قانون الأسرة

بقلم ذ محمد نعومي
طالب باحث في القانون والممارسات القضائية
تحت عدد: 133
تعتبر الأسرة أهم خلية في المجتمع على مر التاريخ فهي البنية التي يقوم عليها المجتمع وذلك لتأمين استمراره

 وشرع الله سبحانه وتعالى الزواج وجعله سنة دينه ومنهاج شريعته حيث جمع به بين الأرحام المنقطعة وانساب المتفرقة مصداقا لقوله تعالى في كتابه العزيز «وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا»[1]

فالزواج شرع لمصلحة المجتمع وكذلك لحفظ كيان الأسرة فهو وحده مناط التمييز بين الحلال والحرام، بين الشرعي وغير الشرعي في العلاقات، فالطابع الشرعي للزواج يفيد أن مجموعة من الأحكام (كحرمة النسب والمصاهرة والتوارث) وما يمكن استنتاجه أن الأسرة المغربية تتطور أكثر فأكثر من حيث الحجم والوظائف والأدوار، فالتطور الذي عرفته الأسرة المغربية في نهاية القرن العشرين لم يصاحبه تطور في التشريع المنظم للعلاقات الأسرية بل أصبح هذا التشريع عاجز عن معالجة العديد من المشاكل الناتجة عن الزواج وانحلاله كما أنه أدى إلى تفكيك الأسرة وتشريد أفرادها لأنه أصبح من الصعب خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين تغيير القانون المنظم للروابط الأسرية كما أن وضعية المرأة أصبحت في ظل هذا القانون من أهم المواد ذات حساسية عالية لأنها تشكل ملجأ للخصوصيات الوطنية وتتحكم فيها عدة اعتبارات دينية وثقافية في مقابل معايير النموذج الأممي التي أصبحت تفرض ذاتها في الوقت الراهن بحكم عالميتها وبحكم تبنيها من طرف منظمات دولية وقارية يعد المغرب عضوا فيها فهذا الموضوع له ارتباط بإشكالية "الأصالة والمعاصرة"، إشكالية الهوية والأهمية[2].

فحتمية مراجعة مدونة الأحوال الشخصية الصادر سنتي 1957 و1958 أصبحت تفرضها تفاعلات الواقع المتطور للمجتمع المغربي من جميع النواحي، أثرت بشكل مباشر على المسار التشريعي في المغرب ولكن هذا لا ينفي وجود عوامل خارجية أثرت بدورها على هذا المسار (كالعولمة، والاتفاقيات الدولية والمعاهدات والمؤتمرات التي تمخضت عنها) فالمملكة المغربية صادقت خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين على العديد من الاتفاقيات الدولية والمعاهدات والمؤتمرات التي تمخضت عنها)[3].

ومن المعلوم أن القانون الأسري المغربي مر بمراحل جد حاسمة فبعد حصول المغرب عن الاستقلال عرفت سنة 1957-1958 صدور مدونة الأحوال الشخصية التي دعى جلالة الملك محمد الخامس، إلى تشكيل لجنة من خيرة علماء وفقهاء المملكة إلى وضع مدونة للأحوال الشخصية وغربتها من الأعراف السائدة، آنذاك وقد جاء في دباجة ظهير أحداث اللجنة وحيث إن المادة الفقه الإسلامي بغزارتها ودقتها وتشعبها يمكن أن يؤدي النظر فيها إلى تأويلات عديدة.

وحيث إنه أصبح من الضروري الأكيد جمع أحكام الفقه الإسلامي في مدونة تسهل إجراء العمل وتطبيق مقتضياته ورعيا لما في ذلك من الفائدة للمتحاكمين والنتيجة الحسنة لضمان سير القضاء.

وبعد صدور مدونة الأحوال الشخصية على الشكل المذكور عمل المشرع على تحصينها بوسائل متعددة في مواجهة كل إصلاح حيث ظهرت حمايتها من خلال عدة نصوص قانونية تدعم نموذج العائلة الذي أقرته هذه المدونة كما أن الاجتهاد القضائي اقتصر في اغلب الأحيان على تطبيق قواعد المدونة متجاهلا نتائج الأبحاث العلمية خاصة في مجال النسب وبعد تطبيق مدونة الأحوال الشخصية بدأت بعد المطالب تطفو إلى السطح مما أدى إلى تهيئ مشروع لتعديل مدونة الأحوال الشخصية من طرف لجنة تتكون من رؤساء المحاكم وكانت الرغبة آنذاك ملحة على توحيد قانون الأحوال الشخصية بالنسبة لجميع المغاربة باستثناء القواعد الخاصة بالإرث[4].

وعقب صدور قانون توحيد الفضاء ومغربته بتاريخ 26 يناير 1965، قدم مشروع أخر لتعديل المدونة ولكنه ظل حبرا على ورق نظرا لحساسية موضوع الأسرة.

وبالإضافة إلى هاتين المحاولتين، هيأت اللجنة الملكية للتدوين مشروعا في 1979، وبتاريخ 5 ماي 1981 أعلن رسميا أنه جاهز ومع ذلك لم يطالب أي نائب برلماني بإحالة المشروع على البرلمان لمناقشته وإصداره، وبقي الحال على ماهو عليه حتى سنة 1993 والتي عرفت حراكا غير مسبوق على مستوى الشارع حيث انقسم إلى اتجاه محافظ يرفض المطالبة التي تقدمت بها بعض الجمعيات والفعاليات النسائية والاتجاه الحداتي الذي يرفض مدونة الأحوال الشخصية لأنهما تكرس مبدأ الأسرة الأبيسية والمجتمع ألذكوري، ونظرا للمكانة التي أصبحت تحتلها المرأة في المجتمع بدأت المطالبة بالتغيير وقد ازدادت حدة المطالبة بتعديل مدونة الأحوال وتصاعدت الأصوات النسائية الداعية إلى إنصاف نصف المجتمع وتوفير الضمانات لحماية الاستقرار داخل الأسرة ووقاية الأطفال من التشرد والإهمال[5].

فجاء إصلاح سنة 1993 الذي غير وتتم بعض الفصول من هذه المدونة فالإصلاحات التي أدخلت على مدونة الأحوال الشخصية كانت جزئية تمحورت بالأخص حول الطلاق والحضانة غير أنها لم ترضي الجمعيات النسائية التي اعتبرتها دون ما كانت تنادي به من تغييرات جدرية الشيء الذي جعلها لم تتوقف عن مطالبها في تغيير بنود المدونة ورفع الحيف عن المرأة وجعلها متساوية مع الرجل في الحقوق طبقا لما جاء في المواثيق الدولية والاتفاقيات الدولية.

ومنع ظهر مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية وبهدف هذا المشروع إلى النهوض بمركز المرأة وتحسين ظروفها والعمل على إدماجها في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

فالمطالبة بتعديل مدونة الأحوال الشخصية أصبحت موضوعا شائكا مما أدى إلى خروج تظاهرات 12 مارس 2000 (تظاهرة الرباط المساندة لمشروع الخطة ومسيرة الدار البيضاء المناهضة والرافضة لها) لكن هذا التحاقن والتجاذب سرعان ما تم احتدامه بعد التدخل الحكيم لصاحب الجلالة الملك محمد السادس الذي عين لجنة لكي تقوم بتغيير مدونة الأحوال الشخصية لسنة 1957 وذلك لتجنب مغبة الفتنة وقد ركز جلالته عند تعيينه لهذه اللجنة على النهوض بأوضاع المرأة المغربية في كل مجالات الحياة الوطنية وذلك برفع الحيف عن المرأة وصيانة حقوق الطفل وصون كرامة الرجل وقد توج هذا العمل بإعداد مدونة الأسرة التي أحيلت على السلطة التشريعية والتي وافقت عليها بالإجماع ببدأ المغرب صفحة جديدة مع قانون من سنة 2004 وقد مرت 10 سنوات على تطبيقها، وفي المعلوم أن أي قانون عند إعداده على تظهر عيوبه إلا بعد تطبيقه فماهي الإشكالات التي أثارتها خصوص مدونة الأسرة بعد 10 سنوات من التطبيق وماهي العوامل التي أثرت في بعض نصوصها وجعلت الحماية ملحة لتعديلها؟؟.

ونظرا لأهمية الموضوع وحساسيته فاليوم وبعد 10 سنوات سنحاول الوقوف على أهم الإشكالات العملية التي طرحت على القضاء المغربي في مختلف ربوع المملكة ومن أجل ذلك سنحاول تقسيم هذا الموضوع وفق التصميم التالي:

ü    المبحث الأول: الإشكالات المثارة ضمن القسم المتعلق بالزواج

ü    المبحث الثاني: الإشكالات المثارة ضمن القسم المتعلق بالطلاق والتطليق

 

 

 

المبحث الأول: الإشكالات المثارة ضمن القسم المتعلق بالزواج

نظم مشرع مدونة الأسرة الزواج بموجب المواد من 1 إلى المادة 69 من مدونة الأسرة وعرف الزواج ضمن المادة 40 من نفس المدونة واعتبره ميثاق تراض وترابط شرعي بين رجل وامرأة على وجه الدوام غايته الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرة برعاية الزوجين طبقا لأحكام هذه المدونة».

إذ بهذه الكلمات العميقة والتي تتضمن عدة أهداف افتتح المشرع القسم المتعلق بالزواج.

لكن هناك بعض النقاط التي أثارت إشكاليات عديدة ضمن هذه المواد ومن قبيل ذلك دعوى سماع الزوجية وزواج القاصرات والتعدد والولاية في الزواج... وبعد 10 سنوات من تطبيق هذه المواد بدأت تطفوا إلى السطح عدة إشكاليات تمحورت بالخصوص في النقط المشار إليها أعلاه.

المطلب الأول: إشكالية دعوى سماع الزوجية بين النص القانوني والواقع القضائي

من بين أهم النصوص التي أثارت إشكاليات عديدة خلال 10 سنوات من تطبيق مدونة الأسرة المادة 16 التي تنظم دعوى سماع الزوجية فكيف تعامل المشرع مع هذا الإشكالات وكيف تم تطبيق على المستوى القضائي؟

الفقرة الأولى: ثبوت الزوجية في ظل النص القانوني

من المعلوم أن عقد الزواج يعد من العقود الشكلية التي تتطلب إفراغها في شكل معين وهو ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 16 من مدونة الأسرة حيث اعتبرت أن وثيقة عقد الزواج هي الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج، بيد أنه ولاعتبارات عدة سمحت الفقرة الثانية من نفس المادة بسماع دعوى الزوجية باعتماد سائر وسائل الإثبات وكذا الخبرة إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق عقد الزواج في وقته.

وقد كانت الفقرة الرابعة من المادة الخامسة من مدونة الأحوال الشخصية تنص على أنه يجوز للقاضي – بصفة استثنائية- سماع دعوى الزوجية واعتماد البينة الشرعية في إثباتها.

ولاشك ان هذه المقتضيات الاستثنائية شكلت الملاذ الوحيد لكثير من النساء اللائي لا يتوفرن على عقد زواج وذلك من أجل صون أعراضهن وإثبات نسب أولادهن والحصول على حقوقهن في تركة من كان يعاشرهن معاشرة الأزواج بدون عقد كتابي[6]، ولقد اعتبر مدونة الأسرة أن الأصل في الزواج أن يكون موثقا كتابة طبقا الأحكام المضمنة بها، ويظهر ذلك جليا من خلال مقتضيات الفقرة الأولى من المادة 16 التي أكدت صراحة على أن الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج هي وثيقة عقد الزواج أي الوثيقة المحررة من طرف العدلين السامعين للإيجاب والقبول الصادرين عن الزوجين في مجلس واحد بعد استيفاء الأركان والشروط والإجراءات الإدارية والمخاطب عليها من طرف استيفاء الأركان والشروط والإجراءات الإدارية والمخاطب عليها من طرف القاضي المكلف بالتوثيق وهو ما يتماشى مع الأهداف العديدة التي تراهن مدونة الأسرة على تحقيقها والتي من أهمها النهوض بالأوضاع الأسرية للمغاربة وجعلها في مستوى التطلعات التي يأملها الشعب المغربي.

وقد شكل هذا الفصل 16 الذي من الإشكالات بدأ من سنة 2009 التي انتهت فيها المدة التي حددها المشرع لسماع دعوى الزوجية وأمام تدفق الطلبات طلبات ثبوت الزوجية – على جل محاكم المملكة ارتأى المشرع المغربي أن يحدد هذا الأجل خمس سنوات أخرى محاولة منه أن تبت المحاكم في هذه الطلبات ولاحتواء هذا الوضع قامت وزارة العدل بتشكيل محاكم متنقلة وتحسين المواطنين بأهمية توثيق عقود الزواج حفاظا على أعراضهم وأنسالهم لكن هذه المدة التي أضافها المشرع انتهت في هذه السنة (سنة 2014) لتجعل الإشكال مطروحا أمام القضاء لن طلبات دعوى سماع الزوجية لازالت تتدفق على أقسام قضاء الأسرة عنا جعل التساؤل مطروحا حول هل سيتوقف العمل بهذا الفصل بصفة نهائية ويضع بذلك المشرع حدا لدعوى سماع الزوجية. أم سيتم تهديدها إلى أجل أجر؟

لكن قبل الإجابة عن هذا الإشكال لابد من أن نعرج على مسألة مهمة وهي كيف تعامل القضاء المغربي عند تطبيقه لهذا الفصل؟

الفقرة الثانية: إشكالية دعوى سماع الزوجية في الواقع العملي

تعتبر هذه النقطة في بالغ الأهمية بحيث أنه كيفما كان النص القانوني لا يمكن أن تظهر عيوبه إلا عند التطبيق والمادة 16 من مدونة الأسرة عند صياغتها لعبت في وضعها عدة اعتبارات نظرا للوضعية التي وضعت فيها مدونة الأسرة فكان لزاما على واضعيها محاولة إرضاء جميع الأطياف.

فالمشرع نص على أنه لسماع دعوى الزوجية يجب أن يكون هناك ظرف قاهر حال دون توثيق عقد الزواج ولكن الإشكال يكمن في أن المشرع لم يعرف معنى السبب القاهر مما فتح الباب أمام التأويلات والتفسيرات القضائية وأيضا تنصيص المشرع على أن القاضي يجب ان يراعي حالة وجود أطفال نتجوا عن تلك العلاقة.

السبب القاهر كل فسره حسب إقناعه وقد نص المجلس الأعلى سابقا محكمة النقض حاليا في إحدى قراراته الصادر بتاريخ 2009/11/04 في ملف 2008/1/2/519، مجموعة من الاعتبارات المرتبطة أساسا بمصلحة طرفي العلاقة وخلصت إلى القول بان اشتراط بعض الضوابط القانونية الإجرائية المتمثلة في ضرورة الحصول على إذن خاص لبعض الفئات قبل الإقدام على إبرام عقد الزواج أما في حالة زواج منهم دون سن الأهلية وزواج العسكريين يعد بمثابة أسباب قاهرة تحول قبول سماع دعوى الزوجية[7].

والخطير في هذا القرار هو اعتبار صغر السن سببا قاهرا وضرب الحائط المواد 19 و20 من مدونة الأسرة التي تنص على أن سن أهلية الزواج هو 18 سنة شمسية كاملة وأن زواج القاصر متوقف على إذن القاضي المكلف بالزواج إذن هذا الفصل – فصل 16- أتاح إمكانية التحايل على زواج القاصرات بدون موافقة القاضي؟؟ وهذا ما لم تكن مدونة الأسرة تأمل في وقوعه ثم هناك إشكالية أخرى يطرحها هذا الفصل وهي مراعاة وجود الأبناء القضاء المغربي ذهب إلى الحل بثبوت الزوجية دون أن يكترث القاضي إلى وجود زوجة أو لا».

وبالرجوع إلى الإرقاء والمعطيات التي نشرتها وزارة العدل والحريات حول حصيلة تطبيق مدونة الأسرة بعد 10 سنوات يلاحظ أن أحكام ثبوت الزوجية عرفت ارتفاعا مضطردا منذ سنة 2004 إلى غاية 2011 مع تسجيل انخفاض نسبي في عددها خلال سنتي 2009 و2010 وهي المدة التي تزامنت مع انتهاء الفترة الانتقالية الأولى لسماع دعوى الزوجية حيث عملت المحاكم على إيقاف البت في الطلبات التي تم تسجيلها بعدد الأسبوع الأول من شهر فبراير 2009 إلى أن صدر القانون رقم 09-08 الصادر بتنفيذ الظهير الشريف رقم 1.10.103 المؤرخ في 3 شعبان 1431 (16 يوليوز 2010)[8] الذي تم بموجبه تعديل الفقرة الرابعة من المادة 16 من القانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة كما يلي: "يعمل بسماع دعوى الزوجية في فترة انتقالية لا نتحدى عكس سنوات ابتداء من تاريخ دخول هذا القانون حيز التنفيذ"، وهو ما واكبته وزارة العدل والحريات بتنظيم حملة وطنية أولى من أجل العلاقة الزوجية سنة 2011 إلى 38952 حكما.

لكن الإشكال هو أن المادة 16 استعملت للتحايل على مقتطبين أساسيا أولهما تزويج القاصرات وثانيهما التعدد وهذا ما جعل الفصل 20 والفصل 40 فارغا من محتواه.

 

المطلب الثاني: إشكالية اقتسام الممتلكات الناشئة أثناء قيام العلاقة الزوجية

عند الحديث عن اقتسام الممتلكات الناشئة أثناء قيام العلاقة الزوجية والذي نظمه المشرع المغربي في مدونة الأسرة في إطار الفصل 49 فغننا نتحدث عن نظام كان معروفا فقهاء الفقه الإسلامي ألا وهو نظام الكد والسعاية فكيف نظم المشرع هذا النظام في ظل مدونة الأسرة وكيف تعامل القضاء الأسري مع تطبيق هذا الفصل.

الفقرة الأولى: التنظيم القانوني لاقتسام الأموال المكتسبة أثناء الحياة الزوجية

لقد قررت المادة 49 من مدونة الأسرة أن ذمة كل واحد من الزوجين المالية مستقلة عن ذمة الآخر يتصرف فيها كيف يشاء إلا أنه استثناء من هذا المبدأ وفي إطار عدم المساس بها كما يجوز للزوجين في إطار تدبير هذه الأموال التي تكتسب أثناء قيام العلاقة الزوجية لاتفاق  على استثمارها وتوزيعها كما قررت نفس المادة في فقرتها الثانية أن يضمن هذا الاتفاق هي وثيقة مستقلة عن عقد الزواج.

فهذه المقتضيات الجديدة جاءت في إطار المنظور الجديد والبعد الذي ابتغاه واضع النص كما يجب أن يسود أجواء الأسرة[9] من تعاون من أجل النهوض بأعبائها كل واحد من موقعه، فقد منحت إمكانية للزوجين في ان يتفقا في عقد مستقل على تدبير الأموال المكتسبة بعد الزواج فهو اتفاق اختياري ويجد سنده فيما يصطلح عليها فقها وقانونا من تصرفات تدخل في نطاق مبدأ سلطان الإرادة التي تحول لكل شخص تدبير شؤونه وإدارة أموالها والتصرف فيها بالشكل الذي يراه ملائما ويترتب على هذا الأمر عدة نتائج يمكن استجلاء أهمها في: أنه لا ولاية للزوج على أموال زوجية وأن ما يجنيه ويكتسبه كل واحد من الزوجين بماله وجهده يعتبر ملكا خالصا له إذا قام الزوج بالانتفاع بمال زوجته وأداره وقام بتنميته وخلطه بماله وتملك أملاكا بفضل ذلك فان المال يصبح بنيهما مشتركا ويقتسم بينهما بحسب ما أسهم به كل واحد منهما[10].

إذا أصبح في ظل مدونة الأسرة مكرسا بمقتضى نص قانوني ما كان  يسمى في ظل الفقه الإسلامي بنظام الكد والسعاية لكل كيف تعامل القضاء مع تطبيق هذا النص؟

الفقرة الثانية: التطبيق القضائي لمقتضيات المادة 49 من مدونة الأسرة

 مما لاشك فيه أن مقتضيات المادة 49 من مدونة الأسرة تشكل أحد أهم المستجدات التي تم إحداثها لتنظيم العلاقات بين الزوجين حيث تضمنت قواعد تنظم الجانب المالي في هذه العلاقة على أسس من المساواة والمراعاة لما تقوم به الزوجة من أعمال وخدمات تساهم بدون شك في تنمية الأموال المكتسبة أثناء قيام العلاقة الزوجية، وهكذا أرشدت هذه المادة الزوجين إلى إمكانية تنظيم شؤون الزوجين المالية بالاتفاق على استثمارها وتوزيعها وكلفت العدلين بإشعارهما بهذه المقتضيات أثناء توثيق عقد الزواج[11].

وقد أبلى القضاء المغربي البلاء الحسن – رغم غياب نص تشريعي ينظم هذا الحق في السابق- حيث أرددت المحاكم المغربية خصوصا في منطقة سوس تطبيق أحكام الكد والسعاية عندما يتم إثباته مستندة في ذلك على ما جرت عليه العادة والعرف وما قدمه الفقهاء من أسس أوائل لتكريس هذا العرف وقد أيد المجلس الأعلى بوصفه أعلى هيئة قضائية تشرف على مراقبة حسن تطبيق القانون اتجاه محاكم الموضوع مما أعطى شرعية لتلك الأحكام وأرس اجتهادات قضائية ذات أهمية قصوى[12].

وأتت المادة 49 لتنظيم كيفية تدبير الشؤون المالية للزوجين فبعد أن كرست مبدأ استقلال الذمة المالية الزوجية منحت لهما إمكانية الاتفاق حول تدبير شؤونهما المالية كما أعطت للقضاء سلطة تقديرية في حالة غياب هذا التنظيم مع مراعاة مجموعة من المعايير كالعمل والأعباء والمجهودات المبذولة من طرفهما.

ومن خلال الاطلاع على تجربة القضاء المغربي يتبين أنه أرسى بمختلف مستوياته عدة مبادئ واجتهادات كرست إنصاف المرأة وشكلت حماية اقتصادية لها، وذلك عن طريق قرار نصيبها في الثروة المكتسبة بين الزوجين ومن بين القرارات القضائية في هذه النقطة نعطي بعض القرارات على سبيل المثال لا الحصر.

وهكذا فقد اعتبر المجلس الأعلى سابقا – محكمة النقض حاليا- في قرار صادر بتاريخ 2009/10/21 بأن نيابة الزوجة عن زوجها في استيفاء واجبات الكراء أمام القضاء من المكترين ومراقبتها للأشغال بناء المنزل المملوك للزوج يشكل جهدا من الزوجة ساهم في تكوين أموال الزوجية وتستحق تبعا لذلك نصيبها فيها[13]. وقد سارت محاكم الموضوع على نفس المنوال وأقرت بدورها أحقية الزوجة من الثروة الزوجية وهكذا اعتبرت محكمة الاستئناف بالجديدة بان ممارسة الزوجة لعمل تجاري وقيامها بأداء مبالغ مالية في تشييد منزل الزوجية يعد مساهمة منها في تكوين أموال الأسرة[14].

المبحث الثاني: الإشكالات المثارة ضمن القسم المتعلق بالطلاق والتطليق

سنحاول في هذا المبحث التطرق إلى أهم الإشكالات التي يعتبرها القسم المتعلق بالطلاق والتطليق أي انحلال ميثاق الزوجية وكما هو معلوم فإن انحلال ميثاق الزوجية تترتب عنه عدة آثار من بينها مستحقات الزوجة والأبناء أين وجدوا.

المطلب الأول: التطليق للشقاق في مدونة الأسرة

أدخل المشرع المغربي التطليق للشقاق كطريقة لحل ميثاق الزوجية وأفردت له مدونة الأسرة بابا خاصا يتضمن أربعة نصوص بخلاف باقي أنواع التطليق الأخرى غير أن هذا النوع من التطليق عرف ارتفاعا ملحوظا منذ تطبيق مدونة الأسرة إلى الآن مما دفعنا للتساؤل حول أسباب هذا الارتفاع.

الفقرة الأولى: مفهوم التطليق للشقاق

لم تعرف مدونة الأسرة الشقاق عند تعرضها للتطليق بسببه، غير أن الدليل العملي لمدونة الأسرة الصادر عن وزارة العدل يعرف الشقاق بكونه الخلاف العميق والمستمر بين الزوجين لدرجة يتعذر معها استمرار العلاقة الزوجية وهو نفس التعريف الذي اعتمده الاجتهاد القضائي وعبارة الشقاق وردت في عدة آيات من القرآن الكريم[15]، غير أن الآية التي اعتمدها المشرع المغربي كسند شرعي لوضع مسطرة التطليق بسبب الشقاق هي قوله عز وجل: «وإن خفتم شقاق  بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكا من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا»[16].

وفي هذا الصدد تنص المادة 94 من مدونة الأسرة على انه: إذا طلب الزوجان أو احدهما من المحكمة حل نزاع بينهما يخاف منه الشقاق، وجب عليها أن تقوم بكل المحاولات لإصلاح ذات البين طبقا لأحكام المادة 82 أعلاه "إذا فمن خلال هذه المادة يتضح أن مسطرة التطليق للشقاق مقررة للزوجين معا في حالة تعذر استمرار الحياة الزوجية بينهما وذلك بسبب الخلافات التي يمكن أن تنشا أثناء قيام العلاقة الزوجية.

ولكن فتح باب التطليق لشقاق على مصراعيه أدى إلى نتائج اجتماعية وخيمة من خلال تزايد وارتفاع نسبة التطليق للشقاق بالمقارنة مع باقي طرق انحلال الزواج الأخرى لدرجة أصبحت مسطرة الشقاق ملاذا لكل زوجة لم تنجح في إنهاء العلاقة الزوجية بواسطة مساطر التطليق الأخرى.

الفقرة الثانية: أسباب ارتفاع نسبة التطليق للشقاق

ما يمكن ملاحظته خلال 10 سنوات من تطبيق مدونة الأسرة هو أن التطليق للشقاق عرف تصاعدا في وثيرته سنة بعد أخرى إذ انه منذ دخول مدونة الأسرة حيز التطبيق تضاعف عدد الأحكام الصادرة به إلى حوالي عشرة أضعاف إذ انتقل من 4865 حكما خلال سنة 2005 إلى 48376 حكما في سنة 2012 وإلى 39826 حكما سنة 2013[17].

ويمكن إرجاع أسباب تطور أحكام التطليق للشقاق خلال هذه السنوات إلى بعض الأسباب منها:

إن مسطرة التطليق للشقاق يقبل عليها الزوجان معا، مع ارتفاع ملحوظ لعدد الطلبات المقدمة من طرف الزوجات قياسا بعدد الطلبات المقدمة من طرف الأزواج.

إن مسطرة التطليق للشقاق تشكل رافدا قانونيا لمساطر أخرى للطلاق والتطليق حيث يتم اللجوء إليها عند الاقتضاء بمناسبة التعدد والرجعة والطلاق الخلعي والتطليق للضرر وعدم تنفيذ الالتزامات المتبادلة بين الزوجين.

كما ان مسطرة التطليق للشقاق تتميز بسهولة إجراءاتها الشكلية، مما أصبح بدفع العديد من الأزواج إلى تفضيلها عن سلوك مسطرة الطلاق الرجعي.

كما يتبين من خلال إحصائيات وزارة العدل والحريات أن عدد طلبات التطليق للشقاق أكثرها مقدم من طرف لنساء خلال السنوات الممتدة ما بين 2006 و2013 أكثر من نظيرتها لدى الرجال وهذا بين مدى خطورة الوضع الراهن على استقرار الأسرة لاسيما أن لزوجة يفترض فيها الحفاظ على أسرتها وحمايتها من التشتت أصبحت الآن هي من يبادر إلى الحكم على هذه الأسرة بالتشتت وهذا ليس من قيم وأهداف مشرع مدونة الأسرة.

 

 

المطلب الثاني: مسالة المتعة بين الفقه الإسلامي والعمل القضائي

لقد عرفت مسألة المتعة تضاربا قضائيا حادا، وكما هو معلوم فالمشرع المغربي نص في المادة 84 من مدونة الأسرة على أن المتعة من منفعات الزوجة عند حصول الطلاق لكن ماهو موقف الفقه الإسلامي من المتعة؟ (الفقرة الأولى) وما هو موقف القضاء منها (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: موقف الفقه الإسلامي من المتعة

المتعة هي عبارة عن مبلغ من المال يبذله الزوج المطلق إلى مطلقته في أحوال مبعثة[18].

يقول الله عز وجل في حكم كتابه العزيز «ولا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدرة وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين»[19]

وبالرجوع إلى موقف الفقه الإسلامي من المتعة نجد أنها لا تجب عند الحنفية إلا إذا كانت الفرقة بسبب الزوج من جهة أولى، وكانت قبل الدخول او الخلوة الصحيحة للزوجة صداق من جهة ثانية طبقا الأحكام الآية المشار إليها أعلاه.

وقد استدلوا وجوبها كذلك بأنها تقوم مقام نصف الصداق ويرى المالكية بان المتعة مستحبة في كافة الأحوال  لأن الله عز وجل جعلها «حقا على المحسنين» وخصهم بها، فبدل ذلك – حسب رأيهم- على أنها سبيل التفضل والإحسان لا سبيل الوجوب وهي عندهم لا تستجيب في حق المطلقة قبل لدخول مادام أن نصف الصداق الذي تستحقه يقوم مقامها.

وتجب المتعة عند الشافعية بالنسبة للمرأة المطلقة قبل الدخول في الحالة التي اتسمى فيها صداق لتقوم مقام نصف الصداق وهي تجب للمطلقة بعد الدخول في كافة الأحوال ما لم يكن الطلاق قد جاء بسبب منها[20].

واستدل الإمام الشافعي في هذا الخصوص بعبارة «ومتعوهن» التي تفيد الأمر والوجوب وليس الاستحباب.

 الفقرة الثانية: موقف القضاء المغربي  من المتعة

 ثارت على الساحة القانونية في السنة الأخيرة مناقشات فقهية وقانونية أعقبت صدور القرار رقم 123 بتاريخ 21/9/2011 الصادر عن المجلس الأعلى - محكمة النقض- والذي يخلص إلى حرمان كل امرأة طلبت التطليق للشقاق من استحقاق المتعة بحجة أن المادة 97 من مدونة الأسرة التي تتكلم عن التطليق للشقاق تحيل بشأن المستحقات المترتبة للزوجة عند انفصام الزوجية إلى المواد  83 و84 و85 المتعلقة بالطلاق لا التطليق مع أن الإحالة المذكورة وردت  دون تحديد أو تخصيص معتبرا هذا التوجه الجديد المعبر عنه هو الذي يجب ان تسير عليه المحاكم.

 وقد تعرض القرار المذكور لانتقادات عديدة من قبل المهتمين، بل اعتبره البعض زلزالا فوت مكسبا هاما جاءت به مدونة الأسرة وهو تمتيع كل المطلقات دون تمييز بين من طلق أو طلب التطليق وذلك اعتمادا على المذهب الظاهري.[21]

لذا من الضروري أن يتدخل المشرع بنص واضح يفسر مفهوم الإحالة في المواد 83 و84 و85 لوضع حد للبلبلة التي نجمت عن القرار المذكور.



[1]- الآية 54 من سورة الفرقان.

[2]- خالد برجاوي: إشكالية الأصالة والمعاصرة في تقنين الأحوال الشخصية بالمغرب الرباط 2002 ص 12 و13.

[3]- محمد الشافعي: الزواج في مدونة الأسرة.

[4]- محمد الشافعي: م س .

[5]- ما سمي بحملة المليون توقيع التي قادها اتحاد العمال النسائي.

[6]- زهور الحر وحسن إبراهيمي: علامات مضيئة في أحكام القضاء العربي «حالة المغرب»

[7]- قرار غير منشور أشارت إليه زهور الحر: م س ص 31.

[8]- إحصائيات وزارة العدل والحريات 2004-2013.

[9]

[10]- محمد مومن: حق الكد والسعاية دراسة لحق المرأة في اقتسام الممتلكات المكتسبة خلال الزواج في ضوء بعض الأعراف المغربية ط 2006.

[11]- القضاء الأسري الواقع والآفاق م س

[12].- زهور الحر وحسن إبراهيمي: م س ص 57.

[13]- نفس المرجع السابق

[14]- قرار صادر بتاريخ 2009/05/05 ملف عدد 2007/495/1 نفس المرجع.

[15]- الآياتان 138 و186 من سورة البقرة والآية 53 من سورة الحج والآية 2 من ص والآية 52 من سورة فصلت والآية 89 من سورة هود، نقلا عن محمد الشافعي مرجع س.

[16]- الآية 25 من سورة النساء.

[17]- إحصائيات وزارة العدل سنة 2014.

[18]- محمد الكشبور الوسيط في قانون الأحوال الشخصية طبعة 2003.

[19]الآية 236 من سورة البقرة.

[20]- للمزيد من المعلومات انظر محمد الكشبور م س ص 470.

 

بقلم ذ محمد نعومي
طالب باحث في القانون والممارسات القضائية
 


أعلى الصفحة