرق أي مقتضيات واجبة التطبيق".

فتعليل المحكمة جاء مركّزا على أن العارض غيّر أقفال الشركة مخافة سرقة المواد الأولية، وأن المستأنف عليه لا يتوفر على نسخ منها. وهو ما يجعل قضائها فاسد التعليل ذلك أن تصريحات العارض اقتصرت بخصوص تغيير الأقفال على الثلاجة التي تحتوي المواد الأولية مخافة سرقتها ولم يصرّح بتاتا بأنه غيّر أقفال أبواب الشركة أو منع المستأنف عليه من الدخول.

لكن التساؤل الذي يعلق في ذهن أي مطالع لهذا النص، وهو لماذا استبعدت كلتا المحكمتين، تطبيق مقتضيات المادة 86 المنظمة للشركة ذات المسؤولية المحدودة، وتمسكتا بتطبيق المقتضيات الواردة بالفصول ظهير الالتزامات والعقود؟ رغم أن النص الأول هو شريعة خاصة بينما يبقى النص الثاني وما تعلّق به من فصول فقط شريعة عامة. وأن القاعدة تقضي بأسبقية النص الخاص عن النص العام.

الإجابة عن هذه الملاحظة، تقتضي الرجوع إلى فسلفة وروح التشريعات التجارية الصادرة بين سنتي 1996 و 1997، وذلك على ثلاثة مستويات:

1)       على مستوى قانون 15.95 المعتبر بمثابة مدونة للتجارة، نصت المادة 2 على أنه: "يفصل في المسائل التجارية بمقتضى قوانين وأعراف وعادات التجارة أو بمقتضى القانون المدني ما لم تتعارض قواعده مع المبادئ الأساسية للقانون التجاري".

2)       على مستوى قانون 5.96 بمثابة قانون لباقي الشركات، أحالت الفقرة الأولى من المادة 1 على أنه:" تخضع شركة التضامن وشركة التوصية البسيطة وشركة التوصية بالأسهم والشركة ذات المسؤولية المحدودة وشركة المحاصة لهذا القانون وللأحكام غير المخالفة له الواردة في الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913) المتعلق بقانون الالتزامات والعقود".

3)       على مستوى قانون 17.95 المتعلّق بشركات المساهمة، وبمقتضى الإحالة الواردة في الفقرة الثانية من المادة 1 من قانون 5.96 تطبق أحكام المواد 2 و3 و5 و8 و11 و12 و27 و31 و32 ومن 136 إلى 138 ومن 222 إلى 229 ومن 337 إلى 348 ومن 361 إلى 372 من القانون رقم 17.95 المتعلق بشركات المساهمة على الشركة ذات المسؤولية المحدودة، فيما إذا كانت متلائمة والأحكام الخاصة بها.

هكذا، وانطلاقا من الإحالات الثلاث، يمكن تحديد الإطار القانوني للشركة ذات المسؤولية المحدودة، وكذلك الشركات الأخرى المنظمة ضمن نفس القانون، بالقول أنه رغم تغيير المشرع المغربي للشريعة العامة الواجب تطبيقها في حالة سكوت النص الخاص، فإن المقتضيات الواردة بفصول ظهير الالتزامات والعقود لازالت صالحة للتطبيق مادام أنها لا تتعارض والمبادئ الأساسية التي تحكم المعاملات التجارية بصفة عامة. ومنها تلك المنظمة للأحكام العامة الخاصة بالشركات، مدنية كانت، أو تجارية. أما الأحكام الخاصة بالتسجيل بالسجل التجاري، وميلاد الشخصية المعنوية، ومسؤولية المؤسسين، ومراقب الحسابات والبطلان، والمسؤولية المدنية للمسيرين، لا يكاد يميزها أي فرق في كل أنواع الشركات.

لذلك كان رأي المحكمة، على مستوى هذه النقطة، هو الآخر صائبا ومبرّرا قانونا. ذلك أن التمسّك بمنطوق المادة 86 من قانون 5.96 من طرف أحد الشريكين، لا أساس له من الصحّة. لتعلّقه بنوع آخر من الحلّ، هو الحلّ الاتفاقي، والذي أوجده المشرع كآلية يلجأ إليها الشركاء حالة اختلال الوضعية المالية للشركة نتيجة خسائر مثبتة في القوائم التركيبية، نتج عنه تدنّي الوضعية الصافية الشركة دون ربع رأسمالها. مما يخوّل لغالبية الشركاء اتخاذ قرار بحلّ الشركة قبل الآوان. دون تدخل من القضاء، الذي لا يمكن اللجوء إليه من أجل حلّ الشركة، إلا في حالة عدم قيام المسيّر أو مراقب أو مراقبوا الحسابات، إن وجدوا، باستصدار قرار أو إذا لم يتمكن الشركاء من التداول بكيفية صحيحة.

لذلك اعتبرت المحكمة التجارية أن الدفع أعلاه غير مؤسس، وقامت بردّه موردة "أن الفصل 86 المحتج به يتعلق بالحلّ الرضائي للشركة في الحالة التي تقل فيها الوضعية المالية للشركة عن ربع رأسمالها من جرّاء الخسائر، أمّا نازلة الحال فتندرج ضمن الحل القضائي الذي يبقى لكل شريك الحق في المطالبة به إذا ما وجدت أسباب مشروعة ومعتبرة، عملا بالفقرة 8 من الفصل 1051 من ق ل ع التي نصت على أنه تنتهي الشركة بحكم القضاء في الأحوال المنصوص عليها في القانون".

إن واقعة الحال وما تعالجه من أمور، تتعلق بضرورة توافر نسبة معينة من التفاهم والانسجام بين الشركاء. خاصة إذا كانت مكوّنة بين شريكين فقط، وهو ما أشار إليه الحكم في غير ما مرّة بأن الشركة المطلوب حلّها ذات مسؤولية محدودة وتتكون من طرفي النزاع فقط، إذ يملك كل طرف 500 حصة من مجموع ألف. وهي ما تسمّى لدى الفقه ب"شركة الإخلاص"، وإن كان المشرع المغربي لم يشر مباشرة إلى هذا النوع من الشركات بمناسبة تنظيمه، لا في ظهير الالتزامات والعقود ولا بمناسبة مراجعة التشريع الخاص بالشركات.

تجدر الإشارة في آخر هذه الفقرة، إلى أن حق الشريك في طلب إنهاء الشركة من المحكمة، لوجود سبب مشروع، هو أمر يتعلق بالنظام العام، فلا يجوز التنازل عنه قبل وقوع سببه. وكل اتفاق يحرم الشريك من ممارسة حقه بطلب حلّ الشركة يكون باطلا. وفي هذا المعنى جاءت الفقرة الأخيرة من الفصل 1056 من ق ل ع: "ولا يصحّ للشركاء أن يتنازلوا مقدّما عن حقهم في طلب حل الشركة في الحالات المذكورة في هذا الفصل".

ومتى أمر القاضي بحل الشركة، فإن هذا الحل، لا يكون له أي أثر بالنسبة للماضي، وتسري آثاره فقط على المستقبل.

ثانيا: الإخلال بشرط عدم المنافسة.

الأصل أنه لا يسوغ للشريك منافسة الشركة والقيام بأعمال شبيهة لنشاطها الأساسي، وحدود هذا المنع تختلف بين ما إذا كان يؤطّرها نص القانون أم بنود الاتفاق بين الشركاء، إمّا في النظام الأساسي للشركة أو في عقد لاحق، لكن الغالب أن جلّ التشريعات تضمّن نصوصها مثل هذا المقتضى، الذي يصطلح عليه ب "شرط عدم المنافسة"، وجميع التشريعات التجارية المقارنة أجمعت كلها على منع الشريك من القيام لحسابه أو لحساب الغير، بأعمال شبيهة بأعمال الشركة بدون موافقة الشركاء، إذا كانت هذه المنافسة تضرّ بالشركة.

فإذا خالف هذا الواجب، حق للشركاء إما أن يطالبوه بالتعويض، أو أن يتخذوا لحسابهم الأعمال التي ارتبط بها، ويطلبوا الأرباح التي حصل عليها ولا يمنع ذلك الشركاء من إخراجه من الشركة[1].

فمساهمة الشركاء في العمل المشترك تقتضي بامتناع الشريك عن القيام بأي عمل يضرّ بصالح الشركة بطريق مباشر، أو غير مباشر، سواء أكان العمل الذي قام به هم لحساب الغير[2].

بل أن إتيان مثل هذا السلوك هو تصرف يضرّ بالشركة، ويخالف نيّة "المشاركة" والشريك يعتبر مخطئا وتترتب على خطأه هذا مسؤوليته نحو الشركة، لأن فيه إيثار لمصلحته الشخصية على مصلحة الشركة[3].

لقد أدلى نائب المستأنف بمذكرة تعقيبية، من بين ما جاء فيها أن المستأنف عليه خلق مشروعا ينتج نفس المواد التي تنتجها الشركة وفي مقرّ لا يبعد سوى خطوات عن مقرّها وأنه اصبح يسوّق منتوجه وكأنه من صنع الشركة، لذلك فإنه يتشبّث بحلّ الشركة حتى ينفرد لوحده بإنتاج وتسويق المواد التي تنتجها الشركة.

وعليه، إن كان قرار محكمة الاستئناف صائبا في مجموعه مما وصل إليه من نتيجة تؤيد مضمون الحكم الابتدائي وتنادي بحلّ الشركة لوجود خلافات خطيرة ومعتبرة بين الشركاء، إلا أنه كان قاصرا في تعمّده عدم الجواب عن الدفع المقدّم من طرف المستأنف والبحث في جدّيته، لأن من شأن الكشف عن وجود نشاط موازي لنشاط الشركة يمارسه أحد الشركاء ، ما هو في الأصل إلى تأكيد لوجود خلافات وعد انسجام بين هم مما ينفي معه أي وجود لمفهوم المشاركة أو نيّتها بين الطرفين.

وإن كان هكذا حكم ما هو إلا تحصيل ما تم التوصل إليه في الحكم الابتدائي من ضرورة حلّ الشركاء واستحالة استمراريتها بين الطرفين. فهو في الآن نفسه سيمكّنه، حالة مناقشة الدفع المتعلق بخرق شرط عدم المنافسة، من إصباغ عدالة أكثر على حيثياته، مادام أن التساؤل يبقى مشروعا عن استبعاد مناقشة الدفع السابق، وما دام أن في تحقّقه إقرار لمسؤولية الشريك المنافس، خاصة أنه الطرف المبادر والمتمسّك بطلب الحلّ. وإن كان لتمسّكه ما يبرره كما ورد بحيثيات القرار والتي جاء فيها: " وحيث أنه أمام هذا الوضع الذي يوجد فيه الشريكين في مواقف مختلفة وصلت إلى حدّ تغيير الأقفال وعدم توفر المستأنف عليه على نسخة من المفاتيح فإن طلب الحلّ مبرر لأنه يستحيل مواصلة إدارة الشركة وتسيير شؤونها وبالتالي فإنه لا يمكن تحقيق مصالح الشركاء لذلك فإن تعليل المحكمة الذي اعتبر الطلب مؤسّس جاء مسايرا لوثائق الملف ولم يخرق أي مقتضيات واجبة التطبيق". فالأمر في نفس الوقت يعدّ دليلا، حالة إثباته، عن تحقق ضرر ناتج عن خطأ موجب للمسؤولية.

خاصة وأن إعمال الفصل 1056 من ق ل ع يوجب ألا يكون المدعي – رافع الدعوى – هو المتسبّب في حدوث هذه الخلافات الخطيرة. وهو ما قد يكون حالة هذه النازلة إذا ما ثبت ادعاء ممارسة الشريك الثاني لنشاط ينافس به نفس نشاط الشركة المطلوب حلّها.

الخاتمة:

إن خير ما نختم به هذا التعليق المتواضع بمناسبة هذه الدراسة، هو ما أورده دفاع المستأنف حول هاجس استمرار المقاولة. حيث جاء فيه ما يلي: "إن السياسة التشريعية الجديدة باتت تحتّم إعطاء صلاحيات للقضاء فوق البت في المنازعات إلى إيجاد الحلول الضرورية للمحافظة على استمرار استغلال المقاولة والمحافظة على مناصب الشغل بها من خلال الصلاحيات التي أوكلها المشرع لجهاز القضاء بمقتضى مدونة التجارة.

وهذا المنحى خالفه المطعون فيه إذ لم يأخذ بعين الاعتبار لا حياة الشركة المستقلة عن مؤسسيها و لا مصالحها الاقتصادية و لا مصالح مستخدميها واعتبر قاضيا على هذه المقاولة لا منقذا لها".

إن القضاء التجاري لما له من اختصاصات تبقى له الصلاحية للتدخل في حياة الشركة للحفاظ على مصلحتها العليا باعتباره عنصرا يساهم في تنمية الاستثمار والحفاظ على كافة المراكز القانونية.

وهكذا نجد بأن القضاء التجاري له رقابة بعدية على نشاط الشركة سواء من حيث التصدي لحالة تعسّف الأغلبية وحماية حقوق الأقلية أو تفعيل مؤسسة خبرة التسيير من خلال السلطة التقديرية المحكمة التجارية للأمر بخبرة التسيير للاطلاع على الوضعية المالية للشركة وحماية حقوق الشركاء[4].



[1] - ينص الفل 1004 من ق ل ع على أنه: "لا يسوغ للشريك، بدون موافقة باقي شركائه، أن يجري لحسابه أو لحساب أحد من الغير، عمليات مماثلة للعمليات التي تقوم بها الشركة، إذا كانت هذه المنافسة من شأنها أن تضر بمصالحها. فإن خالف الشريك هذا الالتزام كان لباقي الشركاء الخيار بين مطالبته بالتعويض، وبين أخذ العمليات التي قام بها لحسابهم واستيفاء الأرباح التي حققها، وذلك كله مع بقاء حق الشركاء في طلب إخراج الشريك المخالف من الشركة. ويفقد الشركاء رخصة الاختيار بمضي ثلاثة أشهر، وعندئذ لا يبقى لهم إلا طلب التعويض، إن كان له موجب".

[2] - وهناك استثناء يشمل حالة الشريك الذي كان قبل انتماءه للشركة يمارس نشاطا يدخل في الأعمال التي تمارسها الشركة وبعلم كافة الشركاء، ولم يطلبوا إليه أن يترك هذا العمل عند دخوله للشركة، لأن الشركاء، بعدم مطالبتهم الشريك بترك العمل الذي يمارسه، يعتبر أنهم كانوا موافقين ضمنا على استمراره فيه.

[3] - إن نية المشاركة ليست إلا تعبيرا عن الالتزام العام في عقد الشركة بمبدأ "حسن النية". ففي عقد الشركة كما في كل العقود يتوجب على أطراف العقد ممارسة حقوقهم وتنفيذ التزاماتهم حسب القواعد التي تفرضها حسن النية. بل تم التأكيد أحيانا على أن مبدأ حسن النية يعتبر ضروريا في مجال الشركات أكثر منه في أي مجال آخر، لذلك ينبغي استعماله بإفراط، إذا أمكن القول بأنه توجد حالات يمكن أن يكون فيها إفراط في تطبيق هذا المبدأ. عبد الواحد الحمداوي. تعسف الأغلبية في شركات المساهمة. مطبعة الأمنية. الرباط. ص77.

[4] - ولتوضيح الدور الإيجابي للقضاء التجاري في التعامل مع قضايا منازعات الشركاء في الشركات التجارية فقد ارتأينا الحديث عن نازلة عرضت على المحكمة التجارية بالدار البيضاء بمناسبة مراقبة المحكمة حق عدم التعسف في طلب حلّ الشركة خاصة وأن المساهمين عبّروا عن استعدادهم لرفع رأسمالها بعدما استهلك رأسمالها ومما جاء في حيثيات الحكم التجاري: "...وحيث إن المدعين الذين عبّروا عن رغبتهم في إنقاذ الشركة والزيادة في رأسمالها اصطدموا برفض المدعى عليه التصويت على قرار الزيادة وهذا الرفض تبين للمحكمة أن المقصود منه هو تحقيق مصلحة شخصية على حساب الشركة والمدعى عليها وصل إلى درجة الخصومة القضائية بعد أن امتنعت المدعى عليها من تمكين الشركة من مبالغ مالية مهمة بلغت برسم الاتفاق المذكور...فعرض الأمر على القضاء في الملف التجاري رقم...

وحيث إن هذا الموقف يعتبر تعسّفا في استعمال حق التصويت بعد ثبوت تعارض مصلحة الشركة ومصلحة المدعى عليها لا يجد أي أساس في طرق تدبير التسيير أو السياسات العامة لها بقدر ما يخفي رغبة في وضع حد لها تحقيقا لمصلحة شخصية وهي التخلص فعليا من الاتفاق التجاري.

وحيث إن التعسّف في استعمال الحق هو من موجبات المسؤولية المدنية والتعويض.

بقلم ذ مولاي حفيظ علوي قاديري
دكتور في القانون الخاص تخصص قانون الأعمال أستاذ بكلية الحقوق مراكش
 


أعلى الصفحة