القانون الاجتماعي

بقلم ذ العربي محمد مياد
أستاذ باحث
تحت عدد: 106
مباشرة بعد نشر المرسوم بقانون رقم 2.14.596 بتاريخ فاتح شتنبر 2014 بتتميم القانون رقم 012.71 الصادر في 30 دجنبر 1971 المحددة بموجبه السن التي يجب أن يحال فيها على التقاعد موظفو وأعوان الدولة والبلديات والمؤسسات العامة المنخرطون في نظام المعاشات المدنية .

والقانون رقم 05.89 المحددة بموجبه السن التي يحال إلى التقاعد عند بلوغها المستخدمون المنخرطون في النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد ، بالجريدة الرسمية عدد6287 مكرر بتاريخ 2 ستنير 2014 ، حتى تعالت أصوات الموظفين العموميين  والجماعيين وبعض النقابيين منددين بالتصرف ألإنفرادي للحكومة في تدبير ملف التقاعد وإلزام الموظفين جبرا بالبقاء في مكاتبهم وحجراتهم إلى أن يصلوا سن 65.

ومباشرة بعد ذلك ، بادرت الوزارة الوصية على قطاع الوظيفة العمومية بنفي الخبر وتقديم بعض الشروح التي من شأنها أن تجعل بعض النقابيين ومن خلالهم بعض الموظفين يطمئنون بأن ملف التقاعد لم يبارح مكانه، رغم الجعجعة التي أطلقتها الحكومة منذ مدة ، تماما كملف المقاصة وغيره من الملفات ذات الطابع الاسترتيجي.

وفي هذا الإطار أكدت هذه الوزارة بأن الحكومة تسعى من خلال هذا المرسوم قانون إلى ضمان استمرارية خدمات المرافق التعليمية والجامعية بشكل دائم ومنتظم ، وتوفير كافة شروط إنجاح الموسم الدراسي والجامعي ، وذلك باستمرار الموظفين المقبلين على التقاعد في مزاولة مهامهم إلى غاية متم الموسم الدراسي والجامعي.

وهذا يعني أن الرسوم بقانون يهم فقط رجال ونساء التربية الوطنية والتعليم العالي الموظفين منهم والمتعاقدين. 

لكن التساؤل المطروح لماذا وقع بعض الموظفين ورجال الإعلام في اللبس ، بشكل جعلهم ينتفضون ضد هذا المرسوم قانون ؟ هل الأمر يتعلق فعلا بسوء الفهم ، أم برداءة  في الصياغة  النص التنظيمي ،أم هما معا ، أم أن الأمر  لا يعدو أن يكون تخوفا  ناجما عن ما دأبت الحكومة على اتخاذه  من قرارات منفردة ولا شعبية  سابقة ، كالزيادة في المحروقات والمواد الاستهلاكية الضرورية للمواطن البسيط ، وتغيير الساعة القانونية للمملكة، والزيادة في بعض الضرائب ..... 
بداية وقبل الإجابة على هذه الأسئلة ، نرى من الفائدة الإشارة أنه طبقا  للفصل 81 من الدستور " يمكن للحكومة أن تصدر ، خلال الفترة الفاصلة بين الدورات ، وباتفاق مع اللجان التي يعنيها الأمر في كلا المجلسين ، مراسيم قوانين ، يجب عرضها بقصد المصادقة عليها من طرف البرلمان خلال دورته العادية الموالية . ويودع مشروع المرسوم بقانون لدى مكتب مجلس النواب ، وتناقشه بالتتابع اللجان المعنية في كلا المجلسين، بغية التوصل داخل أجل 6 أيام إلى قرار مشترك بينهما في شأنه ، وإذا لم يحصل هذا الاتفاق ، فإن القرار يرجع إلى اللجنة المعنية في مجلس النواب. 

إذن من الناحية  الدستورية فإن من حق الحكومة أن تصدر مراسيم قوانين بين الدورتين ، حيث إن الحكومة حسب إفادة موقع رئيس الحكومة أدرجت  هذا المشروع مرسوم بقانون  في جدول أعمالها  بتاريخ 31 يوليوز 2014 وصادقت عليه ، ثم أحالته على مكتب مجلس النواب وتمت مناقشته طبقا للمسطرة القانونية . غير أنه بالاطلاع على جدول أعمال هذا المجلس في موقع الأمانة العامة للحكومة لم يدرج ضمن النقط  المدرجة للنقاش .

ولكن وتجاوزا ، ولنعتبر ما ورد في إفادة موقع رئيس الحكومة صحيحا لنا أن نتساءل  ما هو تاريخ العمل بالمرسوم قانون ، هل فعلا من تاريخ النشر بالجريدة الرسمية ؟ أم بعد  المصادقة عليه من طرف السلطة التشريعية ثم نشره بالجريدة الرسمية ؟ 
جاء في الفقرة الثالثة من الفصل 70 من الدستور ، بأنه "للقانون أن  يأذن للحكومة أن تتخذ في ظرف من الزمن محدود ، ولغاية معينة ، بمقتضى مراسيم تدابير يختص القانون عادة باتخاذها ، ويجري العمل بهذه المراسيم بمجرد نشرها.

وهذا يعني أن المرسوم بقانون المذكور يصبح ساري المفعول ابتداء من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية أي 2 شتنبر 2014.

وانطلاقا مما ذكر ، تكون الحكومة غير مخالفة للدستور فيما اتخذته من مرسم بقانون على الأقل من الناحية المسطرية الدستورية. 

لكن الدراسة المتأنية لهذا المرسوم بقانون ، تجعل الدارس يطرح جملة من الأسئلة من الناحية الشكلية ومن ناحية الجوهر على المستوى الإداري. 

فمن حيث الشكل فإن القانون رقم 012.71 بتاريخ 30 دجنبر 1971 يعين بموجبه حد سن موظفي وأعوان الدولة والبلديات والمؤسسات العمومية المنخرطين في نظام رواتب التقاعد المدنية المنشور بالجريدة الرسمية عدد 3087 مكرر بتاريخ 31 دجنبر 1971 في عنوانه غير متطابق مع ما ورد في المرسوم بقانون رقم 2.14.596 الذي نحن بصدده ، حيث جاء فيه "بتتميم القانون رقم 012.71 الصادر في 30 دجنبر 1971 المحددة بموجبه السن التي يجب أن يحال فيها على التقاعد موظفو وأعوان الدولة والبلديات والمؤسسات العامة المنخرطون في نظام المعاشات المدنية. 

وهذا يعني أن هناك تحريفا في عنوان القانون موضوع التعديل . 
         ثم إن المادة الأولى من المرسوم بقانون تشير إلى أنه " يحدد ......في 65 سنة ، والحال أن الفصل الأول من القانون موضوع التعديل ينص على أنه " يعين في 60 سنة حد سن الموظفين والأعوان المنخرطين في نظام رواتب التقاعد المدنية غير أن حد سن القضاة وأساتذة التعليم العالي يعين في 65 سنة ".

فهل هذا يعني أنه تم استبدال مصطلح "يعين" في 60 سنة ب "يحدد في 60 سنة" ، وتم الإبقاء على يعين بالنسبة للقضاة وأساتذة التعليم العالي ؟ أم أن  مصطلح يحدد يسري على الجميع ؟

 أما من ناحية الجوهر فهناك جملة من الأسئلة ، تطرح  منها على الخصوص: 
ـ ما ذا لو أصيب المحتفظ به بمرض مزمن خلال فترة  الاحتفاظ، فهل يستفيد من الامتيازات التي يخولها له قانون الوظيفة العمومية ؟ 



ـ ما ذا لو رفض المحتفظ الاستجابة لمضمون هذا المرسوم بقانون وطلب إحالته على التقاعد في سنه القانوني . هل يعتبر مرتكبا لهفوة إدارية يتعين على ضوئها إحالته على المجلس التأديبي ، الذي قد يشتط ويقترح إحالته على التقاعد بدون معاش كعقوبة ؟ 

ـ هل يستفيد المحتفظ به من الترقية في الرتبة او الدرجة إذا صادف أنه خلال فترة الاحتفاظ استوفى شروط الترقي  إلى درجة أو رتبة  جديدة  ؟ 

ـ هل من حقه الترشح لمناصب المسؤولية خلال فترة الاحتفاظ ؟ 

ـ ما هي الطبيعة القانونية التي تربط المحتفظ به الموظف بالإدارة ، هل يدخل في عداد الموظفين النشيطين أم في وضعية نظامية أخرى.

  علما أنه طبقا لقانون الوظيفة العمومية  فإن الموظف يكون في وضعيات نظامية واردة على سبيل الحصر في الفصل 37 منه ( القيام بالوظيفة ـ التوقيف المؤقت عن العمل ـ الجندية ـ الإلحاق) ولا يوجد من ضمنها حالة الاحتفاظ.

ـ هل سيتم الاقتطاع من راتب الموظف من أجل صندوقي التقاعد  والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، رغم ان المعني بالأمر قد يكون استوفى شروط الاستفادة من أقصى معاش (العمل في الإدارة + 40 سنة ) ؟. 

هذه الأسئلة وغيرها لا نجد لها أجوبة في المرسوم بقانون موضوع المناقشة ؟ 

لذلك نرى بأن أسباب نزول هذا المرسوم بقانون ، غير معلنة ، هل فعلا كما يشاع أن سببها يعود إلى الرغبة في منح الشرعية لتصرفات كانت تنظم بمنشور، وجاء الوقت لتنظيمها بقانون تحت إلحاح من الخزينة العامة للمملكة ، أم ان الأمر لا يعدو ان يكون جس نبض  فئة الموظفين وأعوان الإدارات عامة ورجال التربية والتعليم العالي خاصة  ومن خلالهم النقابات الجادة، قبل الدخول في الحوار الاجتماعي ، علما أن ما يسمى بقانون إصلاح التقاعد، قد أحيل على المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي  للدرس وإبداء الرأي ، عوضا أن يحال على المجلس الأعلى للوظيفة العمومية طبقا للقانون.

إن الدستور يفرض أن تقول  النقابات والمعارضة قبل الأغلبية رأيها في الموضوع، لكن الاتجاه يسير نحو فرض الأمر الواقع.

 لذلك نرى أنه يتعين تنظيم مناظرة وطنية حول أنظمة التقاعد يكون مكانها فضاء الجامعات ومركز التكوين يشارك فيها كل المهتمين  والفاعلين وفقهاء القانون والإداريين والأطباء النفسانيين وعلماء الاجتماع، لأن التقاعد شأن عام الأهم فيه الموارد البشرية قبل التوازن المالي .   

بقلم ذ العربي محمد مياد
أستاذ باحث
 


أعلى الصفحة