//

 
القانون العام

بقلم ذ عبد المنعم نعيمي
1أستاذ محاضر ب كلية الحقوق - جامعة الجزائر
تحت عدد: 287
أخيرا حظي التعليم العالي في الجزائر

بالتفاتة المؤسس الدستوري؛ حيث استفاد هذا القطاع الحيوي من دسترة بعض تطلعات الأسرة الجامعية ضمن وثيقة المشروع التمهيدي لمراجعة الدستور، الذي عَرض أهم تعديلاته وزير الدولة، مدير ديوان رئيس الجمهورية أحمد أويحيى في ندوة عقدها بإقامة الميثاق يوم الثلاثاء الموافق للخامس من شهر جانفي الجاري.

وبتاريخ الإثنين الحادي عشر من نفس الشهر، انعقد مجلس الوزراء تحت رئاسة رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة لمناقشة وثيقة المشروع التمهيدي لمراجعة الدستور الجزائري، حيث صادق المجلس على هذا المشروع التمهيدي وأبقى عليه دون تغييرات، وأُحيل على المجلس الدستوري للنظر فيه.

هذا وأمر رئيس الجمهورية الحكومة بتحضير القوانين المنبثقة عن التعديل الدستوري، وتوفير الشروط اللازمة لاستحداث قوانين الهيئات المستحدثة، بما فيها تلك المتعلقة بالتعليم العالي كما سأشير لاحقا، في انتظار أن تتكلّل هذه التعديلات إما بالتأييد الشعبي عن طريق عرض المشروع على استفتاء الشعب الجزائري وهذا مستبعدٌ، أو أن يُعرض على البرلمان للمصادقة عليه وهو الأقرب إلى التجسيد بالنظر إلى المعطيات السياسية والتحديات الراهنة التي تمرّ بها الدولة الجزائرية إنْ على الصعيد الإقليمي والعالمي وتداعياته وتأثيراته على الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي المحلي.  

   أيضا هذا الاتجاه هو الأقرب إلى التجسيد استنادا إلى نص المادة 176 من الدستور الحالي (1996): "إذا ارتأى المجلس الدّستوري أن مشروع أيّ تعديل دستوريّ لا يمسّ البتّة المبادئ العامة التي تحكم المجتمع الجزائري، وحقوق الإنسان والمواطن وحرياتهما، ولا يمسّ بأيّ كيفية التوازنات الأساسية للسّلطات والمؤسسات الدّستوريّة، وعلّل رأيه، أمكن رئيس الجمهورية أن يصدر القانون الذي يتضمّن التّعديل الدّستوري مباشرة دون أن يعرضه على الاستفتاء الشعبي، متى أحرز ثلاثة أرباع (3/4) أصوات أعضاء غرفتي البرلمان".

بل هذا ما ألمح إليه وزير الدولة ومدير ديوان رئيس الجمهورية أحمد أويحيى، مستدلا بأحكام الدستور الخاصة بالتعديل الدستوري وتحديدا نص المادة 176 المذكورة أعلاه. 

ضمان الحريات الأكاديمية وحرية البحث العلمي:

أضاف مشروع قانون تعديل الدستور إلى المادة 38 الفقرتين الرابعة والخامسة وجاءت عبارة نصهما على التوالي: "- الحريات الأكاديمية وحرية البحث العلمي مضمونة وتمارس في إطار القانون.

 - تعمل الدولة على ترقية البحث العلمي وتثمينه خدمة للتنمية المستدامة للأمة".

بالنسبة إلى الحرية الأكاديمية والتي تعني اختصارا – كما أراها شخصيا -: أن تُحرّر الجامعة من أشكال التأثير الذي يمسّ برسالتها الأكاديمية ومصداقيتها التعليمية، ويُكبّلها عن ممارسة وظائفها ونشاطاتها في تقصي الحقائق العلمية وعرضها كما هي بكل موضوعية وأمانة، واقتراح الحلول المناسبة للقضايا المجتمعية التي تهمّ المجتمع على جميع المستويات الحيوية الاجتماعية والاقتصادية والعلمية...، ولها مظاهر ومؤشرات عديدة منها على سبيل المثال: وضعية البحث العلمي؛ لهذا استخدم المؤسس الدستوري عبارة: "الحريات الأكاديمية" بدلا من "الحرية الأكاديمية"، وقرن بينها وبين البحث العلمي.

إن الحرية الأكاديمية باتت مطلبا ضروريا وهدفا مرحليا تسعى الجامعات المعاصرة اليوم من خلالها إلى تحقيق أهدافها التعليمية والأكاديمية الإستراتيجية على المدى البعيد. وأمام التحديات الراهنة التي تواجهها الجامعة الجزائرية على غرار غيرها من الجامعات؛ فهي معنية أيضا بمواكبة المستجدات الحديثة وتجاوز تحدياتها الكؤود بكل نجاح، من خلال تعزيز ممارسة الحرية الأكاديمية في إطار مشاريع البحث العلمي الجاد والموضوعي والحرّ؛ خاصة وأن جامعاتنا - للأسف - فقدت نسبيا مكانتها الإقليمية على المستويين العربي والإفريقي فضلا عن المستوى العالمي، بدليل تذيّلها ترتيب الجامعات بحسب عديد التقارير ذات الصلة، رغم مساعيها المبذولة من أجل تحسين وتجويد أدائها البداغوجي (البحثي تحديدا).

الحرية الأكاديمية في ميثاق الأخلاقيات والآداب الجامعية:

  عدّ هذا الميثاق الصادر عام 2010 الحرية الأكاديمية المبدأ الثاني من المبادئ الأساسية لميثاق الأخلاقيات والآداب الجامعية بالقول: "لا يمكن تصور نشاطات التعليم والبحث في الجامعة بدون الحرية الأكاديمية التي تعتبر الركن الأساسي لهذه النشاطات. فهي تضمن كنف احترام الغير والتحلي بالضمير المهني، التعبير عن الآراء النقدية بدون رقابة وإكراه".

واضح أن الأسرة الجامعية في الجزائر كانت واعية بأهمية تكريس وتجسيد الحرية الأكاديمية مع ضرورة تثمينها وتعزيزها؛ من منطلق أنها مرتكز مهم لخلق المناخ المناسب الذي تحظى في كنفه الجامعة بممارسة نشاطاتها والاضطلاع بوظائفها بكل أريحية، وتعبر عن آرائها إزاء أوضاع البلد، وتتعرض إلى احتياجات المجتمع وتسعى إلى تجسيد آماله في تلبية احتياجاته وإيجاد الحلول المناسبة لمشكلاته دون تضييق.

ومن الغريب أن ننتظر قرابة ستة عشر عاما (2010 - 2016) حتى يتبنى المؤسس الدستوري مقترح الحرية الأكاديمية التي تختصر تطلعات الجامعة الجزائرية فيما يضمن لها الحرية في إطار النشاط الجامعي الأكاديمي.

حتى أكون موضوعيا، لا قيمة للحرية الأكاديمية بمعزل عن إغفال ما يطرحه البحث العلمي من إشكالات أفقدته قيمته العلمية، وجعلته رهين سياسات عرجاء ماضية فرّخت وضعا مأساويا رغم التحسينات المبذولة من الدوائر الوصية المعينة وتطميناتها ووعودها. يعني من المؤسف أن يًصبح البحث العلمي مرتعا خصبا لإثارة مطالب – وإن كانت مشروعة – يلوكها الإعلام والتعليقات الساخرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.  

للأسف البحث العلمي اليوم أصبح مجرد مطيّة لتحصيل الشهادة الجامعية والترقية في الرتبة الوظيفية، وأُفرغ من مضامينه العلمية، ولم يتجاوز بعد العقبات التقليدية التي كانت تعترض تجسيده قبل عصر العولمة الإعلامية والاتصالية. أطرح هذا المشهد المعلوم من الواقع بالضرورة دون تعميم، ودون محاولة اختزال مشاكل البحث العلمي في الجزائر في مثل هذا المشهد المؤلم، لكنه الواقع الذي يتكلم.

الحرية الأكاديمية ورهانات التقسيم (الاستقلالية)

يعني هل يمكن أن تتعزّز الحرية الأكاديمية بإعادة هيكلة المؤسسات الجامعية المؤهلة ماديا وبشريا وهيكليا من خلال تقسيمها، وتجسيد استقلاليتها في التسيير الإداري والمالي على غرار ما شهده عدد من جامعاتنا الوطنية ؟.

سؤال مهم يطرح إشكالية: علاقة الحرية الأكاديمية (بما فيها حرية البحث العلمي)  بأهداف سياسة التقسيم التي انتهجتها منذ سنوات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر، بخصوص الجامعات الجزائرية التي تملك الإمكانات المادية والبشرية لتستقل ماليا وإداريا.  

يرى بعض الدارسين أنه من الضروري عدم الخلط بين الحرية الأكاديمية في الجامعة والاستقلالية المادية والشكلية للجامعة، فالحرية الأكاديمية – كما تقدم - تهدف إلى تحرير الجامعة من أشكال التوجيه والتأثير والتضييق التي تفضي إلى خلق نوع من الوصاية السلبية – إن صح التعبير والتقدير - سواء من الدوائر الرسمية ذات الصلة بقطاع التعليم العالي وشركائه، أو من جهات أخرى رسمية أو غير رسمية بعيدة كل البعد عن انشغالات القطاع والأسرة الجامعية، أما استقلالية الجامعة فإنها لا تتجاوز الاستقلالية المادية والشكلية كآلية التي تتيح للجامعة ممارسة نشاطاتها، وتسمح بتعزيز الحرية الأكاديمية.

وعودٌ على إعادة هيكلة جامعاتنا عن طريق تقسيمها إلى عدة مؤسسات (اثنتين فما فوق)؛ فإنه يحمل عدة دلالات تكشف عن رغبة الدولة في مسايرة الاتجاه المعمول به في بعض الدول كفرنسا مثلا، والذي أثبت نجاحه ونجاعته في خلق مناخ مناسب للبحث العلمي خال من أيّة عراقيل وعقبات، يسمح بتعزيز الحرية الأكاديمية.

أيضا لا يخفى أن تقسيم الجامعة الواحدة إلى جامعتين أو أكثر (َ1، 2...)، مستقلة كل منها عن الأخرى ماليا وإداريا، وتخضع جميعها لجهة وزارية وصية واحدة؛ يمنحها مزيدا من الحرية الأكاديمية في التعبير عن إرادتها في اقتراح الخطط والبرامج والمشاريع البحثية وإبرام العقود والاتفاقيات الأكاديمية التي تناسبها للنهوض بالبحث العلمي وتحسين أدائها البداغوجي والتعليمي والأكاديمي.

بطبيعة الحال هذا لا يعني أنها لم تكن كذلك قبل التقسيم لكن مع الفارق، هذا فضلا على أن التقسيم يُخفف من عبء التسيير عن الجامعة الواحدة التي تضطلع في العادة بالرقابة والإشراف والمتابعة على عدد معتبر من الكليات والمعاهد، لكن بعد التقسيم وتكريس الاستقلالية يتم إلحاق بعضها بجامعة مستقلة طبقا للمرسوم التنفيذي الذي يتضمن ذلك.

إن تقسيم الجامعة وإعادة هيكلتها ومنحها هامشا كافيا من الاستقلالية في التسيير المالي والإداري؛ يُعزز من جودة أدائها ويرتقي بمستواها التعليمي؛ ما يعني أن تعزيز معايير الجودة في البحث العلمي مظهر آخر من مظاهر الحرية الأكاديمية، ومؤشر آخر على وضع التعليم العالي في أيّة دولة على غرار الجزائر.

الدولة ضامنة لتكريس الحرية الأكاديمية:  

هو ما صرحت به المادة 38 المعدّلة في فقرتها الخامسة المستحدثة بالقول: "تعمل الدولة على ترقية البحث العلمي وتثمينه خدمة للتنمية المستدامة للأمة".

إن الدولة واعية بوضعية التعليم العالي في الجزائر واحتياجاته وتطلعاته ومطالبه التي لا يزال بعضها ينتظر التجسيد، وهي في هذا الإطار تبذل مساعي جادة للارتقاء بالبحث العلمي الذي يُعدّ أحد أهم مظاهر ومكاسب الحرية الأكاديمية، وأحد أهم المؤشرات الدالة على حالها ووضعيتها.

إن تدخل الدولة بإمكاناتها البشرية والحسية والمادية والتكنولوجية من أجل ترقية البحث العلمي وتثمين نتائجه ميدانيا؛ إنما يكون بتقريب الجامعة من المجتمع، وربطها بسوق العمل وتزويده باليد العاملة المؤهلة والمتخصصة، وما تتطلبه مشاريع التنمية المستدامة التي صارت سياسة أممية وعالمية، وأيضا بالحرص على تمكين الهيئة التدريسية من كافة الوسائل الضرورية التي تسمح للأستاذ والطالب من التفاعل الإيجابي مع العملية التعليمية وتحقيق أهدافها الأكاديمية المسطرة بنجاح.

قطاع التعليم العالي يتدعم بهيئة استشارية:

تدعم قطاع التعليم العالي بهيئة استشارية استحدثتها نص 173 – 9 من مشروع قانون تعديل الدستور بالقول: "يحدث مجلس وطني للبحث العلمي والتكنولوجيا، يدعى في صلب النص ''المجلس''.

هذا المجلس الذي يعتبره مشروع الدستور المقبل إحدى المؤسسات الاستشارية المستحدثة إلى جانب كل من المجلس الوطني لحقوق الإنسان، المجلس الأعلى للشباب، الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته، المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي.

يعكس استحداث هذا المجلس اتجاه الدولة الجزائرية نحو دعم البحث العلمي في المجال التكنولوجي، وقناعتها الراسخة بضرورة لحاق الجامعة الجزائرية بركب التقنية والتكنولوجيا التي صارت عاملا حاسما في صناعة الفارق بين المؤسسات الجامعية على مستوى دول العالم بل بين دول العالم نفسها، والذي أفضى إلى تذيلنا المراتب الأخيرة.

وعن مهام المجلس تقول المادة 173 – 10: "يتولى المجلس على الخصوص المهام الآتية:

- ترقية البحث الوطني في مجال الابتكار التكنولوجي والعلمي،

- اقتراح التدابير الكفيلة بتنمية القدرات الوطنية في مجال البحث والتطوير،

 - تقييم فعالية الأجهزة الوطنية المتخصصة في تثمين نتائج البحث لفائدة الاقتصاد الوطني في إطار التنمية المستدامة.

ترأس المجلس كفاءة وطنية معترف بها، يعينها رئيس الجمهورية.

يحدد القانون المهام الأخرى للمجلس وتنظيمه وتشكيلته".

واضح أن الترقية والاقتراح والتقييم لا تعد أن تكون إلا مهاما استشارية يضطلع بها المجلس ويرسم من خلالها الوضع العام للبحث العلمي في الجزائر، لكن لا ينبغي أن يُفهم أن هذه الوظيفة الاستشارية هينة وبسيطة لأنها تقتصر على رفع تقارير وتقديم مقترحات دون أن يكون للمجلس دور عملي وميداني يسهم في تحسين وضعية البحث العلمي سيما في المجال التكنولوجي.

إن المجلس الوطني للبحث العلمي والتكنولوجيا يضطلع بدورٍ هامٍ في تحسين مستوى البحث العلمي وتشجيع الابتكار، وتقديم مقترحات بخصوص ما يراه مناسبا وضروريا من التدابير التي تضمن تنمية القدرات الوطنية في مجال البحث العلمي وتطويره، تحديدا في مجال التكنولوجيا التي صارت تعتمد عليها الدول في بناء اقتصاديات قوية لا تهزّها الأزمات خاصة مع وجود هيئات استشارية تعتمد عليها في ذلك، وتقدم حلولا فعالة وإن لم تكن ملزمة إلا أن حكومات الدول الذكية تستنير بها في رسم سياسة بحثية علمية إستراتيجية ورشيدة.

طالما كان غياب رؤية واضحة المعالم من أجل تثمين نتائج البحث العلمي وتفعيل مضامينها ميدانيا في الجزائر؛ يُعدّ أحد أهم مشكلات البحث العلمي الذي ظلّ حبيس صفحاته، إضافة إلى تغييب روح الابتكار مع وجود مجالاته وميادينه ومؤهلاته، لكن اليوم من خلال المجلس الوطني للبحث العلمي والتكنولوجيا، على الجامعة وهيئات البحث العلمي أن تستغل وجوده، وتتعاون معه بخصوص مشكلاتها وانشغالاتها المتصلة بالبحث العلمي.

هذا وفي انتظار ما سيسفر عنه القانون المنظم للمهام الأخرى للمجلس الوطني للبحث العلمي والتكنولوجيا الذي يحدد أيضا تشكيلته وتنظيمه، والذي ستعكف الحكومة على إعداده تنفيذا لتعليمات رئيس الجمهورية؛ أرى من الضروري النص على ضمانات تكفل استقلاليته وتمنحه المناخ الملائم لممارسة وظائفه المتصلة بالبحث العلمي، والتي تكرس للحرية الأكاديمية المأمولة.

ويبقى التساؤل الهام: هل سيحظى البحث العلمي في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية بحظه من خدمات المجلس الوطني للبحث العلمي والتكنولوجيا، خاصة وأن الفعل الديني والاجتماعي والاقتصادي والحقوقي والسياسي والثقافي...هو الآخر في حاجة إلى تثمين ما يتصل به من بحوث ؟

فقط نتمنى ألا يكون اهتمام الدولة منحصرا في اتجاه واحد فقط (بحوث التكنولوجيا) على حساب اتجاه آخر مهم أيضا (البحوث الإنسانية والاجتماعية)، خاصة وأنه لا يمكننا في هذا السياق نسيان تصريحات مبتذلة لبعض مسؤولينا السامين (...) راعنا سماعها ؟!

ونحن على أية حال نترقب ما سيُسفر عليه قابل الأيام من جديد.

 

 

بقلم ذ عبد المنعم نعيمي
1أستاذ محاضر ب كلية الحقوق - جامعة الجزائر
 


أعلى الصفحة