//

 
القانون العام

بقلم ذ خليل سعدي
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري
تحت عدد: 280
مقدمة: شهد المغرب تسعة برلمانات بين عامي 1963

و2011، وباستثناء الفترة الوجيزة التي حلت فيها المؤسسة الملكية البرلمان، فقد ظل موجود باستمرار، ومن دستور إلى آخر تعززت سلطاته. وكانت البرلمانات الأولى ما عدا البرلمان 1963 تعتبر شكلية اقتصر دورها على الاستشارة وإصدار القرارات المتخذة خارجها، وتعززت صلاحيات البرلمان بالإصلاح الدستوري عام 1996 الذي أنشأ نظام المجلسين التشريعيين للحلول مكان البرلمان أحادي المجلس[1].

وكتعبير عن هذا التغيير في دور البرلمان، ما تضمنته الوثيقة الدستورية لسنة 2011 حيث وسعت من مجال القانون وخولته عدة صلاحيات في مجال الرقابة على العمل الحكومي ومنحت المعارضة وضعية متميزة وحقوقا متعددة بغية النهوض بالعمل البرلماني والرفع من جودة القوانين والسياسات العمومية التي يتولى تشريعها، ولم تعد مسؤوليته تنحصر فقط في مناقشة السياسات العمومية بل أضحت مسؤولية التقييم أساسية ، حيث حضت هذه الوظيفة بالتقعيد الدستوري (الفصل 70)[2]، كما تجدر الإشارة إلى أن وظيفة التقييم شكلت مطلبا أساسيا في مذكرات الأحزاب السياسية والهيئات النقابية والمنظمات المدنية التي تم رفعها للجنة التي كلفت من قبل الملك بإعداد دستور 2011[3].

 ودراسة دور البرلمان في مجال تقييم السياسات العمومية تستلزم محاولة الإجابة عن عدد من الأسئلة ذات الأهمية المنهجية والعملية:

ما هي الإمكانيات الموضوعة أمامالبرلمان لتقييم السياسات العمومية ؟ وإلى أي مدى يساهم البرلمان في تقييم السياسات العمومية؟

وما هي الكفاءات التي يتعين أن تتوفر لدى الفاعل السياسي للتقييم الموضوعي السياسات العمومية؟ ثم هل سيمكن الدستور الجديد من نقل البرلمان من منظومة برلمانية رقابية تقليدية إلى منظومة برلمانية تقييمية حديثة؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة، يجعلنا نفترض أن آليات العقلنة البرلمانية التي استلهامها المشرع  الدستوري من نظيره الفرنسي تساهم في إضعاف دور البرلمان فيمجال تقييم السياسات العمومية، كما يمكن افتراض أن البرلمان المغربي يتوفر علىقدرات محدودة لتقييم السياسات العمومية المطبقة من قبل الحكومة لأسباب تقنية وضعف الولوج إلى المعلومات ونقص في الموارد البشرية.

وعليه سيتم الإجابة عن هذه الإشكاليات من خلال المحاور التالية:

المحور الأول: الإمكانيات الموضوعة أمام البرلمان في تقييم السياسات العمومية؛

المحور الثاني: مدى مساهمة البرلمان في تقييم السياسات العمومية؛

المحور الثالث: تقييم السياسات العمومية من خلال قانون المالية وقانون التصفية.   

****************

المحور الأول: الإمكانيات الموضوعة أمام البرلمان في تقييم السياسات العمومية.

هنا يبدو من الأهمية أن نقوم بذكر المقتضيات المعيارية المتعلقة بالآليات التي يتوفر عليها البرلمان المغربي لتقييم السياسات العمومية، لكن قبل ذلك لابد من ذكر وبشكل مختصر تقييم السياسات العمومية في بعض الأنظمة المقارنة:

1-    تقييم السياسات العمومية بعض الأنظمة المقارنة:

بشـكل غـير قابـل للتجـاوز، تبقـى الحالة الأمريكية، في مجال التقييـم متقدمة بقـوة علـى باقـي التجـارب، إذ أن الممارسة تعكـس تراكمـا مـن الانجاز والسـبق، فقـد ظهـر التقييـم في مطلـع القـرن المنصرم، كمحاولـة لإخضاع القـرار العمومـي لنـوع مـن العقلانية العلميـة،  وفي هذا السـياق ينبغي اسـتحضار المكانة المركزية للمكتب العام للحسـابات  GAOمن الناحيـة المؤسساتية والـذي يعـد وكالـة تابعـة للكونغرس، والمتمتع تبعـا لذلـك باستقلالية تامـة عـن الجهاز التنفيـذي، وبقـوة هائلـة علـى مسـتوى الموارد البشـرية والمالية الـتي يسـتطيع تعبئتهـا، وتـأتي التجربـة البريطانية في مسـتوى ثـان وإن كانـت ليسـت بالعمـق التاريخي كما هو في التجربة الأمريكية، فهـي تنـدرج في محيط مؤسساتي مغايـر، إذ يتموقـع التقييـم داخـل السـلطة التنفيذيـة، وتنشـطه وزارة رائـدة هـي وزارة المالية، ورغـم ذلـك فأوجـه التشـابه موجـودة بـن التجربتين علـى صعيـد المرجعية المنهجية والمذهبية، وقـد تأثـر حقـل التقييـم في هـذه الحالة بعـودة الاهتمام بـأدوات القيـاس داخـل العلـوم الاجتماعية منـذ مطلـع الثمانينـات، وبالجدل الكبـير حـول مـا عرفـه تخفيض النفقـات العموميـة، ثم بظهـور عـدد مـن المقاربات والأفكار حـول التسيير العمومـي، وحـول التدبـير العمومـي الجديد[4]. وتعتبر تجربة التقييم للبرلمان البريطاني مهمة ويعود الفضل في هذا إلى لجنة المراقبة العامة (PAC)التي تعتمد في أعمالها على إنجازات ميدانية يوفرها المكتب الوطني للإفتحاص(NAO) ، ويركز المكتب الوطني على تقييم النجاعة المالية للسياسات العمومية أكثر من تقييم فعاليتها.

أما في فرنسا وبعد مسار تاريخي انطلق في بداية الثمانينات مع تجربة المكتب البرلماني لتقييم الاختيارات العلمية والتقنية (OPECST) كمكتب مشترك بني غرفتي البرلمان الفرنسي، عمد هذا الأخير بعد ذلك إلى خلق مكاتب أخرى متخصصة موضوعاتيا إلى أن استقرت التجربة البرلمانية الفرنسية في موضوع التقييم ابتداء من سنة 2009 وذلك بإسناد هذه المهمة للجنة التقييم والمراقبة. (CEC) 

وبخصوص بلجيكا، يعتمد البرلمان البلجيكي في مهمته التقييمية كليا على المجلس الأعلى للحسابات الذي يعتبر شبه تابع للبرلمان حيث أن تعين أعضائه يكون من طرف البرلمان، أما في سويسرا فقد أنشأ البرلمان الفيدرالي السويسري مؤسسة برلمانية لمراقبة الإدارة  (OPCA)  في بداية  التسعينات وجعل من مهامها الرئيسية تقييم الأداء العمومي لفائدة اللجان البرلمانية[5].

2-   الممارسة البرلمانية في تقييم السياسات العمومية:

تظل لحظة دسـتور 2011 حاسمة في مسـار التقييـم في المغرب، عبـر إقرارهـا لفكـرة مهيكلـة لـكل البنيـة المؤسساتية هـي ربـط المسؤولية بالمحاسبة، وعبـر دستـرة وظيفـة التقييـم كصلاحية برلمانية أصليـة، حيث نص الفصل 70 من دستور 2011 في فقرته الثانية "يصوت على القوانين ويراقب عمل الحكومة، و يقيم السياسات العمومية"[6]، فلم تعد مسؤولية البرلمان التوقيع على النصوص، ولا ممارسة الرقابة على الحكومة عبر الآليات التقليدية، ولا مسؤولية مناقشة السياسات العمومية لما يتم  تحضيره من مشاريع ومخططات من قبل الحكومة، بل أضحت مسؤولية تقييم السياسات العمومية من طرف مؤسسة البرلمان وفق مقتضيات دستور 2011 مسؤولية أساسية، حيث  أصبح يستأثر البرلمان بآليات مختلفة تتجه نحو حصوله على معلومات تسلط الضوء على العمل الحكومي ومراقبته وتقييمه ويمكن رصدها على الشكل التالي:

 

 

أ‌-       الجلسة السنوية لمناقشة السياسات العمومية: 

     نص الفصل 101 من الدستور الجديد في فقرته الثانية على: "تخصص جلسة سنوية من قبل البرلمان لمناقشة السياسات العمومية وتقييمها"[7]، وذلك بهدف التعرف على نتائج السياسات والبرامج العمومية، وقياس تأثيراتها على الفئات المعينة بها، ومدى تحقيقها للأهداف المتوقعة وتحديد العوامل التي أدت إلى بلوغ هذه النتائج، وتتم هذه العملية انطلاقا من إجراء أبحاث وتحاليل خلال النصف الأول من دورة أبريل كموعد لانعقاد الجلسة، ويقوم مكتب المجلس بتحديد السياسات العمومية المراد تقييمها في مستهل دورة أكتوبر من كل سنة تشريعية، وذلك بناء على اقتراح من رؤساء الفرق والمجموعات النيابية، وبعد تحديدها تبلغ إلى رؤساء الفرق والمجموعات النيابية، وتتم إحاطة الرئيس بذلك فورا[8].

ب-الجلسة الشهرية أمام البرلمان لمناقشة السياسة العمومية:

يندرج عقد الجلسة الشهرية في سياق تنزيل مقتضيات الدستور حيث تنص الفقرة الثالثة من الفصل 100 من الدستور الجديد، على أنه "تقدم الأجوبة على الأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة من قبل رئيس الحكومة، وتخصص لهذه الأسئلة جلسة واحدة كل شهر، وتقدم الأجوبة عنها أمام المجلس الذي يعنيه الأمر خلال الثلاثين يوما الموالية لإحالة الأسئلة على رئيس الحكومة"، كما يأتي انعقاد هذه الجلسة تطبيقا لأحكام المادتين 157 و160 من النظام الداخلي للمجلس. ويشكل انعقاد هذه الجلسة من ضمن المستجدات التي تهدف إلى تعزيز وإغناء  أعمال مجلس النواب بحيث أقر النظام الداخلي للمجلس مقتضيات جديدة تتعلق أساسا بحضور رئيس الحكومة مرة كل شهر إلى مجلس النواب، ومناقشة تقارير بعض المؤسسات والهيئات الوطنية سواء في اللجان الدائمة أو في الجلسات العامة، وتنص المادة 157 من النظام الداخلي للمجلس، بالخصوص، على أنه "تحدد باتفاق مع الحكومة جلسة واحدة كل شهر للأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة الموجهة إلى رئيس الحكومة، وتقدم الأجوبة عنها خلال الثلاثين يوما الموالية، لإحالة الأسئلة على رئيس الحكومة، وفقا لأحكام الفصل المائة من الدستور"[9]، أما المادة 160 من النظام نفسه فتؤكد أنه "تخصص جلسة واحدة كل شهر لتقديم أجوبة رئيس الحكومة على الأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة"[10].

ت-لجان تقصي الحقائق كأداة لتقييم السياسات العمومية:

يعد تشكيل اللجان النيابية لتقصي الحقائق آلية من آليات تقييم العمل الحكومي، وبخلاف الدساتير السابقة، فإن الدستور الحالي سمح في فصله 67 بتقديم طلب تشكيل هذه اللجان من طرف ثلث أعضاء أحد المجلسين، شرط أن لا يتم تشكيلها في وقائع تكون موضوع متابعات قضائية، وأضيف إلى اختصاصاتها جمع المعلومات المتعلقة بتدبير المصالح، عوض اقتصارها على جمع المعلومات المتعلقة بوقائع معينة فقط، ويذكر أن مهمة لجان تقصي الحقائق كانت تنتهي بإيداع تقريرها للمجلس في إطار دستور 1996، لكن مع  التعديل الدستوري الجديد جعل مهمتها تنتهي بإيداع تقريرها لدى مكتب المجلس وعند الاقتضاء  إحالته إلى القضاء من قبل رئيس هذا المجلس،

وتعتبر هذه اللجان التي يستعين بها البرلمانيون من أجل تجميع المعلومات اللازمة عن مختلف القطاعات الوزارية، أو الوصول إلى وقائع معينة، أو بالوقوف على طرق تسيير المرافق العمومية، وعلى أساليب استعمالها للمال العام، وسيلة تشكل المرحلة الأولى في تقييم السياسات العمومية، فحق البرلمان في تقصي الحقائق ينبع من فكره مفادها، أن على الحكومة تنوير البرلمان حول كل الوقائع التي ادعت اتخاذ التدابير من طرفها[11].

3-   المؤسسات المساعدة للبرلمان في تقييم السياسات العمومية:

أ-دور المجلس الأعلى للحسابات في تقييم السياسات العمومية:

أصبح للبرلمان إمكانية اللجوء إلى المجلس الأعلى للحسابات حيث نص دستور 2011 في الفقرة الأولى من الفصل 148: " يقدم المجلس الأعلى للحسابات مساعدته للبرلمان في المجالات المتعلقة بمراقبة المالية العامة، ويجيب عن الأسئلة والاستشارات المرتبطة بوظائف البرلمان في التشريع والمراقبة والتقييم المتعلقة بالمالية، وعليه يكون المشرع قد كرس إلزامية تفاعل المجلس الأعلى للحسابات مع البرلمان في جميع المجالات المتعلقة بمراقبة المال العام، والرد على أسئلة واستشارات البرلمان، ويذكر أن المجلس الأعلى للحسابات كان يحظى بالمراقبة فقط على المالية العامة سابقا، لكن مع التعديل الدستوري أصبح يضطلع بكل الأدوار الموكولة إليه بما فيها تقييم السياسات العمومية.

وتعتبر التقارير الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات والتي أثارت نقاشا واسعا حول تدبير المالية العمومية على مستوى القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية من أهم آليات الرقابة السياسية على المال العام، على اعتبار أن ملاحظات وخلاصات المحاكم المالية فضحت خروقات هائلة كانت طي الكتمان فيما مضى، وأطلعت الرأي العام على تفاصيل دقيقة تهم اختلالات التسيير وسلطت الضوء على فضائح بالجملة على المستوى المالي والتدبيري وبالتالي تعتبر هذه التقارير آلية لتقييم للسياسات العمومية.

 

ب-دور المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في مساعدة البرلمان:

ينص الفصل 152 من الدستور على: " للحكومة ولمجلس النواب والمستشارين أن يستشيروا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في جميع القضايا، التي لها طابع اقتصادي واجتماعي وبيئي"، وبالتالي يطلع المجلس الاقتصادي والاجتماعي بمهام استشارية لدى الحكومة والبرلمان حيث يقوم بإبداء الرأي في التوجهات العامة للاقتصاد الوطني و التنمية المستدامة، كما يقوم بإبداء الرأي في جميع القضايا الأخرى ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ويحلل الظرفية ويتتبع السياسات الاقتصادية والاجتماعية والوطنية والدولية وانعكاساتها و يقدم اقتراحات في جميع الميادين وييسر ويدعم التشاور بين الفرقاء الاقتصاديين والاجتماعيين والمساهمة في بلورة ميثاق اجتماعي إلى جانب هذا يقوم بإنجاز دراسات وأبحاث في ميادين مرتبطة بممارسة صلاحياته ، وبالتالي يمكن لهذه الإجراءات السالفة الذكر أن تنير الطريق أمام البرلمان لتتبع وتقييم السياسات العمومية التي تنجزها الحكومة.

 

المحور الثاني: مدى مساهمة البرلمان في تقييم السياسات العمومية.    

ظل البرلمان المغربي بعيد عـن أي اهتمـام بمجـال التقييـم، وقد عـانى بشـكل مـزدوج مـن إطـار البرلماني المعقلن المستوحى مـن هندسـة الجمهورية الفرنسـية الخامسة مـن جهـة، ومـن ممارسة برلمانية لا ترقى لمستوى التقييم بفعل عوامل داخلية وخارجية عن المؤسسة البرلمانية.

1 - برلمان معقلن يحد من تقييم السياسات العمومية.

     منذ البدء وجد النظام المغربي نفسه موصوفا بالنظام البرلماني المعقلن، الذي أصبح يتحرك على أساس قاعدة صلبة مفادها: "أن الحكومة تتوقع وتوجه، والبرلمان يراقب"، وبموجب هذه القاعدة عملت الدساتير المتعاقبة في جل الأنظمة البرلمانية بالاعتراف للحكومة بالتحكم في سير عمل البرلمان[12]، حيث كان لدستور الجمهورية الفرنسية الخامسة الفضل في التأسيس لعقلنة برلمانية محكمة، قبل أن يتم استنساخ آلياتها بشكل كلي من طرف مهندسي الوثيقة الدستورية لسنة 1962 وغيرها من الوثائق التي تلتها،وفي ظل هذه الهندسة الدستورية المعقلنة، أصبح البرلمان موصوف بأنه لا يقوم بأدواره كاملة، سواء في مجال التشريع حيث تحول إلى غرفة لتسجيل الإعداد المتتالي للنصوص التي يعدها التكنوقراطي في الإدارة لفائدة الحكومة،[13]وفي مجال المراقبة عرف نشاطه انحصارا بينا بسبب غياب الفعالية والتأثير، ويزداد الأمر تعقيدا إذا ما استحضرنا المراقبة المفروضة عليه خارجيا والتي تجعله غير مستقل في أداء أدواره التمثيلية والتشريعية والرقابية، كل هذا يفسر خيبات الأمل التي طبعت نظرة قطاعات واسعة من المجتمع إلى المؤسسة البرلمانية، والى نشاطها بشكل عام، ومن إمكانية تأثيره في الحقل السياسي المغربي.[14] هذه الوضعية ساهمت  في تكريس  الصورة  المتواضعة  للمؤسسة التشريعية  بشكل بدت فيه  هذه الأخيرة  وكأنها ليست المكان الأساس لممارسة سلطتها بصفة عامة وسلطة  تقييم السياسات العمومية بصفة خاصة، إذ انحصرت  وظيفتها في أدوار تمثيلية  ورمزية محدودة  بل ذهب إلى اعتباره ذلك ليس إلا لأجل بناء المخيال السياسي،

2-ممارسة برلمانية لا تساهم في تقييم حقيقي:

تعد الممارسة خصوصا الفعل الرقابي للبرلمان المجال الخصب الذي ترتفع فيه أسهم أداء البرلمانيين لتقييم السياسات العمومية، لكن هذه الممارسة البرلمانية  اتبثث العديد من الممارسات التي لم ترتقي إلى عمق التقييم والتي تكررت بشكل كبير وكان لها الأثر المباشر على تقييم السياسات العمومية ويمكن إجمالها في:

·       اللجوء المكثف نحو استعمال الأسئلة الشفوية لأنها تبقى الوسيلة اليسيرة لإحراج الحكومة خصوصا وأنها تحظى بالتغطية الإعلامية؛

·       طريقة تقديم هذه الأسئلة حيث أضحت عبارة عن إجراء روتيني غير ذي جدوى أو فائدة، نظرا لطبيعة المواضيع والقضايا التي تطرحها وهي في الغالب مكررة وغير مغرية من حيث قيمة القضايا التي تثيرها؛

·       الكثير من الأسئلة تظهر أن البرلماني غير متتبع للتطورات بخصوص القضايا التي هي محل التساؤل مما يسبب الكثير من الإحراج للعديد من البرلمانيين؛

·       هيمنة البعد المحلي على مضامين الأسئلة الشفوية مما يكرس تلك الفكرة السائدة حول البرلماني في المغرب كونه مجرد "برلماني الخدمات"، فهذه الأسئلة موجهة أكثر نحو كسب ود الناخبين في الدائرة الانتخابية، أي تحركها بالدرجة الأولى "المصلحة الانتخابية". ؛

·       لجوء الحكومة في كثير من الأحيان إلى حجب المعلومات عن البرلمانيين فيما يتعلق بقضايا محددة ومعينة ترى في الكشف عنها ما قد يشكل صك اتهام أو إدانة من طرف الرأي العام الوطني.

 وما يساهم في إفراغ الأسئلة من محتواها هو لجوءها إلى فرض سياسة الأمر الواقع بخصوص طريقة تدبير بعض المشاكل وتبرير فشلها بوجود ظروف قاهرة تستعصي على المواجهة، أو ربط هذا الاستعصاء في إيجاد الحلول في اعتبارها تركة موروثة عن الحكومات السابقة.

وبخصوص الجلسة الشهرية لرئيس الحكومة كإجراء رقابي جديد يساهم في تقييم وتقوييم السياسات العمومية، عرفت بدورها جملة من الاختلافات، حيث خلق خلافات واسعة بين رئيس الحكومة والمعارضة من حيث الوقت المخصص للفرق البرلمانية المتدخلة، والوقت المخصص لرد رئيس الحكومة، وأيضا على مستوى طريقة تدبيرها من طرف الفرق البرلمانية، حيث شهدت نوع من الرتابة، وشكلت صورة طبق الأصل من الجلسات المخصصة للأسئلة الشفوية من حيث التكرار والروتين وانعدام التواصل بين الحكومة والمعارضة البرلمانية[15]، وانتقلت هذه الإلية من لحظة لتبادل الآراء والنقاش العمومي حول بعض القضايا الراهنة التي تهم المجتمع، وكذا لما تمثله من تنزيل فعلي لمقتضيات الدستور الجديد وربط المسؤولية بالمحاسبة وفرصة سانحة للتواصل المثمر بين الحكومة ونواب الأمة ومن خلالهم المواطنين، إلى وسيلة لتصفية الحسابات الحزبية والسياسية، وبعث الرسائل إلى خارج البرلمان، ووسيلة لاستمالة الناخبين.

وبخصوص لجان تقصي الحقائق فإذا ما استحضرنا ما آلت إليه العديد من التقارير، التي أنجزت من قبل لجان نيابية لتقصي الحقائق في ظل الدساتير السابقة، وفي قضايا مختلفة، كقضية القرض العقاري و السياحي، وقضية الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وقضية مكتب التسويق و التصدير والفيضانات التي شهدها المغرب في جنوبه، يتضح جليا بأن تكوين لجان لتقصي الحقائق من قبل أحد مجلسي البرلمان، تعد مبادرة محدودة الوقع وقليلة الأثر، كما يرجع السبب في عدم فعالية هذه اللجان أولا في رفع النسبة الواجب توفرها لتشكيل هذه اللجان رغم كونها قد انخفضت مقارنة مع دستور سنة 1996. وثانيا في ضرورة إيقاف التحقيق في أية وقائع معينة بمجرد فتح تحقيق قضائي، كما أن إحالة التقرير بعد انتهاء اللجنة من عملها على أنظار الجهات القضائية المختصة، لا يعد شرطا واجب الاحترام، و إنما هو مجرد إمكانية، يمكن اللجوء إليها، كما يمكن طي الملف ووضعه في رفوف المجلس الذي تشكلت في إطاره لجنة تقصي الحقائق، ويتم الاكتفاء فقط بعقد جلسة عمومية في المجلس المعني لمناقشة التقرير، دون أن تترتب عن ذلك أية نتائج سياسية قد تهدد استمرارية الحكومة في ممارسة عملها وبالتالي تبقى مسألة التقييم موقوفة التنفيذ.

ومن جهة أخرى، فإن دور المجلس الأعلى للحسابات يجب أن يرتقي عمله من مجرد مؤسسة تقوم عمليا بالتفتيش وجزئيا بالتدقيق، إلى مؤسسة تضطلع بعملية تقييم البرامج والسياسات العمومية، وهنا يجب دعم عملية التدقيق في المشاريع بالتقييم، وذلك بالتنسيق والتعاون مع البرلمان ، كما يجب الانتقال من تدقيق مطابقة التدبير للقوانين إلى تدقيق عمل الأجهزة ومدى مطابقتها لحسن التدبير وتقييم فعالية النتائج وتقدير آثارها على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية وغيرها.

المحور الثالث: تقييم السياسات العمومية من خلال قانون المالية وقانون التصفية.

يسـتمد النقـاش حـول القانـون المالي أهميته البالغـة مـن الـدور الحيوي للميزانيـة العامـة للدولـة في تصريف السياسـة الحكومية في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية...فالميزانية بشـكل عام تعد أهم أداة بيد الحكومة لبلوغ أهدافها التنموية وتعكس السياسة الاقتصادية والاجتماعية المنتهجة، ولهذا فمناقشة القانون المالي تحظى باهتمام كبير من قبل كل الفاعلين من ملك وحكومة وبرلمان ومواطنين و مستثمرين،

إلا أن لحظة مناقشة مشاريع قوانين المالية التي تحيلها الحكومة على البرلمان، تبرز العديد من الإشكاليات، فالبرلمانيون يجدون أنفسهم أثناء المناقشة العامة لهذه المشاريع أو مناقشة مشاريع الميزانيات القطاعية داخل اللجان، في حاجة إلى تجاوز المنطق الرقمي الإحصائي والموازناتي، لمناقشة وتقييم الاستراتيجيات والمخططات القطاعية العابرة للسنوات والميزانيات والحكومات، قبل تخصيص اعتمادات مالية جديدة لها، غير أن واقع الحال ينبئ عن عدم توفر البرلمانيين على الإمكانيات والخبرات والوسائل اللازمة للقيام بهذا العمل[16].

وبالرغم من أهمية القانون المالي، حيت ينص الفصل 75 من الدستور، " يصدر قانون المالية الذي يودع بالأسبقية لدى مجلس النواب، بالتصويت من قبل البرلمان"، غير أن دور البرلمان بخصوصه، يعتبر متواضعا ومحدودا، حيث " يصوت البرلمان مرة واحدة على نفقات التجهيز التي يتطلبها في مجال التنمية، إنجاز المخططات التنموية الإستراتيجية، والبرامج متعددة السنوات، التي تعدها الحكومة وتطلع عليها البرلمان، وعندما يوافق على تلك النفقات، يستمر مفعول الموافقة تلقائيا على النفقات طيلة مدة هذه المخططات والبرامج، وللحكومة وحدها الصلاحية لتقديم مشاريع قوانين ترمي إلى تغيير ما تمت الموافقة عليه في الإطار المذكور. و" إذا لم يتم في نهاية السنة المالية التصويت على قانون المالية، أو لم يصدر الأمر بتنفيذه، بسبب إحالته إلى المحكمة الدستورية تطبيقا للفصل 132 من الدستور، فإن الحكومة تفتح بمرسوم الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية، والقيام بالمهام المنوطة بها، على أساس ما هو مقترح في الميزانية المعروضة على الموافقة".

ومن خلال هذه المقتضيات الدستورية يتضح جليا، بأن اختصاصات البرلمان في المجال المالي جد محدودة، حيث يلزم بالتصويت مرة واحدة عل نفقات التجهيز التي قد تهم عدة سنوات، ولا يمكنه إطلاقا تقديم أية مقترحات قوانين لتغيير ما تمت الموافقة علية في هذا الصدد، كما أن تأخر البرلمان في المصادقة على القانون المالي، يعطي للحكومة إمكانية التصرف بشكل مريح وكأنه تمت الموافقة عليه. هذا مع العلم بأن " للحكومة أن ترفض، بعد بيان الأسباب، المقترحات و التعديلات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان، إذا كان قبولها يؤدي بالنسبة لقانون المالية إلى تخفيض الموارد العمومية، أو إلى إحداث تكليف عمومي، أو الزيادة في تكليف موجود"، وهذا ما يجعل الدور البرلماني في مجال القانون المالي، دورا شكليا فقط.

       إضافة لقانون المالية، تتولى الحكومة عرض قانون التصفية على البرلمان بشكل سنوي، تبعا للفصل 76 من الدستور " تعرض الحكومة سنويا على البرلمان، قانون التصفية المتعلق بتنفيذ قانون المالية، خلال السنة الثانية التي تلي سنة تنفيذ هذا القانون، ويتضمن قانون التصفية حصيلة ميزانيات التجهيز التي انتهت مدة نفاذها"، ويمكن اعتبار هذا الأمر من أهم مستجدات الدستور الجديد في المجال المالي، حيث لم تكن الحكومات في الدساتير السابقة تقوم بعرض قانون التصفية على البرلمان في السنة الموالية التي تلي تنفيذ القانون المالي. وهذا ما أدى إلى تراكم العديد من قوانين التصفية، وغالبا ما يتم عرضها بعد سنوات متعددة من نفاذ القوانين المالية المتعلقة بها، الأمر الذي يفقدها راهنيتها ودورها، ولا يؤثر في عمل الحكومة، حيث أن العديد من قوانين التصفية السابقة، عرضت في فترات لاحقة بعد انتهاء مهمة الحكومات التي تقدمت بقوانين المالية المعنية بها[17].

     والواقـع يفرض وضـع أسـس علاقة أكثـر توازنـا بـن السلطتين التنفيذيـة والتشـريعية، في أفـق تمكن البرلمان مـن سـلطة حقيقيـة في مراقبـة المال العـام، وتدبيـر الميزانية وعبرهما تقييـم السياسـات العموميـة، سـلطة لا يمكن أن تسـتمد إلا مـن خـلال توسـيع مجالات تدخـل وتأثـر المؤسسة التشـريعية، في مناقشـة ومراقبـة تنفيـذ الميزانية، ويتـم ذلك حتمـا عبـر إغنـاء المعطيات المقدمة للبرلمان، تبسـيطها وتسـهيل الولـوج إليهـا مـن طـرف النـواب عبـر تمكينهم مـن تقاريـر تفصيليـة حـول جوانـب لازال يلفهـا الغمـوض في القوانين المالية، والمتعلقة بتفاصيـل تنفيـذ تلـك القوانين والنتائـج المتوقعة حتى يتسنـى مقارنـة الأهداف بالوسـائل المرصودة.

 مـن جهـة أخـرى، وفي أفـق تحسين تدخـل البرلمان في مراقبـة المالية العموميـة، ومسـائلة السـلطة التنفيذيـة بخصوصها، يتعين تطويـر شـكل تقديم الميزانيات القطاعيـة وتحويلها مـن ميزانيـات وزاريـة محضة، إلى ميزانيـات برنامجية تتوخـى تحقيق أهـداف مرتبطـة ببرنامج أو مخطط معـين، هـذا دون إغفـال ضـرورة الأخذ بعيـن الاعتبار المدى المتوسط والبعيـد في تدبـر ميزانيـة الدولـة، وبالتالي تمكين المشرعين مـن كل المعطيات الـتي تمكنهم مـن متابعـة تقـدم المشاريع والمخططات القطاعيـة الممتدة علـى أكثـر مـن سـنة ماليـة، في هـذا الإطار، يجيب التأكيـد علـى اعتمـاد "منطـق النتائـج"، علـى اعتبـار أنـه الوحيـد الكفيـل بخلق ثـورة حقيقيـة في نمط تدبيـر المالية العموميـة والانتقال بها مـن منطـق تدبير بيروقراطي، مبـني علـى تدبـير اعتمـادات عبـر صرفهـا وفـق جـداول زمنيـة واستهلاكية، إلى منطـق أكثـر عقلانية يضـع في صلـب اهتمامـه تحقيق نتائـج وأهـداف، وليـس اسـتنفاذ نفقـات واعتمـادات، كمـا هـو عليـه الحال واعتمـاده لتصـور حكومـي شمولي يسـهل سـن سياسـات عموميـة أفقيـة مندجمـة يتـم تنسـيقها علـى مسـتوى الحكومة ويسهل معها تقييمها[18].

 

 خاتمة:

جاء الدستور الجديد بمقتضيات جديدة تتعلق بوظيفة التقييم للسياسات العمومية من طرف البرلمان، لكن بقيت هذه الوظيفة معطلة لعدة أسباب كما ذكرناها سالفا، وغياب آليات فعلية تمكن البرلمان من ممارسة اختصاص مهم في تقييم السياسات العمومية يحتم اعتماد مرجعية معتمدة وإطار قانوني واضح المعالم وجهاز مستقل باختصاصات واضحة ومساطر واضحة  خاصة بتقييم السياسات العمومية، ويمكن في هذا المجالاستلهام تجربة اللجنة الأوروبية  و كذا تجربة الكونغريس الأمريكي في تقنين ممارسةهذا العمل بكل شفافية في إطار قانون 1946 الذي يعتبر lobbyingمهنة قائمة الذاتو يتعين تسجيل

 

...

بقلم ذ خليل سعدي
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري
 


أعلى الصفحة