//

 
القانون الاجتماعي

بقلم ذ محند بوكوطيس
باحث في العلوم القانونية
تحت عدد: 380
بمصادقة لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب

على مشروع القانون رقم 19.12 بتحديد شروط الشغل والتشغيل المتعلقة بالعمال المنزليين، يعود الجدل القانوني والسياسي حول وضعية الفئات من جديد إلى صلب النقاش المجتمعي، وبالتحديد حول فئة الأطفال أو القاصرين والتي ماتزال وضعية هذه الفئة في النظام القانوني المغربي مثار نقاشات فقهية وتجاذبات سياسية وايديولوجية لا تسلم منها النصوص القانونية.

اختار مجلس النواب إذن المصادقة على القانون المذكور (في انتظار جلسة التصويت العامة) والذي يسمح بتشغيل الأطفال أقل من ثمانية عشرة سنة (18) كعمال منزليين، بأن نصت المادة السادسة من مشروع القانون المصادق عليه على أنه: " يمنع تشغيل الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 16 سنة كعمال منزليين. أما بالنسبة للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم ما بين 16 و18 سنة فيجب أن يكونوا حاصلين من أولياء أمورهم على إذن مكتوب مصادق على صحة إمضائه، قصد توقيع عقد الشغل المتعلق بهم ".

يطرح سن التشغيل ليس فقط في مجال العمل بالمنازل، إشكالية قانونية حقيقية في النظام القانوني المغربي، والذي لم يحسم بعد في المركز القانوني للأطفال داخل النظام القانوني، إلى حد تناقض المقتضيات القانونية المنظمة لوضعية الأطفال بين ثنايا مختلف القوانين، فقد طرح سن التشغيل عند مناقشة مدونة الشغل لسنة 2003، وها هو يطرح من جديد على مستوى قانون العمال المنزلين والذي كانت مدونة الشغل قد أحالت عليه من خلال المادة الرابعة مع تسمية "خدم البيوت" والتي تغيرت مع مشروع القانون المصادق عليه، لكن هذه المرة طرح وسيطرح النقاش أكثر حدة والذي من المرتقب أن تكون هناك تبعات حتى بعد التصويت على القانون وصدوره بالجريدة الرسمية، والتي قد تصل إلى مساءلة المغرب عن التزاماته الدولية في مجال حقوق الإنسان عبر مختلف الآليات الدولية المرصودة لمتابعة تنفيذ هذه الالتزامات على مستوى الممارسة.

إن نقاش سن التشغيل في الحقيقة نقاش قانوني أكثر منه سياسي في العمق، ذلك أنه في نهاية المطاف يتعلق الأمر باختيار الدولة للمرجعية المؤطرة للنصوص القانونية المنشئة للحقوق، على ضوء التراكمات الفقهية والقضائية على مستوى الممارسة، بالرغم من عدم إمكانية استبعاد البعد السياسي والإيديولوجي والتطور السوسيولوجي للمجتمع في التدخل لحسم القاعدة القانونية في اتجاه معين.

لا شك أن وضعية الأطفال الحقوقية بالمغرب على مستوى الواقع ما تزال كارثية بكل المقاييس (التقارير الرسمية الصادرة عن المؤسسات الدستورية كمندوبية السامية للتخطيط والمنظمات غير الحكومية وبعض التقارير الدولية تؤكد ذلك)، فماتزال نسبة الأطفال الذين يشتغلون وفي ظروف قاسية في أحيان كثيرة مرتفعة، دون الحديث عن ظاهرة أطفال الشوارع ووفيات الأطفال والهدر المدرسي والأطفال الموجودين في وضعية صعبة، والتي تجعل القول أن وضعية أطفال المغرب الحقوقية ليست على ما يرام، وهو ما يطرح على الدولة تحديات جمة للنهوض بأوضاع الأطفال وكفالة حقوقهم الطبيعية.

 ويبقى سبيلها الأول في ذلك وضع قوانين تصون حقوق هذه الفئة وتوفر لها الحماية القانونية اللازمة، إن على مستوى الاجتماعي والمدني، أو على المستوى الزجري، حتى تكون هذه الفئة في منأى عن أي هدر لحقوقها، أو استغلالها كفئة ضعيفة وهشة داخل المجتمع.

لقد جاء مشروع القانون رقم 19.12 ليملئ الفراغ القانوني الذي ظل النظام القانوني المغربي يعرفه في مجال تنظيم العمل بالمنازل، وهو المجال الذي تشتغل فيه فئات كثيرة من المجتمع المغربي ولاسيما من النساء والفتيات المنحدرين من أسر فقيرة من العالم القروي، واللواتي يشتغلن في البيوت بدون أي حماية قانونية أو إطار قانوني ينظم عملهن المهني هذا، والواقع يبين أن المشتغلين بالمنازل أغلبهم من الأطفال أقل من 18 سنة، هذا الواقع اليومي الذي يعيشه الآلاف من الأطفال المغاربة يحتم على الدولة التدخل لسن تشريعات تمنع تشغيل الأطفال أقل من 18 سنة، على اعتبار المكان الطبيعي للطفل هو المدرسة للتكوين والتعلم واكتساب المهارات التي تؤهله أن يكون فردا فاعلا داخل مجتمعه مستقبلا، وليس العمل والتشغيل في الحقول والمصانع والمنازل.

لقد اختار المغرب أن يكون دولة حديثة، فقد جاء في تصدير الدستور: "إن المملكة المغربية، وفاء لاختيارها الذي لا رجعة فيه في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، تواصل بعزم مسيرة توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة". ودولة حديثة لا يمكن أن تكون إلا جديرة بأطفالها من خلال توفير كل الإمكانيات وسبل رعاية وكفالة جيدة تحفظ حقوقهم، ولو تطلب ذلك تضحيات جمة في سبيل تحقيق ذلك.

إن الشخص البالغ أقل من 18 سنة هو في حكم الطفل، فنجد الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل لسنة 1989 والتي صادق عليها المغرب سنة 1993 (نشرت في الجريدة الرسمية عدد 4440 بتاريخ 19 دجنبر 1996) قد حددت مفهوم الطفل في المادة الأولى على أنه: " لأغراض هذه الاتفاقية يعني الطفل كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة (18) سنة ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه".

والطفل على مستوى السيكولوجي والاجتماعي والتربوي بحاجة إلى معاملة وعناية خاصتين، ولا يمكن مساواته في أي حال من الأحوال بالشخص الراشد، فيجب أن يكون للطفل اعتباره الخاص داخل المجتمع، وأي انزياح عن هذا الإطار يجعل المجتمع يعيش في وضعية غير سليمة.

إن من المبادئ العامة للقانون المتعارف عليها في العلوم القانونية أن الشخص لا يكتسب الشخصية القانونية التي تؤهله لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات إلا بتوفره على الأهلية القانونية والتي تحدد وفق التشريع المدني للدولة والذي يحدد الحد الأدنى للسن لبلوغ هذه الأهلية.

وبالرجوع إلى التشريع المغربي نجد القانون المدني هو المؤطر لمسألة الأهلية القانونية من خلال قانون الالتزامات والعقود، والذي نجده هو الآخر يحيل على قانون الأحوال الشخصية من خلال مدونة الأسرة في تحديد سن هذه الأهلية. (الأهلية المدنية للفرد تخضع لقانون أحواله الشخصية-الفصل 3 من قانون الالتزامات والعقود-). وهي الأهلية التي نجدها بالتحديد في المادة 19 من مدونة الأسرة والتي حددت بلوغ سن الرشد القانوني في ثمانية عشرة سنة شمسية كاملة.

بل وإنه تعتبر أحكام الأهلية طبقا للمبادئ العامة للقانون وللاجتهادات الفقهية والقضائية من النظام العام، بحيث يشكل أي اتفاق على مخالفة أحكام الأهلية باطلا، كما أن هذه الأحكام يمكن إثارتها دائما أمام القضاء، ويمكن دائما لهذا الأخير أن يثيرها بشكل تلقائي.

إن تحديد سن التشغيل في أقل من 18 سنة منتقد من عدة أوجه، ولاسيما القانونية المحضة، فالطفل غير مؤهل من الناحية القانونية لتحمل الالتزامات ولا يملك أهلية إبرام العقد، وأن مشروع القانون المصادق عليه بالرغم من تنصيصه على كون الحصول من أولياء أمور الأطفال أقل من 18 سنة على إذن مكتوب مصادق على صحة إمضائه، قصد توقيع عقد الشغل المتعلق بهم، لا يستقيم من الناحية القانونية، ذلك أن القانون المدني نص على كون كل شخص أهل للإلزام والالتزام ما لم يصرح قانون أحواله الشخصية بغير ذلك، وقانون الأحوال الشخصية المغربي والحالة هذه يصرح بغير ما ورد في مشروع قانون العمال المنزلين، بتحديد لسن الأهلية القانونية في ثمانية عشرة سنة، هذا دون الحديث عن التبعات التي تترتب عن عدم إرادة الطفل في العمل وإمكانية إكراهه على التشغيل طبقا لمقتضيات عقد لم يوقع عليه ولم تكن إرادته منشئة له.

إن المقتضيات الدستورية الواردة في الدستور المغربي هي الأخرى لا تسعف واضعي مشروع قانون العمال المنزلين في الدفاع عن تشغيل الأطفال أقل من 18 سنة، بل على العكس من ذلك قد تطرح المقتضيات المتعلقة بسن التشغيل الواردة في المشروع المذكور على محك عدم دستوريتها، فالفصل 32 من الدستور في فقرته الثالثة نص على أنه: " تسعى الدولة لتوفير الحماية القانونية، والاعتبار الاجتماعي والمعنوي لجميع الأطفال، بكيفية متساوية، بصرف النظر عن وضعيتهم العائلية.

وتضيف الفقرة الرابعة في انسجام مع ما سبقها: "التعليم الأساسي حق للطفل وواجب على الأسرة والدولة".

إن توفير الحماية القانونية للأطفال لا يكون بوضع قوانين تسمح بتشغيل واستغلال الأطفال في العمل، بما فيها العمل المنزلي، والذي قد يحوي، وهو أمر غير مستبعد كما تشهد بذلك العديد من الحالات الواقعية على أعمال شاقة على الطفل والذي تعتبر في الأصل أعمال ممنوعة على الأطفال ممارستها حتى في ظل المقتضيات التي تسمح بتشغيل الأطفال أقل من 18 سنة.

إن الملفت في مشروع القانون المصادق عليه، أن واضعيه لم يلتفتوا إلى توصيات أهم مؤسستين دستوريتين يتعلق اختصاصهما بمجال حقوق الإنسان بشكل مباشر، ويتعلق الأمر بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والذي اقترح بعد استعراضه للمعايير الدولية ذات الصلة بالموضوع وللقوانين المقارنة، على أن يكون السن الأدنى للاستخدام في العمل المنزلي هو 18 سنة، ونفس الأمر بالنسبة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والذي أوصى هو الآخر بمنع قبول أطفال جدد دون 18 سنة في العمل المنزلي ابتداء من تاريخ دخول القانون حيز التنفيذ.

إنها لمفارقة ألا يتم أخذ بعين الاعتبار اقتراح مؤسسات دستورية لها مصداقيتها واستقلاليتها القانونية في تناول المواضيع التي تدخل ضمن مجال اختصاصها، ويطرح هذا الأمر إشكالية عويصة في علاقة المؤسسات الدستورية بالسلط الثلاث، وجدوى وجود مؤسسات دستورية لا تؤثر في مواقف الفاعلين السياسيين، وفي السياسات العمومية التي تدبرها السلطة التنفيذية، وفي القوانين التي تشرعها السلطة التشريعية.

وإنها لحسرة أن لايزال تشغيل الأطفال أقل من 18 سنة موضوع نقاش عمومي، في حين من المفروض أن المركز القانوني للأطفال في النظام القانوني المغربي قد حسم من زمن بعيد، بإقرار الحماية القانونية، وفي مقدمتها منع تشغيل الأطفال.

 

 

لائحة المراجع:

-        الدستور المغربي لسنة 2011.

-       مشروع قانون رقم 19.12 بتحديد شروط الشغل والتشغيل المتعلقة بالعمال المنزليين.

-       قانون الالتزامات والعقود (الفصول من 3 إلى 13 المتعلقة بالأهلية).

-       المادة 19 من مدونة الأسرة لسنة 2004.

-       الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل لسنة 1989.

-       مذكرة المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول شروط الشغل والتشغيل المتعلقة بالعمال المنزليين.

-       مذكرة المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول مشروع قانون العمال المنزليين.

بقلم ذ محند بوكوطيس
باحث في العلوم القانونية
 


أعلى الصفحة