القانون الاجتماعي

بقلم ذ فتيحة التوزاني
أستاذة بالكلية متعددة التخصصات بتازة
تحت عدد: 233
القضاء المغربي توسع كثيرا في مفهـوم وقت ومكـان العمل



إن نظام التعويض عن حوادث الشغل والأمراض المهنية هو قانون خاص واستثنائي، وبالتالي فله خصوصيات ينفرد بها، قد حدد لها المشرع على غرار التشريعات الأخرى المقارنة نطاق تطبيقها على وقائع معينة، لذلك فإن الاستفادة من قانون   18 /12 الصادر بتاريخ 29 دجنبر 2014  المغير لظهير 6 فبراير 1963 ليست مطلقة، فالأجير الذي يستفيد من هذا التشريع، لا يمكنه المطالبة بتطبيق مقتضياته على كل الأضرار الحاصلة له وكيفما كان نوعها، مادام أن التشريع المذكور يعتبر استثناء من القواعد العامة للمسؤولية المدنية، فمن الطبيعي أن يحصر المشرع نطاق تطبيقه في وقائع معينة، وأن تكون الأضرار المطلوب التعويض عنها محصورة فقط في هذا القانون.


ليس كل ضرر يحدث للأجير في مكان العمل يعتبر حادثة شغل، لأن الفصل الثالث من قانون 18 /12 ينص على ما يلي:

«تعتبر حادثة شغل كل حادثة، كيفما كان سببها يترتب عنها ضرر، للمستفيد من أحكام هذا القانون، سواء كان أجيرا أو يعمل بأية صفة تبعية كانت وفي أي محل كان إما لحساب مشغل واحد أو عدة مشغلين، وذلك لمناسبة أو بسبب الشغل أو عند القيام به، ولو كانت هذه الحادثة ناتجة عن قوة قاهرة أو كانت ظروف الشغل قد تسببت في مفعول هذه القوة أو زادت في خطورتها، إلا إذا أثبت المشغل أو مؤمنه طبقا للقواعد العامة للقانون أن مرض المصاب كان سببا مباشرا في وقوع الحادثة».

فالمشرع المغربي وعلى غرار باقي التشريعات الأجنبية، اعتبر لقيام مسؤولية المؤاجر توافر شرطين، الأول هو أن يقع الحادث بسبب الشغل، والثاني هو أن يقع الحادث أثناء تأدية الأجير لعمله، دون تقييد ذلك بحيز مكاني معين، فقط أن يكون ذلك خلال ساعات العمل الفعلية التي قضاها الأجير تحت تبعية رب العمل ، أي خاضعا لسلطة وإشراف رب العمل .

ولتحديد مكان العمل، لا بد من التمييز بين فرضية العمل داخل المؤسسة وفرضية العمل خارجها .

ـ فرضية العمل داخل المؤسسة.

يبدأ العمل داخل المؤسسة بدخول الأجير إلى المصنع أو المنشأة، ويستمر طالما بقي فيه، ومكان العمل هو المجال الجغرافي الذي تمارس فيه سلطة رب العمل على العامل، فإذا كان التزام رب العمل بسلامة العمال يبدأ حين تبدأ سلطته ولا تنتهي إلا حين تنتهي هذه السلطة، فقد كان منطقيا أن يقرر القضاء أنه بدخول العامل إلى مكان العمل تبدأ سلطة رب العمل  ويبدأ التزامه بالضمان، عن الحادث الذي يقع له خلال هذا الوقت وداخل هذا المكان إلى حين مغادرته، حيث تنتهي سلطة رب العمل وتنتهي مسؤوليته عن حادثة الشغل، لأن حالة تبعية العامل تكون مفترضة في كل مكان يخضع لسلطان رب العمل وحتى يثبت العكس.

ويعتبر مكان العمل أي جزء من أجزاء المنشأة التي يعمل بها الأجير بما فيها حجرات ارتداء الملابس، ودورات المياه، ومكان الاستراحة ومطعم المنشأة المخصص لتناول الوجبات، وكل الملحقات والممرات التي تؤدي إلى أماكن العمل حيث يمارس العامل نشاطه المهني كالجسور والسلالم والمصاعد، وكل ما يلزم العامل لتوصيله إلى مكان العمل، والعودة منه، بشرط ألا يكون محظورا عليه استعماله.  وتحديـد مكان العمل يتضح من الوقائع التي يقدرها قاضي الموضـوع، فهـو الذي يقرر حسبما يمليه عليه اقتناعه من الوقائع المعروضة عليه، في ما إذا كانت الإصابة قد حدثت في مكان العمل من عدمه.

والقضاء المغربي إسوة بنظيره الفرنسي قد توسع كثيرا في مفهـوم وقت ومكـان العمل بحيث اعتبر أن كل حادثة تصيب الأجير في وقت ومكان العمل قرينة على أنها حادثة شغل، حيث لا يشترط في الحادث الذي يقع أثناء العمل توافر رابطة السببية بينه وبين العمل.

2 ـ فرضية العمل خارج المؤسسة:

إذا كانت فرضية العمل داخل المؤسسة لا تثير إلا صعوبات نسبية في استخلاص العلاقة بين الشغل والحادثة بناء على معيار التبعية، حيث أن مكان العمل يتحدد بسلطة رب العمل على الأجير، وتتركز هذه السلطة في المجال الجغرافي لمنطقة العمل كما بينا حدوده، فإن الأمر يختلف بالنسبة إلى الأعمال التي يقوم بها الأجراء خارج المؤسسة، كالأشخاص الذين يشتغلون في منازلهم لفائدة مؤاجر، والأجراء الذين يوفدون في مهمة ، والمتجولين الممثلين في التجارة والصناعة، فرغم أن هؤلاء الأجراء لا يخضعون للإشراف والمراقبة المباشرة لمن يمارس العمل لحسابهم، فالمشرع قد اعتبر مختلـف الحوادث التي يتعرضون لهـا وهم بصدد القيام بمثل هذا العمل حوادث شغل متى وجدت علاقة بين الشغل والحادثة.

لكن على أي أساس تبنى هذه العلاقة ما دام عنصر وقت ومكان العمل غير كافيين لتعليلها إذا أنجز العمل خارج المؤسسة؟

وسع الاجتهاد القضائي المغربي من المفهوم الذي جاء به لوقت ومكان العمل، ليصرح بأن الأجير يوجد في وقت ومكان العمل في أي وقت وفي أي محل كان ينفذ فيها أوامر مشغله ،جاء في قرار غير منشور لمحكمة النقض ما يلي:

« ... حيث اعتبرت الطاعنة أن الهالك وقعت له الحادثة خارج أوقات العمل حيث كان متوجها لقضاء أغراضه الشخصية وأن تكليفه بمهمة نقل التقني لوران كومان من مدينة مكناس إلى مطار مدينة فاس كان يوم 05/06/2001 في حين أن الحادثة وقعت يوم 07-06 من السنة نفسها وقد كان مع الهالك ثلاثة أشخاص لا يعملون بالشركة، مما يدل على أن الحادثة وقعت خارج أوقات العمل.   لكن حيث أن الثابت لقضاة الموضوع أن الهالك كان مكلفا بالقيام بمهمة بصفته سائقا لدى مشغلته حسب الإذن المؤرخ في 05/06/2001 الموجود ضمن وثائق الملف والذي لا يحمل تاريخا مما ترتب عنه أن الحادثة تكتسي صبغة حادثة شغل وفقا لأحكام الفصل الثالث من ظهير 06/02 1963».

قرار عدد 834، بتاريخ 07/09/2005، ملف اجتماعي عدد 500/5/1/2005 غير منشور.

وذلك خلافا للاجتهاد القضائي الفرنسي الذي اتجه إلى اعتبار حادثة شغل هي تلك التي تقع للأجير وهو يمارس فعلا نشاطه المهني، بحيث إذ ما استعاد هذا الأخير حريته إثر توقيف عمله والانتهاء منه وأصيب بعد ذلك، فإن إصابته لا تعتبر حادثة شغل.

وهناك  قرارات أخرى صادرة عن محكمة النقض تظهر بوضوح إلى أي حد يختلف الاجتهاد القضائي المغربي عن نظيره الفرنسي في تكييف الإصابات التي يتعرض لها الأجراء الذين ينجزون أعمالهم خارج المؤسسة، والمتعلقة بالوقائع نفسها، فإذا اعتبرت محكمة النقض الفرنسية أن الإصابة التي تعرض لها الأجيـر عند دخوله للحمام في الفندق الذي ينزل به، لا تعتبر حادثة شغل لأنها من الأعمال الطبيعية للحياة العادية اليومية، فإن محكمة النقض المغربية في قرار لها اعتبرت أن إقامة الأجير في الفندق أثناء الليل تجعله لا زال تحت سلطة رب العمل، كما اعتبر حادثة شغل تلك التي تعرض لها الأجير بسبب الزلزال الذي حطـم الفندق. وفي قرار لها اعتبرت محكمة النقض أن  « وجود الأجير في مهمة بمراكش بتكليف من المشغل وأثناء استحمامه بالفندق تعرض إلى سقوط أدى إلى إصابته بكسر في مرفقه الأيسر يعتبر حادثة شغل» قرار عدد 795، صادر بتاريخ 13/09/2000، ملف اجتماعي عدد 412/5/1/2000، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، الإصدارات الرقمية، دجنبر 2004، العدد 57-58 ص 220.

إذن، فالاجتهاد القضائي المغربي، وعلى خلاف نظيره الفرنسي عبر عن جرأته بتوسيع مجال استفادة المؤاجرين العاملين خارج مؤسسة العمل من التعويضات التي يمنحها ظهير18/12  الذي حل محل ظهير 6 فبراير 1963  ، بتكييف الإصابات التي يتعرضون لها في أي مكان أو وقت كان الأجير ينفذ فيه أوامر مشغله ،فهو يتحسس صلة الحادثة بالعمل، ولعل هذا يعتبر من مقاصد المشرع المغربي ما دام أنه عند تعريفه لحادثة الشغل في الفصل الثالث من ظهير 18/12 لم يحدد مفهوم « بمناسبة الشغل أو من جرائه» ولا ماهية مفهوم « عند القيام به»، بل إن المشرع ترك للقضاء تحديد محتوى ومضمون هذه الأفكار التي عن طريقها فإن القضاء و في إطار السلطة التقديرية الممنوحة له يستطيع أن يلعب دوره نحو تقديم المزيد من الحماية للأجراء المصابين في حوادث شغل.
بقلم ذ فتيحة التوزاني
أستاذة بالكلية متعددة التخصصات بتازة
 


أعلى الصفحة