القانون العام

بقلم ذ طيب العياد
باحث مختص في سوسيولوجيا الجمعيات والتنمية المحلية مختبر الدكتوراه:الإنسان والمجال المتوسطي جامعة محمد الخامس الرباط-المغرب
تحت عدد: 236
1. تقديم:
قليلة هي الدراسات العلمية والإستوغرفية التي انشغلت

بالسؤال الجمعوي بالمغرب،فبغض النظر عن المعطيات الرسمية التي تقدمها التقارير والأبحاث التي تقوم بها الجهات الرسمية الوصية أو المعنية،يصعب مصادفة دراسات سوسيولوجية فهمية وتحليلية تتناول الفعل والظاهرة الجمعويين بالمغرب بالنظر لما يمثلانه من قيمة قيمية داخل المجتمع والمشهد التنظيمي السياسي والمدني بالمغرب.

فالإمتدادات الوجودية والتشريعية للجمعيات بالمغرب تعود إلى مراحل ما قبل الإستقلال،بل ويمكن القول أن مجموعة من البنيات التنظيمية المسماة تقليدية بالمجتمع المغربي تؤصل في وظائفها ومبادئها وقيمها للتنظيمات الجمعوية في شكلها المتقدم...

وفي غياب مراجع علمية دقيقة تتيح البحث في هذا الشق،سأكتفي بتناول الظاهرة الجمعوية بالمغرب في بداياتها وتطورها ومرجعياتها التنظيمية من فترة الحماية،وخصوصا من 1914 سنة صدور أول نص تشريعي منظم للجمعيات بالمغرب.

أ) سياق ميلاد الجمعيات بالمغرب

يعتبر محمد عابد الجابري:"أن المجتمع المغربي إلى حدود الثلاثينات من هذا القرن؛وهو تاريخ الميلاد الرسمي للحركة الوطنية،كان مجتمعا تؤطره القبيلة والزاوية،فلقد كان هناك إطاران اجتماعيان وحيدان ومتداخلان ينظمان أفراد المجتمع المغربي،هما القبيلة والطريقة الصوفية أو الزاوية،أما الدولة(دولة المخزن قبل الحماية) فقد كانت جهازا فوقيا يستمد سلطته وفاعليته بل ووجوده من نوع العلاقة التي يقيمها مع الإطارين المذكورين."[1]

وكما تمت الإشارة إلى ذلك؛يصعب القيام بتحديد بداية معينة للعمل الجمعوي بالمغرب بشكل مطمئن علميا،فأمام غياب مراجع علمية مختصة في الموضوع[2]وتباين تقدير ذلك استنادا إلى اعتبارات ذاتية وإيديولوجية؛يبقى أمامنا توسل بعض المحددات التي من شأنها إعانتنا على فهم سياق ميلاد الجمعيات بالمغرب.

فأمام تضارب الرأي في اعتبار الجمعيات امتدادا روحيا ومعنويا للبنيات التنظيمية؛ التي سادت المجتمع المغربي خلال قرون سابقة وإن تغايرت في بنيتها،باعتبار هذه الأخير بنية تنظيمية متمايزة في خضوعها للضبط والتنظيم القانونيين قبل اختلاف منطق اشتغالها...مما يعني أن هناك توجها نحو رسم القطيعة وبالتالي القول بإمكانية التحديد الزمني للحظات البداية.

وإذا سلمنا بأن القوة القانونية ثابتة في العمل الجمعوي وجودا وعدما،فهذا يعني أن النص التشريعي في هذا المجال يمكن اعتباره مدخلا لتلمس بداياته الأولى.

ويتقدم ظهير 1914 الذي أقرته سلطات الحماية كأول نص تنظيمي مرجعي في مجال"ضبط وتنظيم تأسيس الجمعيات بالمغرب".

ولم يكن السياق السياسي في تلك الفترة التاريخية يتيح أو يشجع على تأسيس جمعيات وفق الشرط التشريعي القائم،على اعتبار الحساسية "الوطنية"من كل ما يأتي من السلطة الكولونيالية،و كنوع من رد الفعل على عدم الموافقة عليها كنظام أو على آليات الضبط والإدماج التي تقيمها؛وتبغي من خلالها تبيئة المجتمع مع منظورها الكولونيالي،خصوصا أنه وإن كان مستمدا من القانون الفرنسي المنظم للجمعيات الساري حينها،فقد تم تعديله ونسخ كل الحقوق وهوامش الحرية التي تتمتع بها الجمعيات في فرنسا.

غير أن هذا التعاطي السلبي مع هذه المبادرة لن يدوم طويلا؛حيث سينتقل الوعي التنظيمي لدى الشباب المغربي ويعرف تحولا ذكيا نحو استثمار هذه الإمكانية ضد الوجود الإستعماري نفسه، نظرا لإمكانيات التواصل وحرية التحرك التي يتيحها غطاء العمل الجمعوي وأهدافه المعلنة لخدمة الأجندة النضالية؛وجعلها تلعب دورا إعلاميا وتنسيقيا متميزا ساهم في تيسير العمل النضالي وانسيابية أخباره داخل المجتمع المغربي.

وشهدت هذه المرحلة تأسيس الحركة الوطنية لأول جمعية وطنية يوم 7 أكتوبر 1932: الاتحاد الرباطي السلاوي و هي جمعية ذات طابع كشفي.

وإذا كان السياق السابق قد حكم لحظة الميلاد التاريخي للجمعيات في المغرب،فإنه وعلى ذات المنوال يمكن اعتبار أن هناك سياقات أخرى لاحقة تحكمت وتدخلت في ازدياد ميلاد جمعيات لاحقة،فعلى سبيل المثال كان للصراع الذي خيم على علاقات بعض الفاعلين السياسيين مع نظام الحكم دوره وتأثيره في ميلاد جمعيات أخرى لأهداف ذات صلة ضيقة بما كان يجري،وقد كان تأسيس تلك الجمعيات يأتي على شكل هجوم من التشكيلات السياسية وهجوم مضاد من الجمعيات"الإدارية" التي تؤسسها الدولة للمواجهة وحفظ التوازن.

كما أن آخر سياق يمكن اعتباره محطة فارقة في تاريخ الجمعيات بالمغرب؛هو ما بعد سنة 2005،والتي تصادف إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية؛وما تبعها من موضة التناسل المطرد في تأسيس الإطارات الجمعوية لاعتبارات متنوعة سيلي شرحها في حينه،حيث أربع من أصل عشر جمعيات أسست خلالها.

ويمكن اعتبار-على الأقل من الناحية الإجرائية-هذه السياقات هي التي ساهمت في ميلاد الجمعيات بالمغرب،وطبعت بداياتها التاريخية والتأسيسية الأولى بعد ذلك.

أما بمنطقة البحث وجهة سوس عموما؛فقد عرفت تزايدا ملفتا في عدد الجمعيات المحدثة وذلك منذ أواسط الثمانينات حوالي 1140 جمعية سنة 2001 منها 90٪ بالعالم القروي،وبوتيرة متصاعدة كذلك تشكل النسيج الجمعوي بتفراوت منذ أواسط التسعينات.

ومرد ذلك هو كون المغرب كان يعيش ظروفا اقتصادية صعبة،فرضت عليه تبني سياسة صندوق النقد الدولي و البنك العالمي،التي توصي في مجملها  بتقليص نفقات الدولة في مجال القطاع الإجتماعي العمومي مع العمل على الانسحاب من هذا الأخير في أفق خوصصته،وهو ما دفع بالدولة إلى تشجيع المجتمع المدني على  خلق جمعيات تنموية قصد المشاركة في تحقيق نمو سوسيواقتصادي للمجتمع بانخراط كل فعاليات المجتمع فيه،وكذا من أجل استفادة كل جهات وفئات المجتمع منه وبشكل خاص ساكنة العالم القروي،الذي يعيش خصاصا ملحا في كل مناحي التنمية ،وأن إمكانيات الدولة لن تسعفها في تقديم كل ما يتطلبه الوضع التنموي في هذا المجال ذي الخصوصية.

كما أن من رهانات الدولة وراء تشجيع تأسيس الجمعيات،تفويضها بعضا من مسؤوليتها في تأطير المواطنين وضبط المجتمع عبر تكريس سلطة القانون كمرجع للفصل والاحتكام والنظام.

وإذا كانت الجمعيات الأكثر نشاطا في المغرب هي التي تستفيد من الدعم والتمويل الدولي فإنه في جهة سوس نجد أن الجمعيات تبدأ عملها بالاعتماد أولا على ما هو محلي وتوظف ما يتيحه من إمكانيات،ثم تتجه لتجلب الدعم العمومي أو الدولي بحسب متطلبات المشاريع.و يعزى هذا الشكل من العمل المنطلق ابتداءا مما هو محلي؛إلى كون هذه التنظيمات تشتغل عن طريق مبدأ أو مؤسسة "التعاون" كما هي معروفة محليا،مما يجعل عملها الجمعوي هذا منبثقا من القيم والثقافة المحلية وليس شكلا من النموذج الأوربي.

ويبقى أهم سبب ساهم في ميلاد الجمعيات في سوس مثلا،هو الدور الكبير للمهاجرين من أبناء المنطقة في تقديم ما أمكن من مساعدات للقرى التي يتحدرون منها،خصوصا منهم المهاجرين خارج المغرب بفرنسا وهولاندا وبلجيكا بشكل خاص،وقد اتخذت مساعداتهم عدة أشكال كتمويل مشاريع بناء الطرقات لفك العزلة،وحفر الآبار لتوفير المياه الصالحة للشرب وبناء المساجد، وكذلك تنظيم المواسم أيام العطل والاحتفالات الديني.

فمنذ سنوات الثمانينات عمل هؤلاء المهاجرون على خدمة مناطقهم بواسطة الجمعيات كآليات وكيانات قانونية تسهل هذا العمل، كما تتيح لهم التدخل وتتبع التمويلات والمشاريع التي ينجزونها لفائدة دواويرهم (كشراء سيارات الإسعاف؛الأدوية؛والكهربة....).[3]

وقد نتج عن ذلك دينامية جمعوية خلقت تنافسا بين المهاجرين لخدمة مناطقهم؛ وخاصة مع تزايد الإحساس لدى الساكنة باستقالة الدولة عن معالجة مشاكلهم،وبالتالي تعزيز الاقتناع بضرورة الاعتماد على الإمكانيات الخاصة للساكنة وما قد يدعمها به أبناؤها المهاجرين.

ولعل أبرز مثال يجسد هذا الوعي التنموي والتنظيمي لدى هؤلاء المهاجرين،هو تلك الجمعية التي أصبحت رمزا ومرجعا في هذا المجال،وهي جمعية׃الهجرة و التنمية[4]التي ساهمت في خلق عهد جديد للتعاون و التكامل بين جمعيات المهاجرين والجمعيات المحلية.وهي تقدم نفسها بديلا للدولة التي لم تقم بإنجاز الشيء الكثير لمساعدة الساكنة على واقع تنموي صعب،برغم استفادة الدولة مما تتمتع به المنطقة من خيرات معدنية ثمينة لا تعود بأي شيء على الساكنة أو المنطقة.إلا أن الأجيال المتأخرة من الجمعيات خصوصا منها المؤسسة منذ نهاية التسعينات،من طرف أبناء المنطقة المهاجرين داخليا والذين توفر لهم نصيب من التعليم أو من الرأسمال الاجتماعي الذي حققوه بفضل ما استطاعوا مراكمته من ثروات من التجارة،فتحت لهم مجالات علائقية متعددة مع الجهات الإدارية المركزية خاصة بالرباط والدار البيضاء والقنيطرة،فبدأ الاشتغال عبر شبكة العلاقات المشكلة في المدن؛وبدأت تسود ثقافة جديدة في العمل تقوم على الوعي بوجود إمكانيات وفرص للاستفادة من الدعم المالي مقدم من مؤسسات عمومية لفائدة ساكنة العالم القروي.لذلك نجد اتجاه بعض الجمعيات نحو البحث عن تمويلات لمشاريعها وبشكل خاص من طرف وكالات التنمية الدولية وبشكل أخص من اليابان.وإذا كان الواقع التنموي بتافراوت هو ما فرض تأسيس جمعيات تنموية محلية تضطلع بمهمة التغلب على صعوبات الحياة جراء انعدام أبسط شروط العيش الكريم،من ماء صالح للشرب والكهرباء و المستوصفات وطرقات تفك عنها العزلة،في مقابل الاستغلال المتواصل للدولة للثروات الطبيعية دون تخصيص أي شئ من عائداتها لتنميتها،فإن مقدمات ظهور هذه التنظيمات المحلية تعود إلى دور المهاجرين من أبناء المنطقة ورغبتهم في خدمتها وتنميتها،                                              إلا أن ذلك تم عبر آلية وجدت لها تقعيدا في بلاد المهجر وهي الجمعية؛في حين أن الآلية التي كانت معتمدة وسائدة في المنطقة،هي مؤسسات لجماعت وغيرها التي كانت تختص بأدوار التدبير وتسيير الشأن المحلي كما يوضح ذلك هذا البحث.

ب) مراحل تطور العمل الجمعوي بالمغرب

يتم التمييز عادة خلال مقاربة تطور العمل الجمعوي بين مجموعة من المحددات والمؤشرات التي يتم اعتمادها علامات فاصلة وانتقالية لاعتبار من الإعتبارات...

ولأن الحديث عن المراحل والتطور هو في الصميم فعل تاريخي أكثر منه تأريخي،فإن أول وأكثر مرجع في نظري يمكن الإستناد إليه في هذه العملية المعرفية؛هو طلب واستحضار السياق العام – الوطني والإقليمي والدولي- باختلاف مكوناته وجوانبه والنفاذ عبره لتقطيع رمزي لمراحل تطور العمل الجمعوي بالمغرب،وهي مراحل إجرائية أكثر منها حدود إبستيمولوجية أو علمية صرفة.

فغالبا ما يتم وضع حدث أو مجموعة أحداث مرجعية لشرعنة الإختيار في هذا الصدد،ويتم تقديمه وفق منطق معين يضفي عليه القبول على الأقل من الناحية الإجرائية الخاصة بالإطار العام الذي يحكم المحاولة في هذا الباب،وهكذا ستتم مرحلة تطور العمل الجمعوي بالمغرب على النحو التالي:

- المرحلة الأولى ما بين 1914-1955:

قام البدء التاريخي من هذه الفترة على أساس أنها السنة التي عرفت ميلاد أو آلية تنظيمية تتيح ظهور وممارسة العمل الجمعوي بالمغرب خلال فترة الحماية،حيث تم استنساخ القانون الفرنسي الصادر سنة 1901 الخاص بالجمعيات،وتمت إعادة ضبط مقتضياته بما يتيح للنظام الحمائي آنذاك الضبط الأمني في المقام الأول.

ورغم ذلك فقد مثل حينها هذا النص التشريعي إطارا يرخص ويسمح للشباب المغربي بالتعرف على الآلية الجمعوية؛كإمكانية عمل مدنية يمكنهم عبرها المرور إلى المجتمع عبر قضاياه الملحة حينها وفي صدارتها مسألة الإستقلال...ولقد أثيرت حينها نقاشات تهم العمل الوطني والهوية الوطنية وكيفية تسخير الجمعيات للتنظيم واعتمادها بدائل للتحرك والتواصل والمقاومة...

 

 

- المرحلة الثانية ما بين 1956-1975:

وهي فترة ما بعد الإستقلال وقد عرفت إصدار أول نص قانوني لتنظيم الجمعيات بالمغرب،والذي أثر بشكل كبير على واقع العمل الجمعوي؛سواء من حيث أهدافه وبنيته ومجاله وحتى إيديولوجياه...

وقد تأثر العمل الجمعوي بخصوصيات العمل السياسي خلال هذه الفترة،حيث شهدت بداية توتر العلاقة بين نظام الحكم والتشكيلات السياسية والمهنية القائمة خاصة منها ذات الإيديولوجية اليسارية بمختلف تياراتها أو حتى في ما بين هذه الأخيرة،مما أنتج خطابا تصعيديا غذاه الإنشقاق الذي طال حزب الإستقلال؛واتجاه منتسبيه نحو العمل الجمعوي بتأسيس منظمات وجمعيات موازية،عملوا من خلالها على استقطاب المتعاطفين وتأطيرهم.

وقد شهدت هذه المرحلة ميلاد أشهر المنظمات الوطنية العاملة في مجال الطفولة والشباب،كحركة الطفولة والشعبية،والجمعية المغربية لتربية الشبيبة،جمعية الشعلة للتربية والثقافة...استلهمت روح خطاب حركة التحرير الوطني.كما عانت من تواضع وسائل العمل والتضييق من السلطات العمومية علاقة بالصراع السياسي والأيديولوجي القائم آنذاك.[5]

- المرحلة الثالثة ما بين 1976-1990:

اتسمت هذه المرحلة باتساع الرقعة الجغرافية للعمل الجمعوي جهويا ومحليا،حيث اتخذ من التنمية هدفه؛ومنه من تم تأسيسه من طرف الدولة أو رعاية ودعم هذه المبادرات التي تكلف بها محسوبون على الإدارة العمومية،أو على الأحزاب اليمنية والوسطية بهدف تثبيت التوازن داخل المجتمع المغربي[6] وعدم ترك الفراغ كليا لتيارات الإسلام السياسي واليسار بمختلف مشاربه...وهي الخصوصيات التي ميزت عشرينية السبعينات والثمانينات.وهو ما كان له تأثيره السلبي على كبح المد الجمعوي باعتباره حينها صفة أو تهمة موجبة للتضييق والإستجواب والتهميش من السلطات الإدارية والأمنية...

- المرحلة الرابعة منذ 1990:

ويمكن اعتبار هذه المرحلة مرحلة النضج على مستوى الهيكلة أو الخطاب،حيث تطور تأسيس الجمعيات كما سنوضحه بعده،وأعيد بناء الخطاب الجمعوي باهتمامات واستشرافات جديدة،ساهم في بلوغها النضال الميداني والتفاعل التدريجي للسلطات السياسية معها،خصوصا أمام بروز نوع من النفور من العمل السياسي سواء لاعتبارات أمنية تضييقية من السلطة أو لفشل هذا الأخير في الإستجابة لانتظارات المواطنين وتحقيق متطلباتهم التنموية في معناها العام.

أضف إلى ذلك تنامي الحديث دوليا عن المجتمع المدني كفاعل وشريك في المجتمع سواء بسواء مع الدول،مما شجع على إدماجه في النقاش العمومي الداخلي بما أدى إلى تقديمه بديلا"نظيفا"و "تجربة عذراء"في تدبير الشأن العمومي،فكان الانفتاح على مجالات واهتمامات غير مسبوقة كالتنمية المحلية والبيئة ومحاربة الرشوة وحماية المستهلك والدفاع عن الثقافة والهوية الأمازيغيين....

هذه أبرز المراحل التي قطعها العمل الجمعوي بالمغرب،حيث ظهر مدى التفاعل القائم بين المعطى السياسي في كل مرحلة وواقع العمل الجمعوي،إلى غاية المرحلة الأخيرة التي يمكن وصفها بمرحلة التحرر والتجاوز وتحقيق الإستقلالية عن الوصاية والتأثير السياسي المباشر،خصوصا مع اتجاه الدولة نفسها لطلب هذه الخدمة؛وتخصيص أشكال من الدعم المادي والقانوني لها،لتصبح فاعلا قائم السلطة بالمغرب.

2. الإطار القانوني والمؤسساتي للعمل الجمعوي بالمغرب

لا يمكن الحديث عن الجمعيات بالمغرب دون تناول إطارها التنظيمي،فهي قبل أن توجد؛وإن تباينت وتعددت أهدافها وأنشطتها...تبقى مخلوقا قانونيا بامتياز،يشترط إنتاجه واقعيا مدخلا إجرائيا و مسطريا يفضي استيفاؤه إلى تحصيل اعتراف مؤسساتي بميلادها...غير أن ذلك لا يعني عدم وجود ما يصطلح عليه إمكانية ما يصطلح عليه ب"الجمعيات بحكم الواقع"[7]Associations de fait،كما أن فهم الفعل الجمعوي بالمغرب قد يحتاج في نظري الإستعانة بالعقل التشريعي في هذا الإطار،هو ما سأوضحه بعده.

 

أ) مرجعيات العمل الجمعوي :

يستمد العمل الجمعوي مشروعيته من مجموعة من المرجعيات التي تشكل إطاره الحمائي وخلفيته الحقوقية،وتختلف هذه النصوص المرجعية بين ما هو دولي وما هو وطني؛بل إنها تتعدد حتى داخل الوطن...

فبالنسبة للمرجعيات الدولية؛نجد:

- المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛والتي تقضي بأن:"لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير،ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة،وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها على الآخرين بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود".

- المادة 20 من ذات الإعلان؛وتؤكد على أنه:

      1"لكل شخص حق في حرية الإشتراك في الإجتماعات والجمعيات السلمية.

      2"لا يجوز إرغام احد على الإنتماء إلى جمعية ما."

- المادة 21و22 من العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية،[8] التين تحددان معيار الحق في حرية تأسيس الجمعيات والتجمعات،وتنصان على:

  - المادة21:"يعترف بالحق في التجمع السلمي،ولا يجوز وضع القيود على ممارسة هذا الحق غير ما يفرض منها تماشيا مع القانون،والتي تستوجبها في مجتمع ديموقراطي في مصلحة الأمن الوطني أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الأخلاق أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم".

  - المادة22:" لكل فرد الحق في حرية المشاركة مع الآخرين بما في ذلك حق تشكيل النقابات او الإنضمام إليها لحماية مصالحه.

 - المادة 5 من إعلان حماية المدافعين عن حقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 دجنبر 1998،والتي تنص على أنه:"لغرض تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية يكون لكل فرد الحق؛بمفرده وبالإشتراك مع غيره وعلى الصعيدين الوطني والدولي في الإلتقاء أو التجمع سلميا،وتشكيل منظمات أو جمعيات أو جماعات غير حكومية،والإنضمام إليها والإشترك فيها؛والإتصال بالمنظمات غير الحكومي واو بالمنظمات الحكومية الدولية".

- المادة 7 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة[9] والتي جاء فيها:"تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في الحياة السياسية والعامة للبلد،وبوجه خاص تكفل للمرأة،على قدم المساواة مع الرجل الحق في:

       أ-.....

     ب-.....

    ج- المشاركة في أية منظمات أو جمعيات غير حكومية تهتم بالحياة العامة والسياسية للبلد.

- المادة 5 من الإتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري؛التي بمقتضاها تتعهد الدول الأطراف بحظر التمييز العنصري والقضاء عليه بكافة الأشكال وبضمان حق كل إنسان دون تمييز بسبب العرق أو اللون أو الأصل القومي أو الإثني،في المساواة أمام القانون،لاسيما بصدد التمتع بالحق في حرية الإجتماع السلمي وتكوين الجمعيات السلمية أو الإنتماء إليها".[10]

أما بالنسبة للمرجعيات الوطنية التي تؤطر عمل الجمعيات؛مشروعية وتنظيما وتفعيلا فنجد:

- الوثيقة الدستورية ونجد فيها المقتضيات النوعية التالية:[11]

الفصل 12:"تؤسس جمعيات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية وتمارس أنشطتها بحرية،في نطاق احترام الدستور والقانون.

لا يمكن حل هذه الجمعيات والمنظمات أو توقيفها من لدن السلطات العمومية؛إلا بمقتضى قرار قضائي.

تساهم الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام،والمنظمات غير الحكومية،في إطار الديمقراطية التشاركية،في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية،وكذا في تفعيلها وتقييمها.وعلى هذه المؤسسات والسلطات تنظيم هذه المشاركة،طبق شروط وكيفيات يحددها القانون.

الفصل 13:"تعمل السلطات العمومية على إحداث هيئات للتشاور،قصد إشراك الفاعلين الإجتماعيين،في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها.

الفصل 29:"حريات الإجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي،وتأسيس الجمعيات، والإنتماء النقابي والسياسي مضمونة.ويحدد القانون شروط ممارسة هذه الحريات.

الفصل 33:" على السلطات العمومية اتخاذ التدابير الملائمة لتحقيق مايلي:

 - توسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الإجتماعية والإقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد؛

 - مساعدة الشباب على اللإندماج في الحياة النشيطة والجمعوية،وتقديم المساعدة لأولئك الذين تعترضهم صعوبة في التكيف المدرسي أو الإجتماعي أو المهني؛

  - تيسير ولوج الشباب للثقافة والعلم والتكنولوجيا،الفن والرياضة والأنشطة الترفيهية،مع توفير الظروف المواتية لتفتق طاقاتهم الخلاقة والإبداعية في كل هذه المجالات.

يحدث مجلس استشاري للشباب والعمل الجمعوي؛من اجل تحقيق هذه الأهداف.

الفصل 111:" للقضاة الحق في حرية التعبير،بما يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية.

يمكن للقضاة الإنخراط في جمعيات،أو إنشاء جمعيات مهنية،مع احترام واجبات التجرد واستقلال القضاء،وطبقا للشروط المنصوص عليها في القانون.

يمنع على القضاة الإنخراط في الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية.

هذه إذن هي المرجعيات العامة التي يستمد منها العمل الجمعوي بالمغرب مشروعيته في الوجود كما في العمل، يمكن أن نضيف إليها نصوص أخرى ذات بعد إجرائي صرف سواء من الناحية التنظيمية أو على مستوى تدخل ونشاط تلك الجمعيات تحقيقا لأهدافها... كالقانون رقم 75.00 المنظم لحق تأسيس الجمعيات[12]؛والذي سأتناوله في سياقه الخاص من هذا البحث،نجد كذلك:

- الميثاق الجماعي ل 2002؛ الذي يقضي في مادته 38 التي تنص في فقرتها الخامسة على أن المجلس الجماعي يشجع خلق تعاونيات سكنية وجمعيات للأحياء...والمادة 41 في فقرتها الثانية التي تنص على أن المجلس الجماعي يشجع ويساعد التنظيمات والجمعيات ذات الطابع الإجتماعي والثقافي والرياضي...

كما أن تعديل 2011 على هذا الميثاق فرض بشكل واضح آلية مشاركة الجمعيات في تدبير الشأن التنموي المحلي،حيث نصت المادة 14 على إحداث لجنة استشارية لدى المجلس الجماعي بمسمى لجنة المساواة وتكافؤ الفرص؛تضم ممثلين عن الجمعيات والفعاليات المدنية المحلية باقتراح من رئيس المجلس الجماعي،ويطلب رأي هذه اللجنة من المجلس الجماعي في القضايا ذات الصلة بضمان تكافؤ الفرص والمساواة بين المواطنين وبين الجنسين...

- المنشور الوزاري رقم7/2003 الصادر بتاريخ 27 يونيو 2003،بخصوص تنظيم الشراكة بين الدولة والجمعيات؛من حيث وضع نموذج اتفاقية الشراكة ينظم جميع محاورها المبدئية والمالية...

- الظهير المؤسس للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي،رقم 1.08.153 الصادر في فبراير2009،حيث تنص المادة 11 منه على أن الجمعيات من المكونات الأساسية في تشكيلة المجلس.

- توصيات الحوار الوطني حول المجتمع المدني ل 13 مارس 2013؛والذي من أول غاياته تأهيل الجمعيات لتنزيل الدستور خاصة ما يتصل بالمساهمة في السياسات العمومية،كما هي مشار إليها في الفصلين 146 و139 من الدستور.

- إضافة إلى تشديد وتفضيل السلطات القائمة على تنفيذ المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لسنة200( على التعامل مع الجمعيات وإشراكها في المشاريع التنموية ومشاريع القرب؛لما توفره من ضمانات قانونية ومن إمكانيات عمل أكثر مرونة ونجاعة....

هذه هي أهم المرجعيات التي تؤطر العمل الجمعوي بالمغرب تنظيما وممارسة،ويبدو ومن خلال قراءة عامة،تسجيل اتجاه الجهات الرسمية نحو تمكين الجمعيات من آليات المساهمة والمشاركة في تدبير الشأن العام؛وقد اختلف في تقدير ذلك؛ما بين من اعتبره مؤشر على محدودية قدرات السلطات العمومية؛سواء من حيث فشل خياراتها السابقة،أو من حيث تزايد التحديات الواقعية عليها وكذا رغبتها في الإنسجام مع المقتضى الدولي في هذا الباب،حيث تبويئ المجتمع المدني صلاحيات أكثر لتولي مسؤولية تدبير الشؤون العام؛وما له صلة بالتنمية خاصة.

وفي غياب أي تقييم ولو أولي للواقع،توجد ردود أفعال متفرقة في الميدان تفيد بأن أجرأة وتنزيل تلك المقتضيات تشوبه مجموعة من النواقص التي تفقدها قيمتها المضافة،خاصة بوجود نوع من الممانعة أو على الأقل عدم الإستعداد او فهم روحها وأبعادها كما تغياها وتصورها المشرع المغربي.

 

 

ب) مظاهر تطور البنية الجمعوية بالمغرب:

يستدعي تتبع تطور العمل الجمعوي بالمغرب من الناحية المنهجية،رصد هذا التطور على المستويات الكمية والنوعية والمجالية؛وليس مجرد المراقبة العددية للجمعيات المحدثة.

وهكذا سأعمل على مقاربة هذا المحور من خلال إبراز التطور الكمي والنوعي والتوزيع المجالي للجمعيات منذ صدور الظهير المنظم لها سنة1958،كما تمت الإشارة إليه سابقا معتمدا في ذلك على إحصائيات الأمانة العامة للحكومة لسنتي 2003/2004،و إلى حدود سنة 2007 السنة المرجعية للبحث الوطني حول المؤسسات غير الهادفة للربح الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط.

وسيتم إبراز ذلك إحصائيا عبر المقارنة العشرية لتوالي السنوات؛كما يبينه الجدول التالي:

 

معدل التزايد اليومي

النسبة المئوية

عدد الجمعيات

العشرية   

0.60 جمعية في اليوم

7.43

2223

من 1958 إلى 1968

1

0.83 جمعية في اليوم

10.23

3058

من 1969 إلى 1979

2

1.49جمعية في اليوم

18.24

5452

من 1980 إلى 1990

3

4.37 جمعية في اليوم

64.08

19150

من 1991 إلى 2003

4

 

100٪

29883

المجموع

المصدر الأمانة العامة للحكومة 2003/2004

 

 

يظهر لنا من خلال معطيات هذا الجدول أن تطور عدد الجمعيات بالمغرب عرف في بداياته نموا ضعيفا منذ 1958 إلى غاية 1990،بينما عرفت العشرية الأخيرة من القرن الماضي انفجارا جمعويا ملفتا إذا بلغت نسبة الجمعيات المؤسسة فيها ما نسبته 64٪ أي ما يتجاوز ما عرفه مجموع الجمعيات المؤسسة خلال السنوات السابقة والبالغ 35.92٪.وسيكون لمجموعة من العوامل فعلها في هذا النمو؛كتحسن وانفتاح المناخ السياسي وبروز ملامح طبقة متوسطة؛ثم ارتفاع نسبة التمدن و التمدرس؛ثم إقبال ساكنة المجال القروي على تأسيس الجمعيات في ظل وجود بعض التشجيعات الرسمية أحيانا على ذلك.

ويفيد آخر مرجع إحصائي رسمي في هذا الصدد؛ أن العدد الإجمالي للجمعيات النشيطة بالمغرب هو 44.771 وحدة[13].،كما أن متوسط عمر الجمعيات النشيطة في المغرب يبلغ 4 سنوات سنة 2007.

ويبقى أن أشير على أن ضبط العدد الحقيقي للجمعيات النشيطة بالمغرب ليس بالأمر اليسير لعدة أسباب،

حيث هناك مجموعة من الجمعيات التي يمكن وصفها بالميتة قانونيا؛استوفت أجهزتها ولايتها التنظيمية ولم تعمد على تجيد هياكلها،كما توجد جمعيات أخرى لم تقم بأي نشاط يذكر منذ حصولها على وصل التأسيس لخلافات بين أعضائها أو حتى لاستقالة أغلبيتهم وعدم الدعوة لجمع عام استثنائي..

مما يبقي الإحصائيات القائمة معبرة بشكل معين عن بنك المعطيات الإداري أكثر منها ممثلة لواقع الممارسة الجمعوية.

وفيما يتعلق بالإنتشار الجغرافي لهذه الجمعيات،فقد أظهرت الأبحاث أنها تغطي كافة الجهات:

الجهات

النسبة المئوية من الجمعيات بها

1

جهة الرباط سلا زمور زعير

15.38٪

2

جهة الدار البيضاء الكبرى

14.40٪

3

جهة سوس ماسة درعة

13.08٪

4

جهة مكناس تافيلالت

8.76٪

5

جهة طنجة تطوان

8.68٪

6

جهة الشرق

8.10٪

7

جهة مراكش تانسيفت الحوز

6.09٪

8

جهة دكالة عبدة

5.30٪

9

جهة فاس بولمان

4.97٪

10

جهة الغرب الشراردة بني حسن

4.08٪

11

جهة تادلة أزيلال

3.65٪

12

جهة تازة الحسيمة تاونات

3.17٪

13

جهة الشاوية ورديغة

2.32٪

14

جهة كلميم السمارة

1.09٪

15

جهة العيون بوجدور الساقية الحمراء

0.67٪

16

جهة واد الذهب الكويرة

0.23٪

المصدر الأمانة العامة للحكومة 2003/2004

 

 

والملاحظ أن هناك جهات كبيرة مجاليا وكثافة ديموغرافية ولكن عدد الجمعيات يقل بها مقارنة مع جهات أخرى،وعلى سبيل المثال جهتي مكناس تافيلالت وسوس ماسة درعة مع جهة الرباط سلا زمور زعير بل وكلما انطلقنا من أقصى الجنوب(جهة واد الذهب لكويرة نحو العاصمة الإدارية يرتفع معدل الجمعيات)،وهو ما قد يعني أن تأسيس الجمعيات لا يخضع بالضرورة للمعطى السكاني أساسا أو المكانة الإقتصادية(كجهة الغرب الشراردة بني حسن4.08٪ والشاوية ورديغة2.32٪)؛بقدرما تتدخل عوامل أخرى في ذلك كالقرب من مركز السلطة الإدارية،وما يوفره المجال الحضري بها من أسباب التمدرس وأخذ المبادرة...وظهور أنماط جديدة للعيش أثرت في فئة الشباب بشكل خاص[14]،وعوامل أخرى لن تنكشف إلا بدراسات ميدانية في الموضوع.

وقد أبانت نتائج آخر بحث وطني للمندوبية السامية للتخطيط ل2007 حول الجمعيات، أن 3 جمعيات من أصل كل 10 جمعيات تتوطن بجهتي الرباط سلا زمور زعير؛ و جهة سوس ماسة درعة.

كما أنه واعتمادا على سنة التأسيس؛سجل ذات البحث أن أغلبية الجمعيات النشيطة خلال سنة 2007 هي وحدات حديثة التأسيس،ذلك أن ثمان جمعيات من أصل عشرة أنشئت خلال الفترة الممتدة من 1997 إلى 2007،وأربع جمعيات من أصل عشرة تأسست منذ إعلان المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005[15].

وفي مستوى آخر من مستويات  تتبع تطور العمل الجمعوي بالمغرب،نجد ارتفاعا ملحوظا لعدد الجمعيات ذات النفع العام.

وحيث أن القانون يخولها الإستفادة من دعم عمومي جد مهم وفق شروط تنظيمية ومسطرية خاصة،فقد كان الإقبال على استيفاء تلك الشروط ونيل صفة النفع العام بينا.وهكذا وصل العدد الإجمالي للجمعيات ذات النفع العام إلى غاية سنة 2004 حوالي 148 جمعية؛ما يناهز 0.5٪ من مجموع عدد الجمعيات،ومن ضمن 148 جمعية المشار إليه حصلت 98 جمعية على هذه الصفة/الامتياز خلال الفترة ما بين 1995 و 2004؛بينما بلغ هذا العدد 209 جمعية ذات نفع عام سنة 2014،يوجد أكثر من 80٪ منها بجهتي الرباط سلا زمور زعير والدار البيضاء الكبرى.

ورغم اختلاف وتعدد مستويات تدخلها؛فإن هذه الجمعيات تشتغل في مجالات متعددة كالتنمية والسكن والتربية والصحة والثقافة والرياضة والترفيه والدفاع عن الحقوق...،

حيث نجد مثلا أن 35.2٪ من الجمعيات النشيطة في مجالي التنمية والسكن،و27.1٪ في مجالات الثقافة والرياضة والترفيه.

بينما تنشط الجمعيات الحاصلة على صفة المنفعة العامة؛أساسا في المجالات التالية: 21٪ في مجال الصحة؛20٪ في مجال التنمية الجهوية؛19٪ في مجال حقوق الطفل؛18٪ في مجال الثقافة والفن.

يظهر مما تقدم عرضه من معطيات إحصائية وأخرى كيفية عن تطور العمل الجمعوي بالمغرب منذ بداياته الرسمية مع دولة الإستقلال سنة 1958[16]،على أنه عرف نمو خطيا لم ينحصر في التزايد الكمي بقدر ما امتد على طبيعة الفعل الجمعوي وتنوعه،ثم امتداده جغرافيا،وإن بنسب متفاوتة وموجبة للسؤال والبحث بين الجهات،علما أن تأثير المبادرة الوطنية للتنمية البشرية خلال العشرية الخيرة كان بمفعول بنيوي على المشهد الجمعوي المغربي في جميع تجلياتها ومساهمتها كقوة اقتراحية في الإضطلاع بالمسؤولية المدنية في المجال التنموي وتدبير الشأن المحلي عموما.

أما الإمكان البشري الذي يقوم عليه العمل الجمعوي بالمغرب؛فقد جاء في نتائج البحث الوطني حول المؤسسات غير الربحية أن 95.9٪ من الجمعيات مسيرة بمكتب تنفيذي فقط،و1.1٪ بمجلس إداري،و3٪ بمكتب تنفيذي ومجلس إداري معا.

ومن حيث التوزيع المهني لأطر الجمعيات،فهناك 16.9٪ هم أطر عليا أو يمارسون مهنا حرة،و14.8٪ هم أطر متوسطة، و14.6% هم مستخدمون،و8.2% هم حرفيون وعمال.

في ما يخص شروط عمل النسيج الجمعوي بالمغرب؛فتبقى غير ملائمة وبعيدة على أن تساعد تلك الجمعيات للقيام بأنشطتها في الظروف المواتية.

ومن المؤشرات على ذلك نجد مثلا أن أكثر من نصف الجمعيات لا تتوفر على مقر،وأن 94.7٪من الجمعيات لا تتوفر على محاسبة كما هو جاري العمل بها وتنظيمها قانونا.

وقد سجل ذات البحث ضمن نتائجه؛ وجود مجموعة من المعيقات التي تعترض الجمعيات في حسن أداء أنشطتها،منها على الخصوص الإفتقار لتجهيزات التسيير وانعدام التمويل،كما أن هذه الجمعيات تعتبر أن العمل التطوعي الذي كان ولازال الرأسمال الأول للعمل الجمعوي أصبح بدوره صعب المنال،حيث أصبح من الصعب إقناع المتطوعين للانخراط في مشروع الجمعية أو الاستمرار فيه.

 

خلاصة:

يتطلب التأريخ للعمل الجمعوي بالمغرب ضرورة اعتماد إجرائي لبعض الأحداث المرجعية، التي يمكن الإستناد عليها لرسم بداياته الوجودية أوالعملية،وهو ما يعني العودة إلى السياق العام الذي حكم بعض الفترات التاريخية للمغرب،خاصة ما ارتبط منها بسنوات قبيل وبعيد اللحظة الكولونيالية.

وهو الإختيار المنهجي الذي صادف التوفيق في إيجاد وتوفير نقط انطلاقة العمل الجمعوي بشكل موضوعي يمكن الرجوع إليها وحتى مناقشتها.

وبالنسبة لي فما دام المعطى المعطى الكولونيالي قائما بقوة و"نفوذ شمولي"داخل أجهزة وبنيات السلطة المركزية آنذاك،ما أتاح له امتلاك سلطة التنظيم وآلياتها...فإن السماح والترخيص بممارسة جمعوية يتوقف على ملء شروطه المنصوص عليها أو الموافقة لسياساته...

فكان بذلك النص التنظيمي الذي قنن و"أجاز" العمل الجمعوي بالمغرب،بمثابة اللحظة التأسيسية الأولى للمارسة الجمعوية بمعناها المتداول.

وبعد ذلك قطع العمل الجمعوي مجموعة من المراحل التي طبعت كل واحدة منها بظروف خاصة،في مدتها الزمنية كما في المستجدات التي عرفتها.

وهي عموما مراحل ارتبطت بشكل وثيق بمختلف التعديلات التي همت النص التشريعي المنظم للجمعيات،والذي عرف شدا وجذبا بين الدولة والمجتمع المدني والسياسي من جهة أخرى؛لارتباطه أساسا بمعركة الحريات العامة بالبلد.

أما من حيث مظاهر تطور العمل الجمعوي بالمغرب،فيمكن تلمسها على مستويين: كمي/عددي،وكيفي مجالي.

فقد عرف عدد الجمعيات المؤسسة بالمغرب تناميا ملحوظا،حيث تم تسجيل إقبال متزايد على هذه الآلية التنظيمية المدنية مع توالي السنوات،كما أننا إذا عدنا إلى خريطة توزيع الجمعيات ترابيا؛سنجد أنها لم تعد تقتصر على المركز ومحوره النافع،بل عرفت انفتاحا وامتدادا جغرافيا شمل كل الجهات بالمغرب؛مدنا وقرى،محليا وجهويا ووطنيا،بل وحتى من حيث طبيعة الأنشطة والأهداف التي تروم تلك الجمعيات مزاولتها وتحقيقها.

حيث تنوعت اهتماماتها وانفتحت على مجالات كانت من صميم اختصاصات الدولة الراعية آنذاك؛كالتربية والتنمية والإعاقة والمرأة والفئات المسنة...وهي اهتمامات جاءت جوابا على حاجة مجتمعية ملحة وقائمة بقوة في الواقع.

غير أن التناول السوسيولوجي للتنظيمات الجمعوية لم يواكب تطورها،حين بقي سجين تراث نظري ومنهجي توطاليتاري ينتمي لتخصص علمي؛أسس نتائجه على بنيات مختلفة مبدءا وهدفا عن التنظيمات الجمعوية هو سوسيولوجيا التنظيمات،وهو ما أفقد تلك التحليلات بشأن الجمعيات متانتها العلمية؛بسبب نزوعها الإسقاطي القسري المفارق لواقع وحقيقة الموضوع المدروس.

 ما يزكي ويضفي الحجية والمشروعية العلمية والواقعية بضرورة القطع مع المقاربة الجارية للجمعيات؛ بذات التراكم النظري والمنهجي القائم في سوسيولوجيا التنظيمات،والتفكير في بناء نظري خاص بسوسيولوجيا الجمعيات.

 

* لائحة البيبليوغرافيا المعتمدة:

- باللغة العربية:

- محمد عابد الجابري:المغرب المعاصر:الخصوصية والهوية والحداثة والتنمية.المركز الثقافي العربي.ط1 الدار البيضاء.

- محمد الغيلاني:محنة المجتمع المدني مفارقات الوظيفة ورهانات الإستقلالية.ط.2005.دفاتر وجهة نظر العدد 6.

- باللغة الفرنسية:

- Maria-Angels Roque ;La société civile au maroc l’emérgence de nouveaux acteurs de développement ;Publisud /Sochepress 2004.Institut Européen de la Méditeranée.

- Mohammed Chekroun :Citoyennete et lien Social au Maroc;Ed ;flsh Rabat;2010.

- Ouard Abdemalek:Etat et recomposition de la Société Civile au Maroc;communication présenté lors du Colloque"Espace publics au Maghreb"CRASC-Oran 15-16 et 17 Mars2011.



[1]- محمد عابد الجابري:المغرب المعاصر:الخصوصية والهوية والحداثة والتنمية.المركز الثقافي العربي.ط1 الدار البيضاء.ص155.

[2]- أحيل هنا على محاولة توفيق بوعشرين في مجلة وجهة نظر.العدد 7.سنة 2000.ص3و4.

[3]- Maria-Angels Roque ;La société civile au maroc l’emérgence de nouveaux acteurs de développement ;Publisud /Sochepress 2004.Institut Européen de la Méditeranée p 273

[4]- Hamid Hassnaoui Article Cité par Maria-Angels opt.cite p284-285

 

 

 

[5]- للمزيد في هذا الصدد ينظر:محمد الغيلاني:محنة المجتمع المدني مفارقات الوظيفة ورهانات الإستقلالية.ط.2005.دفاتر وجهة نظر العدد 6.

- للإطلاع على المزيد وفهم آليات دولة المخزن-الوطنية للإدماج الإجتماعي.ينظر:

[6]- Mohammed Chekroun :Citoyenneté et lien Social au Maroc;Ed ;flsh Rabat;2010.notamment le 1er chapitre.

 

[7]- الجمعيات بحكم الواقع هي التي لم يتم الترخيص القانوني لها لكنها توجد واقعيا؛كجمعيات المعطلين حاملي الشهادات عموما؛وتعتبر غير قانونية،بينما نجد مثلا ان هذا النوع من الجمعيات يعني لدى المشرع الفرنسي الجمعيات الموجودة والنشيطة واقعيا،لكنها لم تحترم فقط الإجراءات المسطرية للتأسيس؛مما يحرمها من مجموعة من الحقوق المتعلقة بالدعم العمومي والتشغيل...وإن كان أعضاؤها يمارسون أنشطتهم فيها ويمكن أن يمتلكوا مقرا ويحصلوا اشتراكات المنخرطين...

[8]- المصادق عليه من طرف المغرب والمنشورة في الجريدة الرسمية بموجب الظهير الشريف رقم1.79.186 .

[9]- المصادق عليه من طرف المغرب والمنشورة في الجريدة الرسمية عدد4866 ل 18 يناير 2001؛ بموجب الظهير الشريف رقم1.93.361 الصادر في 26 دجنبر 2000

[10]- اعتمدت الجمعية العامة هذه الإتفاقية؛وعرضتها للتوقيع والتصديق بتاريخ 21دجنبر1965نوبدا العمل بها في يناير1969.وقد صادق عليها المغرب.

[11]- الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر الصادرة بتاريخ 30 يوليوز 2011 ص 3600.

[12]- الظهير الشريف رقم1.58.376 يضبط بموجبه حق تأسيس الجمعيات،الصادر في 15 نونبر 1958 والمنشور في الجريدة الرسمية عدد 2404 مكرر بتاريخ 27 نونبر1958 ص2849،والمغير والمتمم بمجموعة من الظهائر والمراسيم بمثابة قانون آخرها قانون75.00

[13]- البحث الوطني حول المؤسسات غير الهادفة للربح الذي أنجز سنة 2007 من طرف المندوبية السامية للتخطيط وهم عينة مكونة من 7274(5542 عينة أساسيةو1732 عينة احتياطية)

[14]-Mohammed Chekroun; Citoyenneté et lien Social au Maroc;op cite.ps :101.102.103.

 

[15]-Ouard Abdemalek:Etat et recomposition de la Société Civile au Maroc;communication présenté lors du Colloque"Espace publics au Maghreb"CRASC-Oran 15-16 et 17 Mars2011.P1

[16]- علما أن الزمن التشريعي في هذا الباب يعود إلى أول ظهير خاص بالجمعيات في عهد الحماية 1914 والذي عرف مجموعة من التعديلات سنوات 1922و1933و1943و1948 استندت على قانون الجمعيات الفرنسي ل 1 يوليوز 1901.

بقلم ذ طيب العياد
باحث مختص في سوسيولوجيا الجمعيات والتنمية المحلية مختبر الدكتوراه:الإنسان والمجال المتوسطي جامعة محمد الخامس الرباط-المغرب
 


أعلى الصفحة